فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

 

مقدمة التأليف

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدّمة

هذه بحوث سبق ان ألقيت فصولها على طلبة السنتين الثالثة والرابعة في كلية الفقه في النجف الاشرف ، وعاودت النظر في بعضها ، ولم أعاوده في البعض الاخر .
ولعل ما فيها من جدة النهج في حصر المسائل الاصولية وتبويبها ، وجهد المحاولة في تأسيس أصول للمقارنة الفقهية لم يسبق لي أن اطلعت على معالم محددة لها في تجارب السابقين ، ثم المحاولة في ضبط وتطوير أصول للفقه المقارن فيه سعة وشمول نسبيان لمختلف المدارس العلمية بما فيها مدرسة النجف الحديثة ، هذه الامور كفيلة ـ فيما أعتقد ـ ان تشفع لي في الطلب الى اخواني من ذوي الاختصاص في البحوث التشريعية ان يعمدوا ـ مشكورين ـ الى نقد هذه البحوث وتصحيح أخطائها، فعسى ان نبلغ بها جميعاً الى ما يرجى لها من إثمار في تحقيق أهدافها العلمية وعطائها في إبعاد النهج العاطفي في معالجة أهم مسائل الفكر و أكثرها تعلقاً بصميم العقيدة .
والله أسأل ان يوفقنا جميعاً الى ما يحبه ويرضاه وهو ولي التوفيق .

محمد تقي الحكيم
النجف الاشرف


بحُوث تمهيديّة
أضواء

رأينا أن طبيعة البحث في أصول الفقه المقارن تدعونا الى ان نمهد لها ببحوث تتصل اتصالاً مباشراً أو غير مباشر بقسم من هذه الاصول وتلقي بعض الاضواء عليها .
وقد اعتاد كثير من الاصوليين ان يبحثوا قسماً منها فيما لابسته من المباحث الاصولية وكأنها من صميمها، مع أن أكثرها من المبادئ ، فناسب ذكرها ـ من وجهة منهجية ـ في بحوث التمهيد وإضافة بحوث تقتضيها ضرورة البحث المنهجي وإن لم تتصل مباشرة بهذه الاصول .

 

بحُوث تمهيديَّة
( 1 )
الفقه المقارن

تعريف الفقه المقارن :

يطلق الفقه المقارن ـ أولاً ـ ويراد به : جمع الاراء المختلفة في المسائل الفقهية على صعيد واحد دون اجراء موازنة بينها .
ويطلق ثانياً على : جمع الاراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض .
وهو بهذا المعنى أقرب الى ما كان يسميه الباحثون من القدامى بعلم الخلاف أو علم الخلافيات ، كما يتضح ذلك من تعريفهم له .


تعريف علم الخلاف:

فقد عرفه تسهيل الوصول الى علم الاصول انه " علم يقتدر به على حفظ الاحكام الفرعية المختلف فيها بين الائمة ، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقوادح الادلة " ( 1 ).
والخلافي كما يقول في المصدر نفسه هو : " اما مجيب يحفظ وضعاً شرعياً أو سائل يهدم ذلك " ( 2 ).
وجهات الالتقاء بينهما انما هي في عرض آراء الفقهاء والموازنة بينها وان كانا يفترقان في قربهما من الموضوعية في البحث وبعدهما عنها . فالخلافي كما يوحي به قولهم : " اما مجيب يحفظ وضعاً شرعياً أو سائل يهدم ذلك " يفترض آراء مسبقة يراد له تقريرها وتعزيزها وهدم ما عداها ، فوظيفته وظيفة جدلي لا يهمه الواقع بقدر ما يهمه انتصاره في مقام المجادلة والخصومة ، أو وظيفة محام يضع نفسه طرفاً
في الدعوى للدفاع عمن يتوكل عنه ولا يهمه بعد ذلك ان يكون موكله قريباً من الواقع أو بعيداً عنه .
بينما يأخذ المقارن وظيفة الحاكم الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن فحص جميع الوثائق وتقييمها ، والتماس أقربها للواقع تمهيداً لاصدار حكمه ، ولا يهمه ان يلتقي ما ينتهي اليه مع ما لديه من مسبقات فقهية ، وربما عمد الى تصحيح آرائه السابقة على ضوء ما ينتهي اليه .

 

فوائد الفقه المقارن :

ومن هذه المقارنة بينهما تتضح فوائد الفقه المقارن وأهمها :
أ ـ محاولة البلوغ الى واقع الفقه الاسلامي من أيسر طرقه وأسلمها ، وهي لا تتضح عادة إلا بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي .
ب ـ العمل على تطوير الدراسات الفقهية والاصولية والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف .
ج ـ ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي .
د ـ تقريب شقة الخلاف بين المسلمين والحد من تأثير العوامل المفرقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الاخر ، مما ترك المجال مفتوحاً أمام تسرب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقوّل عليهم بما لا يؤمنون به .

 

موضوعه :

ويراد بالموضوع هنا ما يبحث في العلم عن عوارضه على اختلافها من ذاتية وغريبة ، وانما وسعنا في تعريف الموضوع ولم نقصره على خصوص عوارضه الذاتية كما صنع القدماء ، ولم نأخذ بوجهة نظر صاحب الكفاية من تعميمه الذاتي الى ما لم تكن فيه واسطة عروضية ( 3 ) لعلمنا أن هذا التضييق على التقديرين معاً لا يفي بواقع موضوعات المسائل لاي علم من العلوم ولا يسلم من إشكالات عدم الاطراد والانعكاس .
وموضوعنا في الفقه المقارن ـ وهو الذي يجمع موضوعات مسائله ـ هو : آراء المجتهدين في المسائل الفقهية من حيث تقييمها والموازنة بينها وترجيح بعضها على بعض .
وانما قيدنا الموضوع بآراء المجتهدين لنبعد من طريقنا آراء المقلدة الذين لا يعكسون سوى الصدى لمراجعهم في التقليد . ونقتصر في بحوثنا هذه على ذوي الاصالة في الرأي من المراجع أنفسهم ، سواء كانوا أئمة مذاهب أم غيرهم من الاعلام.
ومن تحديدنا لموضوعه يتضح :

 

الفرق بينه وبين علم الفقه :

فموضوع علم الفقه ـ فيما نرى ـ هو نفس الاحكام الشرعية أو الوظائف العملية من حيث التماسها من أدلتها ، وهذا موضوعه آراء المجتهدين فيها من حيث الموازنة والتقييم . ومن هذا الاختلاف في طبيعة الموضوع نشأ بينهما فارق منهجي ، فالفقيه غير ملزم بعرض الاراء الاخرى ومناقشتها ، وانما يكتفي بعرض أدلته الخاصة التي التمس منها الحكم ، بخلاف المقارن والخلافي فهما ملزمان  باستعراض مختلف الاراء والادلة وإعطاء الرأي فيها . فالفارق بينهما اذن فارق جذري وإن تشابها في طبيعة البحوث .

أصول المقارنة :

ونريد بها هنا الركائز التي يجب ان يتوفر على إعدادها وتمثلها الباحث المقارن ليصح له اقتحام هذه المجالات والخوض في مختلف مباحثها ، وأهمها :

 

أ ـ الموضوعية :

ونقصد منها هنا ان يكون المقارن مهيأ من وجهة نفسية للتحلل من تأثير رواسبه ، والخضوع لما تدعو اليه الحجة عند المقارنة ، سواء وافق ما تدعو اليه ما يملكه من مسبقات أم خالفها .
وهذا لا يتأتى عادة للباحثين اذا لم يمروا بدور معاناة طويلة للتجربة في أمثال هذه المجالات ، على ان يضع نفسه بعد هذه المعاناة موضع اختبار ليرى مدى قدرته على الانسجام مع واقع هذه التجربة ، وذلك بتعريض بعض مسبقاته لنتائج تجربته كأن ينظر مدى استطاعته وقدرته على الايمان بحقيقة كان يؤمن بخلافها لمجرد أن طبيعة البحث العلمي ساقته الى نتائجها ، وبخاصة اذا كانت تمس بعض الجوانب العقيدية أو العاطفية من نفسه ، ثم ينظر مدى قوته على مواجهة الرأي العام المؤمن بخلافها بإعلان هذه الحقيقة أمامه .
فاذا كان بهذا المستوى من القدرة على التحكم بعواطفه وتغليب جانب العقل عليها كان أهلاً لان يخوض الحديث في أمثال هذه الميادين .

 

 ب ـ معرفة أسباب الاختلاف بين الفقهاء :

وهي من أهم الاسس التي يجب ان يرتكز عليها المقارن ، وربما كانت أهمها  على الاطلاق ان لم تكن المقارنة منحصرة في مجالاتها الخاصة ، كما سيتضح فيما بعد .
ولقد ألّفت كتب في تعدادها وشرحها امثال كتاب " أسباب اختلاف الفقهاء " لعلي الخفيف ، و" الانصاف " للبطليموسي الاندلسي وغيرهما .
وقد أوجز ابن رشد في مقدمة كتابه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " هذه الاسباب وحصرها في ستة :
" أحدها : تردد الالفاظ بين هذه الطرق الاربع ، أعني بين ان يكون اللفظ عاماً يراد به الخاص ، أو خاصاً يراد به العام ، أو خاصاً يراد به الخاص ، أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون .
والثاني : الاشتراك الذي في الالفاظ ، وذلك اما في اللفظ المفرد كلفظ القرء الذي يطلق على الاطهار وعلى الحيض ، وكذلك لفظ الامر هل يحمل على الوجوب أو على الندب ، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو الكراهية . واما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا ) ( 4 ) فانه يحتمل ان يعود على الفاسق فقط ، ويحتمل ان يعود على الفاسق والشاهد فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف .
والثالث : اختلاف الاعراب .
والرابع : تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة .
والخامس : إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة ، مثل اطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالايمان تارة .
والسادس : التعارض في الشيئين في جميع أصناف الالفاظ التي يتلقى منها الشرع الاحكام بعضها مع بعض ، وكذلك التعارض الذي يأتي في الافعال أو في
الاقرارات ، أو تعارض القياسات أنفسها ، أو التعارض الذي يتركب من هذه الاصناف الثلاثة ، أعني معارضة القول للفعل أو للاقرار أو للقياس ، ومعارضة الفعل للاقرار أو للقياس ، ومعارضة الاقرار للقياس " ( 5 ).
ولكن هذه الاسباب التي اقتبسها غير واحد من الباحثين المتأخرين وركزوا عليها لم تستوف مناشئ الاختلاف من جهة ولم تعرض الى جذورها الاساسية من جهة اخرى ، وكلما عرضته منها أسباب تتصل بالاختلاف في تنقيح الصغريات لحجية الظهور ـ أعني ظهور الكتاب والسنة ـ أو لحجية القياس ، وكأن الكبريات ليس فيها مجال لاخذ ورد ، مع أن الخلاف فيما يتصل بالكبريات مما لا يمكن تجاهله .
فالانسب ان يستوعب الحديث في الاسباب الى ما يتسع لهما معاً ، وهذا ما يدعونا الى ان نقسمها الى قسمين :
1 ـ الخلاف في الاصول والمباني العامة التي يعتمدونها في استنباطهم ، كالخلاف في حجية أصالة الظهور الكتابي ، أو الاجماع ، أو القياس ، أو الاستصحاب ، أو غيرها من المباني مما يقع موقع الكبرى من قياس الاستنباط .
2 ـ اختلافهم في مدى انطباق هذه الكبريات على صغرياتها بعد اتفاقهم على الكبرى ، سواء كان منشأَ الاختلاف اختلاف في الضوابط التي تعطى لتشخيص الصغريات بوجهة عامة ، أم ادعاء وجود قرائن خاصة لها مدخلية في التشخيص لدى بعض وإنكارها لدى آخرين ، كأن يستفيد أحدهم من آية الوضوء مثلاً ـ بعد اتفاقهم على حجية الكتاب ـ ان التحديد فيها انما هو تحديد لطبيعة الغسل وبيان لكيفيته ، فيفتي تبعاً لذلك بالوضوء المنكوس . بينما يستفيد الاخرون انه تحديد للمغسول وليس فيه أية دلالة على بيان كيفية الغسل ، أي أنه لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة ، فلا بد من التماس بيان الكيفية من الرجوع الى الادلة الاخرى كالوضوءات البيانية وغيرها .
وفي هذا القسم تنتظم جميع تلكم المناشئ التي ذكرها ابن رشد ونظائرها مما لم يتعرض له ، كمباحث المفاهيم والمشتقات ومعاني الحروف ، وما يشخص صغريات حجية العقل كباب الملازمات العقلية بما فيه من بحوث مقدمة الواجب واجتماع الامر والنهي والاجزاء واقتضاء الامر بالشيء على النهي عن ضده ، وغيرها من المباحث المهمة .
ج ـ ان يكون على درجة من الخبرة بأصول الاحتجاج ، ومعرفة مفاهيم الحجج ، وأدلتها ، ومواقع تقديم بعضها على بعض ، ليصح له الخوض في مجالات الموازنة بين الاراء وتقديم أقربها الى الحجية وأقواها دليلاً .
يقول ابن خلدون وهو يتحدث عن ( الخلافي ) ـ ووظيفته بالطبع وظيفة المقارن من حيث الاساس ـ : " ولا بد لصاحبه ـ يعني علم الخلاف ـ من معرفة القواعد التي يتوصل بها الى استنباط الاحكام كما يحتاج اليها المجتهد ، لان المجتهد يحتاج اليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج اليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من ان يهدمها المخالف بأدلته " ( 6 ).
واذا كان الخلافي يحتاج الى الاجتهاد لحفظ مسائله والدفاع عنها فان المقارن اكثر احتياجاً اليها بعد ان وفرنا له صفة القضاء والحكومة بين الاراء ، ومن شأن القاضي ان يحيط بحيثيات الحكم والاسس التي يرتكز عليها لدى الموازنة تمهيداً لاصدار حكمه النهائي في الموضوع .

 

الحاجة الى مدخل لدراسة الفقه المقارن

ومن هنا يتضح مدى احتياجنا ـ متى أردنا لانفسنا الموضوعية كمقارنين ـ الى مدخل لدراسة الفقه المقارن يتكفل لنا بعرض الاسس التي سوف نرتكز عليها في  مقام الموازنة والتقييم ، أي ان نبحث الاصول والمباني العامة التي كان يرتكز عليها المجتهدون في استنباطهم للاحكام على أساس من المقارنة .
والا فان من الظلم ان نفترض لانفسنا آراء مسبقة فيها ثم نحاول ان نجعلها منطلقاً للمقارنة واصدار الحكم على أساسها ،من دون ان نعمد إلى التعرف على وجهات نظر الاخرين فيها ، وربما كان الحق في جانبهم في الكثير منها .
وفي اعتقادي ان الحديث عن هذه الاسس والمباني ـ كمدخل لدراسة الفقه المقارن ـ ضرورة تقتضيها طبيعة المقارنة ، بل لا تكون المقارنة الا من خلال ما ينتهي اليه المقارن منها .
أما الحديث عن القسم الثاني فلست أرى ضرورة التوسع فيه هنا ـ وان كنا سنشير الى المهم من مباحثه ـ لعدم وجود وحدة قياسية يمكن الرجوع اليها في مختلف المسائل ، وان جعلت لها ضوابط في كثير من كتب الاصول التقليدية ، والسر في ذلك ان أكثرها مما يعود الى تشخيص الظهور للادلة اللفظية ، وفي أكثرها تتحكم القرائن الخاصة التي لا يمكن ضبطها بقاعدة ، على ان الخلاف فيما جعل لها من الضوابط نادر جداً وهو مما لا يستحق ان يطال فيه الحديث .
وعلى هذا فان مدخل هذه الدراسة سوف يتمحض لدراسة الاصول والمباني العامة ، أو قل ما يصلح ان يقع كبرى لقياس الاستنباط ، مع الاشارة الى قسم من تلك الضوابط التي تصلح ان تكون مرجعاً للمجتهد عند الشك في تشخيص احدى الصغريات وإطالة الكلام في بعضها تبعاً لحدود ما وقع فيها من اختلاف .


 بحوث تمهيديّة
( 2 )
اصول الاحتجاج


1- اسس الاحتجاج و مصادره:

ذكرنا في التمهيد الاول أن من أصول المقارنة وركائزها الاساسية ان يحيط المقارن بأصول الاحتجاج .
ومن أصول الاحتجاج وأولياته ان يتعرف المقارن أو غيره ـ ممن يريد الموازنة والحكم في أية قضية كانت ـ على القضايا الاولية والقضايا المسلمة لدى كل من يريد الاحتجاج عليهم ، ليكون في الانتهاء الى هذه الاوليات أو المسلمات فصلاً في القول وإلزاماً في الحجة ، ومع عدم التعرف عليها لا يمكن الفصل في أية مسألة ، لاصرار كل من الفريقين على وجهة نظره الخاصة ، وكل قضية لا تنتهي الى هذه الاوليات أو المسلمات تبقى معلقة ويتحول الحديث فيها من عالم الموازنة والتقييم الى عالم تأريخ المباني والتعرف على وجهات النظر فحسب ، كما هو الشأن في عالم الاستظهارات ودعاوى الانصراف والتبادر المختلف فيها .
وقد يكون من نافلة القول ان نؤكد على أن فقهاء المسلمين وفلاسفتهم على الاطلاق يعتبرون هذه القضايا الاساسية لكل احتجاج من البديهيات أو المسلمات ، وهي القضايا التي يتمثل بها :
1 ـ مبدأ العلية والمعلولية ، بما فيها من امتناع تقدم المعلول على العلة وتأخرها عنه أو مساواتها له في الرتبة ثم امتناع تخلفه عنها ، فحيثما توجد العلة التامة يوجد المعلول حتما .
2 ـ مبدأ استحالة التناقض اجتماعاً وارتفاعاً مع توفر شرائط الاتحاد  والاختلاف فيه ( 7 ).
3 ـ مبدأ استحالة اجتماع الملكة وعدمها وارتفاعهما مع توفر قابلية المحل .
4 ـ مبدأ امتناع اجتماع الضدين .
5 ـ مبدأ استحالة الدور .
6 ـ مبدأ استحالة الخلف .
7 ـ مبدأ استحالة التسلسل في العلل والمعلولات .
لذلك لا نرى أية ضرورة للدخول في تفصيل القول في هذه القضايا وما يشبهها ، ما دمنا نعتقد أن الجميع يؤمنون بها وربما شاركهم فيها فلاسفة العالم على الاطلاق ، وان ظهر من بعضهم خلاف ذلك نتيجة عدم تحديد المصطلحات وتوحيد نقطة النزاع فيها ، وإلا فلست أظن أن عاقلاً من العقلاء يؤمن بإمكان اجتماع النقيضين مع توفر شرائط التناقض في الاتحاد والاختلاف ، وهؤلاء الذين يدعون الايمان بإمكان اجتماعهما لا يصورون الاجتماع إلا مع فقد بعض هذه الوحدات ، كالقائلين بنسبية الاشياء حيث يفقدون في أمثلتهم اما شرط الزمان أو المكان أو الاضافة ، وفي بعض أمثلتهم خلط بين جمع النقيض الى النقيض واجتماع النقيضين ، حيث لم يحسنوا التفرقة بينهما ( 8 ) كما لم يحسنوا التفرقة بين الضد والنقيض .
واذن يكون النزاع بينهم وبين غيرهم حول هذه النقطة بالذات نزاعاً شكلياً لا يعتمد على وحدة يحوم من حولها الطرفان .
على أن الذي يهمنا هنا هو إيمان الاطراف المتنازعة في المسائل الفقهية بهذه القضايا ، وهذا ما لا موضع لخلاف فيه كما يتضح من عرض كلماتهم الاتية في مختلف ما نطرقه من مواضيع ، حتى أن الغزالي ـ وهو ممن عرف بإنكار السببية الطبيعية في الفلسفة ـ لم يعمم إنكارها الى الفقه وأصوله ، وانما بنى عليها كثيراً من  المسائل المهمة في القياس وغيره . وسنرى بعد حين مدى إيمانه بذلك .
واذا صح هذا عدنا الى تحديد مفهوم كلمة الحجة لنجعل منها منطلقنا الى تمييز ما يصلح للاحتجاج به من الاصول والمباني العامة من غيره ، محاولين ان نلتمس مختلف وجهات النظر في ذلك على اساس من التقييم والموازنة .

 

2- تعريف الحجة

والذي يبدو من تتبع موارد استعمال هذه الكلمة لدى الاصوليين وغيرهم ان لهم فيها اصطلاحات متعددة تختلف باختلاف زاوية المصطلح ، فاللغويون يطلقونها على كل ما يصح الاحتجاج به ، أفاد علماً بمدلوله أم لم يفد ، شريطة ان يكون مسلماً لدى المحتج عليه ليكون ملزماً به . يقول الازهري : " الحجة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة " ( 9 ) ولا يتم الظفر ـ بالطبع ـ الا مع اعتراف الخصم والتزامه بما قامت عليه ، وانما سميت ـ فيما يقول الازهري ـ : " حجة لانها تحج اي تقصد ، لان القصد لها وإليها " (10) . والمرء عادة لا يقصد الى الشيء الا اذا وجد فيه ضالته ، والضالة التي ينشدها العقلاء من وراء قصدهم الى الحجة الشرعية عادة هو التماس المعذرية أو المنجزية ، وهما من اللوازم العقلية التي لا تنفك عن مفهوم الحجة بحال ، كما ان من لوازمها صحة نسبة مدلول ما يحتج به الى من يحتج عليه بعد فرض التزامه به .
ولتحديد المراد من هذه اللوازم نخصها بشيء من الحديث .

 أ ـ المعذرية :

تطلق المعذرية هنا ويراد بها حكم العقل بلزوم قبول اعتذار الانسان اذا عمل على وفق الحجة الملزمة وأخطأ الواقع ، وليس للامر معاقبته على ذلك ما دام قد اعتمد على ما أقامه له من الطرق وألزمه بالسير على وفقها ، أو كان ملزماً بحكم العقل بالسير عليها ، كما هو الشأن في الحجج الذاتية . فالمشرع الذي يجعل الطريق الى قوانينه ( جريدة الدولة الرسمية ) مثلاً لا يسوغ له ان يعاقب مواطنيه اذا اعتمدوا عليها في سلوكهم وتبين فيها الخطأ في النقل بسبب من الطباعة أو غيرها ، ولو قدر له ان يعاقب لكان عرضة لكثير من اللوم والتقريع من قبل العقل ، ولكان أيسر ما يقال له : كيف تعاقبه على السير على وفق ما ألزمته بالسير عليه ؟ أليس هذا هو الظلم بعينه ؟!

ب ـ المنجزية :

ويريدون بها اعتبار ما تقوم عليه الحجة من الامور الموصلة الى واقع ما تقوم عليه ، بحيث يسوغ للمشرع ان يعاقب اذا قدر لها اصابة الواقع مع تخلف المكلف عنها ، فليس للمواطن مثلاً اذا بلغ ـ بواسطة الجريدة الرسمية ـ بنفاذ قانون ما ان يتخلف عن امتثاله بدعوى عدم حصول العلم بمدلوله لاحتمال الخطأ أو الاشتباه في الطريق ، ومن حق الدولة ان تعاقب وتعتبر عدم الاخذ بما في الجريدة تمرداً وعصياناً ، ولا يجديه اعتذاره بان هذه الطريق لم تفدني العلم ، ما دام عالماً بجعلها طريقاً من قبل دولته أو مشرعه ، ومن هنا صح احتجاج المولى عليه وإلزامه بنتائج تمرده .

ج ـ صحة الاخبار بمدلول الحجة :

ويتفرع على هذا صحة الاخبار عن مؤدى ما قامت عليه الحجة ونسبته لمن صدرت عنه ، لان صحة الاخبار وليدة اعتبار الطريق موصلةً الى مؤداها . فالمسلم مثلاً من حقه ان ينسب الى الاسلام تبنيه وجوب الوضوء على الكيفية الفلانية ، وحجته في ذلك ظواهر القرآن بعد قيام الدليل القطعي على حجية الظواهر وان لم تفد قطعاً بمدلولها . والحجة بهذا المعنى شاملة للعلم ولكل ما ينهى اليه من حيث صحة الاحتجاج وإثبات لوازمه ، سواء كان أمارة أم أصلاً ، كما سيتضح ذلك فيما بعد .

الحجة عند المناطقة

ولكن الحجة عند علماء الميزان لا يراد بها ذلك على اطلاقه ، بل يريدون منها " الوسط الذي به يحتج لثبوت الاكبر للاصغر من نحو علقة وربط ثبوتي بنحو العلية والمعلولية أو التلازم " (11).
وربما أطلقت على مجموع قضايا القياس مقدمات ونتيجة ، وهي هنا ـ بهذا المعنى الذي تبناه علماء الميزان ـ لا يصح اطلاقها على القطع ، لان القطع معلول لها وناشئ عنها ، فهو متأخر عنها رتبة ، ولا يسوغ أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور .
والقياس الذي يؤخذ في كبراه القطع الطريقي لا يمكن أن يكون منتجاً دائماً لكذب هذه الكبرى بداهة ، فقولنا : هذا معلوم الخمرية وكل معلوم الخمرية خمر يجب الاجتناب عنه فمعلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه قياس غير منتج لان
قولنا : وكل معلوم الخمرية خمر كاذبة " اذ معلوم الخمرية يمكن ان يكون خمراً ويمكن ان لا يكون ، ووجوب الاجتناب لم يترتب على معلوم الخمرية بل على الخمر الواقعي ، لان الكلام في القطع الطريقي ، فلا يكون هناك علقة ثبوتية بين العلم وبين الاكبر ، لا علقة التلازم ولا علقة العلية والمعلولية ، وما لم يكن علقة لا يصح جعله وسطاً فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي " (12).

الحجة عند الاصوليين

أما الاصوليون فان لهم اصطلاحهم الخاص فيها ، فهم يطلقونها على خصوص " الادلة الشرعية من الطرق والامارات التي تقع وسطاً لاثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي ، من دون ان يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه " (13).
ومن الواضح عدم الارتباط الواقعي بين نفس الامارة وما تقوم عليه ، سواء كان موضوعاً خارجياً ام حكماً شرعياً . أما الموضوع الخارجي فواضح جداً لبداهة عدم الارتباط بين الظن بخمرية شيء وبين الخمر الواقعي ، لا على نحو العلية والمعلولية ولا على نحو التلازم ، لان الظن بخمرية ماء مثلاً لا يكون علة في تحويل ذلك الماء الى خمر واقعي ، كما أنه لا تلازم واقعاً بين هذا الظن وثبوت مؤداه .
واما في الاحكام فأمرها أوضح ، لان الاحكام انما ترد على موضوعاتها الواقعية لا على ما قام عليه الظن ، إلا على قسم من مباني القائلين بالتصويب . وسيأتي الكلام فيها في موضعه ، والظن لا يزيد على كونه واسطة في اثبات متعلقه لا ثبوته.
والظاهر ان منشأ اطلاق كلمة الحجة على القياس عند المناطقة وعلى الطرق  الشرعية والامارات عند الاصوليين هو كونهما من صغريات ما يصح الاحتجاج به عقلاً ، وقد ضيقوها تبعاً لحاجتهم في الاصطلاح . فالحجية اللغوية اذن أوسع نطاقاً منها عند المناطقة والاصوليين لصدقها ـ بحكم ما يتبادر منها على كل ما يصح الاحتجاج به علماً كان أو أمارة أو أصلاً ـ شريطة ان تتوفر فيه جنبة اعتراف الشارع به وتبنيه من قبله ، باعتباره مشرعاً أو سيداً للعقلاء .
وإننا إذ نستعمل كلمة الحجة فيما يأتي من بحوث فإنما نريد بها معناها اللغوي بما له من السعة ، لانه هو الذي يتصل بصميم بحوثنا القادمة ما لم ننص على تقييدها بأحد المصطلحات . وبهذا ستكون كلمة الحجة شاملة للعلم والامارة وغيرهما مما يصح الاحتجاج به .

( 3 )

وإطلاق كلمة الحجة على العلم يختلف عن اطلاقها على الامارة ، لان اطلاقها على الاول لا يحتاج الى توسط شيء واطلاقها على الثاني يحتاج الى توسط جعل من شارع أو عقل ، وبهذا صحّ تقسيمها الى قسمين : ذاتية ، ومجعولة .

أ ـ الحجة الذاتية :

وهي التي لا تحتاج الى جعل جاعل وتختص بخصوص ( القطع ) لانها من اللوازم العقلية له التي يستحيل تخلفها عنه . وتتضح هذه الملازمة اذا علمنا أن ( القطع ) ليس هو إلا كشفاً للواقع وطريقاً له ، وطريقيته من لوازمه الذاتية بل هو في رأي بعض أساتذتنا عين الطريق ، لان القطع لديه ليس هو إلا انكشافاً ورؤية  للمقطوع " ومن الواضح ان ثبوت الشيء لنفسه ضروري والماهية هي هي بنفسها فلا معنى لتوهم جعل الطريقية " (14) لها .
واذا ثبت أن العلم عين الطريق أو أن الطريقية من لوازمه الذاتية على الاقل كان ثبوت الحجية له من اللوازم العقلية القهرية ، وليس وراء الرؤية الكاملة للشيء ما يلزم بصحة الاحتجاج بما كشفت عنه .
ومن هنا ندرك سر التزامهم بعدم امكان تصرف الشارع في طريقية العلم أو في حجيته ، لان الشارع انما يملك التصرف في خصوص مخلوقاته ومجعولاته كمشرع ولا يملك أكثر من ذلك ، وهما بعد اتضاح كون أحدهما ذاتياً والاخر من اللوازم العقلية القهرية ليسا من مجعولاته كمشرع وإن دخلا تحت قبضته كخالق ومكون ، بمعنى أنه قادر على إعمال إرادته التكوينية في إزالة القطع عن القاطع فتزول معه طريقيته وحجيته من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
أما مع وجود القطع وقيامه في نفس القاطع فرفع طريقيته أو رفع حجيته مما ينهي به الى الخلف ، لبداهة أن رفع الذاتيات أو رفع لوازمها العقلية يستلزم رفع نفس الشيء وهو ينافي فرض بقائه من وجهة تكوينية ، فالزوجية لما كانت من لوازم العدد المزدوج كالاربعة استحال نفيها عن الاربعة تشريعاً ، واذا استحال النفي التشريعي استحال الاثبات كذلك لانتهائه الى تحصيل الحاصل ، وهو بديهي الاستحالة .
على ان مثل هذا التصرف الشرعي لو فرض امكانه من تلكم الجهة لثبتت الاستحالة له من جهات أخرى واهمها :
1 ـ لزوم التناقض إما واقعاً واما بنظر القاطع ، لان التصرف الشرعي بطريقية القطع ينهي الى ان يكون ما قطع به من الوجوب مثلاً غير واجب عليه ، ومعنى ذلك اجتماع الوجوب وعدمه ان صادف قطعه الواقع ، وان لم يصادفه لزم اجتماعهما في نظره لقطعه بوجود الوجوب واقعاً وعدم وجوده ، واجتماع القطعين بالنفي والاثبات بالنسبة لشيء واحد محال .
2 ـ على ان اثبات حجية مثل هذا التصرف بالطريقية أو الحجية ـ لو أمكن ـ فهو مما يحتاج الى دليل ، فان كان غير القطع احتجنا الى دليل على حجيته أيضاً ، والدليل الثالث على الحجية ان كان غير قطعي احتجنا الى دليل ، وهكذا الى ما لا نهاية له . يقول شيخنا النائيني : " طريقية كل شيء لابد وان تنتهي الى العلم ، وطريقية العلم لابد وان تكون ذاتية له لان كل ما بالغير لابد وان ينتهي الى ما بالذات وإلا لزم التسلسل " (15) ومن هنا كان علينا ان نفترض وحدة ينتهي عندها التماس الحجج المجعولة لنقطع السلسلة عن الاستمرار ، وتكون هذه الوحدة مصدراً لجميع الحجج ، وليست هذه الوحدة بالبداهة غير العلم ، فالعلم اذن هو مصدر الحجج واليه تنتهي ، وكلما لا ينتهي اليه لا يصح الاحتجاج به ولا يكون قاطعاً للعذر .
وما دام العلم ذاتياً في طريقيته وعقلياً في حجيته والشارع ليس له التصرف فيه رفعاً أو وضعاً فانه ليس له التصرف أيضاً بشيء من أسبابه ، فليس له ان يقول : ان القطع حجة اذا جاء من السبب الفلاني ، وليس بحجة اذا جاء من سبب غيره ، كما نسب الى الاخباريين ذلك ، حيث منعوا حجية القطع اذا كانت أسبابه عقلية لانتهاء مثل هذا التصرف الى التصرف في نفس القطع من حيث طريقيته أو حجيته ، وقد قلنا ان هذا التصرف غير ممكن عقلاً للاسباب السابقة .
وكما استحال تصرف الشارع بالنسبة الى الاسباب استحال تصرفه بالنسبة الى الاشخاص ـ كأن يقول : ان قطع القطاع ليس بحجة ـ أو بالنسبة الى الازمان أو المتعلقات ، كما نسب ذلك الى البعض لانتهاء كل ذلك الى التصرف بنفس القطع وهو مستحيل كما مر .

ب ـ الحجة المجعولة :

وهي التي لا تنهض بنفسها في مقام الاحتجاج ، بل تحتاج الى من يسندها من شارع أو عقل .
وهي انما تتعلق فيما عدا العلم من الامارات والاصول احرازية أو غير احرازية ، أي فيما ثبتت له الطريقية الناقصة التي لا تكشف عن الواقع الا في حدود مّا ، أو لم تثبت له لعدم كشفه عنه .
وانما احتجنا الى من يسندها من شارع أو عقل لعدم توفر الطريقية الذاتية لها ، لنقصان في كشفها اذا كانت امارة أو اصلاً إحرازياً على قول ، أو لعدم توفر الطريقية لها اذا كانت اصلاً غير احرازي .
ومتى انعدمت الطريقية الذاتية انعدم لازمها العقلي وهو صحة الاحتجاج بمضمونها بما له من المعذرية والمنجزية وغيرهما من اللوازم ، ولاثبات تمامية الكشف للامارة لابد ان نحتاج الى من يتبنى تتميم كشفها من شارع أو عقل ، أي نحتاج الى القطع بإمضاء الشارع لها اذا كان تتميمها قائماً لدى العرف أو جعلها من قبله ابتداء ، بناء على ما هو الصحيح من امكان جعل الطريقية للطرق والامارات ، أو نحتاج الى من يجعل الحجية لها بناء على القول الاخر . أما الاصول فاحتياجها الى سند قطعي يصحح الاحتجاج بها من أوضح الامور ما دامت لا تملك شيئاً من الكشف عن الواقع ، نعم ما كان فيها شيء من الكشف كالاستصحاب وقاعدة الفراغ فحسابه لدى البعض ملحق بالامارة .
ووجه الحاجة الى القطع بوجود من يسندها طريقية أو حجية هو قطع سلسلة العلل لما سبق ان قلنا : ان كل ما كانت حجيته بالغير لابد وان ينتهي الى ما بالذات ، وإلا لزم التسلسل .
ومع كون الامارات أو الاصول لا تملك الحجية الذاتية بداهة ، فهي محتاجة الى الانتهاء الى ما يملكها ، وليس هناك غير القطع بجعل الحجية لها من قبل من بيده أمر وضعها ورفعها .
ولذلك اعتبرنا ان كل حجة لا تنتهي الى القطع لا تصلح للاحتجاج بها ، وتسميتها حجة من باب التسامح في التعبير .
وأظننا ـ بهذا المقدار من العرض ـ لا نحتاج بعد الى التماس أدلة على نفي الحجية عن كل ما هو غير قطعي بأمثال قوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (16) . وقوله تعالى : ( ان الظن لا يغني من الحق شيئاً ) (17) . وقوله عز وجل : ( آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) (18) . وأمثالها من الايات المرشدة الى ذلك الحكم العقلي والمؤكدة له .
والذي يبدو لي أن المسألة ـ بهذه الحدود ـ موضع اتفاق بين العقلاء ، فضلاً عن المسلمين ، و ان لم تصرح به جميع كلماتهم ، ودليل اتفاقهم أنهم عندما يريدون ان يؤصلوا أصلاً أو يكتشفوا قاعدة لا يكتفون بالعمل بمقتضى مؤداها ، بل يلتمسون لها قبل ذلك سنداً قطعياً من شرع أو عقل تحقيقاً للجزم بالمعذرية والمنجزية .
وربما تناقشوا في إفادة الدليل للمؤدّى ، وناقشوا بثبوت الجعل الشرعي له ، وقالوا : ان الدليل لا يفيد القطع بذلك ، مما يكشف عن أن القطع هو أساس جميع الحجج عندهم ، يقول الشاطبي ـ وهو يتحدث عن بعض الادلة غير العلمية ـ : " ان المعنى المناسب الذي يربط به الحكم الشرعي اذا شهد الشرع في قبوله لا خلاف في صحته وإعماله ، وإن شهد الشرع بردّه كان لا سبيل الى قبوله ، ويكون الحكم الذي يربط به ويقوم عليه لا سبيل الى قبوله " (19) . ويقول الخضري من المتأخرين : " أما الاصولية ككون الاجماع والقياس وخبر الواحد حجة ، فهذه  مسائل أدلّتها قطعية " (20) ; وقال غيرهما نظير هذا القول مما يكاد يكون صريحاً بعدم أخذهم بالدليل ما لم تلتمس له الحجية من الشارع أو العقل الموجبة للقطع بلزوم اتباعها ، وسيأتي ما يؤيد ذلك عندما نعرض أدلتهم على الامارات والاصول ومناقشاتهم لهذه الادلة .
نعم هناك ما يشعر بخلاف ذلك من كلماتهم ، وبخاصة ما ورد منها في تعريف الاجتهاد ، أمثال تعريف الامدي له : " باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه " (21).
واستدراكهم على من أخذ العلم بالاحكام في تعريفه بأن أكثر الاحكام مما قام عليها دليل ظني ، وأن بعض مقدمات القياس المنطقي اذا كانت ظنية كانت النتيجة تبعاً لذلك ظنية ، لان النتائج تتبع أخس المقدمات ، الى أمثال ذلك من المناقشات .
وأظن أن هذه المناقشات لا تنافي ما استظهرناه من إطباقهم على اعتبار القطع في كل حجة ، والخلاف بينهم هنا أقرب الى الخلاف الشكلي .
فالقائلون باعتبار العلم بالاحكام في تعريف الاجتهاد لا يريدون به العلم بالاحكام الواقعية ، وانما يريدون به العلم بالحكم الفعلي وهو أعم من كونه واقعياً أو ظاهرياً .
والقائلون باعتبار الظن لا يريدون به الظن بالحكم الفعلي ، وإنما أرادوا به الظن بالحكم الواقعي مع قيام الدليل القطعي على اعتباره .
وعلى هذا فالقطع في الحجية لا ينافي الظنّ بالحكم الواقعي ، ولا شك بأن الشارع بعد تبنيه لحجية خبر الواحد مثلاً ، وقيام الدليل القطعي عليه ، فانه ينجز ما قام عليه من الاحكام عند من قام لديه ، ويلتمس المعذرية له لو خالف الحكم الواقعي باتباعه له .
ومن هنا يتّضح معنى قولهم : إن العلم مقوم للحجية وان الشك في الحجية كاف للقطع بعدمها ، لان الشاك في الحجية قاطع بعدم المعذّرية والمؤمّنية لو سلك هذه الطريق المشكوكة ، وكانت لله عليه الحجة البالغة لو ساءله : على أي شيء ارتكزت في سلوكك هذا وخالفت واقع ما أُمرت به ؟ وكيف نسبت اليّ مع عدم تأكدك مضمون ما شككت بحجيته ؟ ( آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) (22).

( 4 )

وبهذا فقد تحدد موقفنا مما سنعرضه من المباني العامة والقواعد الاصولية ، أو ما سنعرضه من المسائل الفقهية في هذا المدخل وغيره من كتبنا اللاحقة إن شاء الله تعالى .
فالقطع بالحجية اذن هو أساس جميع الادلة ، وعلى ركائزه تقوم دعائم الموازنة والتقييم وإصدار الحكم ، فكل دليل أنهى الى القطع بمؤدّاه ، أو قام دليل قطعي على جعل الطريقية أو جعل الحجية له فهو الملزم للجميع ، وكل ما لا يكون كذلك فهو ليس بدليل .
ولا يكون القطع ملزماً للجميع حتى ينتهي الحديث فيه الى إحدى تلك القضايا الاولية أو المسلّمة لدى الطرفين .
والبراعة في الاحتجاج والالزام انما تكون بمقدار ما يملك صاحبها من إيصال الى هذه القضايا وإنهاء اليها .
ومع عدم الانتهاء الى ملزم منها فإن المسألة تتحول الى مسألة مبنائية لا مجال فيها لفصل أو تقييم ، ويترك لكل من الطرفين حق اختياره لما يشاء ، وبخاصة اذا ادعى لنفسه القطع ، وهو حجة لا تتجاوز نفس القاطع ومن كان ملزماً بالرجوع اليه .
وعلى هذا الضوء ، نرجو ان نوفق الى بحث وتحديد مسائل أصول الفقه المقارن الذي عقد هذا المدخل لدراستها دراسة مفصلة ، فنعرض الى أصل أصل ، ونستعرض آراء الاعلام فيه على اختلاف وجهات نظرهم ، ثم نحاول تقييمها على أساس ما قدمناه من أصول الموازنة والتقييم ، ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق .

 

بحُوث تمهيديَّة
( 3 )

اصول الفقه المقارن

وقبل ان نبدأ هذه الدراسة ، فإن علينا ان نحدد مدلول مفردات هذا التركيب الاضافي ( اصول ، الفقه ، المقارن ) ليسهل الانطلاق من هذا التحديد الى التماس تعريفه تعريفاً مستوفياً للشرائط المنطقية من حيث الاطراد والانعكاس .
فماذا يراد بهذه الكلمات ؟

1 ـ كلمة الاصول :

وهي جمع ، مفردها أصل ، ومعناها اللغوي : ما يرتكز عليه الشيء ويبنى .
وفي المصطلحات الفقهية والاصولية ذكروا لها معاني وصل بها بعضهم الى خمسة :
1 ـ ما يقابل الفرع ; فيقال مثلاً في باب القياس : الخمر أصل النبيذ ، أي ان حكم النبيذ مستفاد من حكم الخمر .
2 ـ ما يدل على الرجحان ; فيقال : الحقيقة أصل المجاز ، أي اذا تردد الامر بين حمل كلام على الحقيقة وحمله على المجاز ، كان الحمل على الحقيقة أرجح .
3 ـ الدليل ; أي الكاشف عن الشيء والمرشد له .
4 ـ القاعدة ; أي الركيزة التي يرتكز عليها الشيء كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : " بني الاسلام على خمسة أصول " (23) أي على خمس قواعد .
5 ـ ما يجعل لتشخيص بعض الاحكام الظاهرية او الوظيفة كالاستصحاب أو أصل البراءة .
ولصدر الشريعة عبيدالله بن مسعود (24) رأي وهو أنها لم تستعمل هنا إلا " بمعناها اللغوي الحقيقي دون نقله الى استعمال آخر ، إذ مخالفة الاصل لا يصار اليه إلا عند الضرورة ، ولا ضرورة هنا لان المعنى مستقيم ، واللفظ في الحقيقة وإن كان يشمل البناء الحسي والعقلي ، إلا أن إضافة الاصل للفقه الذي هو عقلي صرفته عن الابتناء الحسي ، وقصرته على البناء العقلي " (25).
وما يراه صدر الشريعة لا يخلو عن وجه ، والظاهر أن هذه المعاني وإن تعددت في بدو النظر في اصطلاح الفقهاء ، إلا أن رجوعها الى المعنى اللغوي غير بعيد ، ومنشأ التعدد في ألسنتهم اختلاط المفهوم بالمصداق على الكثير ، مما حملهم على دعوى الاشتراك اللفظي بينها .
واذا كان ولا بد من دعوى التعدد في مفهومها ، فالذي نراه أعلق بالمفهوم الذي نريد تحديده للعنوان هو كلمة القواعد ، كما سنشير الى وجه ذلك فيما بعد .

2 ـ كلمة الفقه :

ولكلمة الفقه أيضاً مدلولان : لغوي واصطلاحي . فمدلولها اللغوي الفهم والفطنة ، ولها في الاصطلاح عدة تعاريف رأينا الانسب منها بعد تكميل بعضها ببعض فيما يتصل بعنواننا هي : مجموع الاحكام الشرعية الفرعية الكلية او الوظائف المجعولة من قبل الشارع ، أو العقل عند عدمها . و اذا ضممنا هذين المعنيين الى ما سبق أن حددناه من كلمة المقارن ، اتضح لنا ما نريد من التعريف لعنوان كتابنا هذا .

تعريف أصول الفقه المقارن :

هو : القواعد التي يرتكز عليها قياس استنباط الفقهاء للاحكام الشرعية الفرعية الكلية ، او الوظائف المجعولة من قبل الشارع او العقل عند اليأس من تحصيلها من حيث الموازنة والتقييم .
وبالطبع ، لا نريد بالقواعد هنا غير الكبريات التي لو انضمت اليها صغرياتها لانتجت ذلك الحكم او الوظيفة ، لان الكبرى هي التي تصلح ان تكون قاعدة لقياس الاستنباط ، وعليها تبنى نتائجه .
وبهذا ندرك أن تعريف شيخنا النائيني للمسائل الاصولية بأنها " عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنباط الاحكام الشرعية " (26) من أسدّ التعريفات ، لولا احتياجه الى كلمة " الفرعية الكلية " إخراجاً للكبريات التي لا تنتج إلا أحكاماً جزئية كبعض القواعد الفقهية وضميمة الوظائف اليه ، ليستوعب التعريف مختلف المسائل المعروضة لدى الفقهاء ، وستأتي التفرقة بين الحكم والوظيفة في تمهيدنا اللاحق .
وتلاؤم هذا التعريف مع ما يتبادر من كلمة أصل بمفهومها اللغوي من أوضح الامور .
فأصول الفقه اذن : أسسه التي يرتكز عليها وتبنى عليها مسائله على اختلافها .

إطلاق كلمة الادلة والحجج عليها :

وربما أطلق على هذه القواعد كلمة أدلة باعتبار ما يلزم أقيستها من الدلالة على الاحكام او الوظائف ـ بحكم كونها واسطة في الاثبات ـ كما يطلق عليها كلمة حجج باعتبار صحة الاحتجاج بها بعد توفر شرائط الحجية لها ، وإطلاق هذه
الكلمات عليها بما لها من حدود لا تخلو من تجوّز .


ما يقع موقع الصغرى ليس من الاصول :

واذا صح ما ذكر من أن ما يصلح ان يسمى ( أصلاً ) للفقه هو خصوص الكبرى المنتجة لانها هي التي تصلح للارتكاز عليها كقاعدة لبناء الاستنباط ، اتضح السر في عدم تعميمنا في التعريف الى ما يشمل الصغريات ، سواء ما وقع منها في مجالات استكشاف المراد من النص كمباحث الالفاظ أم غيرها كمباحث الملازمات العقلية ، لوضوح كونها ليست من الاصول التي يرتكز عليها البناء ، وان توقف عليها انتاج القياس واعطاؤها الثمرة العملية .
وأظن أن الاعلام الذين وسعوا في التعريف الى ما يشملها فأبدلوا كلمة الكبريات بكلمة ( ما يقع في طرق الاستنباط ) او ما يشبهها ، كان همهم في الدرجة الاولى وضع تعريف لما اعتادوا تسميته بالاصول ، فوقعوا في مفارقات عدم انعكاس تعريفهم لوقوع كثير مما اتفقوا على تسميته بالمبادئ في صميم علم الاصول ، لاشتراكها في الكثير من الاحيان في تنقيح الصغريات لقياس الاستنباط كعلوم اللغة والنحو والبلاغة ، بالاضافة الى خروجهم على ما توحي به هذه الكلمة من دلالة .
والحق الذي نعتقده ان بحث ما يتصل بمباحث الالفاظ وغيرها مما يلابس قياس الاستنباط مما اعتادوا بحثه في علم الاصول وان كان على درجة من الضرورة ، لاغفال بحثه على هذا المستوى في مظانه من الكتب الاخرى ، إلا ان تسميته بالاصول لا يتضح لها وجه .
فالانسب اعتبارها من المبادئ وبحثها على هذا الاساس ، مع تقليص بحثها الى ما تمس الحاجة اليه من حيث تشخيص دلالاتها اللغوية ، واقصاء كل ما لا يمت الى واقعها اللغوي من البحوث الفلسفية وغيرها .

( 2 )

الفرق بين القواعد الاصولية والفقهية :

والذي أخاله ان تقييدنا للحكم الشرعي بكلمة ( كلي ) في التعريف السابق سهّل علينا الانطلاق الى التمييز بين القواعد الفقهية والاصولية .
وهذه المسألة ـ أعني التفرقة بينهما ـ من أعقد ما بحث في مجالها ، ولم تفصح فيها كثير من كلماتهم وان حامت حول ما نريد بيانه أكثرها ـ فيما نعتقد ـ وأهم ما ينبغي التنبيه عليه من الفروق ثلاثة وهي :
أ ـ كون القاعدة الاصولية لا تنتج إلا حكماً كلياً او وظيفة كذلك ، بخلاف القاعدة الفقهية ، فان انتاجها منحصر على الدوام في الاحكام والوظائف الجزئية التي تتصل اتصالاً مباشراً بعمل العامل .
ب ـ إن القاعدة الاصولية لا يتوقف استنتاجها والتعرف عليها على قاعدة فقهية ، بخلاف العكس ، لان القواعد الفقهية جميعاً انما هي وليدة قياس لا تكون كبراه إلا قاعدة أصولية .
ج ـ ان القاعدة الاصولية لا تتصل بعمل العامي مباشرة ولا يهمه معرفتها ، لان إعمالها ليس من وظائفه وانما هو من وظائف مجتهده ، ولذلك لا نجد أي معنى لالقائها اليه في مجالات الفتوى ، بخلاف القاعدة الفقهية فإنها هي التي تتصل به اتصالاً مباشراً وهي التي تشخص له وظيفته ، فهو ملزم بالتعرف عليها لاستنباط حكمه منها بعد أخذها من مجتهده .
ولعل هذا هو مراد شيخنا النائيني ، وان لم توضحه بعض تقريرات بحثه ، فلا يرد على تفرقته هذه ما ذكر " من أن بعض القواعد الفقهية لا يمكن القاؤها الى العامي ولا يستطيع معرفتها فضلاً عن تطبيقها ، وذلك كقاعدة ما لا يضمن ، او التسامح في أدلة السنن ، أو قاعدة لا ضرر ولا حرج ، بداهة ان المكلف عاجز عن تطبيق هذه القواعد على مواردها " (27).
لان عجز العامي عن معرفة هذه القواعد بنفسه لا يرفع عنه مسؤولية فهمها والاستعانة بمن يوضحها له لتعلقها بصميم عمله ، وليس من وظيفة المجتهد ان يعدد جميع مصاديق هذه القواعد ليمهد للعامي جهة الانتفاع بها فيما لو ابتلي ببعضها، وإلا لضاق به نطاق الزمان عن استيعابها جميعاً ، على أنا نشك ان العامي ـ وبخاصة من قارب درجة الاجتهاد ولم يجتهد بعد ـ عاجز عن تطبيقها متى حددت له جهتها الفقهية وأبرزت له معالمها ، وترك له أمر التماس موضوعاتها وتطبيقها على نفسه .
ولعل أهم ما يمكن أن تؤخذ به التفرقة الاولى ـ وهي العمدة في الفروق ـ ما شوهد من انتاج بعضها للنتائج الفقهية والاصولية معاً ، مما يبعث على الحيرة في التماس مقياس موحد للتفرقة بينهما ، فقد لوحظ مثلاً على الاستصحاب وأصل الطهارة انهما ينتجان أحياناً الحكم الكلي ، واحياناً الاحكام الجزئية ، وبمقتضى ذلك لا يمكن عدهما من المسائل الاصولية ولا الفقهية بذلك المقياس ، وهذا ما حمل البعض على عدم الاخذ به واللجوء الى التماس مقاييس أخرى .
ولكننا لا نجد في هذه المؤاخذة ما يوجب طرح هذا المقياس ، وليس هناك ما يمنع من اشتراك الموضوع الواحد بين علمين وأكثر اذا تعددت فيه الحيثيات بتعدد العلوم .
فالاستصحاب من حيث إنتاجه للحكم الكلي يكون موضوع مسألة أصولية ; ومن حيث انتاجه للحكم الجزئي يكون موضوع مسألة فقهية ، و تعدد الحيثية يعدد الموضوع حتماً . وكذلك القول في أصل الطهارة وغيرها من الموضوعات المشتركة بين مسائل الفقه والاصول .
أما لماذا بحثت بعض هذه الموضوعات في الاصول ولم تبحث في الفقه او بالعكس ؟ فالذي احتمله أن قدماء الاصوليين ـ وهم الذين برمجوا لنا هذه العلوم ـ لاحظوا الغلبة في نوع انتاج هذه القواعد ، فقسموا بحوثها على هذا الاساس ، ولهذا السبب بحثوا أصل الطهارة في الفقه لغلبة انتاجه للنتائج الجزئية ، وبحثوا الاستصحاب في الاصول لغلبة انتاجه للحكم الكلي .
وربما كان الباعث لبعضهم بالاضافة الى ذلك ، ما يرون في بعضها من تمشيها في مختلف أبواب الفقه وعدم اقتصارها على باب دون باب ، فآثر لذلك بحثها في الاصول تسهيلاً للباحث وإبعاداً له عن تضييع الوقت في التماسها في مختلف المظان ، بخلاف البعض الاخر ، فانه يخصّ بعض أبواب الفقه دون بعض كأصل الطهارة ، إذ من السهولة واليسر التماسه في بابه الخاص من الفقه .
وهذه وجهات نظر في البرمجة قد توافق عليها أصحابها وقد تختلف معهم ، ولكنها على كل حال لا توجب رفع اليد عن المقياس الذي ذكرناه ، شريطة ان يتقيد بلحاظ الحيثية في هذه المواضيع المشتركة على نحو ما ذكرناه سابقاً .

( 3 )

الفارق بينه وبين أصول الفقه :

هناك فوارق بينه وبين أصول الفقه يتصل بعضها في منهجة البحث ، وسيأتي الحديث عنه في موضعه ، وبعضها في سعة كل منها وضيقه بالنسبة الى طبيعة ما يبحثه ، فاذا كان من مهمة الاصولي ان يلتمس ما يصلح ان يكون كبرى لقياس الاستنباط ثم يلتمس البراهين عليه ; فان مهمة المقارن في الاصول ان يضم الى ذلك استعراض آراء الاخرين ، ويوازن بينها على أساس من القرب من الادلة والبعد عنها ; وما عدا ذلك فطبيعة مسائلهما متحدة كما يدل على ذلك تقارب تعريفهما وان اختلفا في الغاية من كل منهما ، لان الغاية من علم الاصول تحصيل القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .

الغاية من أصول الفقه المقارن :

بينما نرى أن الغاية من أصول الفقه المقارن هي الفصل بين آراء المجتهدين بتقديم أمثلها وأقربها الى الدليلية ، وربما كانت رتبة الاصولي المقارن متأخرة عن رتبة الباحث في الاُصول ، لان الفصل بين الاراء لا يكون إلا بعد تحصيل القدرة على معرفة الامثل من الادلة ، وهي لا تكون إلا للمجتهدين عادة في الاصول .

موضوع أصول الفقه المقارن :

هو : كل ما يصلح للدليلية من أدلته ، وحصره إنما يكون بالاستقراء والتتبع ، ولا معنى لتخصيصه بالادلة الاربعة لا بما هي أدلة كما ذهب الى ذلك المحقق القمي (28) ، ولا بما هي هي كما ذهب اليه صاحب الفصول ليرد عليهما خروج كثير من المباحث الاُصولية ، أمثال الاستصحاب والقياس وخبر الواحد ، لبداهة أنها ليست من الكتاب او السنة او الاجماع أو دليل العقل ، وان كانت أدلة حجيتها مما ترجع اليها .
وهما ـ أعني أصولي الفقه والفقه المقارن ـ متشابهان في تمام مواضيعهما ، وإن اختلفا بقيد الحيثية في كل منهما .
والخلاصة : ان في كل منهما مواضع للالتقاء وأخرى للافتراق ، فهما يلتقيان في طبيعة مسائلهما وتشابه موضوعاتهما ; ويفترقان في الغاية من بحثهما وفي منهج البحث ، ثم في سعته في أحدهما وضيقه في الاخر .

( 4 )

الفارق بينه وبين أصول القوانين :

ويتضح هذا الفارق ـ الذي رأينا ضرورة بحثه في مثل هذا التمهيد لطبيعة ما بينهما من علائق ـ من تعريفهم لاصول القانون إن صح أن له تعريفاً محدداً . يقول السنهوري : " ليس هناك علم واضح المعالم بيّن الحدود يسمى علم أصول القانون ، ولكن توجد دراسات تبحث في القانون وفي نشأته وتطوره وفي طبيعته ومصادره واقسامه " (29).
وفي حدود ما انتهينا اليه من تحديد لكلمة أصل ، فان الذي يصلح ان يكون أصلاً للقانون مما يتصل بهذه الدراسات هو خصوص مصادر القانون ، أما البحث عن القانون وطبيعته وأقسامه ونشأته وتطوره فهو خارج عن صميم الاصول وملحق بمباديه ومداخله ، لبداهة ان تصور نفس الشيء وطبيعته يعد من المبادئ الضرورية لعلمه ، ودراسة نشأته وتطوره هي أقرب الى التاريخ منها الى العلم .
وكلمة المصادر هنا ذات معان في أعرافهم ، لعل أهمها معنيان :
1 ـ الاصل التاريخي ، وهو الذي أخذ القانون ـ الذي يراد دراسته ـ عنه احكامه ، فالقانون الفرنسي مثلاً يعتبر أصلاً للقوانين المصرية والعراقية في الكثير من موادها .
2 ـ السلطة التي تعطي القواعد القانونية قوتها الملزمة وتسمى بـ ( المصدر الرسمي ) ولكل قانون مصدر أو مصادر متعددة .
و" المصادر الرسمية هي : التشريع ، والعرف ، والقانون الطبيعي ، وقواعد العدالة ، وأحياناً الدين " (30).
" ويتصل بالمصدر الرسمي ما يسمى بالمصدر التفسيري ، وهو المرجع الذي يجلو غامض القانون ويوضح مبهمه ، والمصادر التفسيرية اثنان : الفقه والقضاء " (31).
والتفسير انما يلجأ اليه اذا كان في النص غموض أو تناقض أو نقص ، وقد وضعوا للتفسير طرقاً قسموها الى قسمين : داخلية وخارجية ; فالداخلية : هي التي يلتمس المفسر من نفس النص معالم تهديه الى واقع ما يجهله . وأهم طرقها :
" القياس ، الاستنتاج من باب أولى ( مفهوم الموافقة ) ، والاستنتاج من مفهوم المخالفة ، وتقريب النصوص المتعلقة بموضوع واحد بعضها من بعض " (32).
والطرق الخارجية " وهي التي يستند فيها المفسر على عنصر خارجي عن التشريع نفسه ، ومن ذلك الاستناد الى حكمة التشريع والاسترشاد بالاعمال التحضيرية ، والاسترشاد بالعادات ، والرجوع الى المصدر التاريخي للتشريع " (33).
والذي يبدو أن لعلماء القانون مواقف مختلفة من الدعوة الى إيجاد مصادر الى جنب القانون يرجع اليها عند نقصه وعدم استيفائه لحاجات الناس ، فالذي عليه الاستاذ بلوندو عميد كلية الحقوق في باريس هو الاخذ بالطريقة التقليدية ، وهي التي سادت في القرن الثامن عشر ، ومبدؤها الحجر على الرجوع الى غير القانون ، لعقيدة أصحابها " ان التشريع الرسمي يكفينا وحده للكشف عن جميع الاحكام الحقوقية الضرورية لحاجات الحياة الاجتماعية " (34). وقد " صرح في مذكرته الى مجمع العلوم الاخلاقية بأن المصدر الوحيد في الوقت الحاضر انما هو القانون " " وعلى هذا فقد أقصى من مصادر الحكم ما سماه بالمصادر غير الصحيحة التي أقيمت غالباً في مقام إرادة الشارع ، وقد عدد منها الاجتهادات والمذاهب القديم منها والحديث ، والعرف الذي لم تدل عليه صراحة القانون ، وكذلك حسن العدالة وفكرة المصلحة العامة " (35).
ولكن القرن التاسع عشر حفل بطريقة جديدة سميت بـ ( الطريقة العقلية ) وأرادوا بها " الاستنجاد بالعقل ليكتشف حلولاً وأحكاماً للمسائل تكون متناسبة مع فكرة الانصاف والحاجات العملية " ولكن حرصها " على ادخال ما يصدر عنها من حلول وأحكام في نطاق نصوص القانون بعد توسيع ذلك النطاق وتبيين تلك النصوص " (36) حوّلها في نظر العلماء الى امتداد لتلك الطريقة التقليدية واستمرار لها ، مما أوجبت الثورة عليها من قبل الاستاذ فرانسوا جيني ، الذي جاء بطريقة ( البحث العلمي الحر ) كرد فعل لمفعول تلكم الطريقتين ، وتقوم نظريته الحديثة على أساس من :
1 ـ " القول بأن يترك في نطاق القانون جميع ما يصدر عنه " (37).
2 ـ " الاعتراف الى جانب القانون بمصادر أخرى تمشي موازية له ، ويكون لهذه المصادر قيمة حقوقية وإن لم تكن نفس القيمة التي للقانون ، وذلك على نحو ما كان عليه الرومان من الاعتراف بالاجتهاد كمصدر من مصادر الحقوق " (38).
وفي حدود ما اطلعت عليه ، إن الكلمة بعد لم تتفق لدى علماء القانون على وضع أصول وقواعد تفي بحاجات الناس ، سواء ما يتصل بالطرق التفسيرية الداخلية أم الخارجية " وهذا ما جعل القاضي يفسر القانون ـ حين الاقتضاء ـ تبعاً لمواهبه المسلكية وحسب ذمته تحت مراقبة مجلس التمييز ، وهو يستوحي ذلك من روح القانون التي أراد الشارع بلوغها ، ومن الوثائق التي سبقت وضع القانون وأعدته . ومن هنا يفهم كم هي خطرة هذه السلطة من التفسير " (39).
ومن هذا العرض الموجز ، ندرك مواقع الالتقاء بين أصول الفقه المقارن وأصول القوانين في اهتمام كل منهما بالجانب التأريخي .
فالمقارن في الدرجة الاولى مسؤول عن التماس القواعد العامة التي يستند اليها الفقهاء ليتعرف عليها تمهيداً للموازنة والتقييم ، والباحث عن مصادر القانون لا يهمه أكثر من " استيعاب المبادئ الاساسية التي يقوم عليها القانون " وهما في هذه الجنبة يختلفان عن الباحث في علم الاصول في رأي جمهرة الاصوليين ، فهو عند ما يبحث المصادر لا يبحثها إلا لتكون مستنداً له في استنباط الاحكام ، فهو لا يفترض آراء مسبقة في الفقه يريد أن يتعرف على أصولها ، شأن الباحث المقارن أو الباحث في أصول القانون ، وانما يريد أن يتعرف على أحكامه من هذه الاصول (40).
ويفترق أصول الفقه المقارن عن أصول القوانين في اهتمامه بالجانب التقييمي بالتماس الادلة والحجج ، و محاولة عرض الاصول عليها ، والتنبيه على أقربها للحجية ، بينما لا يهم الباحث في أصول القوانين شيء من ذلك . ويفترقان بعد ذلك في طبيعة المصادر وسعة الجوانب التفسيرية في أصول الفقه عنها في أصول القوانين ، فهما وان اشتركا في بحث بعض مباحث الالفاظ ، كبعض المفاهيم وبعض مباحث الحجج كالقياس وبحث النسخ وإلغاء الاحكام السابقة ، إلا أن الجنبة الاستيعابية في أصول الفقه أشمل وبخاصة بمفهومه لدى القدماء .
والحقيقة ان علم أصول القوانين ما يزال بحاجة ماسة الى يد مطوّرة تستعين على وظيفتها باقتباس بحوث من أصول الفقه ، ليقوم بواجبه من تأسيس قواعد عامة تكون هي المرجع في التماس الوظيفة ، أو الحكم عند تعذر وفاء النصوص بالحاجة ، إما لغموض أو تضارب أو عدم تعرّض للحكم ، أو غيرها من موجبات التوقف عن الاخذ بالقانون ، ليقطعوا بذلك السبيل على تحكّم القضاة واجتهاداتهم التي لا ترتكز على أساس .
والخلاصة : ان علم أصول الفقه المقارن يلتقي باُصول القوانين في ناحيته التاريخية ، وان اختلف عنه من حيث سعة بحوثه وتنوعها واخضاعها للجانب التقييمي ، سواء ما يتصل منها بتشخيص الصغريات وهو ـ ما ذكر استطراداً في علم الاصول ـ أم ما يتصل منها بتأسيس القواعد الكبروية لقياس الاستنباط .

1 ) دراسات في الفلسفة الاسلامية للتفتازاني : 127 نقلاً عن تسهيل الوصول :10 .
2 ) المصدر السابق .
3 ) كفاية الاصول : 1/3 ويريد بالواسطة العروضية الواسطة التي يتقوم بها العرض حقيقة وينسب الى ذي الواسطة تجوزاً ، كنسبة البياض الى مجموع الجسم مع تقومه بالواسطة حقيقة وهو السطح . واكثر محمولات مسائل العلوم من هذا القبيل لتقومها بموضوعاتها الخاصة حقيقة ، ونسبتها الى القدر الجامع بين الموضوعات نسبة تجوزية .
4 ) سورة البقرة : الاية 160 وسورة آل عمران : الاية 89 وسورة النساء : الاية 146 وسورة المائدة : 34 .
5 ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد : 1 / 5 ـ 6 .
6 ) المقدمة : 457 .
7 ) يشترط الفلاسفة في امتناع اجتماع أو ارتفاع النقيضين اجتماع وحدات عشر هي : الموضوع ، المحمول ، الزمان ، المكان ، الرتبة ، الشرط ، الاضافة ، الجزء والكل ، القوة والفعل ، الحمل . كما اشترطوا ضرورة الاختلاف في ثلاثة هي : الكم ، والكيف ، والجهة ، ومع تخلف احدى هذه الوحدات أو عدم توفر الاختلاف في واحدة من هذه الثلاث لا يمنع العقل من امكان الاجتماع أو الارتفاع .
8 ) اقرأ ما كتبه الماركسيون حول صراع المتناقضات وما كتبه النسبيون حول امكان اجتماع النقيضين على أساس من نظريتهم النسبية ، مع ان صدق النظرية النسبية لا يبطل استحالة اجتماع النقيضين لفقد شرط الاضافة فيها كما هو واضح .
9 ) لسان العرب مادة " حجج " .
10 ) لسان العرب مادة " حجج " .
11 ) نهاية الافكار : 3/20 تقريرات آغا ضياء العراقي .
12 ) فوائد الاصول : 3/4 .
13 ) المصدر السابق .
14 ) دراسات الاستاذ آية الله الخوئي(قدس سره) : 5 .
15 ) فوائد الاصول : 3/3 .
16 ) سورة الاسراء : الاية 36 .
17 ) سورة يونس : الاية 35 .
18 ) سورة يونس : الاية 59 .
19 ) الاسلام ومشكلاتنا المعاصرة : 26 نقلاً عنه .
20 ) أصول الفقه : 366 .
21 ) الاحكام : 3/139 .
22 ) سورة يونس : الاية 59 .
23 ) لم نعثر على حديث بهذا اللفظ راجع الاصول من الكافي : 2 / 18 ، الحديث رقم 5 . وفيه " خمسة أشياء " وصحيح مسلم : كتاب الايمان ، الحديث رقم 19 ، من دون كلمة " اصول " .
24 ) راجع : أعلام الزركلي : 4 : 197 .
25 ) مباحثات الحكم عند الاصوليين : 9 .
26 ) فوائد الاصول : 4 / 107 .
27 ) مصابيح الاصول : 1 / 13 .
28 ) قوانين الاصول : 1 / 4 مقدمة في تعريف اُصول الفقه وبيان رسمه وموضوعه . ( نسخة مصورة منشورات علمية اسلامية ) .
29 ) الدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت ، أصول القانون : ص1 .
30 ) الدكتور عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت ، أصول القانون : 164 .
31 ) المصدر السابق.
32 ) المصدر السابق : 164 وما بعدها .
33 ) المصدر السابق .
34 ) المدخل الى علم أصول الفقه : 332 وما بعدها .
35 ) المصدر السابق .
36 ) المصدر السابق .
37 ) المصدر السابق .
38 ) المصدر السابق : 335 .
39 ) المصدر السابق : 7 وما بعدها ، نقلاً عن الموسوعة الفرنسية .
40 ) مباحث الحكم عند الاصوليين : 40 .