رجوع

 

 

 

 

 

فيما يتعلّق بالصّحيحين البخاري ومسلم

محمد التيجاني السماوي

لما لهذين الكتابين من أهمّية بالغة لدى أهل السنّة والجماعة حتّى أصبحا عند عامّة المسلمين المرجعين الأساسيّين والمصدرين الأوّلين في كلّ المباحث الدينية وأصبح من العسير على بعض الباحثين أن يصرّحوا بما يجدوه من تهافت وتناقض ومنكراتٍ فيتقبّلونها على مضض ولا يكاشفون بها قومهم خشيةً منهم أو خشيته عليهم. لما في نفوسهم من احترام وتقديس لهذين الكتابين، والحقيقة أنّ البخاري ومسلم ما كان يوماً يحلمان بما سيصل إليه شأنهما عند علماء النّاس وعامّتهم.

ونحن إذا قدمنا على نقدهما وتخريج بعض المطاعن عليهم اليس ذلك إلا لتنزيه نبيّنا (صلى الله عليه وآله) وعدم الخدش في عصمته. وإذا كان بعض الصّحابة لم يسلم من هذا النقد والتجريح للغرض نفسه، فما البخاري ومسلم بأفضل من أولئك المقرّبين لصاحب الرسالة.

وما دمنا نهدف إلى تنزيه النّبي العربي (صلى الله عليه وآله) ونحاول جهدنا إثبات العصمة له وأنّه أعلم وأتقى البشر على الإطلاق ونعتقد أن الله سبحانه وتعالى اصطفاه ليكون رحمة للعالمين وأرسله للنّاس كافة من الإنس والجنّ، فلا شك أنّ الله يطالبنا بتنزيه وتقديسه وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكلّ المسلمين مطالبون بطرح كلّ ما يتعارض والخلق العظيم الذي اختصّ به، وطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد، فالصّحابة والتّابعين والأئمة والمحدّثين وكلّ المسلمين وحتى النّاس أجمعين مدينون لفضله ومزيّته، فالمنتقدون والمعارضون والمتعصّبون سوف تثور ثائرتهم كالعادة على كل ما هو جديد عليهم، ولكن رضا الله سبحانه هو الغاية ورضا رسوله (صلى الله عليه وآله) هو الأمل، وهو الذخر والكنز والرّصيد يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولنا مع كل ذلك رضا وتعزيّة المؤمنين الصادقين الذين عرفوا قدر الله وقدر رسوله (صلى الله عليه وآله) قبل أن يعرفوا قدر الحكّام والخلفاء والسّلاطين.

أذكر أنّي لقيت معارضة شديدة حتّى اتهمت بالكفر والخروج عن الدّين عندما انتقدت البخاري في تخريجه حديث لطم موسى لملك الموت وفقأ عينه، وقيل لي: من أنت حتى تنتقد البخاري؟ وأثاروا حولي ضجّة وضوضاء وكأني انتقدت آية من كتاب الله.

والحال أنّ الباحث إذا ما تحرّر من قيود التقليد الأعمى والتعصّب المقيت سوف يجد في البخاري ومسلم أشياء عجيبة وغريبة تعكس بالضّبط عقليّة العربي البدوي الذي ما زال فكره جامداً يؤمن ببعض الخرافات والأساطير، ويميل فكره إلى كل ما هو غريب، وليس هذا بعيب ولا نتّهمه بالتخلّف الذهني فليس عصره البدائي هو عصر الأقمار الصّناعية ولا التلفزيون والهاتف والصاروخ.

وإنّما لا نريد أن يلصق ذلك بصاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) لأنّ الفرق كبير والبون شاسع، فهو الذي بعثه الله في الأميّين يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وبما أنه خاتم الأنبياء والمرسلين فقد علمه الله علم الأولين والآخرين.

كما نلفت القارئ الكريم بأنّ ليس كل ما في البخاري هو منسوب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد يخرج البخاري حديثاً للنّبي (صلى الله عليه وآله) ثم يعقب عليه بآراء بعض الصّحابة فيصبح القارئ يعتقد بأنّ ذلك الرأي أو الحديث هو لرسول الله في حين أنّه ليس له.

أضرب لذلك مثلاً:

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحيل باب في النكاح من جزء الثامن صفحة 62 قال:

* عن أبي هريرة عن النّبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثّيب حتى تستأمر. فقيل: يا رسول الله كيف إذنها؟ قال: إذا سكتت، وقال بعض النّاس إن لم تستأذن البكر ولم تزوج فاحتال رجلٌ فأقام شاهدي زور أنه تزوجها برضاها فأثبت القاضي نكاحها والزوج يعلم أن الشهادة باطلة فلا بأس أن يطأها وهو تزويج صحيح، فانظر إلى قول البخاري (بعد حديث النبي (صلى الله عليه وآله)) وقال بعض النّاس! فلماذا يصبح قول بعض النّاس (وهم مجهولون) بأنّ النكاح بشهادة الزور هو نكاح صحيح، فيتوهّم القارئ بأنّ ذلك هو رأي الرّسول، وهو غير صحيح.

مثال آخر ـ أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب مناقب المهاجرين وفضلهم من جزئه الرابع صفحة 203 عن عبد الله بن عمر قال: كنّا في زمن النّبي (صلى الله عليه وآله) لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) لا نفاضل بينهم.

إنّه رأي عبد الله بن عمر ولا يلزم به إلا نفسه، وإلا كيف يصبح علي بن أبي طالب وهو أفضل النّاس بعد رسول الله، لا فضل له ويعده عبد الله بن عمر من سوقة النّاس.

ولذلك تجد عبد الله بن عمر يمتنع عن بيعة أمير المؤمنين ومولاهم، فمن لم يكن عليّ وليه فليس بمؤمن (1) والذي قال النّبي في حقّه: عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي (2)، وبايع عدوّ الله ورسوله وعدوّ المؤمنين الحجّاج بن يوسف الفاسق الفاجر، ونحن لا نريد العودة إلى مثل هذه المواضيع، ولكن نريد فقط أن نظهر للقارئ نفسيات البخاري ومن كان على شاكلته فهو يخرج هذا الحديث في باب مناقب المهاجرين وكأنه يشعر من طرف خفيّ إلى القرّاء بأنّ هذا رأي الرسول (صلى الله عليه وآله) بينما هو رأي عبد الله بن عمر الذي ناصب العداء للإمام علي.

وسنبيّن للقارئ اللّبيب موقف البخاري في كل ما يتعلّق بعلي بن أبي طالب، وكيف أنّه يحاول جهده كتمان فضائله وإظهار المثالب له.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب حدّثنا الحميدي قال: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدّثنا جامع بن أبي راشدٍ حدثنا أبو يعلى عن محمّد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي النّاس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.

نعم هذا الحديث وضعوه على لسان محمد بن الحنفية وهو ابن الإمام علي بن أبي طالب، وهو كسابقه الذي روي عن لسان ابن عمر، والنتيجة في الأخير هي واحدة ولو خشي ابن الحنفية أن يقول أبوه: عثمان في الثالثة، ولكن ردّ أبيه «ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين» يفيد بأنّ عثمان أفضل منه لأنّه ليس هناك من أهل السنّة من يقول بأنّ عثمان ليس هو إلا رجلٌ من المسلمين بل يقولون كما تقدّم بأنّ أفضل الناس أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) لا نفاضل بينهم، والنّاس بعد ذلك سواسية.

ألا تعجبون من هذه الأحاديث التي خرجها البخاري وكلّها ترمي إلى هدف واحد وهو تجريد علي بن أبي طالب من كل فضيلة ألا يفهم من ذلك بأنّ البخاري كان يكتب كل ما يرضي بني أمية وبني العبّاس وكل الحكّام الذين قاموا على أنقاض أهل البيت. إنّها حجج دامغة لمن أراد الوقوف على الحقيقة.

البخاري ومسلم يذكران أي شيء لتفضيل أبي بكر وعمر

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب حدّثنا أبو اليمان من جزئه الرابع صفحة 149.

وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق.

عن أبي هريرة قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الصّبح ثم أقبل على النّاس فقال: «بينما رجلٌ يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا؛ إنّما خلقنا للحرث فقال الناس: سبحان الله! بقرة تتكلّم؟ فقال: «فإنّي أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثم. «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلبه حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: ها إنّك استنقذتها مني، فمن لها يوم السّبع، يوم لا راعي لها غيري؟» فقال النّاس، سبحان الله! ذئب يتكلم؟ قال: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثمّ.

وهذا الحديث ظاهر التكلّف وهو من الأحاديث الموضوعة في فضائل الخليفتين، وإلا لماذا يكذب النّاس وهم صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يقوله لهم حتّى يقول في المرّتين: أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ثم أنظر كيف يؤكّد الرّاوي على عدم وجود أبي بكر وعمر في المرّتين، إنها فضائل مضحكة ولا معنى لها، ولكنّ القوم كالغرقى يتشبثون بالحشيش، والوضّاعون عندما لم يجدوا مواقف أو أحداث هامة تذكر لهما، تتخيل أوهامهم مثل هذه الفضائل، فيجيء أغلبها أحلاماً وأوهاماً وتأوّلات. لا تقوم على دليل تاريخي أو منطقي أو علمي، كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) باب قول النبي (صلى الله عليه وآله) لو كنت متخذاً خليلاً.

ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

* عن عمرو بن العاص، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)، بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي النّاس أحب إليك؟ قال: عائشة فقلت: من الرّجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من، قال: عمر بن الخطاب فعدّ رجالاً.

وهذه الرّواية وضعها الوضّاعون لمّا عرفوا أنّ التاريخ سجّل في سنة ثمان من الهجرة (يعني سنتين قبل وفاته (صلى الله عليه وآله)) بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث جيشاً فيه أبو بكر وعمر بقيادة عمرو بن العاص إلى غزوة ذات السّلاسل، وحتى يقطعوا الطريق على من يريد القول بأنّ عمرو بن العاص كان مقدّماً في المنزلة على أبي بكر وعمر، تراهم اختلقوا هذه الرواية على لسان عمرو نفسه للإشادة بفضل أبي بكر وعمر وأقحموا عائشة حتّى يبعدوا الشكّ من ناحية وحتّى تحظى عائشة بأفضلية مطلقة من ناحية أخرى.

ولذلك ترى الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم يقول: «هذا تصريح بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم، وفيه دلالة بيّنة لأهل السنّة في تفضيل أبي بكر ثم عمر على جميع الصحابة».

وهذه كأمثالها من الروايات الهزيلة التي لم يتورّع الدجّالون لوضعها حتّى على لسان علي بن أبي طالب نفسه ليقطعوا بذلك على زعمهم حجة الشيعة الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الأصحاب من ناحية وليوهموا المسلمين بأن عليّاً لم يكن يتظلّم ولا يتشكّى من أبي بكر وعمر من ناحية أخرى، فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص.

ومسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر.

* عن علي، عن ابن عبّاس قال: وضع عمر على سريره، فتكنّفه الناس، يدعون ويصلّون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل أخذ منكبي، فإذا علي، فترحّم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحبّ إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أنّي كنت كثيراً ما أسمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.

نعم هذا وضع ظاهر يشم منه رائحة السّياسة التي لعبت دورها في إقصاء فاطمة الزهراء وعدم دفنها قرب أبيها رغم أنها أول اللاحقين به. وفات الرّاوي هنا أن يضيف بعد قوله ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وسأدفن أنا وأبو بكر وعمر.

ألا يتورع هؤلاء الذين يحتجّون بمثل هذه الروايات الموضوعة التي يكذبها التاريخ والواقع. وكتب المسلمين مشحونة بتظلّم علي وفاطمة الزهراء ممّا فعله أبو بكر وعمر طيلة حياتهما.

ثم تمعّن في الرواية لترى بأنّ الرّاوي يصوّر عليّاً وكأنّه رجلٌ أجنبي جاء ليتفرّج على ميّت غريب فوجد النّاس يكتظون عليه يدعون ويصلّون فأخذ بمنكب ابن عباس وكأنه همس في أذنه تلك الكلمات وانسحب، والمفروض أن يكون علي في مقدمة النّاس وهو الذي يصلّي بهم. ولا يفارق عمر حتى يواريه حفرته.

ولما كان النّاس في عهد بني أميّة يتسابقون في وضع الحديث بأمر من «أمير المؤمنين» معاوية الذي أراد أن يرفع قدر أبي بكر وعمر مقابل فضائل علي بن أبي طالب، فقد جاءت أحاديث الفضائل هزيلة مضحكة ومتناقضة في بعض الأحوال حسب هوى الرّاوي فمنهم التيمي الذي كان لا يقدّم على أبي بكر أحداً ومنهم العدوي الذي لا يقدّم على عمر أحداً، وبنو أمية الذين كانوا معجبين بشخصية ابن الخطاب الجريء على النّبي والفظ الغليظ الذي لا يتورّع من شيء ولا يهاب شيء فكانوا كثيراً ما يمدحونه ويضعون الأحاديث التي تفضّله على أبي بكر.

وإليك أيها القارىء بعض الأمثلة.

أخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصّحابة باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه.

وأخرج البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.

* عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بينما أنا نائم رأيت النّاس يعرضون علي، وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين.

وإذا كان تأويل النّبي (صلى الله عليه وآله) لهذه الرؤيا، هو الدّين فمعنى ذلك أن عمر بن الخطاب أفضل من كل النّاس لأنّ الدّين بالنسبة إليهم لم يبلغ إلى الثدي وما تجاوز الدّين قلوبهم، بينما عمر مليء بالدّين من رأسه إلى أخمص قدميه وأكثر من ذلك فهو يجرّ الدين وراءه جراً. كما يجرّ القميص. فأين أبو بكر الصديق الذي يرجح إيمانه إيمان الأمّة بأكملها؟

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب العلم باب فضل العلم. وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة باب فضائل عمر.

* عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتّى إنّي لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: العلم.

أقول فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وإذا كان ابن الخطاب قد فاق الأمة بأكملها أو النّاس بأجمعهم في الدّين بما فيهم أبو بكر، ففي هذه الرواية صراحة بأنّه فاقهم أيضاً في العلم فهو أعلم النّاس بعد الرّسول (صلى الله عليه وآله).

بقيت هناك فضيلة أخرى يتبارى النّاس في التحلّي بها والإنتماء إليها وهي من الصفات الحميدة التي يحبّها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ويحبّها جميع النّاس ويحاولون الوصول إليها ألا وهي الشجاعة فلا بدّ للرّواة أن يضعوا فيها حديثاً لفائدة أبي حفص وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب فضائل أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) باب قول النّبي (صلى الله عليه وآله) لو كنت متخذاً خليلاً.

وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصّحابة باب من فضائل عمر.

* عن أبي هريرة: قال: سمعت النّبي (صلى الله عليه وآله) يقول: بينما أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلوٌ، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً فأخذها ابن الخطّاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن.

فإذا كان الدّين وهو مركز الإيمان والإسلام والتقوى والتقرب إلى الله سبحانه قد حازه عمر بن الخطاب حتّى جرّه وراءه بينما النّاس لم يكن نصيبهم منه إلا ما يبلغ الثدي وبقيت أجسامهم عارية، وإذا كان العلم اختصّ به عمر بن الخطاب فلم يترك للنّاس شيئاً من فضل الرّسول (صلى الله عليه وآله) إذ أعطاه إليه فشربه كلّه ولم يفكّر حتّى في صاحبه أبي بكر الصّديق (وهو لا شك العلم الذي خوّل عمر أن يغيّر أحكام الله بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله)، باجتهاده ولا شك أنّ اجتهاده من فضل ذلك العلم) وإذا كانت القوة والشجاعة قد اختصّ بها ابن الخطاب أيضاً بعد الضعف الذي بدا على صاحبه أبي بكر وهذا صحيح، ألم يقل له أبو بكر مرة (لقد قلت لك أنك أقوى على هذا الأمر منّي ولكنّك غلبتني) فيغفر الله لأبي بكر لضعفه ولتقدّمه في الخلافة عليه، لأن أنصار عمر من بني عدي وبني أميّة ما رأوا رخاءً وانتفاعاً وغنائم وفتوحات مثل ما رأوه في زمانه.

نعم كل هذا فضل عمر بن الخطاب في الحياة الدنيا فلا بدّ أن يضمنوا له الجنة في الآخرة أيضا بمرتبة أكبر وأفضل من صاحبه أبي بكر. وقد فعلوا.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة وأنّها مخلوقة وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر.

* عن أبي هريرة: رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: «بينما أنا نائم»، رأيتني في الجنّة، فإذا امرأةٌ تتوضّأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فولّيت مدبراً، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟.

أخي القارئ اظنّك فطنت إلى تنسيق هذه الروايات المكذوبة وقد سطّرت على كل منها تحت عبارة واحدة مشتركة في كل الروايات التي

اختصّت بفضائل عمر بن الخطاب ألا وهي قول الرّسول (صلى الله عليه وآله) (وحاشاه طبعاً) بينما أنا نائم فتجدها دائماً في كل الرّوايات بينما أنا نائم رأيت النّاس يعرضون عليّ بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، بينما أنا نائم رأيتني على قليب وبينما أنا نائمٌ رأيتني في الجنة. ولعلّ راوي الحديث كان كثير الحلم والأضغاث فكان يتأوّل ويختلق الروايات على لسان النّبي (صلى الله عليه وآله)، فكم كذب عليه في حياته وهو موجود بين ظهرانيهم فكيف بعد وفاته وقد انحرفت الأمّة وتقاتلوا وأصبحوا مذاهب وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون. ولكن بقي شيء واحدٌ سجّله المؤرّخون والصّحابة الذين كانوا من أنصار عمر بن الخطاب نفسه ألا وهو الخلق الذي كان يمتاز به عمر في الغلظة والفظاظة والشدّة على الناس وحدّة الطبع، ومن كان هذا طبعه عادة لا يحبّه الناس قال تعالى: «ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك» [آل عمران: 159]. ولكنّ المعجبين بعمر يقلّبون الموازين ويجعلون من النقيصة منقبة ومن الرذيلة فضيلة، فقد عمدوا إلى اختلاق رواية في شدّة السخافة والبلاهة والمسّ بكرامة النّبي (صلى الله عليه وآله) الذي يشهد الله سبحانه بأنّه ليس فظّاً ولا غليظاً وإنما هو ليّن الطبع ـ فبما رحمة من الله لنت لهم ـ وإنّك لعلى خلق عظيم ـ بالمؤمنين رؤوف رحيم ـ ورحمة للعالمين ـ فلنستمع إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون فيه.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده وأخرج مسلم في صحيحه من كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر.

* عن سعد بن أبي وقّاص، قال: استأذن عمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده نساءٌ من قريش يكلّمنه، ويستكثرنه، عالية أصواتهنّ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله؟ قال: «عجبت من هؤلاء اللاّتي كن عندي فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحقّ أن يهبن، ثم قال: أي عديّات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قلن: نعم! أنت أفظُّ وأغلظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قطُّ سالكاً فجّأ إلا سلك فجّاً غير فجّك.

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذباً أنظر إلى فظاعة الرّواية وكيف أنّ النّساء يهبن عمر ولا يهبن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويرفعن أصواتهن فوق صوت النّبي (صلى الله عليه وآله) ولا يحترمنه فلا يحتجبن بحضرته وبمجرد سماع صوت عمر سكتن وابتدرن الحجاب، عجبت والله من أمر هؤلاء الحمقى الذين لا يكفيهم كل ذلك حتى ينسبون إليه أنّه فظٌّ غليظ بكل صراحة. لأنّ عمر أفظّ وأغلظ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهي من أفعال التفضيل فإن كانت هذه فضيلة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فعمر أفضل منه. وإن كانت رذيلة فكيف يقبل المسلمون وعلى رأسهم البخاري ومسلم مثل هذه الأحاديث.

ثم لم يكفهم كل ذلك حتّى جعلوا الشيطان يلعب ويمرح بحضرة النّبي (صلى الله عليه وآله) ولا يخافه فلا شك أنّ الشيطان هو الذي استفزّ النسوة حتى يرفعن أصواتهنّ ويخلعن حجابهنّ، ولكنّ الشيطان هرب وسلك فجّاً آخر بمجرد دخول عمر بيت الرسول (صلى الله عليه وآله).

هل رأيت أيّها المسلم الغيور ما هي قيمة الرّسول (صلى الله عليه وآله) عندهم، وكيف أنهم يقولون من حيث يشعرون أو لا يشعرون بأنّ عمر أفضل منه. وهو بالضبط ما يقع اليوم عندما يتحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويعدّدون أخطاءه المزعومة ويبرّرون ذلك بأنّه بشر غير معصوم وبأنّ عمر كثيراً ما كان يصلح أخطاءه، وأنّ القرآن كان ينزل بتأييد عمر في العديد من المرّات، ويستدلّون بعبس وتولّى وبتأبير النخل وبأسرى بدر وغيرها.

ولكنّك عندما تقول أمامهم بأنّ عمر أخطأ في تعطيل سهم المؤلفة قلوبهم. أو في تحريم المتعتين أو في التفضيل في العطاء فإنّك ترى أوداجهم تنتفخ وأعينهم تحمّر ويتّهمونك بالخروج عن الدّين ويقال لك من أنت يا هذا حتى تنتقد سيدنا عمر الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل. وما عليك إلا أن تسلّم ولا تحاول الكلام معهم ثانية وإلاّ قد يلحقك منهم الأذى.

البخاري يدلّس الحديث حفاظاً على كرامة عمر بن الخطاب

نعم إنّ الباحث إذا ما تتّبع أحاديث البخاري لا يفهم الكثير منها وتبدوا كأنها ناقصة أو مقطّعة وأنّه يخرج نفس الحديث بنفس الأسانيد ولكنّه في كل مرّة يعطيه ألفاظاً مختلفة في عدّة أبواب. كل ذلك لشدة حبه لعمر بن الخطاب. ولعلّ ذلك هو الذي رغّب أهل السنّة فيه فقدّموه على سائر الكتب رغم أن مسلماً أضبط وكتابه مرتب حسب أبواب، إلا أن البخاري عندهم أصحّ الكتب بعد كتاب الله لأجل هذا ولأجل انتقاصه فضائل علي بن أبي طالب، فالبخاري عمل من جهة على تقطيع الحديث وبتره إذ كان فيه مسّ بشخصية عمر، كما عمل نفس الأسلوب مع الأحاديث التي تذكر فضائل علي. وسنوافيك ببعض الأمثلة على ذلك قريباً إن شاء الله.

بعض الأمثلة على تدليس الحديث التي فيها حقائق تكشف عن عمر بن الخطاب

1 ـ أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحيض باب التيمم قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماءً؟ فقال عمر: لا تصلّ فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرّية فأجنبنا فلم نجد ماءً فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعّكت في التّراب وصلّيت فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك، فقال عمر: إتّق الله يا عمّار! قال: إن شئت لم أحدّث به. وأخرج هذه الرّواية كلّ من أبي داود في سننه وأحمد بن حنبل في مسنده والنّسائي في سننه والبيهقي وابن ماجه أيضاً.

ولكنّ البخاري خان الأمانة أمانة نقل الحديث كما هو ومن أجل الحفاظ على كرامة عمر دلّس الحديث لأنه لم يعجبه أن يعرف النّاس جهل الخليفة بأبسط قواعد الفقه الإسلامي وإليك الرواية التي تصرّف فيها البخاري.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب التيمّم باب المتيمم هل ينفخ فيهما.

* قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إنّي أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنّا كنّا في سفرٍ أنا وأنت… الحديث.

وهو كما ترى حذف منه البخاري «فقال عمر: لا تصلّ» لأنها أربكت ولا شك البخاري فحذفها وتخلّص منها لئلا يكشف للنّاس عن مذهب عمر الذي كان يرتئيه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واجتهاده مقابل نصوص القرآن والسنّة. وبقاءه على مذهبه هذا حتّى بعد ما أصبح أميراً للمؤمنين وأخذ ينشر مذهبه في أوساط المسلمين وقد قال ابن حجر: «هذا مذهب مشهور عن عمر» والدّليل على أنّه كان يشدّد على ذلك قول عمار له: إن شئت لم أحدّث به. فاقرأ وأعجب.

2 ـ أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك من جزئه الثاني صفحة 514 وصحّحه الذهبي في تلخيصه.

* عن أنس بن مالك قال: إن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر قوله: فأنبتنا فيها حبّاً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأبّاً، قال: كل هذا عرفناه فما الأب، ثم قال: هذا لعمر الله هو التكلّف فما عليك أن لا تدري ما الأبُّ، اتبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه.

وهذه الرّواية قد نقلها أغلب المفسّرين في كتبهم وتفاسيرهم لسورة عبس كالسّيوطي في الدر المنثور والزمخشري في الكشاف، وابن كثير في تفسيره. والرّازي في تفسيره والخازن في تفسيره.

ولكنّ البخاري وكعادته حذف الحديث وأبتره لئلا يعرف النّاس جهل الخليفة بمعنى الأبّ فروى الحديث كالآتي.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه قول الله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم. ‌

* عن أنس بن مالك قال: كنّا عند عمر فقال: نهينا عن التكلّف. نعم هكذا يفعل البخاري بكل حديث يشمّ منه انتقاصاً من عمر فكيف يفهم القارئ من هذا الحديث المبتور حقيقة الأشياء فهو يستر جهل عمر بمعنى الأب ويقول فقط قال: نهينا عن التكلّف. ‌

3 ـ أخرج ابن ماجة في سننه: 2/227 والحاكم في المستدرك: 2/59، وأبو داود في سننه: 2/402 والبيهقي في سننه: 6/264 وابن حجر في فتح الباري وغيرهم.

* عن ابن عباس أنه قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناساً فأمر بها أن ترجم، فمرّ بها علي بن أبي طالب فقال: ما شأنها؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم قال: ارجعوا بها ثم أتاه فقال: ألم تعلم أنّ القلم رفع عن المجنون حتّى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصّبي حتّى يحتلم؟

فخلّى عنها عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر (ابن الجوزي في تذكرته ص75). ولكن البخاري أربكته هذه الرواية فكيف يعرف النّاس جهل عمر بأمور الحدود التي رسمها كتاب الله وبيّنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكيف يترأس على منصّة الخلافة من كانت هذه حاله، ثم كيف يذكر البخاري هذه الرواية وفيها فضيلة لعلي بن أبي طالب الذي كان يسهر على تعليمهم ما يجهلون، واعتراف عمر بقوله أنّه لولا علي لهلك عمر. فلننظر للبخاري كيف يحرّف الرواية ويدلّسها.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة باب لا يرجم المجنون والمجنونة «قال البخاري بدون ذكر أي سند».

* وقال علي لعمر أما علمت أنَّ القلم رفع عن المجنون حتّى يفيق وعن الصبيّ حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ.

نعم هذا مثالٌ حيٌّ لتصرف البخاري في الأحاديث فهو يبتر الحديث إذا كان في فضيحة لعمر.

ويبتر الحديث أيضاً إذا كان فيه فضيلة أو منقبة للإمام علي فلا يطيق تخريجه.

4 ـ أخرج مسلم في صحيحه من كتاب الحدود باب حدّ شارب الخمر.

* عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أُتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر، استشار النّاس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخفّ الحدود ثمانين، فأمر به عمر.

والبخاري كعادته لا يريد إظهار جهل عمر بالحكم في الحدود وكيف يستشير النّاس في حدّ معلوم فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم فعله بعده أبو بكر.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الحدود باب ما جاء في ضرب شارب الخمر.

* عن أنس بن مالك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) ضرب في الخمر بالجريد والنّعال وجلد أبو بكر أربعين.

5 ـ أخرج المحدّثون والمؤرخون الذين أرّخوا مرضى النّبي (صلى الله عليه وآله) ووفاته وكيف طلب منهم أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً وهو ما سمّي برزية يوم الخميس، وكيف أنّ عمر بن الخطّاب عارض وقال بأنّ رسول الله يهجر ـ والعياذ بالله ـ .

وقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الجهاد باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة ومعاملتهم.

وأخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الوصية باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه.

* عن ابن عبّاس رضي الله عنه، أنّه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازعٌ، فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعوني إليه» وأوصى عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» ونسيت الثالثة.

نعم هذه هي رزية يوم الخميس التي لعب فيها عمر دور البطولة فعارض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنعه أن يكتب وبتلك الكلمة الفاحشة التي تعارض كتاب الله ألا وهي أن النّبي يهجر والبخاري ومسلم نقلاها هنا بالعبارة الصحيحة التي نطق بها عمر ولم يبدِّلاها ما دام اسم عمر غير وارد ونسبة هذا القول الشنيع للمجهول لا يضرّ.

ولكن عندما يأتي اسم عمر في الرواية التي تذكر بأنّه هو الذي تلفّظ بها يصعب ذلك على البخاري ومسلم أن يتركاها على حالها لأنها تفضح الخليفة وتظهره على حقيقته العارية وتكشف عن مدى جرأته على مقام الرّسول (صلى الله عليه وآله) والذي كان يعارضه طيلة حياته في أغلب القضايا وعرف البخاري ومسلم ومن كان على شاكلتهم بأنّ هذه الكلمة وحدها كافية لإثارة عواطف كل المسلمين حتّى أهل السنّة ضدّ الخليفة، فعمدوا إلى التّدليس، فهي مهنتهم المعروفة لمثل هذه القضايا وأبدلوا كلمة «يهجر» بكلمة «غلب عليه الوجع» ـ ليبعدوا بذلك تلك العبارة الفاحشة وإليك ما أخرجه البخاري ومسلم في نفس موضوع الرزية.

* عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النّبي (صلى الله عليه وآله): هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده. فقال عمر: إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النّبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغو والاختلاف عند النّبي قال لهم: قوموا ـ قال عبدالله بن مسعود ـ فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرّزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (3).

وبما أن مسلماً. أخذها عن أستاذه البخاري فنحن نقول للبخاري مهما هذّبت العبارة ومهما حاولت تغطية الحقائق فإنّ ما أخرجته كافٍ وهو حجةٌ عليك وعلى سيّدك عمر. لأن لفظ «يهجر» ومعناه يهذي ـ أو «قد غلب عليه الوجع» ـ تؤدّي إلى نفس النتيجة لأن المتمعّن يجد أنّ النّاس حتّى اليوم يقولون «مسكين فلان تغلّبت عليه الحمّى حتى أصبح يهذي».

وخصوصاً إذا أضفنا إليها كلامه «عندكم القرآن حسبنا كتاب الله» ومعنى ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) انتهى أمره وأصبح وجوده كالعدم.

وأنا أتحدّى كل عالم له ضمير أن يتمعّن فقط في هذه الواقعة بدون رواسب وبدون خلفيات فسوف تثور ثائرته على الخليفة الذي حرم الأمة من الهداية وكان سبباً مباشراً في ضلالتها.

ولماذا نخشى من قول الحق ما دام فيه دفاعٌ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالتالي عن القرآن وعن المفاهيم الإسلامية بأكملها، قال تعالى: «فلا تخشوا النّاس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» [المائدة: 44]. فلماذا يحاول بعض العلماء حتى اليوم في عصر العلم والنور جهدهم تغطية الحقائق بما يختلقونه من تأويلات متكلّفة لا تسمن ولا تغني من جوع.

فإليك ما ابتكره العالم محمد فؤاد عبدالباقي في شرحه لكتاب «اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان» عند إيراده لحديث رزيّة يوم الخميس قال «يشرح الواقعة» (4).

ـ ائتوني بكتاب: أي ائتوني بأدوات كتاب كالقلم والدواة، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو الكاغد والكتف؛ والظاهر أن هذا الكتاب الذي أراده إنّما هو في النصر على خلافة أبي بكر لكنّهم لما تنازعوا واشتدّ مرضه (صلى الله عليه وآله) عدل عن ذلك، معوّلاً على ما أصَّله من استخلافه في الصّلاة. (ثم أخذ يشرح معنى هجر). قال: هجر: ظنّ ابن بطّال أنّها بمعنى اختلط، وابن التين أنها بمعنى هذى؛ وهذا غير لائق بقدره الرفيع، ويحتمل أن يكون المراد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هجركم، من الهجر الذي هو ضد الوصل، لما قد ورد عليه من الواردات الإلهية، ولذا قال: في الرفيق الأعلى، وقال ابن الأثير إنّه على سبيل الاستفهام وحذفت الهمزة، أي هل تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض، وهذا أحسن ما قال فيه، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر ولا يظنّ به ذلك» انتهى كلامه.

ونحن نردّ عليك يا سيادة العالم الجليل أن الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ويكفينا اعترافك بأنّ قائل هذا الفحش هو عمر! ومن أنبأك بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أن يكتب خلافة أبي بكر؟ وهل كان عمر ليعترض على ذلك؟ وهو الذي شيّد أركان الخلافة لأبي بكر وحمل النّاس عليها غصباً وقهراً حتّى هدّد بحرق بيت الزّهراء وهل هناك من ادّعى هذا غيرك يا سيادة العالم الجليل؟

والمعروف عند العلماء قديماً وحديثاً بأنّ عليّاً بن أبي طالب هو المرشح للخلافة من قبل الرّسول (صلى الله عليه وآله) إن لم يعترفوا بالنّص عليه. ويكفيك ما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب الوصايا من جزئه الثالث صفحة 186، قال: ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً رضي الله عنهما كان وصيّاً فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري فدعا بالطسّت فلقد أنخنت في حجري فما شعرت أنّه قد مات فمتى أوصى إليه؟

والبخاري أخرج هذا الحديث لأنّ فيه إنكار الوصيّة من طرف عائشة وهذا ما يعجب البخاري، ولكن نحن نقول بأنّ الذين ذكروا عند عائشة أنّ رسول الله أوصى لعلي، صادقين لأنّ عائشة لم تكذّبهم ولم تنف هي نفسها الوصية ولكنها سألت كالمستنكرة متى أوصى إليه؟ ونجيبها بأنّه أوصى إليه بحضور أولئك الصحابة الكرام وفي غيابها هي، ولا شك بأنّ أولئك الصّحابة ذكروا لها متّى أوصى إليه ولكنّ الحكّام المتسلطين منعوا ذكر مثل هذه المحاججات كما منعوا ذكر الوصيّة الثالثة ونسوها، وقامت السياسة على طمس هذه الحقيقة على أنّ عمر نفسه صرّح بأنّه منع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب لعلمه بأنه يختصّ بخلافة علي بن أبي طالب، وقد أخرج ابن أبي الحديد، الحوار الذي دار بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن عبّاس، وفيه قال عمر وهو يسأل ابن عباس: هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم فقال عمر: ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام (5).

فلماذا تتهرّب يا سيادة العالم من الواقع، وبدلاً من إظهار الحقّ، بعدما ولّى عصر الظلمات مع بني أميّة وبني العبّاس، ها أنتم تزيدون تلك الظلمات غشاوة وأستاراً فتحجبوا غيركم عن إدراك الحقيقة والوصول إليها، وإن كنت قلت الذي قلت عن حسن نيّةٍ فإني أسأل الله سبحانه أن يهديك ويفتح بصيرتك.

6 ـ كما أنّ البخاري فعل الكثير من أجل تبديل وتدليس وتخليط الأحاديث النّبوية التي يشعر من خلالها أنّ هناك توهيناً وانتقاصاً لهيبة أبي بكر وعمر، فها هو يعمد إلى حادثة تاريخية مشهورة قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثاً لم يعجب الإمام البخاري فأعفاه تماماً وكمالاً، لأنّه يرفع مكانة علي على حساب أبي بكر.

فقد روى علماء السنّة في صحاحهم ومسانيدهم، كالترمذي في صحيحه والحاكم في مستدركه وأحمد بن حنبل في مسنده والإمام النسائي في خصائصه، والطبري في تفسيره، وجلال الدّين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور، وابن الأثير في تاريخه، وصاحب كنز العمّال والزمخشري في الكشاف، وغير هؤلاء كثيرون، أخرجوا كلهم:

* أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره ان ينادي بهؤلاء الكلمات (وهي براءة من الله ورسوله..)، ثم ابتعه عليّاً رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها هو. فقام عليٌّ رضي الله عنه في أيام التشريف فنادى: «إنّ الله برىء من المشركين ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة اشهر، ولا يحجّنّ بعد العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان» ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكنّ جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك.

لكنّ البخاري كعادته دائماً أخرج الحادثة بطريقته المعروفة والمألوفة، قال في صحيحه من كتاب تفسير القرآن باب قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر.

* قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة فأذّن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة وأنّ لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (6).

فانظر أيها القارئ كيف تتمُّ عملية التشويه للأحاديث والأحداث حسب الأغراض والأهواء المذهبية، فهل هناك شبهٌ بين ما رواه البخاري في هذه القضية، وما رواه غيره من المحدّثين والمفسّرين من علماء أهل السنة.

والبخاري هنا يجعل أبا بكر هو الذي بعث أبا هريرة ومؤذّنين يؤذّنون بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ثم يدخل قول حميد بن عبد الرحمن بأنّ رسول الله أردف بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذّن ببراءة.

ثم يأتي من جديد قول أبي هريرة بأنّ علي شاركهم في الأذان يوم النحر ببراءة وأن لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

وبهذا الأسلوب قضى البخاري على فضيلة علي بن أبي طالب في أنّه هو الذي اردفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليبلّغ عنه براءة بعدما جاءه جبرئيل وأمره عن الله بعزل أبي بكر من تلك المهمة وقال له: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجلٌ منك. فصعب على البخاري أن يعزل أبو بكر بوحي من الله تعالى ويقدّم عليّاً بن أبي طالب عليه وهذا ما لا يرتضيه البخاري أبداً فعمد إلى الرواية فدلّسها كغيرها من الرّوايات.

وكيف لا يتنبّه الباحث لهذا الدّس والتزوير وخيانة الأمانة العلمية خصوصاً وهو يقرأ أنّ أبا هريرة يقول: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر! فهل كان أبو بكر هو الذي يسيّر الأمور حتى في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وكيف أصبح المبعوث هو الباعث الذي يختار مؤذّنين من بين الصحابة يا ترى؟

وتمعّن في أسلوب البخاري كيف قلّب كل شيء فأصبح علي بن أبي طالب ـ المبعوث من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) لأداء تلك المهمّة التي لا يصلح لها سواه ـ أصبح شريك النّداء مع أبي هريرة وبقية المؤذّنين دون التعرّض لعزل أبي بكر ولا رجوعه يبكي (كما في بعض الروايات) ولا التعرّض إلى قول النّبي (صلى الله عليه وآله) جاءني جبرئيل فقال: لن يؤدّي عنك إلا أنت أو رجلٌ منك.

لأن ذلك الحديث هو بمثابة وسام الشّرف الذي قلّده رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابن عمّه ووصيّه على أمّته علي بن أبي طالب، ثم هو صريح بأنّ ذلك ماجاء به جبرئيل حسب الحديث النّبوي، فلا يبقى بعده مجال للمتأوّلين أمثال البخاري في أنّه رأي محمدٍ (صلى الله عليه وآله) الذي هو كسائر البشر والذي يخطىء لغيره، فالأولى للبخاري حينئذ أن يبعد هذه الرواية ويطرحها كلّياً من حسابه كما طرح غيرها.

فتراه يخرج في صحيحه في كتاب الصلح باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان قول الرّسول (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب «أنت منّي وأنا منك» في قضية اختصام علي وجعفر وزيد على ابنة حمزة، في حين أنّ ابن ماجة والترمذي والنسائي والإمام أحمد وصاحب كنز العمّال كلهم يخرجون قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) «علي منّى وأنا من علي، ولا يؤدّي عنّي إلا أنا أو علي» (7) قالها في حجة الوداع، ولكن أنّى للبخاري أن يخرج ذلك.

7 ـ أضف إلى ذلك أن الإمام مسلم أخرج في صحيحه من كتاب الإيمان باب الدّليل على أنّ حب الأنصار وعليّ من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النّفاق.

* عن عليّ قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأمي (صلى الله عليه وآله) إلى أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق.

وأكّد المحدّثون وأصحاب السنن قول الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي «ولا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافقٌ».

أخرجه الترمذي في صحيحه والنسائي في سننه، ومسند أحمد بن حنبل والبيهقي في سننه والطبري في ذخائر العقبى ـ وابن حجر في لسان الميزان ولكنّ البخاري رغم ثبوت هذا الحديث عنده والذي أخرجه مسلم ورجاله كلّهم ثقاة، لم يخرج هذا الحديث لأنّه فكّر ثم قدّر، بأنّ المسلمين سيعرفون نفاق كثير من الصّحابة ومن المقرّبين للرّسول (صلى الله عليه وآله).

بهذه الإشارة التي رسمها من لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، كما أن الحديث في حدّ ذاته فضيلة كبرى لعلي وحده دون سائر الناس إذ به يفرق الحقّ من الباطل ويعرف الإيمان من النّفاق، فهو آية الله العظمى وحجّته الكبرى على هذه الأمة وهو الفتنة التي يختبر الله بها أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) بعد نبيّها، ورغم أن النّفاق هو من الأسرار الباطنية التي لا يطّلع عليها إلاّ من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولا يعرفها إلاّ علاّم الغيوب، فإنّ الله سبحانه تفضّلاً منه ورحمةً بهذه الأمّة وضع لها علامةً ليهلك من هلك عن بيّنة وينجو من نجا عن بينةٍ.

وأضرب لذلك مثالاً واحداً على ذكاء البخاري وفطنته من هذه النّاحية، ولذلك أعتقد شخصيّاً بأنّ أهل السنّة من الأسلاف فضّلوه وقدّموه لهذه الخاصيّة التي يمتاز بها على غيره، فهو يحاول جهده أن لا يتناقض بأحاديث تخالف مذهبه الذي اختاره وتبنّاه.

فقد أخرج في صحيحه من كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها باب هبة الرّجل لامرأته والمرأة لزوجها.

* قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قالت عائشة رضي الله عنها: لما ثقل النّبي صلّى الله عليه ,آله وسلّم فاشتدّ وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض وكان بين العبّاس وبين رجلٍ آخر. فقال عبيد الله فذكرت لابن عبّاس ما قالت عائشة، فقال لي وهل تدري من الرّجل الذي لم تسمّ عائشة؟ قلت: لا! قال: هو عليّ بن أبي طالب.

وهذا الحديث بالضبط أخرجه ابن سعد في طبقاته بمسند صحيح في جزئه الثاني في صفحة 29 وكذلك صاحب السيرة الحلبية وغيرهم من أصحاب السنن وفيه «إن عائشة لا تطيب له نفساً بخير».

والبخاري أسقط هذه الجملة التي يستفاد منها أنّ عائشة تبغض عليّاً ولا تطيق ذكر اسمه. ولكن فيما أخرجه كفاية ودلالة واضحة لمن له دراية بمعارض الكلم؛ وهل يخفى على أيّ باحث قرأ التاريخ ومحّصة بغض أم المؤمنين لسيّدها ومولاها (8) علي بن أبي طالب حتّى أنها عندما وصل إليها خبر قتله سجدت شكراً لله. وعلى كل حال رحم الله أمّ المؤمنين وغفر لها كرامةً لزوجها. ونحن لا نضيّق رحمة الله التي وسعت كل شيء، وكان بودّنا لو لم تكن تلك الحروب والفتن والمآسي التي تسبّبت في تفريقنا وتشتيت شملنا وذهاب ريحنا حتى أصبحنا اليوم طعمة الآكلين وهدف المستعمرين وضحيّة الظّالمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

انتقاص أهل البيت روايات تعجب البخاري

ومع الأسف الشديد أنّ الإمام البخاري اختار طريقه وسلك سبيله ضمن مدرسة الخلفاء التي شيدتها السلطة الحاكمة، أو أن تلك المدرسة هي التي اختارت البخاري وأمثاله وصنعت منهم ركائز وأركان ورموز لتدعيم سلطانهم وترويح مذهبهم وتصريف اجتهاداتهم التي أصبحت في عهد الأمويين والعباسيين سوقاً رائجة وسلعة رابحة لكلّ العلماء الذين تسابقوا وتباروا لتأييد الخليفة بكل أساليب الوضع والتّدليس الذي يتماشى والسّياسة القائمة، كل ذلك لينالوا عند الحاكم الجاه والمال، فباعوا أخراهم بدنياهم فما ربحت تجارتهم ويوم القيامة يندمون ويخسرون.

فالناس ناس، والزمان زمان، فأنت ترى اليوم نفس الأساليب ونفس السّياسة، فكم من عالم جليل هو حبيس داره لا يعرفه النّاس. وكم من جاهل تربّع على منبر الخطابة وإمامة الجماعة والتحكّم بمصير المسلمين لأنّه من المقرّبين الذين نالوا رضاء النظام وتأييده وإلاّ قل لي بربّك كيف يفسّر عزوف البخاري عن أهل بيت النبي الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهرهم تطهيراً؟ كيف يفسّر عداء البخاري لهدي الأئمة الذين عاصر وعايش البعض منهم زمن البخاري ولم يروِ عنهم إلاّ ما هو مكذوب عليهم للحطّ من قدرهم السّامي والطعن في عصمتهم الثابتة بالقرآن والسنّة، وسنوافيك ببعض الأمثلة على ذلك.

ثم إنّ البخاري ولّى وجهه شطر النّواصب والخوارج الذين حاربوا أهل البيت وقتلوهم فتراه يروي عن معاوية وعن عمرو بن العاص وعن أبي هريرة وعن مروان بن الحكم وعن مقاتل بن سليمان الذي عرف بالدّجال، وعن عمران بن حطّان عدوّ أمير المؤمنين وعدوّ أهل البيت، شاعر الخوارج وخطيبهم الذي كان يتغنّى بمدحه لابن ملجم المرادي على قتله علي بن أبي طالب.

كما كان البخاري يحتج بحديث الخوارج والمرجئة والمجسمة وبعض لمجاهيل الذين لا يعرفون الدّهر لهم وجوداً.

وقد جاء في صحيحه إضافة إلى الكذب والتدليس من الرّواة المشهورين بذلك، بعض الرّوايات السّخيفة والبشعة. مثال ذلك ما رواه في صحيحه من كتاب النكاح باب ما يحلّ من النّساء وما يحرم وقوله تعالى: «حرّمت عليكم أمّهاتكم…» إلى آخر الآية.

قال في آخر الباب: لقوله تعالى «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم»، وقال عكرمة عن ابن عبّاس إذا زنى بأخت أمرأته لم تحرم عليه أمرأته، ويروى عن يحيى الكندي عن الشعبي وأبي جعفر فيمن يلعب بالصبيّ إن أدخله فيه فلا يتزوّجنّ أمّه.

وقد علّق على هذا الكلام شارح البخاري في الهامش بقوله: اللاّئق بمنصب العلماء أن يجلّوا قدرهم عن كتب مثل هذا الكلام والتفوّه به.

كما أخرج في صحيحه من كتاب تفسير القرآن باب نساؤكم حرث لكم عن نافع قال كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتّى يفرغ منه، فأخذت عليه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكانٍ، قال: تدري فيما أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا أو كذا، ثم مضى(9).

وعن نافع عن ابن عمر، فأتوا حرثكم أنّى شئتم قال: يأتيها في… وعلّق الشارح بقوله: قوله في… بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدّبر، قيل وأسقط المؤلف ذلك لاستنكاره كذا في الشارح (10).

كنت يوماً في جامعة السربون بباريس أتحدّث عن أخلاق النّبي (صلى الله عليه وآله) وخلقه العظيم الذي تحدث عنه القرآن وعرف به النّبي (صلى الله عليه وآله) حتى قبل البعثة فسمّوه الصّادق الأمين ودامت المحاضرة ساعة تقريباً أوضحت خلالها بأنّه (صلى الله عليه وآله) لم يكن محارباً ولا غاصباً لحقوق الإنسان في تقرير مصيره، وفرض دينه بالقوة والقهر كما يدّعي بعض المستشرقين.

وخلال المناقشة التي شارك فيها نخبةٌ من الأساتذة والدكاترة المختصّين بالإسلام وتاريخ المسلمين وجلّهم مستشرقون. وانتصرت نوعاً ما على المناوئين الذين أثاروا بعض الشبهات، ولكنّ أحدهم وهو عربي مسيحي طاعنٌ في السنّ (أعتقد أنه لبناني) اعترض عليّ بأسلوب فيه خبث ودهاء فكاد يقلب انتصاري إلى هزيمة نكراء.

قال هذا الدكتور بلسان عربي فصيح، بأنّ ما ذكرته في المحاضرة فيه كثير من المبالغة وبالخصوص فيما يتعلّق بعصمة النبي إذ أنّ المسلمين أنفسهم لا يوافقونك على ذلك، وحتّى محمد نفسه لا يوافق على ذلك، فقد قال عديد المرّات، بأنّه بشرٌ يجوز عليه الخطأ وقد سجّل له المسلمون أخطاءً عديدة نحن في غنىً عن التعريف بها وكتب المسلمين الصحيحة والمعتمدة عندهم تشهد على ذلك، ثم قال: وأما بخصوص الحروب فما على حضرة المحاضر إلا مراجعة التاريخ ويكفي أن يقرأ فقط كتب الغزوات التي قام بها محمّد في حياته، ثم واصلها الخلفاء الراشدون بعد وفاته حتى وصلوا إلى (poitier) مدينة بواتييه بغرب فرنسا وفي كلها كانوا يفرضون دينهم الجديد على الشعوب بالقهر وقوة السّيف.

وقابل الحاضرون كلامه بالتصفيق مؤيدين مقالته وحاولت بدوري إقناعهم بأنّ ما ذكره الدكتور المسيحي غير صحيح وإن أخرجه المسلمون في كتبهم، وارتفعت ضجة من الضّحك في القاعة استهزاء وسخرية منّي.

وتدخّل الدكتور المسيحي من جديد ليقول لي بأنّ ما ذكره ليس من الكتب المطعون فيها وإنّما هو في صحيح البخاري ومسلم.

وقلت بأن هذه الكتب صحيحة عند أهل السنّة أمّا عند الشيعة فلا يقيمون لها وزناً، وأنا مع هؤلاء.

فقال: نحن لا يهمّنا رأي الشيعة الذين يكفّرهم أغلب المسلمين، والمسلمون السنّة وهم أكثر من الشيعة عشر مرّات لا يقيمون لآراء الشيعة وزناً، ثم أضاف قائلاً: إذا تفاهمتم أنتم المسلمون مع بعضكم البعض وأقنعتم أنفسكم بعصمة نبيّكم، عند ذلك يمكن أن تقنعونا نحن (قال ذلك ضاحكاً متهكماً).

ثم التفت إليّ من جديد قائلاً: وأمّا بخصوص الأخلاق الحميدة فأنا أسألك أن تقنع الحاضرين كيف تزوّج محمّد الذي بلغ من العمر أربعاً وخمسين بعائشة وعمرها ستّ سنين؟

وارتفعت من جديد ضجة الضّحك وأشرئبّت الأعناق تنتظر ردّي وحاولت جهدي إقناعهم بأنّ الزواج عند العرب يتمّ على مرحلتين المرحلة الأولى وهو العقد وكتب النّكاح والمرحلة الثانية وهو البناء والدخول، وقد تزوّج النّبي عائشة وعمرها ست سنوات ولكن لم يدخل بها إلا بعد أن بلغت تسع سنوات، واستطردت بأنّ هذا ما يقوله البخاري إن كان مناقشي يحتجّ عليّ بما فيه. وأنا شخصياً أشكّ في صحة الرواية لأنّ النّاس في ذلك الزمان لم يكن لهم حالة مدنية ولا تسجيل تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة، وعلى فرض صحة الرواية فإنّ عائشة بلغت سن الرشد في التاسعة من عمرها فكم رأينا اليوم على شاشة التلفزيون بعض الفتيات الروسيات والرومانيات لاعبات «الجمباز» اللاّتي عندما تراهنّ وترى كمال أجسامهن تستغرب عندما يعلنون عن عمرها وأنها لم تتجاوز إحدى عشر عاماً. فلا شك بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) لم يدخل بها إلاّ بعدما رشدت وأصبحت تحيض، والإسلام، لا يقول بالرشد لمن بلغ ثمانية عشر عاماً كما هو معروف عندكم في فرنسا. بل الإسلام يعتبر الرشد بالحيض للنّساء وبخروج المني للرّجال. وكلّنا يعلم حتّى اليوم بأنّ من الذكور من يمنون في سنّ العاشرة ومن الإناث من يحضن في سنّ مبكرة قد لا تتجاوز العاشرة.

وهنا قامت سيدةٌ وتدّخلت لتقول: نعم وعلى فرض أنّ ما أوردته قد يكون صحيحاً وهو صحيح علميّاً، ولكن كيف نقبل بزواج شيخ كبير أوشك عمره على نهايته بفتاة صغيرة ما زالت في العقد الأول من عمرها؟

قلت: إنّ محمداً نبيّ الله ولا يفعل شيئاً إلاّ بوحي منه، ولا شك أنّ لله في كل شيء حكمة، وإن كنت شخصيّا أجهل الحكمة في ذلك.

قال الدكتور المسيحي: لكنّ المسلمين اتّخذوا ذلك سنّة، فكم من فتاة صغيرة زوّجها أبوها غصباً عنها برجل يوازيه في السنّ ومع الأسف فإن هذه الظاهرة بقيت حتّى اليوم موجودة. انتهزت هذه الفرصة لأقول: ولذلك أنا تركت المذهب السنّي واتّبعت المذهب الشيعي، لأنه يعطي حق المرأة في أن تزوج نفسها بمن شاءت هي لا بما يفرضه عليها الولي.

قال: دعنا من السنّة والشيعة ولنعد إلى زواج محمّد بعائشة والتفت إلى الحاضرين ليقول بكل سخرية: إن محمداً النبيّ والبالغ من العمر أكثر من الخمسين يتزوج بنيّةً صغيرة لا تفهم من الزواج قليلاً ولا كثيراً والبخاري يحدثنا بأنّها كانت في بيت زوجها تلعب بالدّمى وهذا يؤكّد على براءة الطفولة، فهل هذه هي الأخلاق العالية التي يمتاز بها النّبي؟

وحاولت من جديد إقناع الحاضرين بأنّ البخاري ليس حجّة على النّبي (صلى الله عليه وآله) ولكن بدون جدوى، فقد لعب هذا المسيحي اللّبناني بأفكارهم كما أراد، وما كان لي إلاّ أن أوقفت النقاش متذرّعاً بأنّنا لا نتكلّم نفس اللّغة لأنهم يحتجّون عليّ بالبخاري في حين أنّني لا أؤمن بكل ما ورد فيه.

وخرجت ناقماً على المسلمين الذين أعطوا لهؤلاء، ولأعداء الإسلام وأعداء محمد (صلى الله عليه وآله) السّلاح النافذ الذي يحاربوننا به وعلى رأس هؤلاء البخاري! ورجعت للبيت يومها مهموماً وأخذت أتصفّح صحيح البخاري وما ذكره في فضائل عائشة وأحوالها فإذا بي أقول الحمد لله الذي فتح بصيرتي، وإلاّ لبقيت متحيّراً في شخصية الرّسول (صلى الله عليه وآله) وربّما داخلني الشكّ فيه والعياذ بالله.

ولابدّ من إظهار بعض الروايات التي أثيرت خلال المناقشة حتى يتبين للقارئ بأنّ هؤلاء المنتقدين لم يفتروا علينا وإنّما وجدوا بغيتهم في صحاحنا فاستعانوا بها علينا.

فقد أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب تزويج النبي (صلى الله عليه وآله) عائشة وقدومه المدينة وبنائه بها.

* عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني النّبي (صلى الله عليه وآله) وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحرث بن خزرج فوعكت فتمرّق شعري فوفى جميمةٌ، فأتتني أمّي أمّ رومان وإنّي لفي أرجوجةٍ ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدّار وإنّي لأنهج حتّى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبكرة وعلى خير طائرٍ.

فأسلمتني إليهنّ فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضحىً فأسلمتني إليه وأنا يؤمئذ بنت تسع سنين.

وأترك لك أيها القارئ لتعلّق بنفسك على أمثال هذه الروايات.

كما أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب باب الانبساط إلى النّاس.

* عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي (صلى الله عليه وآله) وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل يتقمّعن منه فسير بهنّ إليّ فيلعبن معي.

يقول الشارح: ألعب بالبنات، يعني التماثيل المسمّاة بعلبِ البنات ـ ويسربهنّ إليّ: أي يبعثهن ويرسلهن إليّ وأنت تقرأ مثل هذه الروايات في صحيح البخاري أيبقى عندك اعتراض بعدها على نقد بعض المستشرقين إن كنت منصفاً؟

قل لي بربّك! عندما تقرأ قول عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) «ما أرى ربّك إلاّ يسارع في هواك» (11).

ماذا يبقى في نفسك من احترام وتقدير لامرأة كهذه التي تشكّك في نزاهته (صلى الله عليه وآله)، وهل لا يبعث ذلك في نفسك أنها تصرّفات مراهقة لم يكتمل عقلها.

وهل يلام بعد ذلك أعداء الإسلام الذين كثيراً ما يثيرون حبّ محمد للنّساء وأنّه كان شهوانيّاً فإذا قرؤوا في البخاري بأنّ الله يسارع في هواه، ويقرؤون في البخاري بأنه كان يجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة وقد أعطي قوة ثلاثين.

فاللّوم على المسلمين الذين أقرّوا مثل هذه الأباطيل واعترفوا بصحّتها بل واعتبروها كالقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ولكن هؤلاء مسيّرون في كل شيء حتّى في عقيدتهم وليس لهم خيارٌ في شيء. لقد فرضت عليهم هذه الكتب من الحكام الأوّلين. وهلّم بنا الآن إلى الرّوايات التي أخرجها البخاري للطّعن على أهل البيت.

فقد أخرج في صحيحه من كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدراً 5/16.

* عن علي بن حسين أن حسين بن علي أخبره أنّ عليّاً قال كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدرٍ وكان النّبي (صلى الله عليه وآله) أعطاني ممّا أفاء الله من الخمس يومئذ قلّما أردت أن أبتني بفاطمة عليها السلام بنت النّبي (صلى الله عليه وآله) وأعدت رجلاً صوّاغاً في بني قينقاع أن ترتحل معي فنأتي بإذخر فأردت أن أبيعه من الصوّاغين فنستعين به في وليمة عرسي، فبينما أنا أجمع لشارفيّ من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعته فإذا أنا بشارفيَّ قد أجبَّت اسنمتهما وبقرت خواصرهما وأُخذ من أكبادهما فلم أملك عينيُّ حين رأيت المنظر. قلت من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطّلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار عنده قينةٌ وأصحابه فقالت في غنائها (ألا يا حمزُ للشّرف النّواء). فوثب حمزةٌ إلى السّيف فأجبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما قال علي: فانطلقت حتى أدخل على النّبي (صلى الله عليه وآله) وعنده زيد بن حارثة وعرف النّبي (صلى الله عليه وآله) الذي لقيت فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتيّ فأجبَّ أسنمتها وبقر خواصرهما وها هو ذا في بيت معه شرب، فدعا النّبي (صلى الله عليه وآله) بردائه فارتدى ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتّى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له فطفق النّبي (صلى الله عليه وآله) يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثملٌ محمرّةٌ عيناه، فنظر حمزة إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) ثم صعّد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعّد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي، فعرف النّبي (صلى الله عليه وآله) أنّه ثملٌ فنكص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه.

تأمّل أيها القارئ في هذه الرّواية التي طفحت بالكذب والزور لشتم سيد الشهداء لأنه مفخرة أهل البيت فكم كان الإمام عليّ سلام الله عليه يفتخر به في أشعاره بقوله: وحمزة سيد الشهداء عمّي، وكم كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفتخر به حتّى إذا قتل حزن عليه حزناً كبيراً وبكى عليه بكاءاً كثيراً وسمّاه سيد الشهداء.

وحمزة عمّ النّبي (صلى الله عليه وآله) الذي أعزّ الله به الإسلام عندما كان السمتضعفون من المسلمين يعبدون الله خفيةً، وقف وقفته المشهورة في وجه قريش وانتصر لابن أخيه معلناً إسلامه على الملأ من قريش وما خاف أحداً.

حمزة الذي سبق هجرة النّبي (صلى الله عليه وآله) ومهّد لدخول ابن أخيه في يوم مشهود.

حمزة الذي كان مع ابن أخيه علي أبطال بدرٍ وأُحد، أخرج البخاري في نفسه في صحيحه كتاب تفسير القرآن باب قوله هذان خصمان اختصموا في ربّهم 5/242.

* عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أنا أوّل من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس وفيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربّهم قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ، عليّ وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.

نعم إنّ البخاري يعجبه أن يروي مثل هذه المثالب في مفخرة أهل البيت، وسلسلة الوضّاعين الذين وضعوا مثل هذه الرواية طويلة فقد قال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبدالله أخبرنا يونس وحدّثنا أحمد بن صالح حدّثنا عنبسة حدثنا يونس عن الزّهري أخبرنا عليّ بن حسين (12)، فهؤلاء سبعة أشخاص يري عنهم البخاري قبل أن يصل السند إلى علي بن الحسين وهو زين العابدين وسيد الساجدين. فهل يليق بزين العابدين أن يروي أكاذيب مثل هذه فيكون سيد الشهداء يشرب الخمر بعد إسلامه وبعد هجرته وقبل استشهاده بأيام إذ تقول الرواية بأن علي بن أبي طالب كان يعدّ وليمة عرسه على فاطمة عليها السلام التي بنى بها في السنة الثانية للهجرة النبوية وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أعطاه نصيبه من المغنم يوم بدر وهل يليق بسيد الشهداء أن تكون له قينةٌ عاهرةٌ تغنيه وتطلب منه أن يبقر النّاقتين فيفعل بدون مبالاة؟

وهل يليق بسيد الشهداء أن يأكل لحم حرام بدون ذبح ويبقر الخواصر ويأخذ الأكباد؟

وهل يليق برسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يذهب ويستأذن على حمزة في ذلك المجلس الذي فيه الخمر والدّعارة؟ ويدخل في ذلك المكان؟

وهل يليق بسيد الشهداء أن يكون ثملاً محمرةٌ عيناه فيشتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله ما أنتم إلا عبيد لأبي؟

وهل يليق برسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينكّص على عقبيه القهقرى فيخرج دون تأنيب أو توبيخ فالمعروف عنه أنّه كان يغضب لله.

وأنا متيقنّ أنّ هذه الرواية لو كانت (على سبيل الافتراض طبعاً) تذكر أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية مكان حمزة، لما أخرجها البخاري لفظاعتها، ولو أخرجها لهذّبها على طريقته وابترها. ولكن ما الحيلة والبخاري لا يحبّ هؤلاء الذين رفضوا مدرسة الخلفاء، حتى بعد وقعة

كربلاء وقتلهم عن بكرة أبيهم، فلم يبق إلا علي بن الحسين الذي وضعوا الرواية على لسانه.

ولماذا لم يرو البخاري شيئاً من فقه أهل البيت ولا من علومهم ولا من خصالهم ولا من زهدهم ولا من فضائلهم التي ملأت الكتب وطفحت بها مجاميع أهل السنة قبل مجاميع الشيعة؟

ولنستمع إليه يروي رواية أخرى تطعن في أهل البيت وفي القمّة بالذات إذ أنّ الرّواة بما فيهم البخاري لم يجدوا في علي بن أبي طالب نقيصة واحدة ولا سجّلوا عليه طيلة حياته كذبة واحدة ولا عرفوا له خطيئة واحدة، ولو كانت، لملأوا الدنيا صياحاً وعويلاً، فعمدوا لوضع رواية تتّهمه بأنه كان يستخفّ بالصّلاة.

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الكسوف باب تحريض النّبي (صلى الله عليه وآله) على صلاة اللّيل وطرق النبيّ (صلى الله عليه وآله) فاطمة وعليّاً عليهما السلام ليلة الصّلاة: 2/43 قال:

* حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني علي بن حسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طرقه وفاطمة بنت النّبي (صلى الله عليه وآله) ليلةً فقال: ألا تصلّيان؟

فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته وهو مولُ يضرب فخذه وهو يقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

لاها الله يا بخاري، هذا علي بن أبي طالب الذي يحدّثنا عنه المؤرّخون أنّه كان يقوم بصلاة اللّيل في ليلة الهرير (في حرب صفين) فيفرش نطع ويصلّي بين الصفّين والنّبال والسّهام تساقط على يمينه وشماله فلا يرتاع ولا يقطع صلاة اللّيل.

علي بن أبي طالب الذي أوضح للناس معالم القضاء والقدر وحمّل الإنسان مسؤولية أفعاله، تصوّره أنت في هذه الرواية بأنّه جبريٌّ يقول بالجبر ويجادل بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا يعني ذلك لو شاء الله أن نصلّي لصلّينا. عليّ بن أبي طالب الذي حبّه إيمان وبغضه نفاقٌ توصفه أنت بأنّه أكثر شيء جدلاً. إنّه كذبٌ مفضوح لا يوافقك عليه حتّى ابن ملجم قاتل الإمام ولا معاوية الذي كان يأمر الناس بلعنه، إنه كذبٌ رخيص ولكنّك جنيت من وراءه الكثير إذ أرضيت بذلك حكّام زمانك وأعداء أهل البيت فرفعوا قدرك في هذه الدنيا الدنيئة ولكنّك أسخطت ربّك بهذا الموقف من أمير المؤمنين وسيد الوصيّين وقائد الغر المحجّلين قسيم الجنة والنار الذي يقف يوم القيامة على الأعراف فيعرف كلاًّ بسيماهم (13) فيقول للنّار هذا لي وهذا لك (14).

ولا أدري إن كان كتابك يوم القيامة شبيه بكتابك اليوم الذي يزوّق ويجلّد وينمّق، ليخرج في أبهى حلّة عرفها الكتاب.

نعم كبرت على البخاري أن يظهر سيده عمر بن الخطاب تاركاً للصّلاة المفروضة عندما فقد الماء وبقي على مذهبه ذلك حتّى في خلافته فقال: أمّا أنا فلا أصلّي متحدّياً بذلك القرآن والسنّة.

ففتّش عند الدجّالين الوضّاعين فوضعوا له هذا الحديث الذي يتّهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّه تثاقل فلم يصلّ صلاة الليل، وعلى فرض واحتمال صحة روايته فلا ضير ولا إثم ولا ذنب على علي لأنها تتعلق بصلاة النافلة التي يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها ـ ولا يمكن أن يقاس فعل عمر بتركه للصّلاة المفروضة على ترك علي لصلاة النّافلة إن صحت الرّواية، ولكنّ أنّى لهذا الرواية أن تكون صحيحة ولو أخرجها صحيح البخاري.

فالبخاري صحيح عند أهل السنّة، وأهل السنّة هم المؤيدون لمدرسة الخلافة التي قامت على سياسة بني أمية وبني العبّاس والمتتبّع يعرف هذه الحقيقة التي أصبحت اليوم غير خافية على أحد وأهل السنّة والجماعة تبعاً لسياسة الحكّام الذي دأبوا على عداء ومحاربة أهل البيت ومن والاهم وتشيّع لهم، أصبحوا من غير علمهم أعداءً لأهل البيت وشيعتهم لأنهم والوا أعداءهم وعادوا أولياءهم. ولذلك رفعوا من شأن البخاري إلى الدرجة الرفيعة التي أصبح عليها، ولا تجد عندهم من تراث أهل البيت ولا من أقوال الأئمة الأثني عشر شيئاً يذكر، ولا حتى عن باب مدينة العلم الذي كان من النّبي بمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة النّبي من ربّه.

والسؤال الذي يطرح على أهل السنة هو: ما الذي أحرز عليه البخاري زيادة على بقية المحدّثين لينال عندكم هذا التفضيل؟؟

وأعتقد أن الجواب الوحيد على هذا السؤال هو أنّ البخاري:

1 ـ دلّس الأحاديث التي تمس كرامة الصّحابة خصوصاً منهم أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية. وهذا ما دعا إليه معاوية والحكّام بعده.

2 ـ أبزر الأحاديث التي تطعن في عصمة الرّسول (صلى الله عليه وآله) وتصوّره بأنّه بشرٌ عاديٌّ يخطىء، وهذا ما أراده الحكام على طول الدهر.

3 ـ أخرج أحاديث موضوعة في مدح الخلفاء الثّلاثة وفضّلهم على علي بن أبي طالب وهو بالضبط ما أراده معاوية للقضاء على ذكر علي حسب زعمه.

4 ـ أخرج أحاديث مكذوبة تمس بكرامة أهل البيت.

5 ـ أخرج أحاديث أخرى تؤيد مذهب الجبر والتجسيم والقضاء والقدر في الخلافة وهو ما أشاعه الأمويون والعباسيون ليتحكّموا بمصير الأمّة.

6 ـ أخرج أحاديث مكذوبة تشبه الأساطير والخرافات لتخدير الأمّة وإشاعة الفوضى وذلك ما يريده الحكّام في عصر البخاري.

وعلى سبيل المثال إليك أيها القارئ العزيز هذه الرواية:

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب بدء الخلق باب أيام الجاهلية من جزئه الرابع ص238.

قال البخاري: حدثنا نعيم بن حمّاد حدّثنا هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردةٌ قد زنت فرجموها فرجمتها معهم.

ونحن نقول للبخاري، لعلّ الله سبحانه ورحمةً بالقردة قد نسخ حكم الرّجم الذي فرضه عليهم بعد طردهم من الجنة وأباح لهم الزنا في عهد الإسلام بعدما كان محرّماً عليهم في الجاهلية. ولذلك لم يدّع أي مسلم أنّه حضر أو شارك في رجم قردةً منذ بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) وحتى يوم النّاس هذا.

خاتمة البحث

وبعد هذه الخرافات وأمثالها كثير في البخاري فهل يبقى الباحثون والعلماء المتحرّرون ساكتون ولا يتكلّمون؟

وسيقول بعض النّاس لماذا التحامل إلا على البخاري؟ وقد يوجد في غيره من كتب الأحاديث أضعاف ما فيه، وهذا صحيح ولكن تناولنا البخاري بالتّحديد لما ناله هذا الكتاب من شهرة فاقت الخيال حتّى أصبح كالكتاب المقدّس عند علماء السنّة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إذ كل ما فيه صحيح لا يتطرّق إله الشك، ومنبع هذه الهالة وهذا التّقديس نشأ من السّلاطين والملوك بالخصوص في العهد العبّاسي الذي وصل فيه الفرس إلى التحكّم في كل جهاز الدّولة وكان منهم الوزراء والمستشارون والأطبّاء والفلكيون. وعمل الفرس كل جهودهم واستعملوا كل نفوذهم حتّى أصبح كتاب البخاري في المرتبة الأولى بعد القرآن الكريم، وأصبح أبو حنيفة الإمام الأعظم فوق الأئمة الثّلاثة الآخرين.

ولولا خوف الفرس من إثارة القومية العربية في عهد الدولة العبّاسية لرفعوا البخاري فوق القرآن، ولقدّموا أبا حنيفة على النّبي (صلى الله عليه وآله). فمن يدري؟

وقد قرأت لبعضهم محاولات من هذا القبيل، إذ كان البعض منهم يقول صراحة بأنّ الحديث قاض على القرآن، ويقصد بالحديث البخاري طبعاً. كما يقول لو تعارض حديث النّبي (صلى الله عليه وآله) مع رأي واجتهاد أبي حنيفة لوجب تقديم اجتهاد أبي حنيفة ويعلّل ذلك بأنّ الحديث يحتمل عدّة وجوه، هذا إن كان صحيحاً أمّا إذا كان مشكوكاً في صحّته فلا إشكال.

وأخذت الأمة الإسلامية تنموا وتكبر شيئاً فشيئاً وهي دائماً مغلوبة على أمرها يتحكّم في مصيرها الملوك والسّلاطين من الأعاجم والفرس والمماليك والموالي والمغول والأتراك والمستعمرين من الفرنسيين والإنكليز والإيطاليين والبرتغاليين وحدّث ولا حرج.

ودأب أغلب العلماء على الجري وراء الحكّام واستمالتهم بالفتاوى والتملّق طمعاً في ما عندهم من مال وجاهٍ، وعمل هؤلاء دائماً على سياسة «فرّق تسد» فلم يسمحوا لأحد بالاجتهاد وفتح ذلك الباب الذي أغلقه الحكّام في بداية القرن الثاني، معتمدين على ما يثار هنا وهناك من فتن وحروب بين السنة وهي الأغلبية السّاحقة والتي تمثّل الأنظمة الحاكمة، والشيعة وهي الأقلية المنبوذة والتي تمثل في نظرهم المعارضة الخطيرة التي يجب القضاء عليها وبقي علماء السنّة مشغولون بتلك اللّعبة السّياسية الماكرة في نقد وتكفير الشيعة والردّ على أدلّتهم بكل فنون النّقاش والمجادلة حتّى كتبت في ذلك آلاف الكتب وقتلت آلاف النفوس البريئة وليس لها ذنب غير ولائها لعترة النّبي (صلى الله عليه وآله) ورفضها للحكّام الذين ركبوا أعناق الأمّة بالقوة والقهر.

وها نحن اليوم في عهد الحرّيات في عهد النور كما يسمّونه في عهد العلم وتسابق الدول لغزو الفضاء والسيطرة على الأرض إذا ما قام عالم وتحرّر من قيود التعصّب والتقليد، وكتب أيّ شيء يشمُّ منه رائحة التشيّع لأهل البيت، فتثور ثائرتهم وتعبّأ طاقاتهم لسبّه وتكفيره والتشنيع عليه لا لشيء سوى أنّه خالف المألوف عندهم، ولو أنّه كتب كتاباً في مدح البخاري وتقديسه لأصبح عالماً علامة ولانهالت عليه التهاني والمدائح من كل حدب وصوب ولتمسّح بأعتابه رجال لا تلهيهم صلاةٌ ولا صوم عن التملّق وقول الزّور.

وأنت تفكّر في كل هذا والدّواعي التي توفّرت لانحراف أكثر العباد، والأسباب التي تجمّعت لسيّاقه أغلب النّاس إلى الضلالة، فإذا القرآن الكريم يوقفك على سرّها المكنون، من خلال الحوار الذي دار بين ربّ العزّة والجلالة واللّعين إبليس.

« ـ قال: ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك؟

ـ قال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين.

ـ قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبّر فيها فاخرج إنك من الصّاغرين.

ـ قال: أنظرني إلى يوم يبعثون..

ـ قال: إنّك من المنظرين.

ـ قال: فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم، ثلم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين.

قال: أخرج منها مذءوماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملئنّ جهنّم منكم أجمعين» [سورة الأعراف: الآيات 12 ـ 18].

ـ «يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنّا جعلنا الشياطين أولياء للّذين لا يؤمنون، وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون، قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين كما بدأكم تعودون، فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون» [سورة الأعراف: الآيات 26 ـ 30].

ولذلك أقول لكل إخواني من المسلمين عامّة إلعنوا الشيطان ولا تتركوا له سبيلاً عليكم، وتعالوا إلى البحث العلمي الذي يقرّه القرآن والسنّة الصحيحة، تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نحتج إلاّ بما هو صحيح ثابتٌ عندنا وعندكم، وندع ما اختلفنا فيه جانباً، ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا تجتمع أمّتي على خطأ» إذاً فالحقّ والصواب في ما اجتمعنا عليه سنّة وشيعة والخطأ والباطل في ما اختلفنا فيه، ولو أقمنا إلا هذا العمود لعمّ الصفاء والوفاق والهناء ولاجتمع الشمل ولجاء نصر الله والفتح ولعمّت البركة من السّماء والأرض، فالوقت قد حان ولم يعد هناك مجالٌ للانتظار قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ـ ونحن كلّنا في انتظار إمامنا المهدي عليه السّلام شيعة وسنّة وقد طفحت ببشارته كتبنا، أليس هذا دليل كاف على وحدة مصيرنا، فلي الشيعة إلاّ إخوانكم وليس أهل البيت حكرة عليهم، فمحمّد وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) هم أئمة المسلمين كافّة فلقد اتفقنا سنّة وشيعة على صحة حديث الثّقلين وقوله (صلى الله عليه وآله) «تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبداً كتاب الله وعترتي» (15) والمهدي من عترته أليس هذا دليل آخر؟

والآن وقد ولّى عصر الظلمات وعصر الظلم الذي لم يظلم أحداً بقدر ما ظلم أهل البيت عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) حتّى لعنوا على المنابر وقتلوا وسبيت نساؤهم وبناتهم على مرأى ومسمع من كل المسلمين.

فقد حان الوقت لرفع المظلمة عن أهل البيت النبوي ورجوع الأمّة إلى أحضانهم الدّافئة التي ملئت رأفة ورحمة إلى حضيرتهم المترعة التي ملئت علماً وعملاً وإلى ظل شجرتهم الباسقة التي حازت فضلاً وشرفاً، فقد صلّى عليهم الله وملائكته، وأمر المسلمين بذلك في كلّ صلواتهم ـكما أمرهم بمودّتهم وموالاتهم.

وقد كتب بعض النّصارى عدّة كتب في مزايا وفضائل علي بن أبي طالب خاصّة وفي أهل البيت عامّة وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي بقوله: يقولون ما بال النصارى تحبّهم. وهي من العجائب التي بقيت لغزاً وإلاّ كيف يعترف النّصراني بحقيقة أهل البيت ولا يسلم؟ اللهم إلاّ إذا قدّرنا أنهم أسلموا ولم يعلنوا عن ذلك إمّا رهبةً أو رغبةً.

فالمسلمون أولى بحبّ وموالاة أهل بيت النبوّة فأجر الرسالة كلها موقوفاً على مودّتهم.

وعسى أن يلقى ندائي أذاناً صاغية وقلوباً واعية وعيوناً مبصرة، فأكون بذلك سعيداً في الدّنيا والآخرة وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل عملي خالصاّ لوجهه الكريم ويتقبّل منّي ويعفو عنّي ويغفر لي ويجعلني خادماً لمحمّد وعتره (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في الدنيا والآخرة فإنّ في خدمتهم فوزاً عظيماً ـ إن ربّي على صراط مستقيم.

 

الهوامش:

1- الصواعق المحرقة لابن حجر: 107.

2- صحيح الترمذي: 5/297. مستدرك الحاكم: 3/124.

3- صحيح البخاري كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني: 7/9. صحيح مسلم في كتاب الوصية باب ترد الوصي: 5/76.

4- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: 2/166.

5- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 12/21 وذكر ابن أبي الحديد أنّ الخبر نقله أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً.

6- صحيح البخاري: 5/202 كتاب تفسير القرآن سورة براءة.

7- سنن ابن ماجة: 1/44. الجامع الصحيح للترمذي: 5/300. النسائي في الخصائص 20. مسند أحمد: 5/30. المناقب للخوارزمي: 79. تذكرة الخواص لابن الجوزي: 36. الصواعق المحرقة لابن حجر: 120.

8- أخرج ابن حجر في الصواعق المحرقة: 107. قال اختصم أعرابيان إلى عمر فالتمس من علي القضاء بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلاييبه، وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاك ومولى كل مؤمن ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

9- صحيح البخاري: 6/127.

10- صحيح البخاري: 5/160.

11- صحيح البخاري: 6/24 كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى: «ترجي من تشاء منهنّ وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممّن عزلت فلا جناح عليك» .

12- صحيح البخاري: 5/16.

13- شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 1/198 في تفسير قوله تعالى: «وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم» أخرج الحاكم عن علي قال: نقف يوم القيامة بين الجنّة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه.

14- ابن حجر الشافعي في الصواعق المحرقة: 101 قال روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يا علي أنت قسيم الجنة والنار، فيوم القيامة تقول للنار هذا لي وهذا لك، وأضاف ابن حجر أن أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلا من كنت له علي الجواز.

15- وقد أوضحنا في بحث سابق بأنّ هذا الحديث لا يتعارض مع حديث كتاب الله وسنّتي لأن كتاب الله وسنّة رسوله هو كلام صامت ولابد لهما من ترجمان ومن مبيّن. فالرسول يرشدنا بأن المفسّر والمبيّن للقرآن والسنّة هم عترته من أئمة أهل البيت الذين يشهد المسلمون كافة أنّهم مقدّمون على غيرهم في العلم والعمل.