فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

 

سبب نزول (عَبَسَ وَتَوَلَّى)

هناك قولان في سبب نزول آيات سورة عبس، فالمفسرون من غير الشيعة يقولون أنها في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنه عبس لما رأى الأعمى ابن أم مكتوم، فنزلت الآيات تبكيتاً له (صلّى الله عليه وآله)، أما الشيعة فيقولون ـ تبعاً للروايات ـ إن الآيات نازلة في رجل معين من الصحابة هو الذي عبس وتولى.

نحن ندري أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان أعظم الناس أخلاقاً وقد صرح بذلك القرآن الكريم حيث يقول سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(1)، ويقول سبحانه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(2)، ويقول سبحانه: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(3).

فهل يصدق أحد بعد هذه الآيات كلها أن يعبس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وجه أعمى قد جاء ليتعلم معالم دينه؟ هذه واحدة.

ثم لنقرأ بقية الآيات الكريمة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)(4).

تقول الآيات: إنك تهتم بالغني وتتصدى لاستقباله وليس يهمك أنه لا يتزكى المهم أنه غني ذو مال، تصور أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يبيت الأيام طاوياً جائعاً بعد أن ينفق كل ما يملك في سبيل الله عزّ وجلّ هذا الرسول يهتم بالناس ويوقرهم لأنهم أغنياء ولو كانوا فسقة، ويحتقر الفقراء لأنهم فقراء ولو كانوا أخياراً، هل هذه صفات النبوة؟ هل يرضى شخص أن يكون نبيه بهذه المواصفات.

أذكر حادثة جرت مع شخص يعتقد أن الآيات نازلة في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان يؤكد ذلك ويصر عليه ويعتبر أن الدفاع عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، بهذه الأمور مجرد عواطف - كما يقول - ثم قال: إذا لم تكن الآيات نازلة في رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ففيمن نزلت إذن، قلت: نزلت في فلان رجل معين من شخصيات الصحابة ـ فغضب الرجل غضباً شديداً وقال: أتتهم رجلاً من الصحابة بمثل هذه التهمة؟‍‍ هنا أدع للقارئ التعليق على هذا الأمر، وليتصور أن سيد الخلق وأعظمهم يمكن أن ينسب إليه هذا الكلام أما شخص معين من الصحابة فلا يمكن أن يصدر منه هذا العمل فهل أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أقل شأناً من أحد الصحابة؟‍ هل تصل الحال بالمسلم أن يرضى بتوجيه النقد والذّم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا يرضى به بالنسبة لشخصٍ من الناس؟

 

1- سورة القلم: الآية 4.

2- سورة آل عمران: الآية 159.

3- سورة التوبة: الآية 128.

4- سورة عبس: الآيات 1-10.