مشكلة تدوين الحديث الشريف في عصر النبي

 

الفصل الثالث عشر

(1)

الصحيفة الصادقة

صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص

(1)

الصحيفة الصادقة هي التي كتبها (عبد الله بن عمرو بن العاص) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مباشرة وبإذن منه، فقد روى مجاهد: (... رأيتُ عند عبد الله بن عمرو صحيفة، فسألته عنها، فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعتُ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ليس بيني وبينه أحد) (234)، وكما يبدو من مواصفاتها أنها كانت ذخراً لا ينضب في الفقه والعلم، ولذلك أحتلت مكانة عزيزة لدى صاحبها، حتى إنه يقول: (ما يرغبني في الحياة إلاَّ الصادقة والوهط، فأمَّا الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها) (235).

وقد أخرج الإمام أحمد هذه الصحيفة في مسنده بعنوان: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص (236). وتروي بعض المصادر أن بني عبد الله توارثوا هذه الصحيفة الثمينة حتى استقرت عند حفيده (عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو) (237) المتوفى سنة (120هـ) أو (118 هـ)، وكان يروي عنها قراءة أو حفظاً من أصلها (238).

ولكل ذلك يهتم علماء الجمهور بهذه الصحيفة اهتماماً بارزاً، فقد قال الخطيب: (لهذه الصحيفة أهميَّة عظيمة، لأنها وثيقة علمية تاريخية تثبت كتابة الحديث النبوي الشريف بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبإذنه) (239).

لقد بلغ اهتمام علماء ومفكري الجمهور بهذه الصحيفة أن جعلها أحدهم رسالة لنيل شهادة الدكتوراه..

والآن نحاول أن نخضع الصحيفة والقول بأنها أثر حقيقي يحمل هذه المواصفات لعملية النقد العلمي، لنرى ما هي قيمتها؟ وسوف نبدأ بتحليل أسانيدها التي جمعها الخطيب البغدادي في كتابه المعروف بـ(تقييد العلم)، متطرقين بعد ذلك إلى فحص المتون والمقارنة بينها.


- الرواية الأولى
:

(أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المؤمَّل، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الصادقة: صحيفة كتبتها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (240).

الرواية الثانية:

(... حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارض، حدثنا إسماعيل بن عبد الله العبدي، حدثنا محمد بن سعيد، حدثنا شريك عن ليث عن مجاهد قال: قال عبد الله بن عمرو: ما يرغبني في الحياة إلاَّ خصلتان، الصادقة والوهط، فأمَّا الصادقة: فصحيفة كتبتها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأما الوهط، فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقومُ عليها) (241).


- الرواية الثالثة:

(أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، حدثنا الحسن بن عباس الرازي، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة، يعني ابن سعيد، عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: ما آسي على شيء إلاَّ على الصادقة والوهط، وكانت الصادقة صحيفة إذا سمع من النبي شيئاً كتبه فيها، والوهط كان جعلها صدقة) (242).


- الرواية الرابعة:

(حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا سعيد يعني ابن سليمان، حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، حدثنا مجاهد: قال: أتيتُ عبد الله بن عمرو، فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعني، قلتُ: ما كنت تمنعني شيئاً! قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعتُ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه، وكتاب الله تبارك وتعالى والوهط، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا) (243).


- الرواية الخامسة:

(أخبرنا أبو محمد عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي الديباجي وأبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق الثاني وأبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان (...) قالوا: أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الميراثي قال: أتيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله، فألقى بين يدي صحيفة. فقال: هذا ما كتب لي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنظرت فيها، فإذا فيها: إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله: يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلاَّ أنت، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءً أو أجره على مسلم) (244).

هذه هي الروايات التي تثبت وجود (الصحيفة الصادقة) التي يدعى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتبها عن رسول الله، وليس بينه وبين الرسول أحد.

ونحن إذا نظرنا إلى أسانيدها لوجدناها مخدوشة، وهذه هي المؤشرات:

1 - الرواية الأولى والثانية والثالثة تشترك في (ليث)، فماذا يقول الرجاليون في هذه الرواية؟

قال عبد الله عن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث.

قال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريراً عن ليث ويزيد بن أبي زياد وعطاء بن السائب. فقال: كان يزيد أحسنهم استقامة... وكان ليث أكثر تمليكاً.

قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف.

قال أبو معمَّر القطيعي كان ابن عيينة يقول: ضعيف.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يُشتغل به، وهو مضطرب الحديث.

قال ابن سعد: كان رجلاً صالحاً، عابداً، وكان ضعيف الحديث.

قال الحاكم أبو عبد الله: مُجَمعٌ على سوء حفظه.

وقال الجوزجاني بضعف حديثه (245).

2 - وفي الرواية الرابعة (إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التميمي ت 164 هـ).

قال علي: نحن لا نروي عنه شيئاً.

قال صالح بن أحمد عن أبيه: منكر الحديث، وليس بشيء.

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث.

قال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف.

قال البخاري: يتكلمون في حفظه.

قال النسائي: ليس بثقة.

قال أبو زرعة: واهي الحديث.

قال أبو حاتم: ضعيف الحديث (246).

3 - وفي الرواية الخامسة (أبو راشد الميراثي) قال فيه الحاكم: اشتهر عنه النصب كحريز بن عثمان (247).

4 - إن جميع الروايات في هذا المقام تنتهي سلسلتها إلى إدعاء عبد الله بن عمرو بن العاص نفسه.

على أن هناك مفارقات واضحة تكتنفُ المتون، نشير إلى بعضها.

1 - الرواية الثانية والثالثة تبيّنان صراحة أن أقصى ما يرغبه عبد الله بن عمرو هو الصادقة والوهط، فيما تزداد فقرات الرغبة المذكورة أمراً جديداً في الرواية الرابعة، ألا وهو كتاب الله تعالى، رغم أن جميعها من طريق (مجاهد).

2 - إن الرواية الأولى تصرح أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وليس بينَهُ وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد، فيما تشير بكل وضوح الرواية الخامسة إلى حضور أبي بكر واشتراكه في العملية. بشكل من الأشكال. وحاول الشيخ صبحي الصالح تذليل هذه العقبة بقوله أن لعبد الله هذا كتباً كثيرة!! ودعاء أبي بكر ليس من الصادقة، بل من صحيفة أخرى كان عبد الله يحتفظ بها (248)، وهو تأويل يحتاج إلى دليل من خارجه.

3 - الرواية الثالثة لا تشير إلى خلوة عبد الله بالرسول أثناء الكتابة، وإنما هو يكتب ما يسمع من رسول الله وحسب، رغم أنها من طريق (مجاهد).

هذه هي الروايات التي يستند عليها القوم لتأصيل الصحيفة الصادقة...

فهي مخدوشة سنداً، ومتضاربة متناً، ولكن الأمر لا يقف عند هذه الحدود، بل هناك طبائع الأشياء التي لا تساعد أن يظفر عبد الله بن عمرو بهذا الشرف الرفيع على غيره. وفيما يلي توضيح هذه الحقيقة...

إن عبد الله بن عمرو هذا أسلم وعمره خمسة عشر عاماً (249) وفي السنة الثامنة من الهجرة (250). أي قبل وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) بسنتين، ولم يكن من ذوي السابقة في الإسلام، بل كان أبوه وجده من الذين كادوا لرسول الله ودينه العظيم، فهل (من المقبول - والحالة هذه - أن يؤثره الرسول ولوحده كما تنص الرواية، بتلك المهمَّة الخطيرة التي تخص التشريع كله؟! إنه لأمر بعيد، ويدعو إلى أكثر من تساؤل، حتى لو سلَّمنا بواقع قدرته على الكتابة الفائقة) (251).

إنه تساؤل يفرض نفسه بقوة بلحاظ العديد من المفارقات التي يصعب تجاوزها بسهولة، بل إنها لتدعو إلى الريب بصحة العملية.

والواقع: ليس السن وحده يدعو إلى مثل هذا الموقف أو التشكيك في أصل الصحيفة وصاحبها عبد الله بن عمرو:

1 - قال جرير: كان المغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو، وكان يقول: (ما يسرّني أن صحيفة عبد الله بن عمرو عندي بتمرتين أو فلسين) (252)... ولم ينطلق هذا التضعيف من نقل عمرو بن شعيب وجادة كما يقول الخطيب (253)، لأن التقييم صادر بحق الصحيفة ذاتها كما هو واضح.

2 - لم يرو البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أكثر من سبعة أحاديث (254).

3 - لم يرو مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أكثر من عشرين حديثاً (255).

وله موقف سلبي عدائي حاد من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

كما أن سيرته على العموم تميزت بالسلبيَّة من آل البيت (256)، وبالإيجابية من الأمويين، بما فيهم يزيد بن معاوية قاتل الحسين، ولكن على نحو خجول، كما سنرى. وقد ورث ابناؤه هذه العلاقة الطيبة مع أبناء الأمويين من الحكام والزعماء.

على أن بعض الباحثين يدعي أن هذه الصحيفة، قد استقرت أخيراً عند الحفيد عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.

وهنا يطرح سؤال مهم:

إن وفاة هذا الحفيد عام (120هـ) أو (118هـ) أي في طليعة العام الذي بدأت فيه معالم التدوين والحرص على كتابة حديث رسول الله، فلماذا وهذه هي الحال لم يعمد المسلمون إلى نسخها ونشرها وتدارسها؟ فإن مثل هذا الإجراء له مسوّغه الطبيعي في ضوء أكثر من حقيقة، وذلك فضلاً عن أهميَّة الصحيفة الدينية والتشريعية، هناك الظروف الملائمة والعوامل المشجعة على استنساخها ونشرها واعتمادها في الوسط الإسلامي الحديثي والفقهي والعلمي مادَّة نبوية جاهزة. ومما لا ريب فيه أن الصحيفة لم تصلنا، وهنا نقطة ضعف كبيرة يحاول أحد الكتاب معالجتها، فيقول: (وإذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة كما كتبها ابن عمرو بخطه، فقد نقل إلينا أحمد محتواها في مسنده، كما ضمَّت كتبُ السنن الأخرى جانباً منها) (257) ولكن فات هذا المعالج الذي أدرك جيداً موطن الضعف، فاته أن أحمد بن حنبل (لم يشر إلى كونها مستقاة من تلك الصحيفة الصادقة) (258). وكذلك حال أصحاب السنن الأربع كما يبدو واضحاً لمن يراجعها. ولم يدّع أحد أنه رآها إلاَّ (مجاهد)، وقد مرَّت بنا الروايات في هذا الصدد، وتكشَّف لنا أنها مخدوشة في سندها أو متنها، على أن الغريب في الأمر حقاً، أن الصحيفة لم يرها أحد حتى في عهد (عمرو بن شعيب)، وهو عهد البدء بكتابة الحديث وانتشار أوراقه!!

على أن ما يُلفت النظر حقاً في هذه الصحيفة، تباين الآراء في حقيقة مضمونها إلى حدٍّ يدعو إلى الاستفسار عن واقعها كحقيقةٍ موجودة، أو على أقل تقدير إلى الاستفسار عن مدى الاطمئنان إلى ما جاء فيها. وهناك ثلاث آراء في المقام:

الأول: إنها موسوعة حديثيَّة تضُمّ ألف حديث، وذلك بالاعتماد على رواية عن عبد الله نفسه، فقد روي عنه: (حفظت عن النبي (صلى الله عليه وآله) ألف مثل) (259). ويوجِّه بعضهُم هذا الأمر على اعتبار كل حديث رُويَ عن عبد الله، إنما هو من الصحيفة، فيما يعتقد آخرون، أن ما في الصحيفة ما آتانا برواية (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده)، ومجموعة مع المكرر في مسند أحمد والسنن الأربع (436) حديثاً فقط (260).

الثاني: إن الصحيفة رغم كل ما قيل فيها وعنها، لا تعدو مجموعة أدعية وصلوات تلقَّاها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وليس لها علاقة بالأحاديث النبوية والفقه والتشريع (261).

ومما يعضد هذا الرأي أن الذي يطالع روايات عبد الله، بن عمرو سيجد أن الأدعية والأذكار غالب عليها بشكل قاطع وملفت للنظر، كذلك تضم جملة من التنبؤات الكونية والسياسية.

الثالث: وهناك إشارة تفيدُ أن الصحيفة عبارة عن كتابين، أحدهما حديثي تشريعي، والثاني غيبي تكويني، فقد (قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر عن حياة ابن شريح، قال: دخلت على حسين شُفي بن مانع الأصبحي، وهو يقول: فعل الله بفلان فقلتُ: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شُفي سمعها من عبد الله بن عمرو بن العاص، أحدهما: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كذا وقال رسول الله في كذا، والآخر: ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما، فرمى بهما بين الخولة والباب) (262).

الرابع: ويرى آخرون أن هذه الصحيفة هي مجموعة كتب ظفر بها عبد الله بن عمرو في معركة اليرموك تخص أهل الكتاب، ويستند أهل هذا الرأي إلى أخبار تفيدُ ذلك منها:

1 - (... أن عبد الله كان قد ظفر في الشام يحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها، ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين) (263).

2 - (... أن عبد الله بن عمرو أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما) (264).

3 - وفي رد الدارمي على بشر المريسي: (إنه - عبد الله بن عمرو - أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس (...) وكان يقال له: لا تحدثنا عن الزاملتين) (265).

4 - وقال ابن كثير عن حديث: (بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس) (266)... قال ابن كثير: (إن الأشبه أن يكون موقوفاً على عبد الله بن عمرو، أيكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من أهل الكتاب) (267).

5 - قال الذهبي: (... وكان صاحب جملة من كتب أهل الكتاب وأدمن فيها، ورأى فيها العجائب) (268).

6 - قال شارح مقدمة ابن الصلاح: (والسبب في قلَّة حديث عبد الله بن عمرو هو أنه كان قد ظفر بجمل من كتب أهل الكتاب، وكان ينظر فيها، ويحدث منها، فتجنَّب الأخذ عنه كثير من التابعين) (269).

7 - قال في عمدة القارئ: (... والسبب في قلة حديث عبد الله بن عمرو، وهو أنه كان قد ظفر بجمل من كتب أهل الكتاب، وكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنَّب الأخذ عنه كثير من التابعين) (270).

إن كل هذه المفارقات تجعلنا نشكك على أقل تقدير في ماهيَّة هذه الصحيفة وحقيقة محتواها وكنه مسطورها.

ولكن الذي يستدعي البيان هنا أن (... ما لابن عمرو من الحديث في كتب السنة قد جاء عن طريق الرواية لا من سبيل الكتابة) (271). وما قيل عن رؤيتها مرَّ بيانه سنداً ومتناً، ودعوى استقرارها لدى الحفيد (عمرو ت 120هـ) تثير كثيراً من التساؤلات التي ثبتنا بعضها، وللمزيد من الفائدة في هذا الصدد، نذكر ما يلي:

إن الذي يراجع ترجمة عمرو بن شعيب في الكتب الرجالية لا يقع على أي إشارة منه إلى هذه الصحيفة، وكل الإشارات التي تقرن بينه وبين الصحيفة إنما من آخرين، فيما من المنطقي جداً أن تكون محور حديثه وافتخاره وإشادته، ولك أن تراجع (تهذيب التهذيب: ج8 ص48 - 55) و(المعارف لابن قتيبة: ص125) و(كتاب التاريخ الكبير للبخاري ح8 ص342 رقم2578) و(طبقات ابن سعد: ج5 ص243) و(العبر في خبر من عبر: ج1 ص148) و(خلاصة تهذيب الكمال ص249) و(شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ج1 ص155) و(مرآة الجنان: ج1 ص256). وغيرها من المصادر الأخرى، ونرى نفس الحال مع (شعيب) أبي عمرو، وللتوكيد راجع مصادر ترجمته ومنها: (طبقات ابن سعد: ج5 ص243) و(تاريخ البخاري: ج4 ص218) و(المعارف ص287) و(الجرح والتعديل: ج4 ص251) و(تهذيب ابن عساكر: ج6 ص326) و(تاريخ الإسلام للذهبي: ج3 ص255) و(سير أعلام النبلاء: ج5 ص181) و(تهذيب الكمال ص587).. فهذان الرجلان لم نعهد لهما كلامَ افتخار أو اعتزاز بالصحيفة كما يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص بالشكل الذي مرَّ علينا سلفاً.

فما الذي كان يمنع عمرو بن شعيب وأباه شعيب بن محمد من الإشارة الشخصية المفصَّلة إلى هذه الصحيفة المزعومة؟! ولماذا لا يشيران إليها إبان الرواية، أحدهما عن الآخر حتى عبد الله بن عمرو؟!... هذه أسئلة يمكن أن تثار وتكون مدخل تشكيك بأصل الصحيفة...

وما ذكر عنها نسبة إلى عمرو أو أبيه إنما جاء على لسان غيرهما، وهذه هي أهم التصريحات الواردة في هذا الصدد:

أ - قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدَّث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فهو (كتاب).

ب - وقال أبو زرعة... إنما تكلم فيه - أي في عمرو - بسبب (كتاب) عنده.

ج - وقال محمد بن عثمان عن ابن أبي شيبة، سألتُ علي بن المديني عن عمرو بن شعيب فقال... ما روي عن أبيه عن جده فهو (كتاب) وحده.

د - وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعتُ هارون بن معروف يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئاً إنما وجده في (كتاب) أبيه.

هـ - ... قال أيوب: حدثني عمرو، فذكر أباً عن أب إلى جده، قد سمع من أبيه، ولكنهم قالوا حين مات: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إنما هذا (كتاب).

و - قال ابن معين... وجد شعيب (كتب) عبد الله بن عمرو.

ز - قال أبو زرعة... وأخذ - أي عمرو - (صحيفة) كانت عنده (272).

كل هذه التصريحات لم نجد فيها بياناً على أن أحد أصحابها رأى الصحيفة - الكتاب، وإلاَّ لنقلوا لنا عنها شيئاً ما، إضافة إلى غياب أي تصريح لعمرو وأبيه يشير إلى وجودها عندهما!! ولابد أن نعلق على مجمل التصريحات المذكورة، حيث نلاحظ عليها ما يلي:

1 - إن لفظ (الكتاب) هُو الغالب على تسمية ما عند عمرو على لسان أكثر الرجاليين، الأمر الذي يَعيدُ إلى ذاكرتنا قصَّة ما أصابهُ عَبْد الله من كتب أهل الكتاب في معركة اليرموك، حيث نصَّ على ذلك أكثر من مؤرخ ورجالي.

2 - نفس (عمرو بن شعيب) صدرت فيه تضعيفات مطلقة، وهذه جملة سريعة منها:

قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهي.

وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء.

وقال عمرو بن العلاء: كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب، أنهما كانا لا يسمعان شيئاً، إلاَّ حدثا به.

وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك.

وقال الآجري: قلت لأبي داود، عمرو بن شعيب حجة؟، قال: لا، ولا تصف حجَّة.

وقال عبد الملك الميموني: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير، إنما نكتبُ حديثه لنعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا.

وقال معمر: كان أيوب إذا قعد إلى عمرو بن شعيب تمطَّى رأسه حياء من الناس (273).

وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله، عن عمرو بن شعيب، فقال: ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء (274).

وقال الترمذي عن البخاري: رأيتُ أحمد وعلياً وإسحاق وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يجتمعون بحديث عمرو شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحد من المسلمين، فمن الناس بعدهم (275)؟ إلاَّ أن الإمام الذهبي يستدل على ذلك فيقول: (استبعدُ صورة هذه الألفاظ من البخاري (...) فالبخاري لا يعرج على عمرو، أفتراه يقول: فمن بعدهم، ثم لا يحتجُّ به أصلاً، ولا متابعة) (276). (وروى أبو داود عن أحمد، قال: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجُّوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإذا شاءوا تركوه)، ويعلق الذهبي: (هذا محمول على أنهم يترددون في الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على سبيل التشهي) (277).

(2)

إن استعراض حياة عبد الله بن عمرو بن العاص يكشف عن مفاصل حسَّاسة في سلوكه السياسي والعلمي إزاء أهل البيت (عليهم السلام)، فعبدُ الله هذا حاربَ علياً مع معاوية في صفين، وقد كان على الميمنة يضرب بسيفين، وأكمل دوره بحمل راية أبيه (278) في هذه الحرب الظالمة. ووَلاَّه معاوية الكوفة لردحٍ من الزمن، ووجد في كنفهِ حياة رغيدة، وقد استمرَّ في علاقته الطيبة مع العائلة الأموية، إذ كان من الذين يفدون على يزيد في حضرته، فقد روي (... قال علي بن يزيد بن جدعان عن العريان بن الهيثم قال: وفدت مع أبي إلى يزيد، فجاء، رجل طويل، أحمر، عظيم البطن، فقلت من ذا؟! قيل عبد الله بن عمرو) (279). ولم يصدر عنه أي موقف حاد من يزيد على ممارساته المنافية للإسلام، وذلك حتى على صعيد قتله الحسين (عليه السلام) وبطشه بالمدينة إبان واقعة الحرَّة الشهيرة.

وقد انتقل موقفه الإيجابي من الأمويين إلى حفيده (شعيب)، إذ يروي عن معاوية بن أبي سفيان، وقد وفد على الوليد، وفي ذلك قصَّة قد نفهم منها نوعية شعيب هذا، (وفد المترجم (أي شعيب) على الوليد بن عبد الملك، وكان الأحوص نزل عليه وامتدحه، فأنزله منزلاً، وأمر بمطبخه أن يُحال عليه، ثم أن الأحوص جعل يراود وُصَفاء للوليد، خبازين، عن أنفسهم، ولا يجسرون أن يذكروه للوليد، وكان شعيب قد غضب على مولى له، ونحَّاه، فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان دسَّ لمولى شعيب ذلك وقال له: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر أن شعيباً أرادك عن نفسك، ففعل المولى، فالتفت الوليد إلى شعيب فقال: ما تقول؟ فقال: إن لكلامه غوراً، فاشدد به يصدقك أصلحك الله. فشدَّ به، فقال: أمرني الأحوص، فقال قيم الخبازين: أصلحك الله الأحوص يراود غلمانك عن أنفسهم، فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة، وأمره أن يجلده مائة جلدة) (280)... فشعيب من رواد قصور الخلفاء الظالمين، وممن لا يملك هيبة ووقار عدم التعريض به في مثل هذه المجالات!! وتستقيم السلسلة على ولاءٍ كأنه معهود، إذا علمنا أن عمرو بن سعد كان وزير معاوية وداهيته وسيفه ضد علي (عليه السلام)، فيما يختتمها (عمرو بن شعيب) على الوتيرة ذاتها... حيث لم يروِ عن الإمام السجاد أو الباقر (عليه السلام)، رغم انتشار حديثهما آنذاك، خاصة فيما يتعلق بمحمد الباقر. ورغم ما يذكر المؤرخون عن رحلات عمرو وتجواله وسعيه في طلب الحديث ونشره، وقد كان نزيل الطائف ويتردد على مكة (281).

وإذا كان الفاصل بين علي وعمرو بن العاص السيف بإصرار من الأخير وانحياز غير مشروع لمعاوية، فكانت بين الحسين وعبد الله القطيعة، وكان عبد الله يتحسّسُها غُصَّة تعملُ في نفسه وضميره، فقد روى (... عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: كنت في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) في حلقة، فيها أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو، فمرَّ بنا حسين بن علي، فسلّم، فرد القوم السلام، فسكت عبد الله حتى فرغوا، رفع صوته وقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل على القوم. فقال: ألا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟! قالوا: بلى، قال: هو هذا الماشي، ما كلَّمني كلمة منذ ليالي صفين...) (282).

أما على الصعيد الفكري، فيكفي أن نعلم أن عبد الله لم يرو في علي أبداً، فيما روى في أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من صحابة النبي آنذاك فهل يُفسَّر هذا الموقف صُدفة أو جهلاً؟! بل لم يروِ في الرموز التي تمحورت حول علي، اللَّهم إلاَّ في ذم قاتل عمار حديثاً واحداً، وفي صدق أبي ذر حديثاً واحداً وإسناده ضعيف كما ذكر أحمد محمد شاكر (283).

ولم تعد الصورة في حاجة إلى رتوش أو زيادة إذا علمنا أن هذا الرجل يروي من الأحاديث ما يشجَّع على طاعة معاوية والخضوع لحكمه ولو بصورة مهذَّبة، فقد روى (... حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو، قال: من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، وقال مرَّة: ما استطاع، فلما سمعتها ودخلت رأسي بين رجلين وقلتُ (أي عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة): فإن ابن عمك معاوية، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) (284)، فوضع (عبد الله) جُمعَهُ على جبهته. ثم نكس، ثم رفع رأسه، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله. قلتُ له (عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة): أنتَ سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي) (285).

الهوامش:

234- طبقات ابن سعد: ج4 ص262.

235- سنن الدارمي: ج2 ص127.

236- المسند: ج2 ص158 - 226.

237- تهذيب التهذيب: ج8 ص48 - 55.

238- أصول الحديث: ص194.

239- أصول الحديث، علوم الحديث ومصطلحه: ص27.

240- تقييد العلم: ص84.

241- تقييد العلم: ص85.

242- تقييد العلم: ص85.

243- تقييد العلم: ص84.

244- تقييد العلم: ص85.

245- تهذيب التهذيب: ج8 ص833.

246- المصدر السابق: ج1 ص254 رقم (479).

247- المصدر السابق: ج9 ص170 رقم (250).

248- علوم الحديث ومصطلحه.

249- المعارف لابن قتيبة ترجمة عبد الله بن عمرو نفسه.

250- المصدر.

251- مجلة كلية الثقة: ص1 ع 1 ص111 بشيء من التصرف.

252- تهذيب التهذيب: ج8 ص50.

253- أصول الحدث.

254- سيرة أعلام النبلاء: ج3 ص79.

255- المصدر السابق.

256- في الصفحات التالية.

257- أصول الحديث: ص195.

258- مجلة كلية الفقه، مصدر سابق: ص122.

259- أسد الغابة: ج3 ص233.

260- أصول الحديث: ص195، الحاشية.

261- المصدر.

262- خطط المقريزي: ج2 ص332.

263- فتح الباري بشرح البخاري: ج1 ص217.

264- أبو هريرة/ أبو ريه، نقلاً عن تفسير الحافظ أبي الفداء.

265- المصدر السابق، نقلاً عن رد الدارمي على بشر المريسي: ص136.

266- البداية والنهاية: ج2 ص277.

267- أبو هريرة/ أبو ريه، نقلاً عن ابن كثير، هامش ص125.

268- تذكرة الحفاظ: ج1 ص42.

269- المصباح جُلى مقدمة ابن الصلاح: ص170. المطبعة العلمية بحلب.

270- عمدة القارئ: ج1 ص574.

271- المصدر السابق.

272- تهذيب التهذيب: ج8 ص49.

273- تهذيب التهذيب: ج8 ص48 - 55.

274- سير أعلام النبلاء: ج5 ص167.

275- المصدر السابق: ص166.

276- المصدر السابق.

277- المصدر السابق: ص168.

278- راجع: (أ) أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج3 ص234. (ب) المعارف لابن قتيبة: ترجمة عبد الله بن عمرو.

279- راجع: تاريخ الإسلام، الذهبي: ج3 ص37، كذلك: سيرة أعلام النبلاء: ج2 ص83، ابن سعد: ج4 ص265، مع اختلاف يسير في اللفظ.

280- تهذيب ابن عساكر ك ج6 ص304 - 325.

281- سير أعلام النبلاء: ج5 ص167.

282- أسد الغابة: ج3 ص234.

283- المسند.

284- سورة النساء: 29.

285- المسند: ح 6051 تحقيق أحمد محمد شاكر.

| أعلى |