رجوع

 

 

 

 

 

الطرق الموصلة إلى السنّة

 

من الواضح لدينا أنّ هناك فاصلاً زمنياً بين عصر السنّة النبوية، ومرحلة تدوين السنّة وجمعها في أصول معتمدة يرجع إليها، لذا واجه العلماء مشكلة علمية هي وسائل إثبات ما نسب إلى الرسول والأئمة وطرق الاستدلال على إثبات ما صدر عن النبي أو الإمام.

وقد قسموا طرق (1) إثبات صدور ما توصل إلينا منسوباً إلى النبي أو الإمام إلى قسمين هما:

1- الطرق القطعيّة.

2- الطرق غير القطعيّة.

وفيما يلي نتناول كلاً من هذه الطرق بشيء من الإيضاح والبيان.

الطرق القطعية: وتشمل الطرق الآتية:

أ ـ الخبر المتواتر.

ب ـ الخبر المحفوف بالقرائن القطعيّة.

ج ـ الإجماع.

د ـ سيرة المتشرّعة.

هـ ـ ارتكاز المتشرّعة.

و ـ بناء العقلاء (السيرة العقلائية).

وفيما يلي سنوضح كلاً من هذه الطرق إيضاحاً موجزاً:

أ ـ الخبر المتواتر: وسيأتي إيضاحه.

ب ـ الخبر المحفوف بالقرائن القطعية: ويراد به الخبر غير المتواتر، سواء أكان مشهوراً أم غير مشهور، على أن يحتف بقرائن توجب القطع بصدوره عن المعصوم(2).

فإذا وصل إلينا خبر من راوٍ أو أكثر وكان متحفاً بقرائن وإثباتات توجب العلم بصدوره عن النبي أو الإمام كان هذا الخبر مثبتاً إثباتاً قطعياً للسنّة ودليلاً عليها.

ج ـ الإجماع: والإجماع هو أحد الطرق الكاشفة عن الدليل الشرعي ويُعرّف بأنّه: (اتفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى في الحكم بدرجة توجب إحراز الحكم الشرعي)(3).

وإذن فالإجماع يعني أن نجد فتوى أجمع عليها الفقهاء دون أن نعرف مستندهم في تلك الفتوى.

فهذا الإجماع يكشف عن وجوده دليل من السنّة، وإن لم يصل إلينا.

وهكذا يكون الإجماع أحد الطرق الكاشفة عن السنّة.

د ـ سيرة المتشرعة (4): ومما يتصل بعمل الصحابي المتشرّع وسيرته العملية هو موضوع سيرة المتشرّعة (من الفعل والترك) الذي بحثه علماء أصول الفقه. إذا صدرت السيرة عن عدد كبير من الصحابة المتشرّعين، فتكون تلك السيرة حجّة بما هي سيرة متشرّعة كاشفة عن الدليل، وقد أوضح الشهيد الصدر معنى سيرة المتشرّعة ودلالتها على الحكم بقوله: (ويناظر الإجماع السيرة المعاصرة والقريبة من عصر المعصومين (عليهم السلام) للمتشرّعة بما هم متشرّعة...)(5).

ثم قال: (وأما سيرة المتشرّعة فبالإمكان اعتبارها بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي على أساس أن المتشرّعة حينما يسلكون سلوكاً بوصفهم متشرّعة، يجب أن يكونوا متلّقين ذلك من الشارع.

وهناك في مقابل ذلك احتمال أن يكون السلوك المذكور مبنياً على الغفلة عن الاستعلام، أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام، غير أنّ هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلما لوحظ شمول السيرة، وتطابق عدد كبير من المتشرّعة عليها.

ومن هنا قلنا أنّ سيرة المتشرّعة، تناظر الإجماع، لأنّهما معاً يقومان في كشفهما على أساس حساب الاحتمال. غير أنّ الإجماع يمثّل موقفاً فتوائياً نظرياً للفقهاء، والآخر يمثل سلوكاً عملياً دينياً للمتشرّعة)(6).

وهكذا تكون سيرة المتشرّعة من صحابة الرسول كاشفة عن السنّة النبوية، ومُعبرّة عنها. فتكون أحد الأدلة عليها، أي على الحكم الشرعي الذي بلّغه الرسول بفعله أو تركه أو قوله أو سكوته. ولكنه لم يصل إلينا، بل وجدنا المتشرّعة من أصحابه أو القريبين من عصره يفعلون هذا الفعل أو يتركونه. فيكون موقفهم هذا دالا على السنّة النبوية.

وكما يدلّ فعل صحابة الرسول والقريبين من عصرهم المتشرّعين على السنّة النبوية، فانّ سلوك المتشرّعة من صحابة الأئمة (عليهم السلام) والقريبين من عصرهم كاشف أيضاً عما صدر عن الأئمة من قول أو ممارسة أو إمضاء.

هـ ـ ارتكاز المتشرّعة: ومن الطرق الكاشفة عن السنّة طرق الارتكاز المتشرّعي.

وهو الحكم الشرعي المرتكز في أذهان المتشرّعين المعاصرين للنبي أو الإمام نتيجة المعايشة للحكم مدة طويلة. كمعايشة جيلين أو أكثر.

ويوضّح السيّد محمد تقي الحكيم كيفية تكّون الارتكاز في أذهان المتشرّعة فيقول: (وتَكّونُ الارتكاز في نفس الرأي العام لا يحتاج إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاثة على الحرمة مثلاً ليصبح ارتكازاً في نفوس العاملين عليها)(7).

وفي هذا الارتكاز نحصل على حكم دون أن نعلم مستنده، فيكون كاشفاً عن الدليل الشرعي الذي مصدره السنّة النبوية في هذه الحال.

* العلاقة بين الإجماع وسلوك المتشرّعة: ويتحدث الشهيد الصدر عن العلاقة بين الإجماع وسيرة المتشرّعة والارتكاز من المتشرّعة فيقول: (إنّ الإجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة، ولكنها معاشة سلوكاً وارتكازاً بين عموم المتشرّعة)(8).

فهو يرى أنّ سيرة المتشرّعة تلك كحلقة وسيطة بين الإجماع والدليل الشرعي.

فالفقهاء عندما يجمعون على فتوى لا يعرف مستندها فهذا (يكشف بظن غالب اطمئناني عن تطابق سلوكي، وارتكاز من المتشرّعة المعاصرين لعصر النصوص)(9).

أي أنّ سيرة المتشرّعة وارتكازهم هما اللذان أوحيا للفقهاء بهذا الإجماع، فهما يكشفان عن دليل الحكم.

فكأن المجمعين استقرءوا سيرة المتشرّعة وما ارتكز لديهم فأفتوا به. وهكذا تكون فتوى الإجماع معتمدة على سيرة المتشرّعة وارتكازهم.

وسيرة المتشرّعة وارتكازهم كاشفان عن الدليل (السنّة) لأنّهما صادران عنها.

و ـ بناء العقلاء (السيرة العقلائية): وهي السلوك الاجتماعي الذي يمارسه العقلاء بما هم عقلاء في عصر النبي أو الإمام. فيسكت عن ذلك السلوك ولم يردع عنه فذلك دليل الإمضاء والمشروعية. ونحن حينما نجد سلوكاً اجتماعياً كان الناس يمارسونه في عصر النبي أو الإمام، ولم يصلنا نهي عن ذلك السلوك الاجتماعي، فإننا نعتبره مُقراً ومُمضى منه بهذا السلوك.

وبذلك تكون السيرة العقلائية أحد الطرق الكاشفة عن السنّة النبوية.

ونستفيد من إمضاء السيرة العقلائية مشروعية ذلك العمل الاجتماعي أولاً، كما من الممكن ثانياً أن تستفيد قاعدة عامة تنطبق على أوسع مما كان ممارساً في عهد النبي أو الإمام. إذا كان المفهوم المسكوت عنه في ذلك السلوك الاجتماعي أوسع من دائرة الفعل الجزئية.

2- أما الطرق غير القطعية: فيقصد بها: (ما كان له قابلية الكشف عن السنّة كشفاً ناقصاً)(10) ويشمل هذا القسم من إثبات السنة قسمين هما:

أ ـ طريق قام دليل قطعي على حجيته:

وهو خبر الآحاد، حيث وردت أدلة قطعية من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والسيرة العقلائية تقرر حجيته ووجوب العمل بمؤداه مع ظينة صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام.

ب ـ طريق لم يقم دليل قطعي على حجيته:

وأبرز مصاديقه الشهرة.

وعند دراسة مصاديق الشهرة نجد أنّ المقصود بها ثلاثة أمور، أو ثلاثة طرق كاشفة عن السنّة. وهي في قيمتها العلمية وقدرتها على الكشف عن السنة تأتي بعد الإجماع في الدرجة.

وأقسام الشهرة هي:

1- الشهرة الروائية: وهي: (انتشار رواية ما، وتداولها بين الرواة على نحو مستوعب في الجملة ومقابلها الندرة والشذوذ)(11).

ويعتمد على الشهرة الروائية عندما ترد روايتان متعارضتان.

وتكون إحداهما اكثر انتشاراً وشهرة من معارضتها فتقدم هذه الرواية على معارضتها لشهرتها بين الرواة، وبذلك تكون الشهرة طريقاً للكشف عن السنّة، أي لاعتبار ما وصل إلينا عن طريق الشهرة من السنّة وإسقاط معارضه.

2- الشهرة العملية: ويقصد بها اعتماد أكثر الفقهاء على رواية والإفتاء بمضمونها، رغم ضعف سندها، أو الإعراض عن العمل بها، رغم سلامة سندها.

فان العمل بتلك الرواية يكشف عن صحة مضمونها وكشفها عن السنّة، لحصول ما يؤيد الوثوق بصدور تلك الرواية عن النبي أو الإمام لدى تلك الغالبية من الفقهاء.

ولذ قال الفريق من العلماء بأنّ الشهرة تجبر ضعف السند، في حين رفض فريق آخر هذه النظرية.

وكما تشكل شهرة العمل بتلك الرواية دليلاً ظنياً على صدورها عن النبي أو الإمام، فان أعراض معظم الفقهاء عن العمل برواية صحيحة السند يكشف عن عدم الوثوق بصدورها عن النبي أو الإمام. لما وجدوه من عيوب في متن الرواية.

3- الشهرة الفتوائية: وتعني اشتهار فتوى بين الفقهاء دون أن يعلم مستندهم في تلك الفتوى.

فان هذه الفتوى لدى فريق من العلماء تكشف عن وجود سنّة استند إليها المفتون وإن لم تصل إلينا. وجدير ذكره أنّ بعض العلماء يرفض حجية الشهرة الفتوائية ولا يأخذ بها.

الهوامش:

1- يراجع السيد محمد تقي الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن / ص194.

2- محمد تقي الحكيم / الأصول العامة للفقه المقارن / ص196.

3- دروس في علم الأصول / ج2 / ص170.

4- المتشرع العارف بالأحكام الشرعية الملتزم بها.

5- دروس في علم الأصول / ج2 / ص176.

6- دروس في عمل الأصول / ج2 / ص177.

7- الأصول العامّة للفقه المقارن / ص201.

8- الشهيد الصدر/ دروس في علم الأصول / ج2 / ص177.

9- المصدر نفسه.

10- محمد تقي الحكيم / الأصول العامّة للفقه المقارن / ص205.

11ـ محمد تقي الحكيم / الأصول العامّة للفقه المقارن / ص221.