فهرس الكتاب

 

الفصل الثاني :

هجرة الحبشة

 

لابد من حل :

لقد استمرت قريش في تعذيب من يدخل في دين الإسلام ممن لم يكن لهم عشيرة تمنعهم . وكان الإستمرار في هذا الوضع غير ممكن . فقد كان وأصبح لا بد لهؤلاء المعذبين من العثور على موضع أمل لهم ، يساعدهم على تحمل المشاق ، ومواجهة الصعاب ، ويجعلهم أقدر على مقاومة الضغوط التي يتعرضون لها من قبل من رفضوا أن يعترفوا بألوهية وحاكمية فوق ألوهيتهم وحاكميتهم ، وآثروا الإستكبار والعناد على الرضوخ والإنقياد .

ومن جهة ثانية : فإن استمرار هذا الوضع الذي يواجهه المسلمون ، المليء بالآلام والمشاق ، لسوف يقلل من إقبال الناس على الدخول في الإسلام ، ما دام أن هذا الدخول لا حصاد له سوى الرعب ، والتعذيب والمصائب .

فكان أن اختار رسول لله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين الهجرة إلى الحبشة . وكانت هجرتهم إليها في السنة الخامسة من البعثة .

 

سر اختيار الحبشة :

وأما عن سر اختيار رسول الله صلى عليه وآله الحبشة مهاجراً للمسلمين ، فقد أشار إليه صلى الله عليه وآله بقوله : (إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ) و(إنه يحسن الجوار ) .

وقد كان من الواضح أنه :

1- كان لا بُدَّ لقريش ، من أن تبذل محاولاتها لاسترجاع المسلمين ، لتبقى هي المهيمنة ، وصاحبة الاختيار الأول والأخير في مصير هذا الدين ، الذي تراه يتهدد كبرياءها وشركها ، وانحرافها .

2- لقد كان لقريش نفوذ في بلاد الروم والشام ، لما كان لها من علاقات تجارية واقتصادية معها ، فالهجرة إلى هذه البلاد إذن سوف تسهل على قريش استرجاع المهاجرين ، أو على الأقل إلحاق الأذى بهم . ولا سيما إذا كان ملوك تلك البلاد لا يلتزمون بأي من الأصول الأخلاقية والإنسانية ، ولم يكن لديهم مانع من ممارسة أي نوع من أنواع الظلم والجور ، وعلى الأخص بالنسبة لمن ينتسب إلى دعوة يرون أنها تضر بمصالحهم الشخصية ، وتهدد كيانهم وجبروتهم .

وأما بلاد اليمن ، وبعض المناطق العربية والقبلية الأخرى فقد كانت تحت نفوذ النظام الفارسي ، المتجبر والظالم . ويذكر هنا : إن بعض القبائل عندما عرض عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته وطلب منها حمايتها له ، قبلت بذلك ، ولكن مما دون كسرى ، وأما من كسرى ،فلا .

وواضح : أن الالتجاء إلى كسرى لا يقل خطراً عن الالتجاء إلى بلاد الروم ، خصوصاً إذا رأى : إن هذا العربي – وهو بطبعة كان يحتقر العرب ، ولا يرى لهم حرمة ، ولا شأناً يذكر –لسوف يخرج في منطقة قريبة من بلاده ، وقد تسري دعوته إلى بلاده نفسها ، ويؤثر ذلك على الإمتيازات الظالمة التي يجعلها لنفسه ، كما يظهر من دراسة طبيعة دعوة ذلك النبي ، وأهدافها .

3- قد كان لقريش نفوذ قوي في مختلف القبائل العربية ، حتى ما كان منها تحت نفوذ الفرس والروم . كما ربما يتضح مما ذكرناه في أوائل هذا الكتاب ، فلا نعيد .

4- ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن بها ملكاً يظلم عنده أحد :

 

فإن كل ذلك :

يجعلنا نضع أيدينا على السر الحقيقي لاختيار بلاد الحبشة ، البعيدة عن النفوذ الفارسي والرومي والقريشي ، والتي لا يمكن لقريش أن تصل إليها على ظهر جواد أو راحلة ، وإنما بالسفن عبر البحار . ولم تكن قريش تعرف حرب السفن ، فاختار الرسول (صلى الله عليه وآله ) هذه البلاد بالذات لتكون أرضاً لهجرة المسلمين ، الذين لا يزالون ضعافاً أمام قوة قريش وجبروتها .

ثم إننا نستفيد من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ارض الحبشة : إنها أرض صدق : أنه قد كان فيها شعب يعيش على الفطرة ، ويتعامل بالصدق والصفاء ، فيمكن لهؤلاء الثلة من المسلمين المهاجرين أن يعيشوا مع هؤلاء الناس ، وأن يتعاملوا معهم ، لا سيما وأنها بلاد لم يكن فيها من الانحرافات والأفكار والشبهات ما كان في بلاد الروم والفرس ، التي كانت قد لوثتها المفاهيم والنظريات اللاإنسانية ، والأديان المنحرفة إلى حد بعيد ، ولم تتعرض بلاد الحبشة لمثل ذلك ، فلم تنشأ فيها أديان ، ولا كان فيها علماء وفلاسفة بالمستوى الذي كان في دولتي الروم والفرس فكانت اقرب إلى الفطرة ، والحق من غيرها .

ولكن هيمنة الفطرة على بلاد الحبشة ليس معناه خلو تلك البلاد عن أي انحراف ، فان وجود الإنحراف فيها أمر طبيعي ، بل إن ذلك على حد قولهم : أهل البد الفلاني مؤمنون ، أو شجعان ، أو كرماء ، فإن ذلك لا يمنع وجود البخيل والكافر أو الفاسق والجبان فيها .

ومن الواضح : أن المسلمين لو هاجروا إلى بلاد لا تهيمن عليها الفطرة ، وكان لها ملك لا يأبى عن الظلم فلسوف تصعب عليهم الحياة والاستمرار فيها ، ولم يكن لهجرتهم من بلادهم كبير فائدة ، ولا جليل أثر .

 

الهجرة إلى الحبشة :

وهاجر المسلمون بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحبشة ، ذهبوا إليها إرسالاً على حسب رواية أم سلمة(1) ، ويقال : إنه سافر أولاً عشرة رجال وأربع نساء عليهم عثمان بن مظعون (2)، ثم خرج آخرون حتى تكاملوا في الحبشة اثنين أو ثلاثاً وثمانين رجلاً ، إن قلنا إن عمار بن ياسر كان معهم . وتسعة عشر امرأة عدا الأطفال .