رجوع

 

 

 

 

 

مسيرة تدوين الحديث النبوي الشريف

الشيخ محمد صادق نجمي

ما هو الحديث؟

الحديث في اللغة: هو الجديد، ومطلق القول(1) وفي المصطلح الحديثي عبارة عن أقوال وأفعال، وتقرير المعصوم وهو عند السنة النبي وعند الشيعة بالإضافة إلى النبي الأئمة الإثنا عشر من بعده.

يقول ابن حجر:

المراد بالحديث في عرف الشرع ما أضيف إلى النبي، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم)(2).

متن الحديث:

متن الحديث هو نفس قول المعصوم وتقريره، وألفاظه التي تتقوم بها المعاني.

سند الحديث:

يطلق هذا التعبير على سلسلة الأشخاص الذين وصل الحديث عبرهم.

السنة:

السنة في اللغة: (الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله) ونهى عنه، وندب إليه قولا، وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز(3). وللملازمة الموجودة بين الحديث والسنة، تطلق السنة على نفس الحديث أيضا، وتستعمل غالبا بهذا المعنى.

أهمية الحديث في المنظار القرآني:

يعتبر القرآن والحديث، حجر الزاوية في تشريع الأحكام والقوانين الإسلامية، بيد أن حاجة المسلمين ـ لالتماس الحكم الشرعي ـ إلى السنة ، من بين هاتين الدعامتين أكثر من نظيرها: القرآن.

ذلك، أن آيات الأحكام في القرآن معدودة، وعلى الرأي المشهور، فهي لا تتجاوز الخمسمائة آية، والاقتصار عليها دون الرجوع إلى السنة، لا يمكن، وذلك:

أولا: لأن هذه الآيات تحتمل الإجمال والإطلاق، وهو الأمر الذي لا يتكفل بحله إلا السنة.

ثانيا: أن آيات الأحكام لا تلبي الحاجة، في تحديد الوظيفة الشرعية لكل الحالات والمواقف التي يواجهها المسلم، فهي لا تبين إلا جزءا ضئيلا من أحكام المكلف. ومن هنا كانت ضرورة الأخذ بالسنة واعتبار الحديث الصحيح حجة، ولا تجوز مخالفته كما لا تجوز مخالفة القرآن، وقد اتفق على هذا الرأي المسلمون كافة، سنة وشيعة.

وقد جاء في القرآن الكريم: (ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)(4). وهو يعتبر طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) موازية لطاعة الله عز وجل وبنفس الدرجة من الأهمية(5) وحظر على المسلمين أي خروج على أوامره (صلى الله عليه وآله)(6) واعتبر التسليم لأوامره رمزا للطاعة، وعصيانها رمزا للضلالة والغواية(7).

هذا مضمون نبذة من الآيات التي تدعو إلى الانقياد، وإطاعة الأوامر النبويّة، وتعبّر عنها بتعابير مختلفة، تنتهي أخيرا إلى المعنى المذكور. فالانقياد إليه لا يمكن إلا بالالتزام بسنّته، والعمل على وفقها.

أهمية السنة بالمنظار النبويّ:

ليست قليلة، تلك الروايات المرويّة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام، التي تؤكد على أهميّة الحديث، وتشير إلى شتى الجوانب المرتبطة بالسنة، من الحفظ، والكتابة، والتبليغ، والإيصال إلى الآخرين.

وقد جاء في خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع:

(معاشر الناس، وكل حلال دللتكم عليه، أو حرام نهيتكم عنه، فإني لم أرجع عن ذلك ولم أبدل..)(8) وقد أكّد النبي تأكيدا بالغا على حفظ الحديث واستيعابه، وإبلاغه للآخرين، فقال:

(نضّر الله عبدا سمع مقاتلي فوعاها)(9) وقال (صلى الله عليه وآله) أيضا:

(نضّر الله عبدا سمع مقالتي فبلغها)(10) وكان يكرر كثيرا من القول: (فليبلغ الشاهد الغائب).

كل هذا التأكيد والتذكير، يدل على أن موقع الحديث والسنة، بمكان من الخطورة، ونستلهم منه، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قام بتبيين جميع الأحكام الشرعية، وما يرتبط بها، ويرى ضرورة إبلاغها للآخرين وأنّها وظيفة شرعيّة تقع على عاتق السامعين(11).

ما الفرق بين القرآن والسنّة؟

ليس ثمة فرق جوهري بين القرآن، والسنة، بملاحظة أن كليهما مستمد من الوحي الإلهي، وأنهما شعاعان للنور الربانّي الواحد، إلا أن القرآن يمتاز على السنة بما يلي:

1 ـ أن القرآن نزل في مجال التحدي والإعجاز، والسنة ليست لها خصوصية من هذا الجانب.

2 ـ القرآن قطعيّ الصدور، بمعنى أن لا مجال للتشكيك في آياته، وأنها منزلة من الله. أما السنة نسبة جميع الأحاديث إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليست قطعية ، فهي ( ظنية الصدور) كما يقال.

3 ـ القرآن يبين الأحكام والقوانين العامة، والكلية. والسنة بدورها، تقوم ببيان الفروع والأحكام الجزئية. وبعبارة أدقّ: فإن القرآن ألقى بمهمة بيان القوانين العامة منه وتوضيحها، إلى النبي (صلى الله عليه وآله) واعتبرها من مهام النبوة، المسندة بالوحي والإلهام الإلهيين. ويعبر القرآن عن هذا المعنى بقوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلّهم يتذكرون)(النحل ـ 44).

إذن، فالسنة دورها دور المكمّل. فهي تقوم ببيان مجملات القرآن، وتقييد مطلقاته، وتخصيص عموماته، وتعيين كل ما لم يعينه القرآن صراحة. كأحكام الصلاة، والحج، وكذا قسم من أحكام الميراث، كحرمة ميراث القاتل من المقتول ـ مثلا ـ وكذا أحكام الزكاة والجهاد، وألوف غيرها من الأحكام الشرعية.

تاريخ تدوين الحديث عند السنة والشيعة:

تدوين الحديث عند الشيعة:

طبقا لما تفيده الروايات الصحيحة، فإن تدوين الحديث في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) كان أمرا مسموحا به، وقد كتبت ـ آنذاك ـ مجموعة من الأحاديث، وكان كتّاب الحديث هو عبد الله بن عمرو بن العاص(12). وكان أكثر الصحابة يدوّنون الحديث ويحتفظون به، وفي حالات كثير، شوهد النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، يقوم بتشجيع هذا العمل. وما أن ارتحل النبي (صلى الله عليه وآله) حتى دب الخلاف بين الصحابة حول هذا الموضوع. فطائفة كانت تحول بشدة دون تدوين الحديث، وتعتبره عملا غير قانوني وغير مشروع. من هذه الطائفة: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو سعدي الخدري، وآخرون. أما الطائفة الأخرى فكانت تعارض هذا المشروع بشدة، وتدعو إلى تدوين الحديث، كما كان على عهد رسول لله (صلى الله عليه وآله) وعلى رأس هذه الطائفة: الإمام علي (عليه السلام) وابنه الأكبر، الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)(13)، ولهذا السبب انقسم المسلمون إلى مؤيد لتدوين الحديث (علي ـ عليه السلام ـ وأتباعه) وإلى معارض له ( أبو بكر وأتباعه).

تدوين الحديث على عهد علي (عليه السلام):

روى البخاري في صحيحه عن علي أنه قال: (ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة. فقال: فيها الجراحات وأسنان الإبل، والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا...) الرواية(14).

وروى البخاري أيضا عن التيمي عن أبيه قال:

(حدثنا علي رضي الله عنه على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلّقة فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة) الرواية. ثم بين ما في الصحيفة من الأحكام(15).

وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث كثيرة حول صحيفة الإمام علي (عليه السلام) بنصوص وأسانيد مختلفة، وأشارا إلى الأحكام المتضمّنة لها(16).

والأحكام التي وصلتنا من الصحيفة عبر الصحيحين، وإن كانت ضئيلة، ولكن التدقيق في نصوص الأحاديث يلفتنا إلى نقطتين أساسيتين:

الأولى: تعدد الصحائف وكثرتها وأنها ليست واحدة.

الثانية: احتوائها على كثير من الفروع والجزئيات من أحكام الدّيات والقصاص وغيرها.

الإمام الباقر وكتاب علي (عليه السلام):

قال الشيخ أبو العباس النجاشي:

(عن عذافر الصيرفي قال: كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، فجعل يسأله، وكان أبو جعفر له مكرما(17) فاختلفا في شيء. فقال أبو جعفر: يا بنيّ، قم، فأخرج كتاب عليّ، فأخرج كتابا مدرجا عظيما ففتحه، وجعل ينظر حتى أخرج المسألة. فقال أبو جعفر: هذا خطّ عليّ وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمد. اذهب أنت ومسلمة المقداد حيث شئتم يمينا وشمالا، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل)(18).

ونحن نستنتج مما رواه البخاري عن صحائف علي، والنجاشي عن الإمام الباقر: أن أهل البيت كانوا السباقين إلى تدوين الحديث، وأن امتلاكهم لهذه الصحائف الثمينة، والتي حوت أحكام الدّين الإسلامي الحنيف كان ثالثة الأثافي في بناء الصرح العلميّ الشاهق للشيعة، وحيث أن الشيعة ساروا في تدوين الحديث على خطى علي وبنيه، ولم تكن ثمة فترة انقطاع وفتور بين صدور الأحاديث وتدوينها عندهم فحسب، بل كان هناك العشرات، منهم الذين ألّفوا على هذا الصعيد، واشتهروا به، بن الفنية والأخرى.

طبقات كتاب الحديث الشيعة:

يذكر النجاشي في كتابه القيّم، أسماء ألف ومئتين من رجال الشيعة، ويترجم لها، ويشير إلى أنه قام بترجمة المؤلفين، والكتّاب فقط من الشيعة(19).

وقد قسم علماء الرجال، كتّاب الحديث ومؤلفي الشيعة المشهورين وحتى عهد الإمام الصادق، إلى ثلاث طبقات، على ما ذكروه في كتبهم(20). ومع ذلك فليست هنالك إحصائية دقيقة، تحدد عدد الكتاب والمؤلفين من أصحاب الأئمة (عليهم السلام). والسبب في ذلك يعود إلى ندرة من تشرف بمحضر الأئمة (عليهم السلام) وصحبهم، ثم لم يخلف بعده أثرا، من كتاب، أو تأليف في شتى العلوم.

تدوين الحديث على عهد الإمام الصادق (عليه السلام):

على أثر الفرصة القصيرة، التي سنحت في عهد الإمام الصادق (83 ـ 148 هـ) وهي الفترة الانتقالية بين العهد الأموي، والعهد العباسيّ، استطاع الإمام أن يصعد بعلم الحديث، وتدوينه إلى ذراه، وأقصى مراحله العالية، حتى بلغ عدد تلاميذه (4000) أربعة آلاف شخص.

ويذكر الحسن بن علي الوشّاء أنه أدرك في عصر واحد (900) تسعمائة من العلماء في مسجد الكوفة كلهم يقول: حدثني جعفر بن محمد(21) مع الأخذ بعين الاعتبار، أن الكوفة تفصلها مسافة شاسعة عن المدينة المنورة معقل الإمام الصادق وموطنه.

وللتشجيع المنقطع النظير الذي كان يقوم به الإمام لتدوين الحديث وكتابته، دفع بالكثيرين إلى تأليف كتب في هذا المجال، مما لا مجال لإحصائه بدقة، سوى ما أحصي من الكتب التي صنفت في مجال الأحكام والتشريعات الإسلامية الأخرى، فبلغ (400) مؤلف لـ (400 ) تلميذ من تلاميذ الإمام الصادق. والتي أطلق عليها فيما بعد: (الأصول الأربعمائة) حيث قامت ثلة من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) بجمعها، وإخراجها على صورة كتب جامعة.

الكتب الأربعة:

كانت هذه الجوامع ـ ولفترة ليست بالقصيرة ـ مرجعا وحيدا للشيعة في مسائلهم، وأحكامهم. حتى جاء ثقة الإسلام الكليني، وألّف كتاب (الكافي) بصورة حديثة، ومبتكرة. ثم من بعده ابن بابوية الصدّوق، ألّف كتابه (من لا يحضره الفقيه)، وجاء من بعده الشيخ الطوسي (رحمه الله) ليضع سفريّة الخالدين (التهذيب) و(الاستبصار). ألّف هؤلاء العظماء، كتبهم مستندين فيها، إلى الأصول الأربعمائة والجوامع السالفة الذكر، وأطلق على كتبهم (الكتب الأربعة).

وغنيّ عن البيان، أن للشيعة، كتب حديثية كثيرة أخرى، متعددة ومتنوعة، إلا أن فقهاء الشيعة أبدوا اهتماما متزايدا بالكتب الأربعة، فاق بقية الكتب. خاصة في مجال استنباط الحكم الشرعي. كانت هذه نبذة عن تدوين الحديث عند الشيعة، وننتقل الآن إلى تدوين الحديث عند أخوتهم السنّة.

تدوين الحديث عند السنة:

كما أسلفنا سابقا، فبعد أن التحق النبي (صلى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى، قامت فئة على رأسها أبو بكر بالمنع عن تدوين الحديث النبوي. بل ولم تكتف بذلك حتى منعت من تداول الحديث شفهيا أحيانا، ولم يستطع ناقلو الحديث من نقل الأحاديث التي سمعوها من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أو تدوينها فحسب، بل انتهى الأمر إلى محو ما كتب عن النبي وإحراقه بالنار‍‍‌‍‍‍!.

وأخيرا ... ولكي يبرروا ما قاموا به، من أعمال تنافي أبسط المبادئ العلميّة والثقافيّة، عمدوا إلى اختراع حديث على لسانه الشريف بأن (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا فليمحه)(22)!!

المنع من تدوين الحديث على عهد أبي بكر:

بعيد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) جمع أبوبكر الناس وخطب فيهم قائلا:

(إنك تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه)(23).

وتقول عائشة: (جمع أبي الحديث عن رسول الله، فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب. قالت: فغمني كثيرا. فقلت يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه، فلما أصبح قال: أي بينة. هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها، فأحرقها وقالك خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حّدثني فأكون قد تقلّدت ذلك)(24).

ومن الطبيعي، أن يؤدّي هذا النوع من أسلوب التعامل مع الحديث النبوي والإقدام على حرق ما جمع منه، إلى نتائج سلبّيّة، وردود فعل، خلّفت أسوء الأثر على المسلمين، وعلى الحفّاظ وناقلي الحديث. وأن يوضع الحديث جانبا، ونبذه وراء الظهور خلال ثلاث سنوات من عهد أبي بكر دون أن يلاقي أي اكتراث. وفي المقابل اكتف المسلمون بالقرآن الكريم والتمحور حوله فقط، دون التفسير والإيضاح المطلوب، وكما شاءت رغبة الخلافة القائمة من الاقتصار على القرآن، في كل أنواعه التعامل.

المنع عن الحديث إبّان العهد العمري:

وعلى عهد خلافة عمر بن الخطاب، والتي دامت لعشر سنوات، جوبه نقل وتدوين الحديث بمعارضة أشد، وصرامة أكثر من عهد سلفه. فالخليفة الثاني لم يكن يقتصر في المنع من نقل الحديث وتدوينه على الحظر فحسب، بل كان يذهب شوطا أبعد من ذلك، باستعمال القوة أيضا.

يقول قرظة بن كعب:

بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّعنا. فمشى معنا إلى موضع صرار. فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا، لحق صحبة رسول الله، ولحق الأنصار. قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم. إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل. فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد! فأقلوا لرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أنا شريككم)(25) ويضيف الذهبي بعد ذكر هذه القضية: (لما قدم قرظة، قالوا: حدثنا! قال: نهانا عمر!)(26).

وينقل الذهبي أيضا في تذكرة الحفاظ:

(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هذا؟ قال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم، لضربني بمخفقته)(27).

وكان يتشدد مع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشكل يثير الاستغراب، حينما يروون حديثا عنه. حتى إن أبا موسى الأشعري حينما روى حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ في الاستئذان من صاحب الدار ـ قال له عمر: والله لتقيمن عله بينة ـ وزاد مسلم ـ وإلا أوجعتك. أمنكم أحد سمعه من النبي؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك، إلا أصغر القوم. فشهدت معه(28). حتى قال له أبو المنذر: فلا تكن يابن الخطاب عذابا على أصحاب رسول الله(29).

وبلغ الأمر معه، أن يضع ثلاثة من المحدّثين وهم: ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو مسعود الأنصاري تحت المراقبة، والحبس، لارتكابهم جريمة نقل الحديث! فكانوا على هذه الحال حتى قتل(30).

وقد نجم عن كل هذا التغليظ، وتشديد النكير على الرواية، أنّ السائب بن يزيد قال: (صحبت سور بن مالك من المدينة، إلى مكة، فما سمعته يحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله) بحديث واحد)(31).

وروى ابن ماجة أيضا عن الشعبي قال: (جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا)(32).

وروى حافظ المغرب، ابن عبد البر والبيهقي في المدخل، عن عروة: (أن عمر أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له. فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا)(33).

الحديث على عهد عثمان:

لعل السنوات الأثني عشر التي قضاها عثمان في الخلافة، تعد من أسوأ ما شهده التاريخ الإسلامي. إذ في هذه الأعوام بالذات وصلت حياة المادة، والشهوة، والظلم ذروتها، ووقع بيت مال المسلمين، بيد زمرة (يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع) ويتلاعبون به كيفما يشاءون، ويتصرفون به حسب أهوائهم، دون أن تمت هذه الزمرة إلى الإسلام بأي صلة، سوى صلة القرابة مع الخليفة!.

الذين بايعوا السلطة، وطبّلوا لها وزمّروا، كان لهم النصيب الأوفر، فيما يفئ عليهم بلاط الخلافة! فعاشوا في حياة مرفّهة، لا ينكّدها شيء. في الوقت الذي كانت فيه الطبقات المستضعفة من المسلمين، تقضي أسوأ وأحلك الظروف المعيشية. ومن ثم قامت السلطة باستبدال الشخصيات المرموقة ـ من الصحابة ـ التي كانت تشغل بعض المناصب الحسّاسة، بمجموعة مستهترة، ومعروفة بسوابقها السوداء في الإسلام، كالوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم.

أمّا من لم يداهن من الصحابة الحكم القائم في تصرفاته، وتحقيق رغباته، صبّت عليه السلطة جام غضبها، وأخذ نصيبه من النفي، والضرب بالسياط والسجن، يشهد لذلك قصّة نفي الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري إلى الشام ثم إلى الربذة، والاعتداء على الصحابي عبد الله بن مسعود بالضرب في المسجد، وكذا الاعتداء على الصحابي العظيم، عمار بن ياسر (رضوان الله عليه) بالضرب. حيث أغمي عليه وأصيب بالفتق. وقصص وقضايا أخرى كثيرة.

وانتهى بعثمان الأمر أن يرتقي المنبر ويعلن:

(لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم أسمع به في عهد أبي بكر وعمر)(34).

الحديث على عهد معاوية:

في عهد معاوية ـ الذي دام أربعين عاما ـ كانت الدواعي إلى وضع الحديث واختراعه أكثر من ذي قبل.

فمع الأخذ بنظر الاعتبار، أن معاوية كان خصما لدودا لرجل كثرت الأحاديث الصحاح في فضله، وسارت بها الركبان، ولم يكن بالإمكان إنكار الروايات المتواترة في حق الإمام علي (عليه السلام)، فكانت تؤثر تأثيرا سلبيا على نظام معاوية. من هنا، دعت الحاجة إلى وضع أحاديث تشيد بالنظام الأموي، وتقع في علي وكل ما يمت إليه. ولتطبيق هذه الخطة الجهنمية. عمد معاوية ـ من جهة ـ إلى منع نقل الحديث، باستثناء ما كان ينقل منه، في العهد العمري(35). وإعطاء الجوائز والهدايا لمن ينقل حديثا في حق عثمان ومناوئي علي (عليه السلام) من جهة أخرى.

ولكي تتضح الصورة أكثر في هذا المجال، نقدم للقارئ مقتطفات من مقال المدائني في كتابه (الأحداث) حيث يقول:

(كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون عليا، ويبرئون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي (عليه السلام)، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة، وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي (عليه السلام). فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم، وشرّدهم عن العراق، لم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقرّبوهم، وأكرموهم، واكتبوا إليّ بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، لا كتب اسمه وقربه وشفّعه، فلبثوا بذلك حينا).

ويضيف المدائني بقوله:

(ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية. فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله).

ثم يمضي المدائني بالقول:

(فقرأت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلّمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم، وغلمانهم عن ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم، ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله).

ويضيف:

(ثم كتب لى عمالة نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنه يحب عليا وأهل بيته، فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به، واهدموا داره، فلم يكن البلاء اشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء، والقضاة، والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية القّراء المراؤون، والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين، الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، لو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها)(36).

الحديث على عهد الأمويين:

استمر الوضع على المنوال الذي كان عليه في عهد معاوية. فكان أن اتّبع خلفاء الأمويين نفس السياسة التي اتبعها معاوية في التنكيل بشيعة علي، ووضع الأحاديث في فضل بين أمية، ومناوئي علي. (حتى إن إنسانا وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جدّ الأصمعي ـ فصاح به: أيّها الأمير إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليا، وإني فقير بائس، وإنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجّاج وقال: للطف ما توسّلت به قد ولّيتك موضع كذا)(37).

أول خطوة في مجال تدوين الحديث:

هكذا كان وضع الحديث بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) .... فعلى عهد الخلافة الأموية، كان الخلفاء منغمسين في شهواتهم وملذاتهم، وأرسل ـ في عصرهم ـ الحديث وكل ما يتّصل بتربية النفس البشرية وتهذيبها إلى عالم النسيان، (فلم يبق من الدّين لا رسمه ومن القرآن إلا اسمه). حتى العلماء والمحدثون، قد وقعوا تحت تأثير السلطة والبيئة التي يعيشونها، واعتبروا سيرة الخلفاء مثلا يحتذى به ويسار على دربه، حتى آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ)، فعلى الرغم من قصر المدة التي حكم بها هذا الخليفة، إلاّ أنه قام بخطوات واسعة وإيجابية، منها: إلغاء الحظر عن جمع الحديث والعمل على تدوينه.

فقد روى البخاري، أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله في المدينة، والقاضي بها فيما كتب إليه: ( أنظر ما كان من سنة وحديث فاكتبه فإني خفت دروس العمل وذهاب العلماء)(38).

هل دوّن الحديث في عهد عمر بن عبد العزيز؟

مجموعة من علماء السنّة ، حينما نقلوا رسالة عمر المذكورة، اعتبروها بدء لتاريخ تدوين الحديث، واعتبروا أن العام الأخير من القرن الأول الهجري أو العام الأوّل من القرن الثاني الهجري هو عام إنطلاقة تدوين الحديث(39).

إلا أن العلاّمة السيد حسن الصدر (رحمه الله) يرد على هذا الرأي بالأدلة والسندات التاريخية حيث يقول:

(وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتابه (تدريب الرواي) حيث زعم أنّ ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة. قلت: كانت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر، ولم يؤرخ زمان أمره، ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه، وما ذكره الحافظ ابن حجر من باب الحدس والاعتبار، لا عن نقل العمل بأمره بالعيان، ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصوا على أنّ الأفراد لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان على رأس المائتين كما اعترف به شيخ الإسلام وغيره. قال: فأوّل من جمع الآثار ابن جريج بمكّة وابن إسحاق أو مالك بالمدينة والربيع بن صبيح أو سعيد بن عروبة أو حمّاد بن سملة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة والأوزاعي بالشام وهيثم بواسط ومعمر باليمن وجرير بالرّي وابن المبارك بخراسان.

وكذلك الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ نصّ: إنّ أوّل زمن التصنيف وتدوين السنن وتأليف الفروع بعد انقراض دولة بني أمية وتحوّل الدولة إلى بني العباس) أ هـ(40).

وتأييدا لرأي السيد الصدر (رحمه الله) نقول: إن ابن حجر نفسه، قد ذكر أقوالا مختلفة حول أوّل من دوّن الحديث. فتارة يدّعي أن أوّل من ألّف في الحديث هو الربيع بن صبيح(41)، وتارة أخرى يرى أن أول من كتب في الحديث هو ابن شهاب الزهري الذي دوّنه بأمر من عمر بن عبد العزيز(42).

وفي موضع آخر يدّعي أنّ أوّل من دوّن الحديث هو أبو بكر بن حزم(43).

أما فريد وجدي، فهو الآخر يعتقد بأن أوّل من ألّف الحديث هو مالك بن أنس وليس ابن حزم حيث يقول:

(أوّل من ألّف الحديث الإمام مالك في الموطأ (توفي 111 هـ) وقيل: ابن جريج (المتوفّى 150 هـ)(44).

ويقول كاتب شلبي في كتابه (كشف الظنون):

(فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج ومالك بن أنس وغيرهما فدوّنوا الحديث، حتى قيل: إنّ أوّل كتاب صنّف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل: موطأ مالك بن أنس وقيل: إنّ أوّل من صنّف وبوّب الربيع بن صبيح بالبصرة)(45).

ويذكر الحافظ الذهبي في حوادث سنة (143 هـ) أنه في هذه السنّة، بدأ علماء مكة والمدينة بتدوين الحديث(46).

ويتعرض الدكتور أحمد أمين لهذه المسألة، وبعد أن يتطرق لرسالة عمر بن عبد العزيز لابن حزم يقول:

(ولكن هل نفذ الأمر؟ كل ما نعلمه أنه لم تصل إلينا هذه المجموعة، ولم يشر إليها، فيما نعلم، جامعوا الحديث بعد. ومن أجل هذا شك بعض الباحثين من المستشرقين في هذا الخبر، إذ لو جمع شيء من هذا القبيل لكان من أهمّ المراجع لجامعي الحديث، ولكن لا داعي إلى هذا الشك، فالخبر يروي لنا أنّ عمر أمر، ولم يروي لنا أن الجمع تمّ، فلعل موت عمر سريعا عدل بأبي بكر عن أن ينفذ ما أمر به)(47).

كما تشاهد ـ أيها القارئ ـ فإن العلماء والمحقّقين يختلفون اختلافا كبيرا حول أوّل من دوّن الحديث عند الجمهور. ولإثبات دعواهم، بأنّ تدوين الحديث كان على عهد عمر بن عبد العزيز، لم يتمكّنوا من العثور على دليل مقنع في هذا المجال سوى ما ذكرناه لك من نقل البخاري لرسالة عمر ابن عبد العزيز إلى عامله في المدينة، ولكن لا يوجد دليل على أن الطلب قد تحقق في حياة الخليفة، بل أن الشواهد، والقرائن التاريخية، تشير إلى عكس ذلك.

وعلى أي حال، فبعد انقضاء فترة زمنية طويلة تقدر بـ (1 ـ 5 ، 1) قرن، بدأ تدوين الحديث، بعد أن تراكم عليه غبار النسيان.

بدأ هذا العمل بالإكراه والجبر من قبل السلطة، لأنّ المسلمين كانوا يعتقدون ـ ولفترة طويلة ـ بأنّ تدوينه محرم، ولم يكن ليجرأ على ذلك، أحد منهم.

فقد حدّث معمر عن الزهري أنه قال: (كنّا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه)(48).

تاريخ ظهور الصحاح:

بعد أن قضى علم الحديث فترة طويلة من الزمن، لا تمتد إليه يد، ولا تطاله الأعناق، بدأت مرحلة التحرك آخذة في الصعود والازدهار، وكانت ردّة الفعل بالسماح بتدوينه هي التي أدّت إلى ظهور (150 ـ 250) كتاب حديثي، في فترة زمنية قصيرة لا تزيد على القرن، كلها تحمل اسم الصحاح، والمسانيد، والمستخرجات، وو....(49).

في هذه الفترة التي لم يكن للمؤلفين فيها هدف سوى جمع الحديث بمختلف أصنافه، وأقسامه، والعمل على تدوينه، لم يكن هناك تقسيم للحديث يعرف، إلى الصحيح، والحسن، والضعيف. فكانت مؤلفاتهم، ومسانيدهم تحوي مختلف أنواع الحديث، من غير تمييز بين الصحيح وغيره، وحتى جاء عصر البخاري وغير البخاري من أرباب الصحاح.

يقول ابن حجر:

(فلما رأى البخاري رضي الله عنه هذه التصانيف، ورواها، وانتشق رياها، واستجلى محيّاها، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يقال لغثه سمين، فحرك همّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين)(50).

ومن بعد البخاري، قام تلميذه مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (المتوفي 261 هـ) بتأليف كتابه الذي أسماه (الجامع الصحيح).

ومن بعد جاء محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (المتوفى 273 هـ) ليدوّن سننه. ثم تلاه أبو داود سليمان بن داود السجستاني (المتوفي 275 هـ) ووضع كتابه المعروف بـ(سنن أبي داود)، ثم محمد بن عيسى الترمذي (المتوفي 279هـ) صنف كتابه الجامع المعروف بـ(جامع الترمذي) وفي الوقت ذاته عكف أحمد بن شعيب النسائي (المتوفي 279 هـ) على تدوين سننه المعروفة بـ(سنن النسائي) والذي يطلق عليه أحيانا (المجتبى).

هذه الكتب الستة، تعتبر المرجع الرئيسي، والمصدر الأساس للسنّة. فهم يثقون بما جاء فيها، ويبنون عليها عقائدهم في التوحيد، والفروع، والتفسير، وتاريخ الصدر الأول من الإسلام، وهي تعرف بالصحاح الستة، ويطلق ـ تارة ـ على مصنفي البخاري ومسلم (الصحيحين) وعلى الكتب الأربعة الأخرى (السنن).

بعد هذه الكتب، وضعت مئات الكتب، في مجال الحديث، باسم المسند، والمستدرك، والمستخرج. إلاّ أن أيّا منها لم يصل إلى ما وصلت إليه الكتب الستّة المذكورة.

ما الفرق بين الصحاح والمسانيد؟

يطلق (الصحيح) في اصطلاح علماء الحديث، على الحديث الذي تم سنده عبر أشخاص عدول ومتديّنين، منتهيا إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة (عليهم السلام)(51).

ولما كانت الكتب الستة، ألّفها كتّابها على شرط صحة ما احتوته كتبهم، وما جاء فيها، بالنظر إلى الرواية وسند الرواية ونصها، فقد أطلق عليها عنوان (الصحاح)، بالرغم من اختلاف أربابها في شروط الصحة. فمن الممكن أن يكون هناك حديث يعتبره أحدهم صحيحا، والآخر لا يراه كذلك، ولكن بالنسبة إلى رأي كل منهم، فإن ما جاء في هذه الصحاح، ونقل في مطاويها يطابق ما اعتبر من شروط الصحة في ناقل الحديث تماما.

بينما بقيّة الكتب والمسانيد الأخرى لم تصل إلى هذا الحد من الصحة، ولم يلتزم مؤلّفوها بصحة كل ما جاء في كتبهم، ولم يكن هدفهم سوى جمع الحديث من غير تمييز بين الصحيح وغيره، حتى إن أحمد بن حنبل الذي ينقل في مسنده ما يقارب أربعين ألف حديث، لا يلتزم بصحة كل ما جاء فيه(52).

هدفنا:

حتى الآن، عرضنا نبذة مختصرة عن تاريخ الحديث، من حيث النقل وطريقة التدوين، منذ زمن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وحتى عهد خلافة عمر بن عبد العزيز، وبالاستناد إلى الأدلة، والشواهد الموثوقة، وأتّضح من كل ما سردناه، النقطتين لأساسيتين التاليتين:

1 ـ إن تدوين الحديث عند الأخوة السنّة بدء بعد فترة طويلة جدا من تاريخ صدور الحديث تقارب القرن، ولم يكن هناك أثر لتدوين الحديث قبل الصحاح أو بقليل قبلها. وكان جل اعتماد المؤلفين على الذاكرة البشرية، وما تتناقله الألسن.

2 ـ في الفترة التي حظر فيها تدوين الحديث كثرت الدواعي إلى وضع الحديث وكثر الوضّاعون على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ولكن مع كل ما بيّناه، وبملاحظة النقطتين المذكورتين، فإن جمهور المسلمين يقيمون لصحيحي البخاري ومسلم، وزنا عظيما، وأهمية كبرى، ويرون أنهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم على وجه الأرض، بل إن بعضهم يرى أنهما عدل القرآن الكريم في كون ما جاء به من الروايات القطعيّة الصدور. ولمجرد اشتمال أحدهما على حديث واحد ـ أحيانا ـ ترى أنهم يأوّلون آية من القرآن على خلاف ما تحكم به البديهة والعقل.

الهوامش:

1- لولا قومك حديثو عهد بالإسلام ) الحديث النبوي ـ (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) الكهف: 6.

2- مقدمة فتح الباري.

3- النهاية لابن الأثير ج2 ص 409

4- الحشر: 7

5- (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)(النساء : 80)

6- (فلا وريك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)(النساء : 65)

7- (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا)(الأحزاب : 37)

8- الاحتجاج للطبرسي ج1 ص 81.

9 و10- سنن ابن ماجة، المقدمة.

11- من لا يحضره الفقيه ـ باب النوادر، وصحيح البخاري ج1 ـ باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب.

12- صحيح البخاري ج 1 باب كتابة العلم

13- فتح الباري ج1 باب كتابة العلم.

14- البخاري ج4 باب ذمة المسلمين.

15- البخاري ج9 كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة

16- يراجع البخاري ج1 باب كتابة العلم و ج 3 كتاب الحج باب حرم المدينة وج 8 كتاب الفرائض ، وصحيح مسلم ج4 باب تولي العتق غير مواليه.

17- وفي بعض النسخ : مكرها.

18- رجال النجاشي: ترجمة احمد بن عذافر.

19- راجع: مقدمة النجاشي.

20- راجع : رجال النجاشي، وفهرست الشيخ الطوسي وأعيان الشيعة والذريعة.

21- رجال النجاشي ـ ترجمة الحسن الوشّاء.

22- صحيح مسلم باب التثبت في الحديث.

23- تذكرة الحفاظ ج1 ص3. ألا من سائل الخليفة: كيف حدّثت أنت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديث ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث) ومنعت به إرث فاطمة (عليها السلام) والناس أشد اختلافا؟ هلا كان بينك وبينها كتاب الله يستحل حلاله ويحرم حرامه؟!.

24- تذكرة الحفاظ ج1 ص5.

25- سنن ابن ماجة ج1 ص 12 باب التوقي في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

26- تذكرة الحفاظ ج1 ص3

27- تذكرة الحفاظ ج1 ص4

28- صحيح البخاري ج6 باب الاستئذان.

29- المصدر السابق.

30- تذكرة الحفاظ ج1ص7.

31- سنن ابن ماجة ج1 ص12.

32- المصدر السابق ص11 وصحيح البخاري ج 9 باب خبر المرأة الواحدة.

33- طبقات ابن سعد ج2 ص206.

34- مسند الإمام أحمد ج1 ص 363.

35- صحيح مسلم ج3 باب النهي عن المسألة.

36- شرح النهج لابن أبي الحديد ج11 ص 46.

37- شرح النهج لابن أبي الحديد ج11 ص 46.

38- صحيح البخاري باب كيف يقبض العلم.

39- كابن حجر والقسطلاني والسيوطي.

40- تأسيس الشيعة ص 278 ـ 279 بتلخيص.

41- هدي الساري ج1 ص4.

42- فتح الباري ج1 ص 218 .

43- فتح الباري ج1 ص 204.

44- دائرة معارف القرن لعشرين ج3 ص 367.

45- كشف الظنون ج1 ص 637 باب علم الحديث.

46- نقلا عن (دراسات في الكافي والبخاري) ص 21.

47- ضحى الإسلام ج3 ص606.

48- أضواء على السنّة المحمدية وجامع بيان العلم ج1 ص 92.

49- يذكر صاحب كشف الظنون من المسانيد أربعين مسندا، من بينها مسند الإمام أحمد الذي يحوي أربعين ألف حديث.

50- هدى الساري ج1 ص 4.

51- هذا التعريف يمثل رأي الشيعة والسنة.

52- راجع (التقريب) للنووي ص 1 ـ 2.