فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

 

 

تحقيق حضور النبي والأئمة عند المحتضرين

 

روي عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: أول مَن اتخّذ علي بن أبي طالب أخاً من أهل السماء إسرافيل ثم ميكائيل ثم جبرئيل، وأول مَن أحبه من أهل السماء حملة العرش ثم رضوان خازن الجنان ثم ملك الموت وان ملك الموت ليترحم على محبّي علي بن أبي طالب كما يترحم على الأنبياء(1).

يا لها من درجةٍ عالية، ومنزلة راقية، وميزة عظيمة، ونعمة من الله تعالى جسيمة لمحبي علي أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث ان ملك الموت يترحم عليهم – عند قبض أرواحهم – كما يترحم على الأنبياء الذين هم أفضل خلق الله عَزّ وجَلّ حسب نص هذا الحديث الشريف الذي رواه الخاص والعام بأسانيدهم عن الصحابيّ الجليل عبد الله بن مسعود:

 

وصية النبي(صلى الله عليه و آله)وأهل بيته ملك الموت بمحبهم

وإنما يترحم ملك الموت عليهم لان النبي(صلى الله عليه و آله) والأئمة إذا حضروا محبّهم حال احتضاره يوصون ملك الموت به، فإذاً ترحمه على المحبين لا من نفسه بل بوصيةٍ من النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته.

وهذا ليس بغريب ولا عجيب من لطف أهل البيت وحنانهم لمحبيهم، لأن العادة قضت ان المحب الحقيقي يحضر عند محبوبه في وقت محنته وبلائه ليكون مساعداً له على ذلك.

وليت شعري أيُّ محنةٍ وبلاء أعظم من ساعة انتزاع الروح من الجسد ومفارقة الأحباب والمال والجاه والحياة التي هي أغلى كلّ شيء.

ومعلوم ان رسول الله(صلى الله عليه و آله) والأئمة هم مثال العطف والحنان والرعاية والإحسان لشيعتهم ومحبيهم لذا يحضرون عندهم – وهم أحياء عند ربهم يرزقون – في مثل هذا المأزق الحرج والظرف العصيب ليكونوا مساعدين لهم ومنقذين لهم من ذلك البلاء، ومبشرين لهم بالخير العميم الذي سيقدمون عليه في عالمَي البرزخ والقيامة.

يقول الإمام الصادق(عليه السلام) لمسمع بن عبد الملك البصري وكان من شيعته: يا مسمع أما أنك سترى – عند موتك – حضور آبائي لك، ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة ما تقر به عينك قبل الموت، فملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها(2).

 

من شؤون إمامة النبي(صلى الله عليه و آله)والأئمة حضورهم عند المحتضرين

وحضورهم(عليهم السلام) لم يكن عند المحتضرين من محبيهم فقط، بل يحضرون عند كل محتضرٍ مؤمن وكافر محّبٍ ومبغض، إذ أنّ من شؤون إمامتهم العامة – على جميع الناس – حضورهم عند كل محتضر ليبشروا المؤمن المحب بحسن العاقبة والجنة، والكافر المبغض بسوء العاقبة والنار.

وقد تواتر هذا المعنى في أحاديث النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار بتفصيل تارة، واختصار تارة أخرى، ومن تلك التفاصيل التي تفّصل كيفية حضورهم عند المحتضرين ما رواه جلّ علمائنا كالكليني في (الكافي)، وابن شعبة في (تحف العقول)، وفرات بن إبراهيم في (تفسيره) وغيرهم من طرق عديدة بأسانيدهم عن الإمام الصادق(عليه السلام) انه قال لجماعة من شيعته المؤمنين:

"منكم والله يقبل، ولكم والله يغفر، انه ليس بين أحدكم وبين أن يُغْتَبط، ويَرى السرور وقرة العين إلاّ ان تبلغ نفسه ههنا – وأومأ بيده إلى حلقه – ثم قال: انه إذا كان ذلك واُحُتضر، حضره رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلي وجبرئيل وملك الموت(عليه السلام) فيدنو منه علي(عليه السلام) فيقول: يا رسول الله ان هذا كان يحبنا أهل البيت فأحبه، ويقول رسول الله(صلى الله عليه و آله) يا جبرئيل ان هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه، ويقول جبرئيل لملك الموت: ان هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فاحبه وأرفق به فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت أمان براءَتك؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ قال: فيوفقه الله عَزّ وجَلّ فيقول: نعم، فيقول وما ذاك؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب فيقول: صدقت: أمّا الذي كنت ترجوه فقد أدركته، ابشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلي وفاطمة(عليهما السلام) ثم يسلّ نفسه سلاًّ رفيقاً.

وفي بعض طرق الحديث قال الإمام الصادق(عليه السلام): ويناديه منادٍ من بطنان العرش يُسمعه ويُسمع مَن بحضرته، "أي الذين حضروا قبض روحه من النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته والملائِكة"،(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر/28-31].

وقال الإمام(عليه السلام):(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) إلى محمد ووصيّه والأئمة من بعده،(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيةً) بالولاية(مَرْضِيَّةً) بالثواب، (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) محمد وأهل بيته،(وَادْخُلِي جَنَّتِي) غير مشوبة، أي غير مخلوطة، بكدر وهرم وما شاكل ذلك(3).

ثم قال الإمام الصادق(عليه السلام) ثم يُنزل بكفنه من الجنة وحنوطه من الجنة بمسكٍ أذفر، فيكفّن بذلك الكفن، ويُحنّط بذلك الحنوط، ثم يكسى حلةً صفراء من حلل الجنة، فإذا وضع في قبره فتح الله له باباً من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها، ثم يفتح له عن أمامه مسيرة شهر وعن يمينه وعن يساره، ثم يقال له: نم نومة العروس في فراشها، ابشر بروَحٍ وريحانٍ وجنةٍ ونعيم، وربٍّ غير غضبان، ثم يزوره آل محمد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم، ويشرب من شرابهم ويتحدث معهم في مجالسهم حتّى يقوم قائمنا أهل البيت، فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يلبّون زمراً زمراً(4).

فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون "أي الذين لا يرون حرمة الأئمة ولا يتابعونهم" وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير، ونجا المقربون، من أجل ذلك قال رسول الله(صلى الله عليه و آله) لعلي: {أنت أخي، وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام}.

ثم قال الإمام(عليه السلام) في بقية حديثه: وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلي وجبرئيل وملك الموت "أي كما يحضرون عند المحب المؤمن كذلك يحضرون عند المبغض الكافر" فيدنو منه علي(عليه السلام) فيقول: يا رسول الله ان هذا كان يبغضنا أهل البيت فابغضه، ويقول رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل انّ هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فابغضه واعنف به، ويقول جبرئيل: يا ملك الموت ان هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فابغضه واعنف به(5).

فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت أمان براءَتك من النار؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ فيقول: لا، فيقول: ابشر يا عدو الله بسخط الله عَزّ وجَلّ وعذابه والنار، أمّا الذي كنت تحذره فقد نزل بك، ثم يسلّ نفسه سلاً عنيفاً، ثم يوكل الله بروحه ثلثمائة شيطان كلهم يبزق في وجهه، ويتأذى بروحه، فإذا وضع في قبره فُتح له باب من أبواب النار فيدخل عليه من قيحها ولهبها(6).

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ومروية عن النبي(صلى الله عليه و آله) وهذا التفصيل الوارد عن الإمام الصادق(عليه السلام) وارد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) مختصراً حيث قال(عليه السلام): والله لا يحبني عبدٌ أبداً فيموت على حبي إلاّ رآني عند موته حيث يحب، ولا يبغضني عبدٌ أبداً فيموت على بغضي إلاّ رآني عند موته حيث يكره(7).

والأحاديث هي هذا المعنى كثيرة ومروية عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الطاهرين، وبعضها مروي من طرق أهل السنة، وإليك هذا الحديث الذي رواه أخطب خوارزم الحنفي في (مقتل الحسين) بسنده عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): {والذي نفسي بيده، لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمر الجنة، أو من شجر الزقوم، وحتى يرى ملك الموت ويراني ويرى علياً وفاطمة والحسن والحسين فإن كان يحبنا قلت: يا ملك الموت ارْفق به فانه كان يحبني وأهل بيتي، وان كان يبغضني ويبغض أهل بيتي قلت: يا ملك الموت شددّ عليه فإنه كان يبغضني ويبغض أهل بيتي ثم قال (صلى الله عليه و آله): لا يحبنا إلاّ مؤمن، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي}(8).

وينقل عن أمير المؤمنين(عليه السلام) انه قال لولده الحسن: إعلم يا بني انه لا تموت نفس في شرق الأرض وغربها إلاّ وأبوك حاضرها(9).

وقال(عليه السلام) للحارث الهمداني وكان من خلص شيعته وأصحابه: يا حارث ابشر ليعرفني- والذي فلق الحبة وبرأ النسمة – ولييّ وعدوي في مواطن شتى عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة، فقال الحارث: يا أمير المؤمنين وما المقاسمة؟ فقال(عليه السلام): مقاسمة النار أقاسمها قسمةٌ صحاحاً، أقول هذا وليّ وهذا عدوي(10).

وإلى هذا يشير السيد الحميري حيث يقول:

قول علي لحارث عجبٌ*** كم ثَمّ أعجوبةً له حملا

يا حار همدان من يمت يرني*** من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبلا

يعرفني طرفه وأعرفه*** بنعته واسْمه وما عملا(11)

وأنت عند الصراط تعرفني*** فلا تخف عثرةً ولا زللاً

أسقيك من باردٍ على ظمأٍ*** تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين توقد للعرض*** دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقربيه إن له*** حبلاً بحبل الوصي متصلا

هذا لنا شيعة وشيعتنا*** أعطاني الله فيهم الأملا(12)

 

حضور النبي(صلى الله عليه و آله)والأئمة عند المحتضرين بأدلة القرآن المجيد

ومما تجدر الإشارة إليه هو انّ حضور النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته عند المحتضرين – ولا سيّما المؤمن – مشار إليه في القرآن المجيد الذي فيه تبيان كل شيء – بآياتٍ عديدة منه، كما في كثيرٍ من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ومنها ما مرّ ذكره علينا عن الإمام الصادق(عليه السلام) ي قوله تعالى:(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) حيث يقول الإمام:(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) أي إلى محمد ووصيه والأئمة من بعده،(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيةً) أي بالولاية،(مَرْضِيَّةً) أي بالثواب،(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) محمد وأهل بيته،(وَادْخُلِي جَنَّتِي) أي معهم…الخ.

ومن الآيات التي تشير إلى ذلك قوله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس/64-65].

وبيان ذلك نقول:

صرّحت هاتان الآيتان بأن(الَّذِينَ آمَنُوا)، أي صدّقوا بالله واعترفوا بوحدانيته، وبوعده ووعيده على لسان رسوله،(وَكَانُوا يَتَّقُونَ) أي يحذرون معاصيه،(لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ) ومما لا ريب فيه ان الله بشّر عامّة المؤمنين المتقين في هذهِ الدنيا في القرآن على إيمانهم وتقواهم مثل قوله تعالى مخاطباً رسوله:(وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأْنْهَارُ) [البقرة/29]، وقوله تعالى:(وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [يونس/4]، إلى غير ذلك من الآيات، وقـد قام النبي(صلى الله عليه و آله) – امتثالاً لأمر ربه – بالبشائر العديدة للمؤمنين المتقين، كما قام بالإنذار للكافرين والعاصين وهو البشير النذير.

وهذا لا ريب فيه، ولكنّ المؤمن المتقي هل يحصل عنده الجزم واليقين بصورة قطعية بأنه سيموت مؤمناً متقياً؟ وسيحظى بتلك البشائر التي بُشّر بها في الدنيا؟ لا، ولكن يرجو تحصيل تلك البشائر، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه و آله) انه قال: لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزوع روحه وظهور ملك الموت له(13).

نعم لا يحصل اليقين بعد الرجاء للمؤمن إلاّ في وقتٍ واحد وهو حضور أجله، إذا حضره نبيه وأهل بيته مع جبرئيل وملك الموت، فعند ذلك يبشرونه جميعاً – بصورة جزمية – بما سيقدم عليه من النعيم الخالد.

وهذا ما ذكرته الأخبار بصراحة، وأشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي تتأكد لهم البشرى فيها عند الاحتضار،(وَفِي الآْخِرَةِ) أي يوم القيامة عند خروجه من قبره، وفي حشره، وقوله تعالى:(لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أشار به إلى ان تلك البشارة من القضاء المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدل، أي لابّد من وقوعها عند الاحتضار وفي القيامة، حيث وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير الآيتين بالخصوص أخبارٌ عديدة، ومن تلك الأخبار ما رواه العياشي في (تفسيره)، وأبو جعفر البرقي في (المحاسن)، والكليني في (الكافي) وغيرهم عن عقبة بن خالد قال:

دخلت أنا والمعلى بن خُنيس على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال: يا عقبة لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلا هذا الدين الذي أنتم عليه، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تُقر به عينه إلاّ ان تبلغ نفسه إلى هذهِ وأومأ بيده إلى رقبته ووريده ثم اتكأ "أي الإمام" وغمزني المُعلى انْ سَلْهُ، فقلت: يا بن رسول الله إذا بلغت نفسه الى هذهِ فأيُّ شيءٍ يرى؟ فقال(عليه السلام): يرى، فقلت بضع عشر مرة: أي شيءٍ يرى؟ فقال في آخرها: يا عقبة، فقلت: لبيّك وسعديك، فقال: أبيت إلاّ أن تعلم؟ فقلت نعم يا بن رسول الله إنما ديني مع دمي "أي ديني مقرون بحياتي، ومع عدم الدين فكأني لست بحي" فقال الإمام عند ذلك: يراهما والله، فقلت: بأبي وأمي مَن هما؟ فقال: (هما) رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلي(عليه السلام): يا عقبة لن تموت نفس مؤمنة أبداً حتى تراهما، فقلت: إذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا؟ قال: لا بل يمضي أمامه، فقلت له: يقولان له شيئاً جُعلت فداك؟ فقال: نعم، يدخلان جميعاً على المؤمن فيجلس رسول الله عند راسه، وعلي عند رجليه، فيكبو عليه رسول الله(صلى الله عليه و آله) فيقول: يا ولي الله ابشر أنا رسول الله، إني خير لك ممّا تترك من الدنيا ثم يكبو عليه علي فيقول: يا ولي الله ابْشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبني أما لا نفعك ثم قال الإمام الصادق(عليه السلام): أما ان هذا في كتاب الله، قلت: جعلت فداك أين هذا من كتاب الله؟ قال: في سورة يونس(الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(14).

ومثل هذا الحديث وارد أيضاً عن عبد الرحيم القصير وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)(15).

وكما يُبشر المؤمن المتقي عند موته بما تُقر به عينه كذلك يُبشر الفاجر الشقي بما أُعِدَّ له من الخزي والعذاب كما ورد عن أبى جعفر الباقر(عليه السلام) انه قال: كل نفسٍ ذائقة الموت ومبشورة كذا اُنزل بها على محمّد(صلى الله عليه و آله) انه ليس أحد من هذهِ الأمة إلاّ ويبشرون، فأمّا المؤمنون فيبشرون إلى قرة عين، وأمّا الفجّار فيبشرون إلى خزي الله إياهم(16).

وقد يظهر لكلٍ من الطرفين ما يبشران به عند حضور المنية، وحضور النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل البيت عندهما، بحيث روى الفضيل بن يسار عن الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق(عليه السلام) إنهما قالا: حرام على روحٍ أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة، محمداً وعلياً وفاطمة وحسناً وحسيناً بحيث تقر عينها، أو تسخن عينها(17).

الاستدلال العلمي على حضور النبي(صلى الله عليه و آله)وأهل بيته عند كل محتضر

ولو قال قائل: كيف يحضر رسول الله(صلى الله عليه و آله) وعلي وأهل البيت عند كل ذي روحٍ محتضر، مؤمن وكافر محب ومبغض؟ وكيف نؤمن به وذلك يخالف الحس والوجدان من جهة، والعقل من جهة اُخرى؟، أمّا مخالفة الحس والوجدان فلاِنّا نحضر الموتى عند حضور آجالهم إلى قبض أرواحهم ولا نرى عندهم أحداً، وأمّا مخالفة العقل فلأنه يمكن قبض أرواح الآلاف من الناس في آنٍ واحد في أمكنةٍ متعددة من شرق الأرض وغربها فكيف يحضرون عند كل مَن يموت في الشرق والغرب؟

فالجواب عن الأول وهو مخالفة الحس، فنقول:- ان الله قادر على أن يحجبهم عن أبصارنا دون أبصار المحتضرين لضربٍ من المصلحة – وهو على كل شيءٍ قدير – والدليل على ذلك ما ورد في أخبار أهل السُنّة والشيعة في تفسير قوله تعالى:(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) [الإسراء/46].

فقد ورد ان الله تعالى طالما أخفى شخص النبي(صلى الله عليه و آله) عن أعين أعدائه مع أن أولياءه كانوا يرونه وينظرون إليه.

قال الطبرسي في (مجمع البيان):(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) يا محمّد(جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ) وهم المشركون،(حجَابًا مَسْتُورًا) قال الكلبي: وهم أبو سفيان، والنضر بن الحرث، وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه(18).

وقال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ما نصه: أخرج أبن أبي حاتم عن زهير بن محمد:(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) الآية قال: ذاك رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا صوته ولا يرونه(19).

وجاءَت في هذا المعنى أخبار كثيرة(20).

وهذا المعنى الذي ذكره المفسرون مفهوم واضح من نفس الآية الكريمة فتدبرها:(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) وقد وقع حجب أبصار المشركين عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دون أبصار المؤمنين حفظاً لنبيه من أذاهم مراراً عديدة ومن ذلك ما أجمع عليه المفسرون والمؤرخون من حجب أبصار المشركين عن رؤيتهم للنبي(صلى الله عليه و آله) ليلة هجرته من مكة إلى المدينة، حيث كانت قريش قد بيّتته في داره واجتمعت على باب الدار وهم حوالي أربعون نفراً أو أقل يريدون قتله، وقد أوحى الله تعالى إليه أن يخرج من الدار عند اجتماعهم على بابها وأن يهاجر، فخرج(صلى الله عليه و آله) امتثالاً لأمر ربه وقد تناول قبضة من التراب ووضع منه على رأس كلّ واحدٍ منهم وهو يقرأ قوله تعالى:(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) [يس/9] وسار من بينهم ولم يره أحد منهم(21).

وشاهدنا من كل ذلك انّ الله قادرٌ على أن يحجب أبصار الحاضرين دون أبصار المحتضرين عن رؤية النبي وأهل بيته في حالة الاحتضار كما حجب أبصار المشركين عن رؤية النبي(صلى الله عليه و آله) دون المؤمنين هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى هي ان الله جلّ وعلا يزيد أبصار المحتضرين قوة عند حضور آجالهم، ويكشف لهم الحجب ويزيل عنهم الأغطية، وبذلك يختصون – دون غيرهم – برؤية النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) ورؤية أعمالهم مع جزائها من النعيم أو الجحيم، وقد أشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى بقوله تعالى:(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(21)لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق/20-23].

أي حادٌ قويّ ولذلك لا تُقبل ولا تصح التوبة منه عند حضور أجله وكشف الحقائق له، كما قال تعالى:(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساؤ/27-28]، وإلى كشف الحجب والأغطية للإنسان – عند حضور أجله، وكذلك يوم القيامة – ومشاهدة الحقائق بينهما – يشير إمامنا علي أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله الشهير: { لو كُشِفَ ليَ الغطاء ما أزددت يقيناً}.

وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني وهو: كيف يحضرون عند كل مَن يموت في الشرق والغرب؟ وقد يموت الألوف أو الملايين من الناس في آنٍ واحدٍ في أمكنة متعددة في شرق الأرض وغربها؟

فنقول: ان الإشكال يكون صحيحاً فيما إذا كان حضورهم(عليهم السلام) حضوراً بأجسادهم المادية المكوّنة من لحمٍ وعظمٍ، والحال ان حضورهم روحياً إمّا في قالب أو قوالب مثالية لأِجسادهم الطاهرة لا بأجسادهم نفسها فحينئذٍ ينحل الإشكال، لأن الأرواح لها قابلية التنقل في الشرق والغرب في الدنيا والآخرة، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى يمكن أن يكون المراد – والله أعلم – ان صورهم المثالية لهياكلهم المقدسة تتجلى – طبق الأصل تماماً – لكل محتضرٍ مؤمنٍ وكافر، محب ومبغض كما تتجلّى صورة الشيء في المرآة ولكن مع أرواحهم الشريفة، وما أكثر الدلائل الفعلية والوجدانية التي يستدل بها على ذلك ووقوعها بالفعل ومنها ما اخترعه المخترعون من أهل الشرق والغرب من الأقمار الاصطناعية وآلاتها المنوعة، وآلات التلفاز والفيديو وغيرها التي – بواسطة الكهرباء، وما أودع الله في هذا الفضاء من قابلية – تصوّر لمتقنيها والحاضرين عندها صورة الأشياء وصورة المذيع أو المذيعة وتسمعهم صوته، وتريهم حركاته وسكناته طبق الأصل في سائر أنحاء العالم، بل بواسطة الأقمار الاصطناعية وآلاتها يصورون لأهل الأرض ما في السماء وما في السماء لأهل الأرض.

هذا ما اخترعه المخترعون من غربيين وشرقيين وأين مزاياهم من مزايا المبدع المكون، وفي الحقيقة لم يتوصل المخترعون لهذهِ المخترعات وأمثالها التي كانت غاية في الإبداع والدقة – إلاّ من فيض واجب الوجود الذي صرّح في كتابه الكريم:(عَلَّمَ الإِْنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق/6]، أفترى أنّ الله الذي خلق كل شيءٍ وهو على كل شيءٍ قدير يعجزه ان يُري المحتضر مثالاً كاملاً لرسوله وأهل بيته مع أرواحهم الشريفة؟ لِيرى محبهم جزاء محبته للهِ ولرسوله وأهل بيته؟ ويرى مبغضهم أيضاً جزاء بغضه لهم، كما قد وردت نصوص عديدة تصرح بأن المحتضر يمثل له النبي(صلى الله عليه و آله) والأئمة الأطهار، ومن تلك النصوص ما رواه جلّ علمائنا المحدِثّين كالكليني والصدوق، وابن شعبة، وغيرهم بأسانيدهم عن سدير الصيرفي قال: لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك يا بن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال: لا والله انه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول ملك الموت: يا وليّ الله لا تجزع فوالذي بعث محمداً(صلى الله عليه و آله) نبياً لأنا أبرّ بك وأشفق عليك من والدٍ رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر قال: ويمثّل له رسول الله(صلى الله عليه و آله) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم، فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر وينادي روحه منادٍ من قبل ربّ العزة فيقول له:(يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) إلى محمد ووصيّه وأهل بيته،(ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيةً) بالولاية(مَرْضِيَّةً) بالثواب،(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) يعني محمداً وأهل بيته،(وَادْخُلِي جَنَّتِي) فما من شيءٍ أحب إليه من استدلال روحه واللحوق بالمنادي(22).

ومن النصوص التي تصرح بأن المحتضر يُمثل له النبي(صلى الله عليه و آله) وسائر أصحابه إلى الله أخياراً كانوا أو أشراراً ما رواه الكليني في (أصول الكافي) بسنده عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) انه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): انظروا مَن تحادثون فإنه ليس من أحد ينزل به الموت إلاّ مُثّل له أصحابه إلى الله، وفي نص: مثّلت له أصحابه في الله ان كانوا أخياراً فخيارا، وان كانوا أشراراً فشراراً، وليس أحد يموت إلاّ تمثلّتُ له عند موته(23).

ومن جهة ثالثة يمكن أن يكشف الله الحجب ويزيل الأغطية عن أبصار المحتضرين ويريهم النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته بأجسادهم الطاهرة الأصلية، وأرواحهم المقدسة، ويسمعهم أيضاً كلامهم ويريهم سائر حركاتهم وسكناتهم(عليهم السلام) في جناتهم ومقامهم السامي عند ربهم.

ونستدل على هذا المعنى من عظيم قدرة الله عَزّ وجَلّ الباهرة بما قصّه الله لنا في القرآن المجـيد من إنه تبارك وتعالى يُـطلع أهل الجنة – وهم في الجنة – على أهل النار، كما يطلع أهل النار – وهم في النار – على أهل الجنة، ويخاطب بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم خطاب بعض، بالرغم ممّا بينهم من بعد المسافات وكثرة الحجب التي لا يعلمها إلاّ الله.

وهذا المعنى قد استعرضه الله سبحانه بآيات عديدة من القرآن المجيد منها قوله تعالى في سورة الأعراف:(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) إلى قوله تعالى:(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف/45-51].

ومن الآيات التي تصرح بتساؤل أهل النار قوله تعالى في سورة المدثر:(فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر/41-44]، ومنها في سورة الصافات ممّا يجري فيما بين أهل الجنة من التساؤل:(فأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي(56)وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات/51-58].

ومنها في سورة المطففين حيث يصف أهل الجنة وانهم في جناتهم يُشرفون على أهل النار ينظرون إليهم ويضحكون عليهم بقوله تعالى:(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)عَلَى الأْرَائِكِ يَنظُرُونَ(35)هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المطففين/35-37].

أي هل جوزيّ الكفار ما كانوا يفعلون؟ فيأتيهم الجواب منهم: نعم هذا عذابنا هو جزاء فعلنا.

 

المكتشفات العلمية، ومشاهد عالمي البرزخ والقيامة

وهكذا استعرض الله سبحانه في كتابه المجيد، والنبي وأهل البيت(عليهم السلام) في أحاديثهم الشريفة كثيراً من مشاهد عالمي البرزخ والقيامة، وعالَمي الجنة والنار وصوّروا لنا تلك المشاهد الغيبية تصويراً حسياً متحركاً، وتلك المشاهد كان المسلمون والمؤمنين يؤمنون بها ويصدقونها لعلمهم ان الله على كل شيءٍ قدير، ولكن شاء الله – في قرننا هذا – ان تظهر للناس أمثلة رائعة لتلك الحقائق والمشاهد الغيبية بواسطة المكتشفات العلمية الحديثة التي جاءَت مدعمة ومؤيدة لما جاء به الدين القويم في كتابه، وعلى لسان رسوله وأهل بيته(عليهم السلام).

ولكن – ممّا يبعث على الأسف والأسى أنه – كلما ازدادت تلك المكتشفات العلمية وتجيئ مؤيدة لما جاء به الدين يبتعد الناس أكثر عن الدين اتّباعاً للنفس الأمارة بالسوء، وركوناً إلى الدنيا وزينتها الخدّاعة، واستجابة لدعوة شياطين الإنس والجن دون الاستجابة للهِ ولرسولهِ التي بها حياتهم الحقيقية في الدنيا والآخرة قال تعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال/25].

إمارات وتصريحات على ألسن بعض المحتضرين

وعلى كلٍّ حضور النبي(صلى الله عليه و آله) والأئمة الأطهار من أهل بيته قد جاءَت به الأخبار الكثيرة المتواترة تواتراً قطعياً، والتي نقلنا بعضها ممّا فيه الكفاية، والتي أشار إليها القرآن المجيد، وأيّدها العلم الحديث.

كما جاءَت إمارات وتصريحات واضحة جلية على ألسن بعض المحتضرين تدل على مشاهدتهم للنبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته منها:

 

قصة السيّد الحميري فيما جرى له عند وفاته

من تلك الإمارات الدالة على ذلك قصة السيد الحميري وما جرى له وما صدر عند وفاته وهي قصة شهيرة رواها الخاص والعام وشاهدها كل مَن كان حاضراً عنده من المحبين والمبغضين وجاءَت بطرق عديدة عن بعض الحاضرين عنده فمنها.

ما رواه الشيخ الطوسي في (أماليه)، وابن شهر آشوب في (المناقب)، وعلي بن عيسى الأربلي في (كشف الغمة) وغيرهم كثير مسنداً عن علي بن الحسين بن عون عن أبيه انه قال: دخلت على السيد الحميري عائداً له في علته التي مات فيها، فوجدته يساق به، ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية، وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة، عريض ما بين السالفتين(24).

فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد، ثم لم تزل تزيد وتنمى حتّى طبّقت وجهه اسوداداً فاغتم لذلك مَن حضر من الشيعة، وظهر من الناصبة سرور وشماتة، فلم يلبث على ذلك إلاّ قليلاً حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد بياضاً وتنمى حتى أسفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكاً(25).

وأنشأ يقول:

كذب الزاعمون ان عليا*** لا ينجي محبّه من هناتِ(26)

قد وربّي دخلْت جنة عدنٍ*** وعفى لي الإله عن سيئاتي

فابشروا اليوم أولياء علي*** وتولّوا عليّ حتى المماتِ

ثم من بعده تولّوا بنيه*** واحداً بعد واحد في الصفاتِ

ثم اتبع قوله هذا: اشهد ان لا إله إلا الله حقاً حقاً وأشهد ان محمداً رسول الله حقاً حقاً واشهد ان علياً أمير المؤمنين حقاً حقاً، أشهد ان لا إله إلا الله. ثم غمض عينيه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة طُفئت أو حصاة سقطت(27).

قال الراوي علي بن الحسين بن عون: قال لي أبي الحسين بن عون: وكان اُذيَنةَ حاضراً، فلما شاهد ما شاهد ممّا جرى للسيد عند احتضاره، فقـال: الله أكبر ما مَن شـهِد كـمن لم يشهد أخبرني – وإلاّ صمتاً – الفضيل بن يسار عن أبي جعفر وعن ابنه جعفر(عليهما السلام) انهما قالا: حرام على روحٍ ان تفارق جسدها حتى ترى الخمسة محمّداً وعلياً وفاطمة وحسناً وحسيناً بحيث تقر عينها أو – تسخن عينها، فانتشر الحديث في الناس، وشهد جنازة السيد – والله – الموافق والمفارق(28).

وممّن شاهد حالة السيد عند احتضاره بشير بن عمار، وحدث بما شاهد، وذكر حديثه المؤرخون ومنهم أبو الفرج الاصفهاني في كتابه (الأغاني)، ونقل عنه الشيخ الأميني في (الغدير) قال بشير بن عمار: حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد(29).

فوجّه رسولا – قبل وفاته – إلى جماعة الكوفيين يعلمهم بحاله، وقرب وفاته، فغلط الرسول فذهب إلى جماعةٍ من غيرهم، فشتموه ولعنوه، فعلم الرسول أنه غلط فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته، فوافاه سبعون كفناً، قال: وحضرناه جميعاً، وانه ليتحسر تحسراً شديداً، وان وجهه لأسود كالقار، وما يتكلم، إلى ان أفاق أفاقة وفتح عينيه، فنظر إلى ناحية القبلة "جهة النجف الأشرف" ثم قال: يا أمير المؤمنين أتفعل هذا بوليك؟ قالها ثلاث مرّات مرّة بعد أخرى، قال: فتجلى والله في جبينه عرق بياض فما زال يتّسع ولبّس وجهه حتى صار كلّه كالبدر، وتوفي، فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة(30)، ببغداد وذلك في خلافة الرشيد(31).

وممّن نقل حالة السيد عند احتضاره أبو سعيد محمّد بن رشيد الهروي، وقد ذكر حديثه كل من ابن الشيخ الطوسي في (أماليه)، والكشي في (رجاله)، والطبري الإمامي في (بشارة المصطفى) مسنداً عن أبي سعيد الهروي: ان السيد أسود وجهه عند الموت فقال: هكذا يفعل بأوليائكم يا أمير المؤمنين؟ قال: فأبيض وجهه كأنه القمر ليلة البدر، وآخر شعرٍ قاله السيد الحميري قبل وفاته:

أحب الذي مَن مات من أهل وده*** تلقاه بالبشرى لدى الموت يضحكُ

ومَن مات يهوى غيره من عدوه*** فليس له إلاّ إلى النار مسلكُ

أبا حسن أفديك نفسي وأسرتي*** ومالي وما أصبحت في الأرض امْلك

أبا حسنٍ إنّي بفضلك عارفٌ*** وأنّي بحبلٍ من هواك لممسكُ

وأنت وصي المصطفى وابن عمه*** فإنّا نعادي مبغضك ونتركُ

ولاحٍ لحاني في علي وحزبه*** فقلتُ لحاك الله إنك أعفك(32)

مواليك ناجٍ مؤمنٌ بيّن الهدى*** وقاليك معروف الضلالة مشركُ(33)

السبب في اسوداد وجهه أولاً وإشراقه ثانياً

وهنا قد يُتساءَل ويقال: لِم اسْود وجه السيد أولاً؟ ثم أبيض حتى أسفر وجهه ثانياً؟

فالجواب واضح، وهو ان السيد الحميري – ومما لا ريب فيه – كان أولاً كيساني العقيدة يقول بإمامة محمّد بن الحنفية بعد إمامة علي والحسن والحسين، ويعتقد غيبته وله في ذلك شعر معروف، ثم أدركته السعادة ببركة الإمام الصادق(عليه السلام) حيث رأى منه علامات الإمامة، وشاهد منه دلائل الوصية، وسأل الإمام عن الغَيبة فذكر له: إنها حق، ولكنها تقع في الثاني عشر من الأئمة(عليهم السلام) وأخبره بموت محمد بن الحنفية، وان أباه محمد بن علي الباقر(عليه السلام) شاهد دفنه،فرجع السيد الحميري عن مقالته واستغفر الله من اعتقاده، ورجع إلى الحق عند اتضاحه له، ودان الله بالإمامة، وقال في ذلك أشعاراً كثيرة ومنها قصيدته التي يقول فيها:

تجعفرت باسم الله والله أكبر*** وأيقنت ان الله يعفو ويغفر

ودنت بدينٍ غير ما كنت دايناً*** به ونهاني سيد الناس جعفر

ومعلوم ان السيد كان شخصية لامعة، وهو كما عبّر عنه الإمام الصادق(عليه السلام) بسيد الشعراء(34).

كما انه كان – ولا سيما بعد تصحيح مذهبه – عظيم الولاء لأهل البيت لذلك وغير ذلك شاء الله أن تكون له هذهِ المكرمة الخالدة تذكر له مدى الدهر وتكون تلك المكرمة – من جهةٍ تشير إلى ضلاله أولاً، واهتدائه إلى الحق أخيراً لذلك، - عند احتضاره اسود وجهه ثم ابيض وأشرق.

ومن جهةٍ اخرى كانت بذلك عبرة واضحة للناس بحسن عاقبته بسبب ولائه الخالص الأخير لأئمة الهدى، وانهم قد حضروه عند احتضاره وأنقذوه بشفاعتهم له عند الله، كما قد أشار إلى ذلك بشعره بعد ما ابيض وجهه بقوله:

كذب الزاعمون ان علياً*** لا ينجي محبه من هناتِ

فقصته فيها إمارة واضحة على حضور النبي وعلي وأهل البيت عند محبهم حال احتضاره من حيث يحب(35).

قصة خطّاب الجهني واستغاثته عند احتضاره

وبالعكس هناك إمارات وتصريحات تدل على حضورهم عند مبغضهم من حيث يكره، ومن ذلك ما رواه الكليني في (فروع الكافي)، والحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) وغيرهما مسنداً عند أبن أبي يعفور قال: كان خطّاب الجهني خليطاً لنا، وكان شديد النصب لآل محمد (صلى الله عليه و آله) وكان يصحب نجدة الجروري قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة والتقية فإذا هو مغمىً عليه في حدّ الموت، فسمعته يقول: مالي ولك يا علي؟ فأخبرت بذلك أبا عبد الله(عليه السلام) فقال أبو عبد الله: رآه وربّ الكعبة، رآه وربّ الكعبة، رآه وربّ الكعبة(36).

فخطاب لو لم يكن قد شاهد علياً – عند احتضاره – من حيث يكره لما استغاث قائلاً: ما لي ولك يا علي؟ فنسأل الله – بنيّاتٍ صادقة – ان يرزقنا حسن العاقبة والممات على ولاية الله ورسوله وأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) إذا الإنسان مات على الولاية نجا وفاز وإلا هلك وخاب وخسر خسران الأبد.

قصّة واقعية، في رؤيا صادقة

وبهذهِ المناسبة أسجل قصة واقعية حدثني بها فضيلة العلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي وقد نقلها لي:

1- عن آية الله السيّد علي شبّر والد الخطيب السيّد جواد شبّر نقلاً عن فضيلة العلامة الشيخ راضي آل نصّار والد الشيخ محمّد حسين آل نصار.

2- وعن الشيخ راضي نفسه (ره) انه قال لي: رأيت – في منامي – وأنا في النجف الأشرف – ليلة من ليالي الأربعاء قبل طلوع الفجر وقت السحر الأخير بحيث انتبهت عند الآذان – كأنّ الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن الزكي، والإمام الحسين المظلوم، والإمام الحجة (عج) قد دخلوا داري، وحين استقر بهم الجلوس قال الإمام الحجة المهدي كالمخبر: "فلان مات" فالتفت الإمام أمير المؤمنين فقال: انّ الرجل تعب كثيراً ولكن الذنوب حالت بينه وبين الولاية عند الموت، يقول الشيخ راضي:

ثم انتبهت وإذا المؤذن يقول: الله أكبر، قال: ولم تمضي عن تلك الرؤيا إلاّ مقدار الزمن الذي يُنقل به جثمان الميت من منطقة ذلك الرجل الذي أخبر الإمام الحجة المهدي(عليه السلام) بموته، وإذا بأخ المتوفي يطرق الباب، وعند مشاهدتي له قلت: ما الخبر؟ فأجاب: ان فلاناً مات، وجئنا بجثمانه، فقلت: بأي ليلة وبأي ساعة توفي؟ قال: ليلة الأربعاء عند السحر المقارب لطلوع الفجر، فقلت في نفسي: سبحان الله، يقول الشيخ منعم الفرطوسي: قد أزعجتني هذهِ الرؤيا وتركت في نفسي اضطراباً كثيراً وبقيت أفكر في عظم الذنوب وجنسها التي تحول بين الإنسان وبين هذهِ الولاية(37).

مع انّ الولاية تجري في الإنسان مجرى الدم في عروقه، ولشدة اضطرابي نظمت أبياتاً جعلت الولاية والدين فيها وديعة منّي عند أمين الله في أرضه أمير المؤمنين(عليه السلام) وصرت اقرأُها عند زيارتي للإمام في أكثر الأوقات وهذهِ هي الأبيات:

إمــــام هـــدىً ولـــــــي الله حـــــــقاً*** وحــــجّته على نهج الهــــداية

وصي محمّد(صلى الله عليه و آله) *** من القرآن ينطق بالـــــوصاية

وكــــفاه نصٌ غداة تنّزلت بغدير خمٍ*** بـــبــــيـعته من الــــــتنزيل آية

وانــــي مؤمــــــن بـــــولا عـــــلـــيٍّ*** محب فــي الــــــبداية والنهاية

مـــقــــر بالأئـــمـــة مـــن بــنـــيــــه*** وهم أهـــــل المودّة عن دراية

ولــــكـــنــــي أخــــاف لــعــظم ذنبي *** بساعـــات النزاع من الغواية

وقـــــد أودعــــتــــه ديـــنـــــي وأنـي*** به أرجو الممات على الولاية

ونقل لي فضيلة العلامة السيد حسين زيني (ح ه) عن والده السيد كاظم زيني (ره) ما يقارب هذا النص نقلاً منه عن الشيخ راضي آل نصار، ومضافاً إلى ذلك إن الشيخ راضي حاول جاهداً أن يشارك عائلة المتوفى في التشييع فلم يوفق، وكذلك لم يوفق لحضور مجلس العزاء، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى:(وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الإنسان/31].

تصريح أمير المؤمنين برؤية رسول الله(صلى الله عليه و آله)والملائِكة والنبيين عند وفاته

وممّن صرح بملاقاته لرسول الله(صلى الله عليه و آله) مع الملائكة والنبيين عن احتضاره علي أمير المؤمنين، وفي ذلك روايات من طرق عديدة منها ما روى الصدوق في (الأمالي) بسنده عن حبيب بن عمرو قال: دخلت على أمير المؤمنين(عليه السلام) في مرضه الذي قبض فيه، فحّل عن جراحته، فقلت: يا أمير المؤمنين ما جرحك هذا بشيء، وما بك من بأس، فقال لي: يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة، قال: فبكيت عند ذلك، وبكت أم كلثوم – من وراء الحجاب – فقال لها: ما يبكيك يا بنية؟ فقالت: ذكرت يا أبه انك تفارقنا الساعة فبكيت، فقال لها: يا بنية لا تبكين فوالله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت، قال حبيب: فقلت له: وما الذي ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا حبيب أرى ملائكة السماء والنبيين بعضهم في أثر بعض وقوفاً إلى أن يتلقوني، وهذا أخي محمد رسول الله(صلى الله عليه و آله) جالس عندي يقول: إقدم فإن ما أمامك خير لك مما أنت فيه، قال: فما خرجت من عنده حتى توفيّ..الخ(38).

ومنها ما رواه ابن الأثير في (اُسد الغابة) بسنده ونصه: عن عمرو ذي مر قال: لّما أصيب علي(عليه السلام) بالضربة دخلت عليه وقد عصّب رأسه، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أرني ضربتك، قال: فحلّها فقلت: خدش وليس بشيء، قال: إني مفارقكم، فبكيت أم كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: اسكتي فلو ترين ما أرى لمّا بكيتِ، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا ترى؟ قال: هذهِ الملائكة وفود والنبيون، وهذا محمد(صلى الله عليه و آله) يقول: يا علي ابشر فما تصير إليه خير ممّا أنت فيه(39).

وهكذا بقية أئمة الهدى(عليهم السلام) يصّرحون – عند احتضارهم – بملاقاتهم رسول الله(صلى الله عليه و آله) وسائر آبائهم الطاهرين ويقولون:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [الزُمرَ/75]

ومّمن صرح بملاقاته رسول الله(صلى الله عليه و آله) عند احتضاره علي بن الحسين الأكبر، فأنه لمّا صُرِع يوم عاشوراء نادى أباه – كما ذكر أرباب المقاتل من الخاصة والعامة -: أبتاه هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول لك العجل العجل فإن لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة(40).

رؤيا أمّ سلمة، وعبد الله بن عبّاس يوم عاشوراء رسول الله (صلى الله عليه و آله) وانه شهد قتل الحسين آنفاً

وروى علماء التاريخ والصحاح والسنن والمسانيد بالاتفاق انّ أمّ سلمة أمّ المؤمنين رأت رسول الله(صلى الله عليه و آله) في منامها يوم عاشوراء، وعلى رأسه ولحيته التراب، فجعلت تنفضه بكمّها وهي تقول: ما لكَ يا رسول الله مغبراً ومتى أهملت نفسك هكذا؟ فقال(صلى الله عليه و آله): شهدت مقتل الحسين آنفاً(41).

وكذلك رآه عبد الله بن عباس – في ذلك اليوم نصف النهار في منامه – أشعث أغبر – وفي يده قارورة فيها دم يلتقطه فقال: يا رسول الله ما هذا الدم؟ فقال:

هذا دم ابني الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم(42).

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) [فصّلت/54-55].

 

1- راجع كتاب (المناقب) لاِخطب خوارزم الحنفي ص31 ط النجف، وص42 ط تبريز، و(مقتل الحسين) للخوارزمي أيضاً ج1 ص39 ط النجف ونقله عن الخوارزمي الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودّة) ص133 ط إسلام بول ونقله صاحب (إحقاق الحق) ج6 ص111 عن الشيخ عبيد الله الحنفي في (أرجح المطالب) ط لاهور ص526، وقد رواه عن كتاب (اليواقيت).

2- حديث الإمام الصادق مع مسمع طويل يرويه ابن قولوية في (كامل الزيارات) رقم7 ص134 على ما في كتاب (كربلاء وحائر الحسين) ص89 وينقله المجلسي في (البحار) ج44 ص289 عن (الكامل) ص100 وينقله الحائري في (معالي السبطين) ج1 ص93.

3- راجع كتاب (الشيعة والرجعة) للعلامة الطبسي ج2 ص81 نقلاً عن تفسير فرات بن إبراهيم ص536 وكون ولاية علي~ هي العصمة الكبرى لأن الله سبحانه وتعالى قرنها وعطفها على ولاية رسول الله (صلى الله عليه و آله) وولايته جل وعلا في قوله: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة/56]، حيث أجمع المفسرون انها نزلت في علي أمير المؤمنين~ بعدما تصدّق بخاتمه في الصلاة وهو راكع.

4- هذا نصّ صريح في بعث الله وإرجاعه المؤمنين إلى الدنيا أيام قيام القائم المهدي~ وانهم يلبّون الله تعالى أي يستجيبون له زمراً زمراً – أي جماعات جماعات – راجع تفاصيل الرجعة بأدلتها القطعية كتابنا (الرجعة على ضوء الأدلة الأربعة).

5- ممّا يلزم إلفات النظر إليه – في هذا المقام – هو ان عليـاً يقول – بالنسـبة إلى المؤمن -: يا رسول الله انّ هذا كان يحبنا أهل البيت فأحبه، فيقول رسول الله(صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل ان هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه…الخ ويقول علي – بالنسبة إلى المبغض -: يا رسول الله ان هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه، فيقول رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل ان هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه…الخ، وهذا مما يدل على أن من أبغض أهل البيت فقد أبغض الله ورسوله وأهل البيت، ومَن أحب أهل البيت فقد أحب الله ورسوله وأهل البيت، ذلك لأنهم مع الله ورسوله(صلى الله عليه و آله) فكونوا عباد الله – دائماً وأبداً – مع أهل البيت الذين هم مع الله ورسوله ومع الحق والهدى.

6- راجع (البحار) للمجلسي ج6 ص197-ص199 نقلاً عن (الكافي في الفروع) للكليني ج3 ص131 ط طهران، و(تحف العقول) للحسن بن شعبة ص36، وكتاب (الحسين بن سعد) أو لكتابه النوادر، كما رواه أيضاً بسنده فرات بن إبراهيم في تفسيره ص136 ونقله عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص81، ونقله عن فروع الكافي السيد عبد الله شبر في (مصابيح الأنوار) ج2 ص172.

7- المصادر السابقة وقوله~: "لا يحبني عبدٌ أبداً فيموت على حبي"، فيه اشتراط البقاء على حبه إلى حين موته وكذا قوله "لا يبغضني عبدٌ أبداً فيموت على بغضي" لأن المحب قد يرتد عن حبه والعياذ بالله، والمبغض قد يهتدي قبل موته، نسأل الله تعالى حسن العاقبة.

8- (مقتل الحسين) للخوارزمي ص109 وينقله عنه صاحب (تعليقات إحقاق الحق) ج1 ص458.

9- هذا الحديث لم استحضر له مصدراً في الحال وقد سمعته من بعض الخطباء وهو مؤيد بأحاديث أخرى كثيرة مما ذكرنا، ومما يأتي ومما لم نذكره، ومؤيد بالأدلة العلمية كما سيأتي.

10- حديث أمير المؤمنين~ مع الحارث الهمداني من الأحاديث المهمة، وهو حديث طويل ويشتمل على فوائد جمة، وقد ذكرناه في كتابنا (الشفاء الروحي والجسمي في القرآن) ص71-75، ويرويه الشيخ الطوسي في (أماليه) ج2 ص268 والطبري من علماء الإمامية في (بشارة المصطفى) ص4 ونقله المجلسي في (البحار) ج6 ص178 عن كل من مجالس المفيد وأمالي الشيخ، ورواه الاربلي في (كشف الغمة) ج2 ص307 ونقله عن كتاب (المحتضر) ص29 للشيخ حسن بن سليمان، ويرويه المفيد في (أوائل المقالات) ص89.

11- كون علي~ يعرف مَن يحضره عند الاحتضار – من مؤمن وكافر ومنافق – باسْمه ونعتهِ "أي صفته" وعمله لم يكن قول الشاعر مغالِ أو وهمي أو خيالي بل هو الواقع المدعم بالأدلة، راجع كتابنا هذا (الطريق الثاني من ينابيع علم الأئمة عرض صحائف الأعمال).

12- قد نسب بعض هذهِ الأبيات إلى أمير المؤمنين بعض المفسرين كعلي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا" [حم،فصلّت/31] ج2 ص226 ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج6 ص181، والطبرسي في (مجمع البيان) ج2 ص138 وكذا الشيخ المفيد في (أوائل المقالات) ص89 ط الثالثة، وابن أبي الحديد في (شرح النهج)، ولكن الظاهر انه اشتباه، لأن الأبيات للسيد الحميري وقد نظم فيها بعض ما قاله أمير المؤمنين~ في حديثه للحارث الهمداني وكل من ذكر حديثه~ للحارث ذكر الأبيات للسيد الحميري كالشيخ الطوسي في (الأمالي)، والمجلسي، والمفيد، والاربلي.

13- (البحار) ج6 ص179 نقلاً عن التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري.

14- راجع تفسير العياشي ج2 ص125 رقم 33، و(المحاسن) للبرقي ص133، ونقله المجلسي في (البحار) ج6 ص185 عن المصدرين، و(تفسير البرهان)، و(الصافي).

15- تفسير العياشي ج2 ص124-وص126.

16- (البحار) ج6 ص188، نقلا عن العياشي.

17- (كشف الغمة) لعلي بن عيسى الأربلي ج2 ص40، و(البحار) ج6 ص191 برقم37.

18- (مجمع البيان) ج3 ص418، صيدا، العرفان.

19- (الدر المنثور) ج4 ص178، أوفسيت على ط مصر.

20- راجع (الدر المنثور) ج4 ص186-187، و(تفسير القرآن العظيم) لابن كثير الدمشقي ج3 ص43 و(مفاتيح الغيب) للرازي ج5 ص401 وغيرها.

21- (أمالي الشيخ الطوسي) ج2 ص81، و(أعيان الشيعة) ج2 ص132.

22- (فروع الكافي) ج3 ص127 ط طهران، و(تحف العقول) ج1 ص35، و(فضائل الشيعة) للصدوق كما في (علي والشيعة) ص152 ط الآداب النجف، والمجلسي في (البحار) ج6 ص196 نقلاً عن (الكافي) و(تحف العقول).

23- (الشافي في شرح أصول الكافي) ج7 ص233.

24- السالفتين: ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى قلّت الترقوة (البحار).

25- أفتر الرجل: ضحك ضحكاً حسناً أو المراد أفتر أي دار بوجهه.

26- الهنات: الداهية.

27- الذبالة: الفتيلة في الشمعة.

28- (أمالي) الشيخ الطوسي ج2 ص240 ط النجف، و(المناقب) لابن شهر آشوب ج3 ص220 ط قم، و(كشف الغمة) لعلي بن عيسى الأربلي ج2 ص40 ط قم، و(البحار) للمجلسي ج6 ص192 ط الحديح نقلاً عن المصادر الثلاثة السابقة، وكذا الشيخ الأميني في (الغدير) ج2 ص48 ط النجف وغيرهم كثير.

29- الرميلة: محلة في بغداد.

30- الجنينة: تصغير جنة، والمراد بها الحديقة، أو البستان.

31- (الأغاني) لأبي الفرج ج7 ص277، ونقل الحديث عنه الشيخ الأميني في (الغدير) ج2 ص247 ط النجف.

32- لاحٍ: أي لائم، لحاني أي لامني، لحاك الله أي لعنك وقبحك، أعفك، أي أحمق، قالٍ أي مبغض.

33- (أمالي الشيخ) ج1 ص48، (رجال الكشي) ص243، (بشارة المصطفى) ص91، ونقله الأميني في (الغدير) ج2 ص248، وفي الحديث اختلاف يسير واتفق الجميع على الاسوداد والإشراق.

34- كان السيد الحميري معاصراً للإمام الصادق~ وكان قد لقبته أمه بالسيد عرف بهذا اللقب واشتهر به ثم عرف بسيد الشعراء وكان السبب في ذلك على ما روى الكشي في (رجاله) ص245، ان أبا عبد الله~ لقي السيد ذات يوم فقال له: سمتّك أمك سيداً ووفقت في ذلك وأنت سيد الشعراء فأنشد السيد في ذلك:

ولقد عجــبــــت لقائلٍ لي مرةً*** علامة فهم من الـــفــــقــــهـــاءِ

سمّاك قــومك سيداً صدقوا به*** أنت الموفق سيد الــشــعـــــراءِ

ما أنـــت حين تخصّ آل محمدٍ*** بالمدح منك وشـــاعـــر بسواءِ

مدح الملوك ذو العطا لعطائهم*** والمدح مــثــل لهم بغير عطائي

فابشر فإنك فــائـــز فــي حبهم*** لــو قــــــد وردت عليهم بجزاءِ

ما يعدل الدنيا جميعاً كـــلــــهـا*** من حوض أحمد شربةٍ من ماءِ

35- راجع ترجمة السيد وشعره مفصلاً في كتاب (الغدير) ج2 ص193-ص269.

36- (فروع الكافي) ج3 ص133 ط طهران، و(تحف العقول) ج1 ص37 كما في (البحار) ج6 ص199.

37- لعل من أهم ما يحول بين الإنسان وبين الولاية عند الموت هو موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله، والحكم بغير ما انزل الله، وغصب حقوق الناس بأنواع الظلم والغش والسرقات والخيانات وترك أركان الدين الخمسة مع الإصرار عليه إلى غير ذلك من الإصرار على كبائر الذنوب بلا ندم ولا توبة: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" [التحريم/9].

38- (أمالي الصدوق) مجلس 52 ص192، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج42 ص201 وما في معناه تجده في كتاب (نزهة المحبين) للشيخ جعفر النقدي ص158.

39- راجع (فضائل الخمسة من الصحاح الستة) ج3 ص73 نقلاً عن (اُسد الغابة) ج4 ص38.

40- (مقتل الحسين) لأخطب خوارزم ج2 ص31، وسائر المقاتل.

41- روى ذلك الترمذي في (سننه) وهو أحد الصحاح الستة ج2 ص306 في "مناقب الحسن والحسين" ط بولاق، والحاكم في (المستدرك) ج4 ص19 ط حيدر أباد، والذهبي في (تلخيصه)، وابن حجر العسقلاني في (تهذيب التهذيب) ج2 ص356 ط حيدر أباد، وابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) ص115، ومحب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) ص148 ط القدسي نقلاً عن الترمذي والبغوي في (الحسان)، واخطب خوارزم في (المقتل) ج2 ص96، وروى ذلك الصدوق في (الأمالي) ص84 بسنده عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر(عليهما السلام) عن أمّ سلمة، وكذلك رواه الشيخ المفيد في (المجالس)، والشيخ الطوسي في (أماليه) من طرق عديدة، راجع (البحار) ج45 ص230، و(إقناع اللائم) ص38.

42- روى ذلك الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) ج1 ص242 ط الميمنية بمصر من طريقين، والحاكم في (المستدرك) ج4 ص397، والخطيب البغدادي في (تأريخ بغداد) ج1 ص142 ط السعادة بمصر، وابن الأثير في (اُسد الغابة) ج2 ص22 ط الوهبية بمصر، وابن عبد البر في (الاستيعاب) ج1 ص144 ط حيدر أباد، وج1 ص380 مصر، وابن حجر العسقلاني في (الإصابة) ج2 ص17 ط كلكتة، وج1 ص334 ط مصر سنة 1358هـ، وابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) ص116 ط الميمنية بمصر، وأخطب خوارزم الحنفي في (مقتل الحسين) ج2 ص94، راجع (فضائل الخمسة) للفيروز أبادي، ج3 ص288 ط النجف، ورواه العلامة الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) ص210.