رجوع

 

 

 

 

 

الحديث الموضوع

 

الدكتور عبد الهادي الفضلي

تعريف الحديث الموضوع

الحديث الموضوع: هو المكذوب، المختلق، المصنوع.

والتمسية مأخوذة من الوضع بمعنى الاختلاق، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه وكذبه واختلقه(1).

والوثيقة العلمية التي رواها الكليني بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - والتي نقلنا نصها عند حديثنا عن نشأة الحديث - صريحة في أن وضع الحديث كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ويبدو أنه شكّل آنذاك ظاهرة تشبه المشكلة، مما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكافحها وبكل قوة، وذلك لما قد ينجم عن الوضع من خطر على العقيدة والتشريع والمجتمع.

فقد جاء فيها: (وقد كُذِبَ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيباً فقال: (يا أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) ثم كذب عليه من بعده).

عوامل الوضع

يمكننا أن نلخص عوامل وضع الحديث بالتالي:

1 - العامل السياسي.

2 - العامل الديني.

3 - العامل المذهبي.

4 - العامل الإعلامي.

5 - العامل الاجتماعي.

6 - العامل الاقتصادي.

7 - العامل الشخصي.

1- (العامل السياسي):

وتمثل هذا بشكل واضح في أعمال معاوية بن أبي سفيان التي قام بها من أجل توطيد أركان دولته.. وكان منها اختلاق الحديث.

ذلك أن معاوية عندما أسلم يوم فتح مكة لا عن طواعية، وإنما هو الأمر الواقع الذي استسلم له آل أمية.

فليس أمامهم لاسترجاع سيادتهم الجاهلية إلاّ أن يسايروا هذا الواقع الجديد الذي سلبهم تلك السيادة الجاهلية ليحققوا هدفهم في استرجاعها عن طريق هذه المسايرة.

وكان أول نفوذ لهم إلى ذلك، أيام أبي بكر حينما ولّى يزيد بن أبي سفيان أمرة أحد جيوش الفتح، وهو الجيش الذي وجهه الخليفة لفتح دمشق.

ثم لما ولاّه عمر بن الخطاب ولاية دمشق، وولّى أخاه معاوية ولاية ما والاها من بلاد الشام.

ولما مات يزيد بن أبي سفيان أضاف عمر ولاية دمشق إلى معاوية.

ولما ولي عثمان بن عفان ولّى معاوية ولاية الشام كلها.

وبعد مقتل عثمان استقل معاوية بولايته، وخرج عن طاعة الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب، وشق عصا جماعة المسلمين، وبما أحدثه من فتنة الحرب بين أهل العراق وأهل الشام.

ولما استتب له أمر السلطة بعد مقتل الإمام علي (عليه السلام) (تحولت الخلافة إلى ملك آل إلى صاحبه بقوة السيف والسياسة والمكايد)(2).

ولأن معاوية كان يعلم أن لا أهلية شرعية له للخلافة لأنه من الطلقاء.

وقد أسمعه هذا غير واحد من الصحابة والتابعين لما يجسد رأيهم فيه، وموقفهم منه.

روى المسعودي في (مروج الذهب 3/40 - 41) قال: (حّدث منصور بن وحشي عن أبي الفياض عبد اللّه بن محمد الهاشمي عن الوليد بن البختري العبسي عن الحارث بن مسمار البهراني قال: حبس معاوية صعصعة بن صوصان العبدي وعبد اللّه بن الكواء اليشكري ورجالاً من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوماً، فقال: نشدتكم باللّه إلاّ ما قلتم حقاً وصدقاً، أيَّ الخلفاء رأيتموني؟... ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمتَ يا ابن أبي سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أَنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً، ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً..

أما واللّه مالَ في يوم بدر مضرب ولا مرمى، وما كنت فيه إلاّ كما قال القائل: (لا حلي ولا سيري).

ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وإنما أنت طليق وابن طليق، أطلقكما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأَنّى تصلح الخلافة لطليق؟.

فقال معاوية: لو لا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلت جهلهم حلماً ومغفـــــــــــرة       والعفو عن قدرة ضرب من الكرم

لقتلتكم).

وفي كتاب علي إلى معاوية الذي يدعوه فيه إلى بيعته بيان آخر في أن الطلقاة لا تحل لهم الخلافة، قال (عليه السلام): (أما بعد: فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه يبايعني القوم الذين بايعوا (أبا بكر) و(عمر) و(عثمان) على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماماً كان ذلك رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه اللّه ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً.

وإن (طلحة) و(الزبير) بايعاني، ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتما على ذلك حتى جاء الحق، وظهر أمر اللّه وهم كارهون.

فأدخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إليّ فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت اللّه عليك.

وقد أكثرتَ في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ أحملك وإياهم على كتاب اللّه.

فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن.

ولعمري، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان.

وأعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى.

وقد أرسلت إليك وإلى مَن قبلك (جرير بن عبد اللّه)، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايع، ولا قوة إلا باللّه)(3).

وفي (مقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة وأبي الدرداء عندما أرسلهما معاوية إلى علي:(أيّ مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب، وكيف يستقر له الأمر بعد قول عمر:(هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أُحد، ثم في كذا وكذا، وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح)(4).

(وقال له شعبة بن غريض: إنك ميت الحق في الجاهلية، وميته في الإسلام، أما في الجاهلية فقاتلت النبي والوحي حتى جعل اللّه كيدك المردود، وأما في الإسلام فمنعت ولد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الخلافة، وما أنت وهي؟ وأنت طليق ابن طليق) (5).

فما كان منه (أعني معاوية) إلاّ أن اتجه وجهة اختلاق الأحاديث التي تؤيد ملكه وحكمه، فاستقطب ذوي النفوس المريضة من المرتزقة، والآخرين الذين يريدون الكيد للاسلام والمسلمين، فوضعوا له الأحاديث في هذا.

ومن هذا الذي وضعوه: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (سيليكم بعدي البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)(6).

وظلال الصنعة على هذا الحديث واضحة، وهي أنه اختلق ليلغي عنصر العدالة المطلوب توافره من ناحية شرعيه في الخليفة، وليلغي وجوب الوقوف بوجه الحاكم الجائر حتى يعود إلى الاستقامة وتعود إلى النظام عدالته الاجتماعية.

ومع هذا كان أمام معاوية وتحقيق هدفه من تحويل الخلافة إلى ملك عضوض تتناوب على عرشه رجال أمية عقبة صلدة، تلك هي إيمان المسلمين بأن الخلافة لعلى وآله، فانبري وبكل ما أُوتي من حول لتذليل هذه العقبة.

(روى المدائني في كتاب الأحداث، وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب، وأهل بيته).

وكان أشد البلاء حينئذ أهل الكوفة.

وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله، ومناقبه، فأَدنوا مجالسهم، وقربوهم، وأكرموهم، واكتبوا إليّ بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته.

ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطايع، ويفضه العرب منهم والموالي.

فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفعه.

فلبثوا بذلك حيناً.

ثم كتب إلى عمّاله: أن الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كل مصر، وفي كل وجه، وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحبّ إليّ، وأقرّ إلى عيني، وأدحض لحجة أبي تراب، وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان، وفضله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.

وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر.

وأُلقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم، وغلمانهم، من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه، وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم، ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم.

فلبثوا بذلك إلى ما شاء اللّه.

فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبختان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة)(7).

وقال ابن عرفة: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم)(8).

ومن هذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد في كتابه (شرح نهج البلاغة 1/358 الطبعة المصرية القديمة) قال: (وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي: أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلفوا ما أرضاه.

منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.

روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه، قال: حدثتني عائشة، قالت: - كنت عند رسول اللّه إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني.

وروى عبد الرزاق عن معمر، قال: كنت عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي (عليه السلام)، فسألته عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما، وبحديثهما، اللّه أعلم بهما، إني لاتهمهما في بني هاشم.

قال (أبو جعفر): فأمّا الحديث الأول فقد ذكرناه، وأَمّا الحديث الثاني فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة، إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب.

وأما عمرو بن العاص فروى فيه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي اللّه وصالح المؤمنين.

وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث الذي معناه أن علياً (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لا واللّه، لا تجتمع ابنة ولي اللّه وابنة عدو اللّه أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاماً هذا معناه.

والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.

قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور

بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى (تنزيه الأنبياء والأئمة)، وذكر أنه رواية حسين الكرابيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت(عليهم السلام)، وبعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته.

ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة (عليها السلام)، وينحي عليهم، ويذمهم، وقد بالغ حين ذمك علياً (عليه السلام) ونال منه) وأولها:

سلام على جمل وهيهات من جمل***ويا حبذا جمل وإن صرمت حبلـي

يقول فيها:

وساء رسول اللّه إذ ساء بنتــــــــــــه***فذم رسول اللّه صهر أبيكـــــــــــــــم

بخطبته بنت اللعين أبي جهـــــــــــــل***على منبر بالنطق ذي الصادع الفصل

..... قال أبو جعفر: وروى الأعمش، قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على اللّه وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار، واللّه لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أن لكل نبي حرماً وان حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، وأشهد باللّه أن علياً أحدث فيها.

فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة.

قال أبو جعفر: وأبو هريرة مذكور عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرة، وقال: قد أكثرت من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذباً على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وروى سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم التيمي، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلاّ ما كان من ذكر جنة أو نار.

وروى أبو أسامة عن الأعمش قال، كان إبراهيم صحيح الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، انهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه.

وقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: ألا إن أكذب الناس، أو قال: أكذب الأحياء على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي.

وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يخالف قياسنا ما تصنع به؟، قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟، فقال: ناهيك بهما، فقلت: علي وعثمان؟ قال: كذلك،.. فلما رآني أعدّ الصحابة، قال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً، ثم عَدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.

وروى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة أنشدك اللّه أسمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه)، فقال: اللهم نعم، قال: فأشهد باللّه لقد واليت عدوه وعاديت وليه، ثم قام عنه).

وليس لنا إلا أن نعلق هنا بأن فتح باب الوضع رسمياً - كما رأينا - قد أساء للفكر والعقيدة والتشريع أيما إساءة، ولا يزال المفعول يلقى بجريانه على كواهل المسلمين، وبتبعاته على رقابهم، فلوّث وشوّه وأعاب.

2 - (العامل الديني):

وأقصد بالعامل الديني - هنا - السبب الذي دفع أبناء الأديان الأخرى لوضع الأحاديث كيداً للإسلام وانتقاماً من المسلمين.

وأظهر مظاهر هذا ما عرف في لغة المحدثين والفقهاء ب(الإسرائيليات)، و(الغلو).. الإسرائيليات التي جاءتنا عن طريق اليهود في أحاديث موضوعة، و(الغلو) الذي وصل إلينا عن طريق النصارى في أحاديث موضوعة أيضاً.

فعندما انبثق نور الإسلام في الحجاز، وتركز في المدينة المنورة، واتخذ منها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) عاصمة الدولة الإسلامية عمل المسلمون على إجلاء اليهود منها، فانتقلوا إلى الشام، وبعض منهم إلى العراق.

وكان في ذلك الوقت عدد غير قليل منهم في اليمن، فأراد هؤلاء اليمنيون أن يثأروا ليهود الحجاز، فأخذوا يفدون من اليمن إلى المدينة المنورة متظاهرين باعتناقهم الإسلام.

وكان من أبرز من وفد من يهود اليمن:

1 - كعب الأحبار:

وكان من أكابر علماء اليهود في اليمن، ويقال: إنه أسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في أيام عمر.

2 - وهب بن منبه:

وكان من أكابر علماء اليهود بأساطير الأولين، ولا سيما الإسرائيليات.

نَفَذَ هؤلاء اليهود لتحقيق مآربهم عن طريق استغلال الخلافات الفكرية التي تقع بين المسلمين بدس وتسريب فكرهم الإسرائيلي مغلفاً بأحاديث مختلفة.

وقد تمثلت هذه الإسرائيليات أكثر ما تمثلت في أحاديث التجسيم.

والتجسيم - كما هو معلوم - من الفكر اليهودي، ويتردد صداه في التوراة المحرّفة بشكل جلي.

وانبثت هذه الأحاديث في حديث أهل السنة، ودخلت أقدس كتبهم في الحديث، وهي (الصحاح).

وإليك أمثلة منها:

جاء في كتاب (أبو هريرة) للشيخ محمود أبو ريه ص 244 تحت عنوان (أمثلة مما رواه أبو هريرة) ما يلي:

أخرج البخاري ومسلم عنه أنه قال: جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى اللّه تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني، فرد اللّه إليه عينه، وقال: أرجع إلى عبدي فقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثوّر فما توارت بيدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة.

وقد أورد الثعالبي في كتابه (المضاف والمنسوب) هذا الحديث تحت عنوان (لطمة موسى)، وقال عنه: إنه من أساطير الأولين، وان ملك الموت هذا أعور، حتى قيل فيه:

يا ملك الموت لقيت منكـرا***لطمة موسى تركتك أعورا

وختم قوله بهذه العبارة: وأنا بريء من هذه الحكاية.

ومن العجيب أن يصف الثعالبي هذا الحديث بأنه من أساطير الأولين بعد أن رواه البخاري ومسلم، مما يدل على أن هذين الكتابين لم يكن لهما في القرون الأولى الإسلامية تلك القداسة التي جُعلت لهما بعد ذلك، والثعالبي - كما هو معروف - قد مات في سنة 429 هجري).

(وأخرج البخاري ومسلم عنه: قال النبي (صلى الله عليه وآله): تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقطتهم، قال اللّه تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض).

(وروى الشيخان عنه: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له).

(وأخرج الشيخان عنه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، قال: خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، وزاد أحمد عن أبي هريرة: في سبعة أذرع عرضاً.

وهذا الحديث هو نفس الفقرة السابعة والعشرين من الاصحاح الأول من سفر التكوين (العهد القديم)، وإليك نصها: (فخلق اللّه الإنسان على صورة اللّه، على صورة اللّه خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم).

ونحن إذا علمنا أن أبا هريرة كان من أبرز تلامذة كعب الأحبار أدركنا مصدر هذه الروايات.

قال أبو ريه: (ما كاد أبو هريرة يرجع إلى المدينة معزولاً عن ولايته بالبحرين).

حتى تلقفه الحبر الأكبر كعب الأحبار اليهودي، وأخذ يلقنه من إسرائيلياته، ويدس له من خرافاته.

وكان المسلمون يرجعون إليه فيما يجهلون، وبخاصة بعد أن قال لقيس بن خرشة هذه الأكذوبة: (ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزلت على موسى ما يكون عليه، وما يخرج منه).

ومن أجل ذلك هرع أبو هريرة إليه، ليأخذ منه، ويتتلمذ عليه، وسال سيل روايتهما، ولا سيما بعد أن خلا الجو لهما، بموت عمر واختفاء درته)(9).

وقام بمثل هذا الدور في صفوف الشيعة مَن عرفوا بالغلاة، فاستغلوا تقديس الشيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، فوضعوا أحاديث في رفعهم فوق منزلتهم.

ومن أشهر من قام ببث أحاديث الغلو بين الشيعة وفي كتب الحديث الشيعية:

1 - المغيرة بن سعيد، المعاصر للإمام الباقر (عليه السلام).

روى الكشي بإسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس عن هشام بن الحكم: أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم)(10).

2 - محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع، المعروف بمحمد بن أبي زينب والمشهور بأبي الخطاب، تلميذ المغيرة بن سعيد.

(كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)، مستقيماً في أول أمره، وقال علي بن عقبة: كان أبو الخطاب قبل أن يفسد، يحمل المسائل لأصحابنا، ويجيء بجواباتها، كذا في باب فضل التجارة من (الكافي)، ثم ادعى القبايح، وما يستوجب الطرد واللعن، من دعوى النبوة وغيرها، وجمع معه بعض الأشقياء، فاطلع الناس على مقالاتهم، فقتلوه مع تابعيه.

والخطابية منسوبون إليه، عليه وعليهم لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.

وفي (إكمال الدين) في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان - عجل اللّه فرجه -: أمّا أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون، وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني بريء وآبائي (عليهم السلام) منهم برئاء)(11).

وكان ما نشروه من غلو في أهل البيت (عليهم السلام) غلو ارتفاع، فنسبوا إليهم أنهم آلهة، ونسبوا إليهم أنهم أنبياء، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون الغيب علماً لدنياً (ذاتياً)، ونسبوا إليهم أنهم يعلمون بكل ما في الكون.

وقالوا: إن معرفة الإمام تسقط التكليف الشرعي.

وهذه - كما تراها - لا تعدو أن تكون صدى من أصداء الفكر المسيحي الموجود في الأناجيل المحرفة.

وبخاصة إذا علمنا أن الذين نشروا هذه الأفكار أمثال المغيرة بن سعيد وتلميذه أبي الخطاب وأتباعهما هم من أهل الكوفة،.. والكوفة - كما هو معروف تاريخياً - قامت على أنقاض الحيرة وحلت محلها حاضرة للعراق الغربي.

وفي الحيرة اجتمع على النصرانية قبائل شتى من العرب، وفي أطرافها كانت أديرة الرهبان السريان تنتشر هنا وهناك.

وكان المسلمون في الكوفة يلتقون هؤلاء، وربما تظاهر بعضهم بالإسلام للكيد والوقيعة.

وكما نشر اليهود أفكارهم في المدينة عن طريق سرد الحكايات ونقل الأساطير، فعل مثلهم النصارى في الكوفة، فنشروا أفكار الغلو، ودعموها بالأحاديث المصنوعة.

وقد وقف منهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) موقف الطرد لهم والشجب لأفكارهم، ورفضها رفضاً باتاً، وتحريم الاعتقاد بها تحريماً قاطعاً.

ووقفوا من حديثهم موقف الرفض له، والتحذير من روايَته، ومنعها منعاً باتاً.

يقول القاضي النعمان في كتابه (دعائم الإسلام 1 / 48 - 50): فأَمّا ذكرُ من ضل وهلك من أهل هذا الأمر (يعني الغلو) فكثير، يطول ويخرج عن حد هذا الكتاب، ولكن لا بد من ذكر نكت من ذلك.

فمن ذلك: ما روينا عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن قوماً من أصحابه، وممن كان قد بايعه وتولاه ودان بإمامته، مرقوا عنه، ونكثوا عليه، وقسطوا فيه، فقاتلهم أجمعين، فهزم الناكثين، وقتل المارقين، وجاهد القاسطين، وقتلهم، وتبرأوا منه، وبرئ منهم.

وإن قوماً غلوا فيه لما استدعاهم الشيطان بدواعيه، فقالوا: هو النبي، وإنما غلط جبرائيل فيه، وإليه كان أرسل فأتى محمداً (صلى الله عليه وآله).

فيا لها من عقول ناقصة، وأنفس خاسرة، وآراء واهية، ولو أن أحدهم بعث رسولاً بصاع من تمر إلى رجل، فأعطاه غيره، لما استجاز فعله، ولعوّض المرسِل إليه مكانه، أو استرده إليه ممن قبضه، فكيف يظنون مثل هذا الظن الفاسد برب العالمين، وبجبرائيل الروح الأمين، وهو ينزل أيام حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بالوحي إليه، وبالقرآن الذي أنزل عليه، ثم يقولون هذا القول العظيم، ويفترون مثل هذا الافتراء المبين، بما سوّل لهم الشيطان، وزيّن لهم من البهتان والعدوان.

وزعم آخرون منهم أن علياً (عليه السلام) في السحاب، رقاعةً منهم، وكذباً لا يخفى عن ذوي الألباب.

وأتاه (عليه السلام) قوم غلوا فيه ممن قدمنا وصفهم واستزلال الشيطان إياهم، فقالوا: أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا، ومنك مبدؤنا، وإليك معادنا، فتغيّر وجهه (عليه السلام)، وارفضّ عرقاً، وارتعد كالسعفة، تعظيماً لجلال اللّه - عز جلاله -، وخوفاً منه، وثار مغضباً، ونادى بمن حوله، وأمرهم بحفير فحفر، وقال: لأشبعنكم اليوم لحماً وشحماً، فلما علموا أنه قاتلهم، قالوا: لئن قتلتنا فأنت تحيينا، فاستتابهم، فأصروا على ما هم عليه، فأمر بضرب أعناقهم، وأضرم ناراً في ذلك الحفير، فأحرقهم فيه.

وهذا من مشهور الأخبار عنه (عليه السلام).

وكان في أعصار الأئمة من ولده مثل ذلك، ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد - لعنه اللّه -، وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) ودعاته، فاستزله الشيطان، فكفر وادعى النبوة، وزعم أنه يحيي الموتى، وزعم أن أبا جعفر (عليه السلام) إله، تعالى اللّه رب العالمين، وزعم أنه بعثه رسولاً، وتابعه على قوله كثير من أصحابه، سموا (المغيرية) باسمه.

وبلغ ذلك أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، ولم يكن له سلطان كما كان لعلي، فيقتلهم كما قتل علي (عليه السلام) الذين ألحدوا فيه، فلعن أبو جعفر المغيرةَ وأصحابه، وتبرأ منه ومن قوله ومن أصحابه، وكتب إلى جماعة أوليائه وشيعته، وأمرهم برفضهم والبراءة إلى اللّه منهم ولعنِهِ ولعنِهم، ففعلوا، فسماهم (المغيرية الرافضة) لرفضهم إياه، وقبولهم ما قال المغيرة لعنه اللّه.

وكانت بينه وبينهم وبين أصحابه مناظرة وخصومة واحتجاج، يطول ذكرها.

واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها، وعطلوا الشرائع وتركوها، وانسلخوا من الإسلام جملة، وبانوا من جميع شيعة الحق كافة واتّباعِ الأئمة، وأشهر أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) لعنهم والبراءة منهم.

ثم كان أبو الخطاب في عصر جعفر بن محمد (عليه السلام) من أَجلّ دعاته، فأصابه ما أصاب المغيرة، فكفر، وادعى أيضاً النبوة، وزعم أن جعفر بن محمد (عليه السلام) إله، تعالى اللّه عن قوله، واستحل المحارم كلها، ورخص فيها.

وكان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة، أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب، خفف علينا، فيأمرهم بتركها، حتى تركوا جميع الفرائض، واستحلوا جميع المحارم، وارتكبوا المحظورات، وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال: مَن عرف الإمام فقد حل له كل شيء كان حرم عليه.

فبلغ أمره جعفر بن محمد (عليه السلام) فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه وتبرأ منه، وجمع أصحابه فعرفهم ذلك، وكتب إلى البلدان بالبراءة منه واللعنة عليه.

وكان ذلك أكثر ما أمكنه فيه، وعظم ذلك على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، واستفظعه واستهاله.

ومن الوثائق الروائية التي تعرب عن موثق الأئمة من هؤلاء الغلاة وغلوهم ما يلي:

- عن ابن مسكان، عمن حدثه من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: لعن اللّه المغيرة بن سعيد أنه كان يكذب على أبي، فأذاقه حر الحديد، لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا.

- عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أن بعض أصحابنا سأله، وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد، ما أَشدَّك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟.. فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دس في كتب أصحاب أبي أحاديثَ لم يحدّث بها أبي، فاتقوا اللّه، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال اللّه عز وجل، وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)...).

- عن عبد الرحمن بن كثير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يوماً لأصحابه: لعن اللّه المغيرة بن سعيد، ولعن اللّه يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق.

إن المغيرة كذب على أبي، فسلبه اللّه الإيمان.

وإن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم أذاقهم اللّه حر الحديد.

فو اللّه ما نحن إلّا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، واللّه ما لنا على اللّه من حجة، ولا معنا من اللّه براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون.

ويلهم، ما لهم، لعنهم اللّه، لقد آذوا اللّه، وآذوا رسوله (صلى الله عليه وآله) في قبره، وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي (عليهم السلام).

وهاأنا ذا بين أظهركم، لحم رسول اللّه، وجلد رسول اللّه، أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون وأفزع، وينامون على فرشهم وأنا خائف ساهر وجل، أتقلقل بين الجبال والبراري.

أبرأ إلى اللّه مما قال فيَّ، الأجدع البراد، عند بني أسد أبو الخطاب لعنه اللّه.

واللّه لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك، لكان الواجب أن لا تقبلوه، فكيف وهم يروني خائفاً وجلاً؟!

استعدي اللّهَ عليهم، وأتبرأ إلى اللّه منهم، أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وما معي براءة من اللّه، إن أطعته رحمني، وإن عصيته، عذبني عذاباً شديداً، أو أشد عذابه)(12).

- عن عنبسة بن مصعب: قال: قال لي أبو عبد اللّه: أي شئ سمعت من أبي الخطاب؟

قال: سمعته يقول: إنك وضعت يدك على صدره، وقلت له: (عِه، ولا تنس)، وأنك تعلم الغيب، وأنك قلت له: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا.

قال: لا واللّه ما مس شئ من جسدي جسده إلاّ يده.

وأما قوله: (أني قلت، أعلم الغيب)، فواللّه الذي لا إله إلا هو، ما أعلم الغيب، ولا آجرني اللّه في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن كنتُ قلت له.

قال: وقدامه جويرية سوداء تدرج، قال: لقد كان مني إلى أم هذه - أو إلى هذه - بخطة القلم فأتتني هذه، فلو كنت أعلم الغيب ما تأتيني،... ولقد قاسمت مع عبد اللّه بن الحسن حائطاً بيني وبينه، فأصابه السهل والشرب، وأصابني الجبل، فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل.

وأمّا قوله:(إني قلت: هو عيبة علمنا، وموضع سرنا، أمين على أحيائنا وأمواتنا)، فلا آجرني اللّه في أمواتي، ولا بارك لي في أحيائي، إن قلت شيئاً من هذا قط.

- عن عمران بن علي: قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لعن اللّه أبا الخطاب، ولعن من قتل معه، ولعن اللّه من بقي منهم، ولعن اللّه من دخل قلبه رحمة لهم.

- عن مصادف، قال: لما لبى القوم الذين لبوا بالكوفة(13)، دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك، فخر ساجداً، ودق جؤجؤه بالأرض، وبكى، وأقبل يلوذ بإصبعه، ويقول: (بل عبد اللّه قن داخر)، مراراً كثيرة، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته.

فندمت على إخباري إياه، فقلت: جعلت فداك، وما عليك أنت من ذا؟!

فقال: يا مصادف، إن عيسى (عليه السلام) لو سكت عما قالت النصارى فيه، لكان حقاً على الله أن يصم سمعه، ويعمي بصره، ولو سكتّ عما قال فيَّ أبو الخطاب، لكان حقاً على اللّه أن يصم سمعي ويعمي بصري.

- عن أبي بصير:قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا محمد أبرأ ممن يزعم أَنّا أرباب، قلت: برئ اللّه منه، فقال: أبرأ ممن زعم أنا أنبياء، قلت برئ اللّه منه.

- عن مرازم قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قل للغالية توبوا إلى اللّه، فإنكم فساق، كفار، مشركون.

- عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة: قال: كنت عند أبي الحسن (الكاظم) (عليه السلام) أنا ويحيى بن عبد اللّه بن الحسن، فقال يحيى: جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب.

فقال: سبحان اللّه، ضع يدك على رأسي، فواللّه ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلاّ قامت.

قال: ثم قال: لا والله ما هي إلاّ رواية عن رسول اللّه.

- عن أي بصير: قال:قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنهم يقولون.

قال: وما يقولون؟

قلت: يقولون تعلمُ قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب.

فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان اللّه، سبحان اللّه، لا واللّه ما يعلم هذا إلاّ اللّه.

- عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من قال بأننا أنبياء، فعليه لعنة اللّه، ومن شك في ذلك فعليه لعنة اللّه(14).

- عن المفضل بن يزيد: قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)، وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة، فقال لي: يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم(15).

ومما نفيده من هذه الوثائق النتائج التالية:

1 - إن هذه الأحاديث الموضوعات تقوم فيما تحتويه من أفكار، إمّا على تشبيه الخالق بالمخلوق كما في أحاديث التجسيم، وإمّا على تشبيه المخلوق بالخالق كما في أحاديث الغلو.

وهي من منعطفات الانحراف اليهودي حيث نزل اليهود بالخالق فشبهوه بالمخلوق، والانحراف النصراني حيث ارتفع النصارى بالمخلوق فشبهوه بالخالق.

2 - إن اليهود أيضاً شاركوا في دس أفكار الغلو كما قد يستفاد هذا من رواية عبد الرحمن بن كثير التي كانت تشير إلى تردد المغيرة بن سعيد على إحدى اليهوديات.

ومن المعروف تاريخياً أن اليهود كانوا ينزلون شرقي الكوفة في المنازل والربوع التي بينها وبين بغداد.

وربما كان منهم من سكن الكوفة.

ويبدو أن الأنظمة الحاكمة التي كانت تخشى من معارضة الامامية لسياستهم الجائرة ومعاملتهم الظالمة استغلت هذا الاسم (الرافضة) لما يحمل في طياته من قيمة نقدية تساعد على التنفير والابتعاد عمن ينبذ به فسحبته على الامامية أيضاً تشويهاً لسمعتهم، وتحريضاً لبقية المسلمين على محاربتهم، بعد أن اختلفت سبباً آخر للتسمية، وهو رفضهم لخلافة أبي بكر، أو رفضهم للخروج مع زيد بن علي لأنه لم يرفض خلافة أبي بكر - كما يزعمون.

ونحن لا نستغرب أن نقوم الأنظمة المهزوزة بمثل هذا، ولكن الغريب أن يتأثر بهم غير قليل من كتّاب إخواننا أهل السنة فيعيدوا توقيع النغمة والضرب على الوتر والوتيرة، وهم يعلمون أن للبحث حرمة وحدوداً تقتضيهم أن يكونوا موضوعيين ومنصفين، ولا يرسلوا القول على عواهنه، بتكفير الامامية وهدر دمائهم تجريماً بعقيدة رفضها أئمتهم ورفضوها هم أيضاً تبعاً لأئمتهم.. وفي الوقت نفسه يغضون البصر عن بدعة التجسيم الإسرائيلي التي تتكرر في خطب الجمع وحلقات الدرس، وعلى صفحات الكتب والدوريات، وكأنهم لم يدركوا أن العدل لا يقبل التجزئة.

3 - العامل المذهبي:

وأعني به السبب الذي دفع بعض أصحاب المذاهب الاسلامية للوضع تأييداً للمذهب، ودعماً لأفكاره ورجالاته.

ومنه:

- ما روي عن ابن لهيعة: أنه سمع شيخاً من الخوارج يقول بعد ما تاب: (إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرنا له حديثاً).

قال الحافظ ابن حجر: (هذه واللّه قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، فمن بعدهم.

وهؤلاء إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثاً وأشاعوه.

فربما سمع الرجل الشئ فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسيناً للظن، فيحمله عنه غيره.

ويجئ الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت)(16).

- ما جاء في كتاب (علوم الحديث) للدكتور الصالح من أن أصحاب الأهواء دأبوا (في مختلف العصور على الافتراء على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، حتى قال عبد اللّه بن يزيد المقرئ، إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: (انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً).

ومن أصحاب الأهواء الفقهاء الذين يتصدون للدفاع عن مذهبهم زوراً وبهتاناً فيشحنون كتبهم بالموضوعات، سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضاعون خدمة لم وتأييداً لهواهم.

وقد تبلغ الجرأة حد الخلط بين أقيستهم وبين أحاديث الرسول، فيضعون فيه عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم.

وغالباً ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعنى بالقياس عناية خاصة.

قال أبو العباس القرطبي: استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) - كذا؟ -.

ولهذا ترى كتبهم مشخونة بأحاديث تشهد متونها بأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سنداً(17).

وروى العقيلي عن حماد بن زيد قال: (وضعت الزنادقة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أربعة عشر ألف حديث)(18).

4 - العامل الإعلامي:

وأقصد منه أن يضع الواضع الحديث دعاية للدين، ومن باب الاحتساب والتقرب إلى اللّه تعالى.

قال ابن الصلاح في (مقدمته): (والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضرراً قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتساباً فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركنوا إليهم)(19).

وقال الشهيد الثاني في (الدراية): (والوضاعون أصناف، أعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، وزعم أن وضعه يقربه إلى اللّه تعالى، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بظاهر حالهم).

وقد جرأ هذا الاختلاق المشمين أن ذهب بعض الكرّامية (وهم فرقة من المجسمة) إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب.

قال ابن الصلاح: (وفيما روينا عن الإمام أبي بكر السمعاني: أن بعض الكرّامية ذهب إلى جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب)(20).

وكما أشير أن هذا اللون من الوضع اشتهر على السنة من ظاهرة الزهد والصلاح.

قال الشيخ الأميني في (الغدير 5/275): (قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث).

وعنه: لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث.

وعنه: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسِب إلى الخير والزهد.

وقال القرطبي في (التذكار 155): لا التفات لما وضعه الواضعون، واختلقه المختلقون، من الأحاديث الكاذبة، والأخبار الباطلة، في فضل سور القرآن، وغير ذلك من فضائل الأعمال.

وقد ارتكبها جماعة كثيرة، وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال.

كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد اللّه الجويباري، وغيرهم.

قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورةً سورة؟

فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن اسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.

وقال (القرطبي) في ص 156، قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين: أن رجلاً من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له: لِمَ فعلت هذا؟

فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه.

فقيل (له): فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

فقال: (أنا ما كذبتُ عليه، إنما كذبتُ له).

وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان 5/288) - ترجمة محمد بن عكاشة الكرماني: (وذكره الحاكم في أقسام الضعفاء، فقال: ومنهم جماعة وضعوا - كما زعموا - يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، مثل أبي عصمة، ومحمد بن عكاشة الكرماني.

ثم نقل عن سهل بن السري الحافظ أنه كان يقول: وضع أحمد الجويباري ومحمد بن تميم ومحمد بن عكاشة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أكثر من عشرة آلاف حديث.

وفي ترجمة أحمد بن عبد اللّه الجويباري 1/193: (قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرّام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه).

فمن ذلك: (حدثنا ابن كرام، ثنا أحمد عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس (رض): يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة يجدد اللّه سنتي على يده).

(قال ابن حبان: هو أبو علي الجويباري، دجال من الدجاجلة، روى عن الأئمة ألوف الأحاديث، ما حدثوا بشيء منها).

(وقال البيهقي: أما الجويباري فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الأحاديث على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث).

5 - العامل الاجتماعي:

وأعني به ذلك السبب الرخيص المهين الذي كان يدفع تلكم الطبقة من وعاظ السلاطين إلى وضع الحديث للزلفى من حاكم أو أمير أو غيرهما بغية الحصول على مركز اجتماعي.

يقول الدكتور الصالح: (وأدهى من ذلك (يشير إلى العامل المذهبي) وأمر ما يضعه بعض علماء السوء في كل جيل تقرباً إلى الطبقة الحاكمة، وكسباً للحظوة عندها. كما صنع غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي، فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين.

فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لا سبق إلاّ في نصل أو خف أو حافر أو جناح).

فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

ثم قال له المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام ورفض ما كان فيه)(21)

وأنا - هنا - لا أدري لماذا نعى الدكتور الصالح على غياث بن ابراهيم كذبه على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، ولم يعقبه بنعيه على المهدي إعطاءه المال له ؟

ألا يدل هذا على تشجيع الوضع والكذب؟

وعلى مِن؟.. من خليفة المسلمين الأمين على أموالهم وأقدارهم

ألا يعد هذا أفضع وأدهى وأمر.

ولا أقل من أنهما اشتركا في الجريمة

6 - العامل الاقتصادي:

رأينا فيما تقدمه أن العامل الاجتماعي قد يكون في الوقت نفسه عاملاً اقتصادياً، فكما يستفيد منه الواضع القرب من الموضوع له، يستفيد المال منه أيضاً.

وكما يرتبط العامل الاقتصادي أحياناً بالعامل الاجتماعي يرتبط أيضاً وفي كثير من الأحيان بالعامل السياسي.

وتمثل هذا بوضوح فيما قام به معاوية بن أبي سفيان، فإنه لم يكتف بما قام به من أسباب الدعاية لتوطيد قواعد مملكته الأموية (بل أحدث القصص ليعزز به أسلحة الدعاية له، ولم يكن معروفاً قبله، فسخر الألوف لذلك، وبثهم بين أرجاء البلاد، ليقصوا له، ما يشد له دولته، وما يحفظ به سلطانه، بله ما ينشرون من خرافات وأباطيل، مما جلب الفساد على عقول المسلمين، وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين، كما ذكر ذلك الأستاذ الإمام)(22).

وكانت هذه القصص تعتمد الإسرائيليات وأساطير الأمم الخالية، وتتخللها الأحاديث المصنوعة.

وكان الذي يمونها بمحتوياتها أحبار وكهان اليهود الذين أظهروا الإسلام أمثال: كعب الأحبار ووهب بن منبه.

وكان لكل قاص جراية من قبل الدولة.

أما كيف كان يقوم القاص بدوره، فهذا ما أوضحه أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) بقوله: (يجلس القاص في المسجد، وحوله الناس، فيذكرهم باللّه، ويقص عليهم حكايات وأحاديث وقصصاً عن الأمم الأخرى وأساطير، ونحو ذلك.. لا يعتمد فيها على الصدق بقدر ما يعتمد على الترغيب والترهيب.

قال الليث بن سعد: هما قصتان: قصص العامة وقصص الخاصة.

فأما قصص العامة فهو الذي إليه النفر من الناس، يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه.

وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولّى رجلاً على القصص فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر اللّه - عز وجل - وحمده ومجّده، وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة)(23).

7 - العامل الشخصي:

وهو أن يتظاهر غير العالم بمظهر العالم ويعزز ذلك باختلاقه الأحاديث وروايتها. وعبر عنه في كتب علم الحديث بـ(التعالم).

(روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي، قال: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّه: (من قال لا إله إلّا اللّه، خلق الله من كل كلمة طيراً منقاره من ذهب وريشه من مرجان...).

وأخذ في قصته نحواً من عشرين ورقة.

فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدثتَه بهذا؟! فيقول: واللّه ما سمعت هذا إلّا الساعة.

فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهماً لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟!

فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول اللّه!.

فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذه إلّا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غير كما، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.

كيفية وضع الحديث:

تصدى بعض من كتب في علم الحديث لبيان كيفية وضع الحديث، مفيداً ذلك من واقع الأحاديث الموضوعة.

وبيان هذه الكيفية كما يوضح قضية تاريخية، يساعد أيضاً في إلقاء شيء من الضوء لمعرفة الحديث الموضوع.

وتتلخص في أن الوضع نوع من التصرف الشخصي.

وهذا التصرف قد يكون في المتن، وقد يكون في السند:

- في المتن:

ويكون بإحدى طريقتين، هما:

أ - أن يضع الراوي متناً من عنده، وذلك بأن يؤلف ويصوغ من كلامه عبارات الحديث الذي يروم وضعه.

وذلك مثل الحديث المشتهر: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)(24).

ب - أن يعمد الراوي إلى مأثورة من كلام أحد الحكماء أو العلماء أو غيرهما، وينسبه إلى المعصوم.

ومثلوا له بالحكمة المشهورة: (المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء)، التي هي من حكم الحارث بن كلدة الثقفي، ونسبها الراوي الواضع إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

والمذكور في كتاب (عيون الأنباء 165) - ترجمة الحارث بن كلدة -: (البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء).

فربما كان النص الأول مأخوذاً منه، وربما كان رواية أخرى له.

- في السند:

ويكون بإحدى طريقتين أيضاً، هما:

أ - أن يختلق الراوي سنداً لحديثه الموضوع، وذلك بأن يضع أسماء لرواة لا واقع لهم.

ب - أن يعمد الراوي إلى سند من الأسانيد، ويحمّله متن حديثه.

إمارات وضع الحديث:

وهي العلامات التي تكشف عن أن الحديث موضوع.

وتنقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:

1 - ما يرتبط بالراوي، وهي:

أ - أن يعترف الراوي نفسه، ويقر بوضعه الحديث.

نحو اعتراف أبي عصمة نوح بن أبي مريم وضعه على ابن عباس أحاديث في فضائل سور القرآن الكريم.

ونحو ما ذكره الحافظ العراقي في كتابه (التقييد والإيضاح 134) في بيان سند الحديث الطويل المروي عن أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) في فضل سور القرآن الكريم، قال: (روينا عن مؤمل (بن إسماعيل) أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.

ب - أن يشتهر الراوي في الأوساط العلمية بالوضع.

ج - أن ينص في كتب الرجال الأصول على أنه وضاع.

د - أن يوقف على قرينة خاصة تفيد أن الراوي وضاع.

2 - ما يرتبط بالسند، وهي:

أ - أن يتألف السند من مجاهيل ووضاعين.

ب - أن يشتمل السند على وضاع.

ج - أن يشتمل السند على أسماء لا ذكر لها في كتب الرجال.

د - أن ينص من قبل الرجاليين على أن سلسلة السند هي سلسلة كذب.

3 - ما يرتبط بالمتن، وهي:

أ - أن يخالف مضمون الحديث ظاهر القرآن الكريم، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.

ب - أن يخالف مضمون الحديث ظاهر السنة القطعية، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.

ج - أن يخالف مضمون الحديث بديهيات العقول.

نحو ما ذكره الدكتور الصالح في كتابه (علوم الحديث) من أنه (قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، قال: (إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم).

ه - أن يخالف مضمون الحديث حقائق العلم وسنن الحياة ونتائج التجارب الناجحة والمشاهدات الصادقة.

نحو ما جاء في كتاب (الهفت والأظلة)(25)، من أن الإمام المعصوم يولد من فخذ أمه، في حديث طويل يرويه المفضل بن عمر الجعفي(26) عن الإمام الصادق (عليه السلام) نقتطف منه ما يلي:

(فقال المفضل: أخبرني يا مولاي عن ميلاد الأوصياء.

فقال الصادق: أول العجب أن أمهات الأوصياء ذكور، لا إناث.

قلت: يا مولاي، سبحان اللّه، كيف ذلك؟!

قال الصادق (عليه السلام): إن الملائكة هم في صورة النساء...

فقال الصادق: إن اللّه أنشأ أبدان الأوصياء أفخاذاً إلى الملائكة حتى يبلغوا المدى، هذا مع طهارة الملائكة، كما أخبرتك، فإذا أراد اللّه إظهار الإمام في الظاهر، تأديباً لهذا الخلق أرسل روحاً من عنده، فيدخل في المولود الذي قد يتطهر من كل دنس، ولم يزاحمه رحم، ولكن تدخل الروح فيه تأديباً للناس، وظهوراً للحق).

و - أن يحتوي متن الحديث إسرائيليات تخالف العقيدة الإسلامية.

نحو ما روي في الصحيحين (البخاري ومسلم): (عن أنس (رض) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع اللّه قدمه، فتقول: قط، قط).. و(عن أبي هريرة، وأكثر ما يوقفه أبو سفيان، يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول: قط، قط)(27).

ز - أن يحتوي متن الحديث فكرة من أفكار الغلو.

ح - أن يحتوي متن الحديث أسطورة من أساطير الأولين التي لا بينة على صحتها.

ط - أن يحتوي متن الحديث منقبة أو فضيلة لشخص أو جماعة أو بلد، هو دون مستوى هذه المنقبة أو الفضيلة.

ي - أن يحتوي متن الحديث الإشارة إلى معجزة أو كرامة في موقف لا يقتضيها ولا يتطلبها.

مبلغ الموضوعات:

والذي يتوصل إليه من مراجعة كتب الحديث لأهل السنة، وكتب الحديث للامامية، أن شيوع الوضع وانتشاره عند أهل السنة كان أكثر بكثير منه عند الامامية.

فقد رجعت إلى كتاب (الفهرست) للشيخ الطوسي فلم أعثر فيه على من نص على أنه وضاع مع وجود عدد من الرواة نص على ضعفهم.

وفي كتاب (الفهرست) للنجاشي المعروف بـ(رجال النجاشي)، وقفت على أربعة أسماء نص على أنهم وضاعون، وهم:

1 - جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور مولى أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري الكوفي.

قال فيه (1 / 302 - 303): (كان ضعيفاً في الحديث).

قال أحمد بن الحسين (الغضائري): كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل.

وسمعت من قال: (كان أيضاً فاسد المذهب والرواية).

2 - عبيد بن كثير بن محمد الكوفي.

قال فيه (2 / 43 - 44): (طعن أصحابنا عليه، وذكروا أنه يضع الحديث. له كتاب يعرف بكتاب التخريج في بني الشيصبان، وأكثره موضوع مزخرف، والصحيح منه قليل).

3 - عبد الرحمن بن كثير الهاشمي.

قال فيه (2 / 44): (كان ضعيفاً، غمز أصحابنا عليه، وقالوا، كان يضع الحديث.

وله... كتاب (الأظلة) كتاب فاسد مختلط).

4 - محمد بن موسى الهمداني السمان.

قال فيه (2 / 227): (ضعفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث).

وربما كان هناك آخرون في هذا الفهرست لم أوفق للعثور عليهم، إلّا أن الذي يمكن أن يخرج به الباحث أو المراجع أن الرقم لا يتجاوز الآحاد.

وإذا رجعنا إلى كتب الرجال المطولة المتأخرة أمثال (تنقيح المقال)، و(معجم رجال الحديث) لا أخال أن الرقم يتجاوز العشرات.

بينما نقرأ في كتاب (تاريخ الإسلام) للدكتور حسن إبراهيم حسن 1 / 516 قول مؤلفه: (وقد جمع البخاري - على ما نعلم - نحو 7275 حديثاً، بما فيها الأحاديث المكررة، فإذا حذفنا المكرر منها أصبح عددها نحو أربعة آلاف).

وقد اختارها البخاري - على ما قيل - من ثلاثمائة ألف حديث.

ومن ذلك يتبين مبلغ ما وصل إليه التحريف في الحديث.

وإذا رجعنا إلى (قائمة الموضوعات والمقلوبات) من كتاب (الغدير) للشيخ الأميني 5 / 288، التي استخرج إحصائياتها من كتب الحديث السنية، يصعد الرقم إلى أكثر مما أشار إليه الدكتور حسن إبراهيم حسن، فقد بلغت القائمة مستفادة من موضوعات تسعة وثلاثين راوياً: (408684).

كما أحصى في (5 / 209 - 275) أكثر من ستمائة اسم لوضاعين من رواة أهل السنة.

وذكر في (297 - 330) مائة حديث كشواهد وأمثلة مما وضع في المناقب مكذوبةً على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

ويرجع هذا إلى العامل السياسي الذي فتح بابه معاوية بن أبي سفيان - كما تقدم -.

وكذلك إلى العاملين الاقتصادي والاجتماعي حيث كان الحكام يقربون ويشجعون ويعطون الوضاعين.

وقرأنا - فيما سبقه - شواهد وأمثلة منه.

بينما لم يكن في الجانب الامامي شيء من هذا، وإنما كان العامل المؤثر في وسطهم هو العامل الديني الذي دخل بتأثيره أحاديث الغلو إلى الحديث الامامي.

ولا أستبعد أن يكون للدولتين الأموية والعباسية ضلع في ذلك بغية اتهام الشيعة بما يبرر مطاردتهم وتشريدهم وإبادتهم.

وخاصة إذا عرفنا كثرة وجود النصارى في بلاطات الحكام من أمويين وعباسيين، فقد يكون عن طريق هؤلاء، وبتآمر من الحكام نفذ الغلو، وتسرب من خلال المسارب الخفية.

ولكن موقف أئمة أهل البيت منه حدَّ من تأثيره ومن وصول الحكام إلى غاياتهم، إلّا في رقع ضيقّة غير ذات بال.

ومما يؤسف عليه ويؤسى له أن لا نجد في إخواننا من علماء أهل السنة من قاوم أحاديث التجسيم التي تسربت إلى جوامعهم.

وكنا نود أن كان هذا، لأن جوامع الحديث عندنا نحن المسلمين هي أعز ما نملكه من ثروة دينية علمية بعد القرآن الكريم، حتى لا يكون فيها ما يشوه سمعتها، ويضر بعقيدة التوحيد.

المؤلفات في الموضوعات:

ويسجل لعلماء الحديث من أهل السنة مأثرة علمية جليلة هي تأليفهم في الموضوعات، وأهمها:

1 - كتاب تذكرة الموضوعات، أبو الفضل محمد بن ظاهر المقدسي (ت 507 هجري).

2 - كتاب الأباطيل، أبو عبد اللّه الحسن بن إبراهيم الهمداني الجوزقي الحافظ (ت 543 هجري).

3 - كتاب الموضوعات، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت 597 هجري).

4 - القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هجري).

5 - كتاب اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911 هجري).

6 - كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، أبو الحسن علي بن محمد الكتاني (ت 963 هجري).

7 - تذكرة الموضوعات، جمال الدين الفتني (ت 986 هجري).

8 - الفوائد المجموعة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، أبو عبد اللّه محمد بن علي الشوكاني اليماني (ت 1250 هجري)(28).

9 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ناصر الدين الألباني المعاصر.

ويلاحظ: أن هذه الكتب ألفت بعد تدوين جوامع الحديث السنية من صحاح وغيرها.

ولهذا السبب لم تحاول أن تقتحم حصون الصحيحين لما لهما من تقديس في نفوس أهل السنة في هذه الأزمان المتأخرة.

ولو أنها ألفت قبل تأليف الجوامع لكان تأثيرها أقوى وفائدتها أكثر، إذ ربما حالت بين الإسرائيليات والجوامع.

ومن مؤلفات الامامية: كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار للسيد هاشم معروف الحسني المعاصر.