انظموا الی مجموعه منتديات العراق بالفيس بوک  

 

- الإهدائات >> وسام زيد احمد الي اعضاء المنتدى : مساء الخير وفق الله الجميع للخير حميدالشيباني الي أحبتي الأعضاء : السلام عليكم...اشتقت لكم..عذرا لانشغالي عنكم..عساكم بخير إن شاءالله...تحياتي ومحبتي لكم جميعا إسراء الي احمد ماجد الهاشمي : أجرنا وأجركم ويرحم موتانا وموتاكم ويحشرهم مع محمد وآل محمد..شكراً احمد ماجد الهاشمي الي اسراء : انا لله وانا اليه راجعون الموت حق عظم الله اجوركم بهذا المصاب احمد ماجد الهاشمي الي المنتدى : زلايه علي حصني فمن دخل حصني امن من عذابي

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 14

الموضوع: السيرة الذاتية للامام الخميني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    ایران - شیراز
    العمر
    36
    المشاركات
    10,003
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    12279

    افتراضي السيرة الذاتية للامام الخميني

    بمنسابه ذكري وفاه الامام الخميني:

    حياة الإمام الخميني (ره)





    يوم الكوثر( يوم الولادة )

    في النصف الثاني من عام 1320هـ، ولد في إيران مولود غيّر ـ فيما بعد، بثورته الالهية ـ مصير إيران والعالم الإسلامي. وفجّر ثورة اصطفت في وجهها منذ البداية القوى المهيمنة على العالم واعداء حرية الشعوب واستقلالها كافة، سعياً للقضاء عليها. غير أنهم عجزوا ـ بفضل الله ومنّه ـ عن مواجهة انجازه العظيم، وخابوا في الاساءة إلى العقيدة والفكر الذي كان ينادي به وينافح عنه.

    وقتئذ لم يكن أحد يعلم ان العالم سيتعرف على هذا المولود ذات يوم باسم "الإمام الخميني"، مثلما لم يتصور أحد عندما بدأ ثورته أنه سيقف في مواجهة اعتى القوى العالمية، وسيدافع عن استقلال البلاد ومجد الأمة الإسلامية، وسيمسي محيي دين الله في عصر تمسخ فيه القيم.

    الخلفية التاريخية

    العشرون من جمادى الآخرة "يوم الكوثر".. لما قضى ابناء الرسول الاكرم (ص) نحبهم، فرح مشركو قريش وراحوا يشنعون برسول الله بأنه أبتر لا ذرية له. فأنزل الله تعالى: {انا اعطيناك الكوثر .. إنّ شانئك هو الابتر}.. فكان يوم العشرين من جمادى الآخرة يوم تدفق كوثر الولاية والإمامة على هذه الارض، حيث ولدت سيدة نساء العالمين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)، ولتصبح فيما بعد زوج وأنيس إمام العدالة الانسانية الخالد، وأُمَّاً لذرية تقف في طليعتها كواكب الإمامة الأحد عشر، الذين اضاءوا طريق هداية الانسانية، وكان كل من ابعاد حياتهم حكمة الهية. فصلحهم وحربهم، ومناجاتهم وسكوتهم، وعلمهم وحلمهم، وحياتهم الحافة بالمقاومة والعذاب والمختومة بالشهادة، وآخرها غيبة المهدي الموعود؛ كلّها الهية تدل على أن عباد الله مسدَّدون في زمن التحدي والتردي وتكالب الزمان، وانّ دعاة الحق ومنائر الهداية حاضرون دوماً يمارسون دورهم في هداية البشرية، وانّ الارض لا تخلو من حجة الله على خلقه ابداً.

    ومع بداية عصر الغيبة، تواصل الصراع الدائم بين الخير والشر. وجيلاً بعد جيل وقف الطغاة وعبدة المال والمفسدون في جبهة الظلام، وفي الجهة الأخرى وقف المؤمنون والصالحون والاخيار في وادي النور، لتتواصل المواجهة فيما بينهم.

    كانت انوار الوحي قد اضاءت آفاق العالم. وزاد الإسلام من دائرة انتشاره بعد أن وجد طريقه إلى قلوب عباد الله الاخيار، فضم ما حوليه من الشرق ووصل إلى قلب اوربا في الغرب، وشكّل حضارة عظمى لم يسبق لها مثيل، وشهدت البشرية تحولاً عظيماً في العلوم والآداب والثقافة والفنون وفي مختلف مظاهر الحضارة الحقيقة؛ كل ذلك على اساس محكم من الايمان والعقيدة. إذ كان تقبل الفطرة السليمة لرسالة الرسول الامين التحررية، بدرجة من العمق والسعة اعجز حكّام السوء، مع كل ما أوتوا من ظلم وجور، من الوقوف في وجه تقدم هذه الرسالة الالهية.

    كانت اوربا تحترق في بربرية القرون الوسطى. وتخندق الماديون المهيمنون على عباد الله المظلومين في ذلك الجزء من العالم، خلف الصليب للحيلولة دون سطوع رسالة النبي الاكرم (ص) ـ الذي بشَّر به السيد المسيح (ع) ـ على دنياهم المظلمة، لكي لا تبور بضاعة الكنيسة التي أخذت تعرض في القرون الوسطى عقيدة خالية من الروح، وتقيم حكومة تفتيش العقائد الاوروبية، التي عدّت بحق وصمة عار في تاريخ البشرية. ومما يدعو إلى الحيرة والاسى معاً هو أنهم في ذات الوقت الذي انتبهوا لأنفسهم وعزموا على القضاء على دين الرسول الخاتم (ص)، كانت قد اندلعت في هذا الجزء من العالم نيران النفاق ونزعة التسلط وسادت الفرقة والاختلاف.

    وفي غضون ذلك توفرت جملة من العوامل ساعدت في ظهور ارضية التحولات العلمية والصناعية في اوروبا، واستحواذ القوى والحكومات المعادية على التكنولوجيا ووسائل التقدم. وأضفى انتشار العلوم والفنون الحديثة ـ الذي كان للحضارة الإسلامية دور مهم ومصيري فيها ـ على المجتمع الاوروبي البدائي المتخلف رونقاً خاصاً. وبدلاً من أن يفكر قادة البلدان الإسلامية بما يصلح حالهم واحوال شعوبهم، رجّحوا الاستسلام للغفلة والتخلف بدلاً من المبادرة للعمل والاجتهاد؛ فنتج عن ذلك تنامي سطوة الاعداء يوماً بعد آخر، فانطلقوا يوسعون من مناطق نفوذهم حتى باتت ـ مع الاسف ـ مناطق مترامية الاطراف من العالم الإسلامي تحت هيمنة الدول الاستعمارية. وهكذا تواصلت القصة المؤلمة لسلطة القوة والمال والكفر وتدخُّل المستعمرين السافر والخفي في مصير البلدان الإسلامية عدّة قرون.

    وتوالت في ايران سلالات الملوك والسلاطين على الحكم. ورغم الظلم والجور المتواصل الذي مارسته هذه السلالات الحاكمة، إلاّ أن الشعب الايراني المناضل، الذي لبى طواعية نداء التوحيد ورسالة الرسول الاكرم (ص)، كان حتى وقت متأخر يرفع لواء الحضارة الإسلامية وثقافتها. غير أن ظلم الملوك، ودسائس الاستعمار الحديث الذي هدف من ورائها إلى بث الفرقة والتنازع؛ كانا في تزايد مطرد، خاصة وان الاعداء دخلوا الميدان هذه المرة بواسائل جديدة، وبذريعة الاعمار والتقدم. وقد قادت خيانات السلاطين القاجار، وما اقترن بها من اجتياح للاراضي الايرانية من قبل الانجليز والروس القياصرة؛ إلى ايجاد ظروف صعبة وقاسية. إذ كانت سفارات الدول الاستعمارية تتدخل بشكل سافر في جميع شؤون البلاد بما في ذلك عزل وتنصيب امراء البلاط والوزراء ومسؤولي المناصب العسكرية الهامة. كما تم في هذه الفترة العصيبة التخلي عن مناطق شاسعة من ارضنا الإسلامية إلى الاجانب عبر اتفاقيات مشينة، في وقت كانت البلاد تشكو من انعدام الأمن والعدالة وتفشي الفساد الاداري.

    وخلال هذه الاحداث كشفت كل من فتوى العالم المجاهد الكبير آية الله العظمى الشيرازي بشأن نهضة تحريم البتغ والتي عرفت بـ "حركة التنباكو"؛ ودعوات الاصلاح التي اطلقها السيد جمال الدين الأسد آبادي؛ وقيام علماء الدين في ايران والنجف الاشرف بوجه الاستعمار البريطاني؛ كشفت عن مكانة علماء الإسلام واقتدار المؤسسة العلمائية الإسلامية في التأثير على مجرى الاحداث، الأمر الذي جعل الانجليز يدركون مكامن الخطر، مما دفعهم إلى ممارسة مختلف انواع الحيل والدسائس للتصدي لعلماء الدين، واشاعة سياسة الفصل بين الدين والسياسة؛ فظهرت حينها الماسونية، والمتغربون الجدد المتلبسون بلباس الثقافة، الذي أضرم وجودهم النيران في المعركة المشتعلة داخل البلاد. هذا من جهة. ومن جهة اخرى كان الملك مظفر الدين القاجاري يفتقد إلى أيّة قاعدة شعبية بين ابناء شعبه، لذا كان يتطلع إلى البلاطين الروسي والانجليزي. وبطبيعة الحال، كانت سائر البلاد الإسلامية تعيش حالاً مشابهة مؤسفة ايضاً.

    الإمام الخميني من الولادة حتى الهجرة إلى مدينة قم

    في مثل هذه الظروف ولد روح الله الموسوي الخميني في العشرين من جمادى الثانية سنة 1320هـ، الموافق 24 أيلول 1902م؛ في مدينة خمين احدى مدن المحافظة المركزية، في بيت عُرف بالعلم والتقوى والجهاد والهجرة، ومن اسرة تنتسب إلى الصديقة فاطمة الزهراء؛ ورث منها سجايا آباء واجداد سعوا جاهدين جيلاً بعد جيل لهداية الناس، والنهل من المعارف الالهيّة.

    عاصر المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي ـ والد الإمام الخميني ـ المرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي (رض). ودرس العلوم والمعارف الإسلامية في النجف الاشرف لعدة سنوات، وبعد ان بلغ مرتبة الاجتهاد عاد إلى ايران ليُقيم في خمين ويصبح ملجأً وملاذاً وموجِّهاً للناس في امور دينهم.

    لم يُتم "روح الله" الخمسة اشهر، حتى استشهد والده في طريقه من خمين إلى اراك، على يد قطاع الطريق والخوانين المدعومين من قبل عملاء السلطة، انتقاماً من مساعيه في احقاق الحق والوقوف في وجه الطغاة والظلمة. ويومها توجهت اسرة الشهيد إلى طهران ـ دار الحكومة آنذاك ـ واصرّت على تنفيذ العدالة وانزال القصاص بحق قاتليه.

    وبذا يكون الإمام الخميني قد واجه منذ طفولته قسوة اليتم وادرك مفهوم الشهادة.

    بعد استشهاد والده امضى الإمام الخميني طفولته في احضان والدته (السيدة هاجر)، سليلة العلم والتقوى، فهي من احفاد المرحوم آية الله الخوانساري ـ صاحب زبدة التصانيف ـ ورعاية عمته المكرمة (صاحبة خانم)، المرأة الشجاعة التقيّة. حتى إذا ما بلغ الخامسة عشر من عمره حرم من نعمة هاتين العزيزتين.

    درس الإمام منذ نعومة أظفاره ـ مستفيداً مما حباه الله من ذكاء متّقد ـ جانباً من المعارف الشائعة في عصره ومقدمات العلوم والسطوح المعروفة في الحوزات الدينية مثل آداب اللغة العربية والمنطق والفقه والاصول؛ على ايدي اساتذة وعلماء منطقته (كالميرزا محمود افتخار العلماء، والمرحوم الميرزا رضا النجفي الخميني، والمرحوم الشيخ علي محمد افتخار العلماء، والمرحوم الميرزا رضا النجفي الخميني، والمرحوم الشيخ علي محمد البروجردي، والمرحوم الشيخ محمد الكلبايكاني والمرحوم عباس الاراكي؛ وقبل هؤلاء اخيه الاكبر آية الله السيد مرتضى بسنديده ـ الذي امضى عنده اكثر وقته الدراسي ـ، سافر بعد ذلك ـ عام 1919م ـ إلى اراك ليواصل دراسته الدينية في حوزتها.

    الهجرة إلى قم: تحصيل الدروس التكميلية وتدريس العلوم الإسلامية

    بُعيد انتقال آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ره) إلى مدينة قم، التحق الإمام الخميني بالحوزة العلمية بقم في رجب المرجب عام 1340هـ. فطوى سريعاً مراحل دراسته التكميلية في الحوزة العلمية على ايدي اساتذتها. فقد اكمل كتاب "المطوّل" (في علم المعاني والبيان) على يد المرحوم الميرزا محمد علي الاديب الطهراني، كما اكمل دروس مرحلة السطوح على يد المرحوم آية الله السيد محمد تقي الخونساري، والمرحوم آية الله السيد علي اليثربي الكاشاني. كذلك اتمَّ دروس خارج الفقه والاصول على يد زعيم الحوزة العلمية في قم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي رضوان الله عليهم اجمعين.

    إنَّ الروح المرهفة الوثابة التي كان الإمام الخميني يتحلى بها دفعته إلى عدم الاكتفاء باتقان آداب اللغة العربية والدروس الفقهية والاصولية، بل ان يتعداها إلى الفروع العلمية الاخرى. ومن هنا وتزامناً مع دراسته للفقه والاصول على ايدي الفقهاء والمجتهدين، درس الرياضيات والهيئة والفلسفة يد على المرحوم الحاج السيد ابي الحسن الرفيعي القزويني، ثم واصل دراستها مع العلوم المعنوية والعرفانية لدى المرحوم الميرزا علي اكبر الحكيمي اليزدي، كما درس العروض والقوافي والفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية لدى المرحوم الشيخ محمد رضا مسجد شاهي الاصفهاني، كما درس الاخلاق والعرفان لدى المرحوم آية الله الحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي، ثم درس اعلى مستويات العرفان النظري والعملي، ولمدة ستة اعوام عند المرحوم آية الله الميرزا محمد علي شاه آبادي اعلى الله مقاماتهم اجمعين.

    بعد وفاة آية الله العظمى الحائري اليزيدي، اثمرت الجهود التي بذلها الإمام الخميني برفقه عدة من المجتهدين في الحوزة العلمية بقم في اقناع آية الله العظمى البروجردي للمجيء إلى قم وتسلم زعامة الحوزة العلمية فيها. وخلال هذه الفترة عُرف الإمام الخميني بصفة احد المدرسين والمجتهدين واولي الرأي في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق. وان زهده وورعه وتعبده وتقواه كان يتردد على لسان الخاصة والعامة.

    ان هذه الخصال والسجايا الرفيعة التي كانت حصيلة سنوات طويلة من المجاهدة والترويض الشرعي وامتحان المفاهيم والاسس العرفانية في حياته العملية الشخصية والاجتماعية، ونهجه السياسي الذي جسد من خلاله اعتقاده الراسخ بحفظ كيان الحوزات العلمية وقوة الزعامة الدينية والعلماء باعتبارهم الملاذ الوحيد للناس في تلك الايام المضطربة الخطيرة، جعلته يوظف دائماً علمه وفضله وجهوده في ترسيخ اسس الحوزة العلمية الفتية في قم. فوقف رغم كل ما لديه من جداره واختلاف في وجهات النظر، يدعم مرجعية آية الله العظمى الحائري ثم آية الله البروجردي اعلى الله مقامهما، وحتى بعد وفاة آية الله البروجردي. ورغم الاقبال الواسع عليه من قبل الطلاب والفضلاء والمجتمع الإسلامي كأحد مراجع التقليد إلا انه يخطُ أيّة خطوة يشمُّ منها رائحة السعي لكسب المقام والزعامة، فكان دائماً يحث محبيه ومريديه على عدم الاهتمام بمثل هذه الامور. بل انّه أصرّ على نهجه هذا حتى في الوقت الذي التف حوله وعاة المجتمع باعتباره المنادي بالإسلام الحق وانه يمثل ضالتهم المنشودة لتحقيق آمالهم لما كان عليه من التقوى والعلم والوعي، فلم يغير من سيرته ومنهجه قيد انملة متمثلاً قوله الذي كان يكرره دائماً "إنّني اعتبر نفسي خادماً وحارساً للإسلام والشعب".

    انه الرجل العظيم ذاته الذي عاد في (1 شباط 1979م) إلى إيران ليجد الملايين من ابناء الشعب وقد اجتمعوا في اكبر مراسم استقبال في التاريخ احتفاءً بقدوم قائدهم. وحينما سأله احد الصحفيين بلا مقدمة: ما هو شعوركم وانتم تعودون إلى بلادكم بعد خمسة عشر عاماً في ظل هذه الابهة؟ سمع منه جواباً غير متوقع، إذ اجابه سماحته: لا شيء!.

    لقد توهم ذلك الصحفي بأن الإمام الخميني كسائر القادة السياسيين الساعين إلى السلطة ينسون انفسهم في مثل هذه المواطن المثيرة، ويطيرون فرحاً؛ غير ان الجواب الذي سمعه اوضح له بأن الإمام الخميني من سنخ آخر.

    كان الإمام الخميني يعتقد بحق ـ كما اكّد ذلك مرات ومرات ـ بأنّ المعيار في سلوكه وتحركاته هو نيل رضا الخالق تعالى والعمل بالتكليف واداء المسؤولية الشرعية. فهو يرى بأنّ الأمر سيّان بالنسبة له سواء كان في السجن والنفي، أو في ذروة القوة والاقتدار، مادام تحركه في سبيل الله. أساساً ان سماحته كان قد اعرض ـ وقبل عقود من ذلك التاريخ ـ عن الدنيا وما فيها وسلك طريق الوصول والفناء في الله. ولعلّ اجمل تفسير لرده على سؤال الصحفي يكمن في بيت الشعر الذي نظمه سماحته:

    اذهب إلى الخربات واعتزل الخلق جميعاً وعلِّق قلـبـك بالـمطلق واترك الباقي

    مارس الإمام التدريس ـ خلال سنوات طوال ـ في الحوزة العلمية بقم، فدرّس عدّة دورات في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق الإسلامية في كل من المدرسة الفيضية والمسجد الاعظم ومسجد محمدية ومدرسة الحاج ملا صادق ومسجد السلماسي وغيرها، كما مارس تدريس الفقه ومعارف اهل البيت (ع) ـ وعلىارفع المستويات ـ في الحوزة العلمية بالنجف الاشرف، في مسجد الشيخ الانصاري (ره) لما يقارب الاربعة عشر عاماً. وفي النجف الاشرف طرح ـ ولاول مرة ـ اسس الحكومة الإسلامية عبر سلسلة دروس ألقاها في موضوع ولاية الفقيه.

    وعلى ما نقله طلابه، فان حوزة الإمام الخميني كانت تعدّ من اسمى المراكز الدراسية، وقد تجاوز عدد من يحضرون درسه في بعض الدورات ـ خلال السنوات التي قضاها في التدريس بقم ـ الالف طالب، كان بينهم العشرات من المجتهدين المعروفين والمعترف باجتهادهم، فكانوا جميعاً ينهلون من مدرسته في الفقه والاصول. فكان من بركات ممارسته التدريس ان تمكّن سماحته من تربية المئات بل الآلاف ـ إذ اخذنا بنظر الاعتبار طول سنوات الدراسة ـ من العلماء والحكماء ممن اصبحوا بعد ذلك مشاعل واعلاماً في الحوزات الدينية، ومجتهدين وفقهاء وعرفاء بارزين ممن يشار إليهم بالبنان اليوم في حوزة قم العلمية وفي سائر المراكز الدينية. وان مفكرين كبار امثال العلامة الاستاذ الشهيد مرتضى المطهري والشهيد المظلوم الدكتور بهشتي، كانوا يفخرون دوماً بأنهم نهلوا من محضر هذا العارف الكامل لسنوات.

    واليوم فإن الوجوه اللامعة من العلماء الذين يقودون مسيرة الثورة الإسلامية ويوجهون نظام الجمهورية الإسلامية هم من طلابه وخريجي مدرسته الفقهية والسياسية.

    هذا وستكون لنا وقفة عند خصائص ومميزات مدرسته الإمام الخميني في العلوم المختلفة، كما سنعرض في آخر الكتاب وبشكل مختصر إلى تعريف كتب الإمام ومؤلفاته.

    الإمام الخميني في خندق الجهاد والثورة

    لقد كان لروحية النضال والجهاد في سبيل الله جذور تمتدُّ إلى الرؤية الاعتقادية والتربية والمحيط العائلي والظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بحياة الإمام؛ إذ بدأ جهاده منذ صباه، واخذ هذا الجهاد يتواصل ويتكامل بصورة مختلفة جنباً إلى جنب تكامل الجوانب الروحية والعملية في شخصيته من جهة، وتطور الاوضاع السياسية والاجتماعية في إيران والمجتمعات الإسلامية من جهة أخرى. وفي عامي 1961 ـ 1962 وفّرت احداث مجالس الاقاليم والمدن الفرصة ليلعب دوراً في قيادة حركة علماء الدين. وبهذا النحو انطلقت انتفاضة الخامس عشر من خرداد ـ الخامس من حزيران 1963 ـ التي شارك فيها العلماء وابناء الشعب معتمدة على دعامتين اساسيتين، اولاهما: قيادة الإمام المطلقة للحركة، وثانيتهما: إسلامية دوافع الانتفاضة واهدافها وشعاراتها، لتمثل فصلاً جديداً في جهاد الشعب الايراني؛ ذلك الفصل الذي عرف في العالم اجمع باسم "الثورة الإسلامية".

    لقد ولد الإمام الخميني في وقت كانت ايران تمرّ فيه بأقسى ادوار تاريخها. فالحركة الدستورية تعرضت للضياع نتيجة دسائس ومعارضات عملاء الانجليز في البلاط القاجاري والصراعات الداخلية وخيانة بعض المتغربين وتعرّض العلماء ـ الذين كانوا يمثلون طليعتها ـ إلى الاقصاء من ساحة الاحداث بمختلف انواع المكائد ليعود النظام ملكياً مستبداً مرة أخرى. كذلك فإنّ الطبيعة العشائرية التي كانت تتسم بها العائلة القاجارية المالكة، وضعف الحكام وعدم صلاحيتهم أدّى إلى تدهور اقتصادي واجتماعي شديدين في ايران واطلق ايدي الاقطاعيين والاشرار لسلب الامن والامان.

    وفي ظروف كهذه كان العلماء يمثلون الملاذ الوحيد للناس في مختلف المدن والمناطق. وكما اشرنا سابقاً فقد شهد الإمام الخميني في طفولته استشهاد والده نتيجة لدفاعه عن حقوقه وحقوق اهل منطقته ووقوفه في وجه الاقطاعيين وعملاء الحكومة آنذاك. إنّ أسرة الإمام ألفت ـ في الحقيقة ـ الهجرة والجهاد في سبيل الله منذ القدم.

    يستعرض الإمام الخميني بعض ذكرياته عن الحرب العالمية الاولى ـ وكان حينها يبلغ من العمر اثني عشر عاماً ـ فيقول:

    "إنّني اتذكر كلتا الحربين العالميتين.. كنت صغيراً إلا اني كنت اذهب إلى المدرسة وقد رأيت الجنود الروس في المركز الذي كان في (خمين) رأيتهم هناك واذكر كيف تعرضت بلادنا للاجتياح في الحرب العالمية الاولى".

    وفي موضع آخر يذكر سماحته اسماء بعض الاقطاعيين الظالمين الاشرار الذين كانوا يمارسون النهب والاعتداء على اعراض الناس واموالهم مدعومين من قبل الحكومة المركزية:

    "كنت في حرب منذ طفولتي… فقد كنا نتعرض لهجمات اشرار من امثال زلقي ورجب علي، وكانت عندنا بندقية، أذكر أني كنت أقارب البلوغ آنذاك فكنت اذهب مع البقية لاتخاذ موقعنا في الخنادق المعدّة للدفاع ضد هجوم اولئك الذين كانوا يقصدون الاغارة علينا. نعم كنا نذهب هناك ونتفقد الخنادق".

    ويقول سماحته في موضع آخر:

    "لقد كنا مضطرين إلى اعداد الخنادق في خمين ـ المنطقة التي كنا نعيش فيها ـ وكانت عندي بندقية، غير اني كنت لا ازال حينها يافعاً لم اناهز الثامنة عشرة بعد، وكنت اتدرب على البندقية واحملها وبما يتناسب مع سني. نعم كنا نذهب للتحصّن في الخنادق ونواجه هؤلاء الاشرار الذين كانوا يغيرون علينا. لقد كان الوضع متسماً بالفوضى والهرج والمرج، ولم يكن لدى الحكومة المركزية القدرة على السيطرة على الاوضاع،… وفجأة سيطروا على خمين فهبّ الناس لمواجهتهم وحملوا السلاح وكنت من بين من حملوا السلاح".

    كان انقلاب رضا خان في 22 شباط 1912م، مخططاً ومدعوماً من قبل الانجليز، كما تشير إلى ذلك الوثائق التاريخية الثابتة والمؤكدة. ومع انه قضى على الحكم القاجاري ووضع حداً للقبلية والخوانين والاشرار، إلا انه اقام حكماً مستبداً حكمت تحت مظلته بضع مئات العوائل مصير الشعب المظلوم. وتصدت العائلة البهلوية للعب دور الخوانين والاشرار السابق.

    سيطر رضا خان طوال عقدين من حكمه على نصف الاراضي الزراعية في ايران وثبّت ملكيتها له رسمياً وشكّل هيكلاً ادارياً لادارتها والمحافظة عليها يفوق في تشكيلاته هيكلية الوزرات الكبرى، وسعى في هذا السبيل ـ ما وسعه ـ لحل المشاكل القانونية المترتبة على نقل ملكية الاراضي ـ حتى الموقوفة منها ـ باسمه، فاصدر لذلك عشرات اللوائح والمصوبات القانونية من المجالس البرلمانية الصورية التي كان يأمر بتشكيلها. وقد شاع ذلك إلى درجة جعلت ما كتب عن حياته ـ من قبل مؤيديه أو معارضيه ـ يدور في اغلبه حول املاكه وما اقتناه من الحلي والمجوهرات والشركات والمراكز التجارية والصناعية.

    كانت سياسة رضاخان الداخلية ترتكز إلى اسس ثلاثة هي: الحكم العسكري والبوليسي العنيف، والمواجهة الشاملة للدين ورجاله، والعمالة للغرب، وراح يصرّ عليها إلى أواخر عهده.

    في مثل هذه الظروف هبّ علماء الدين الايرانيون ـ الذين تعرضوا للهجوم المتواصل من قبل الحكومات التي توالت على الحكم بعد الحركة الدستورية، فضلاً عما تعرضوا له من قبل عملاء الانجليز والمثقفين من عملاء الغرب الفكريين ـ للدفاع عن الإسلام وحفظ كيانهم وكرامتهم، إذ هاجر آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري ـ نزولاً عند رغبة علماء قم الاعلام ـ إلى مدينة قم تاركاً أراك، وبُعيد ذلك بفترة وجيزة هاجر إليها الإمام الخميني ـ الذي كان قد انهى وبسرعة دراسة المقدمات والسطوح في الحوزة العلمية في خمين واراك ـ وهناك ساهم عملياً بدور فعال في تحكيم وجود الحوزة الفتية، ولم يمض وقت طويل حتى عُدّ الإمام الخميني من الفضلاء الاعلام في هذه الحوزة واشتهر في مجالات العرفان والفلسفة والفقه والاصول.

    وكما اسلفنا إن حفظ كيان العلماء والمرجعية كان من الضرورات الملحة آنذاك، وذلك لافشال المخططات التي كان يُعدّها رضا خان ومن بعده، والتي كانت تستهدف علماء الدين، والحيلولة دون تحقيقهم اهدافهم المتوخاة. وعلى هذا الاساس نرى الإمام ـ ورغم ما كان بينه وبين آية الله العظمى الحائري ومن بعده آية الله العظمى البروجردي من اختلاف في وجهات النظر بشأن بعض المسائل حول كيفية مواجهة الحوزات العلمية ومراجع التقليد للظروف المستجدة، وحول دور العلماء بهذا الشأن ـ يقف على الدوم وحزم إلى جانبهما للدفاع عن المرجعية ودورها طوال فترة زعمتهما.

    كان الإمام الخميني مولعاً بمتابعة القضايا السياسية والاجتماعية. وكان رضا خان قد اقدم في تلك السنوات ـ وبعد ان فرغ من تثبيت دعائم حكمه ـ على تنفيذ مخطط واسع للقضاء على مظاهر الثقافة الإسلامية في المجتمع الايراني. ففضلاً عن ممارسة انواع الضغوط ضد العلماء، اصدر اوامره بإلغاء مراسم العزاء والخطابة الدينية ومنع تدريس المسائل الدينية والقرآن وإقامة صلاة الجماعة في المدارس، وروّج للهمس حول نزع الحجاب وفرض السفور على النساء الايرانيات المسلمات. وقبل أن يترجم رضاخان اهدافه عملياً على مستوى واسع، بادر علماء الدين الايرانيون الملتزمون للاعتراض على ممارساته بوحي من معرفتهم بالاهداف غير المعلنة التي كان رضاخان ينوي تحقيقها. وللاعتراض على بعض هذه الممارسات، أقدم بعض علماء اصفهان الملتزمين بقيادة آية الله الحاج آقا نور الله اصفهاني عام (1927م) على الهجرة الجماعية إلى قم للاعتصام فيها، وترافقت هذه الحركة مع هجرة العديد من العلماء من مدن اخرى إلى قم ايضاً، وبالفعل فقد استمر هذا الاعتصام لمدة مائة وخمسة ايام (من 12 أيلول إلى 25 كانون الاول عام 1927م) انتهى بعدها بتراجع رضاخان ـ ولو في الظاهر ـ وتعهد رئيس الوزراء آنذاك (مخبر السلطنة) بتلبية مطالب المعتصمين. وباستشهاد قائد الانتفاضة في كانون الاول عام 1957 على يد عملاء رضاخان انتهى الاعتصام عملياً.

    اتاحت هذه الحركة الفرصة لطالب العلوم الدينية الشباب روح الله الخميني الذي كان يتحلى باللياقات والاستعدادات اللازمة للمواجهة والتصدي، لان يطلع عن كثب ـ ومن خلال حضوره المباشر في صلب تلك الحركة ـ على اساليب المواجهة، وما يتعرض له العلماء من ظلم، علاوة على التعرف على ملامح شخصية رضاخان اكثر فأكثر.

    من جهة اخرى كانت قد حصلت قبل اشهر من هذه الحادثة، في آذار عام 1927، مشادة كلامية بين آية الله البافقي ورضاخان، حوصرت على اثرها مدينة قم من قبل قوات الشرطة وتعرّض العالم المجاهد البافقي إلى الضرب والنفي إلى مدينة الريّ بأمر من رضاخان. هذه الحادثة والحوادث المشابهة وما كان يحصل في المجالس التشريعية في تلك الايام ـ خصوصاً الحركة الجهادية الدؤوبة التي كان يمارسها المجاهد المعروف آية الله السيد حسن المدرس ـ تركت تأثيرها على روح الإمام المرهفة الوثابة.

    وحينما اصدر رضاخان امره بفرض الامتحانات على طلاب العلوم الدينية في الحوزة العلمية بقم هادفاً القضاء على الحوزة، انبرى الإمام الخميني لفضح الاهداف الخفية لهذا الامر وتصدي لمعارضته وحذر بعض العلماء المشهورين ـ الذين عدوا ذلك الامر ونتيجة لسذاجتهم امراً اصلاحياً ـ من مغبّة القبول به.

    وللأسف فإن المؤسسة العلمائية الايرانية كانت تعيش آنذاك حالة الانزواء نتيجة الاعلام المكثف الذي كانت تمارسه اجهزة النظام الدعائية، وبفعل الظروف والاختلافات التي نجمت على الحركة الدستورية. وقد وصل الامر إلى درجة ان بعض المنحرفين فكرياً وطلاب الراحة القشريين راح يعارض بشدة تدريس ودراسة بعض المواد الدراسية الحوزوية كالعرفان والفلسفة التي تؤدي بالنتيجة إلى إثارة الوجدان والبحث في المسائل والمصائب الواقعة.

    وقد بلغ الضغط بهذا الاتجاه حدّاً عرّض الإمام الخميني إلى تحمل ما لا يطاق من اجل تعطيل درسه في الفلسفة والعرفان والاخلاق، الامر الذي اضطره إلى اعطاء دروسه في الخفاء فكان حصيلة تلك المساعي تربية شخصيات من امثال العلامة الشهيد المطهري.

    ونتيجة لمقاومة العلماء وابناء الشعب الايراني، فشل رضاخان إلى حد كبير، رغم كل ما اوتي من قوة، في تحقيق تطلعاته بالقضاء على الإسلام وفرض السفور ومنع الشعائر الدينية، وفي الكثير من الاحيان اضطر إلى التراجع والانسحاب.

    بعد وفاة آية الله العظمى الحائري (30/ 1/ 1937م) واجهت الحوزة العلمية في قم خطر التشتت والانحلال. فبادر العلماء الملتزمون وعلى مدى ثمانية اعوام لادارة شؤونها وفي مقدمتهم أصحاب السماحة: السيد محمد الحجة، السيد صدر الدين الصدر، والسيد محمد تقي الخونساري رضوان الله عليهم. وفي هذه الفترة وخصوصاً بعد سقوط رضاخان تهيأت الظروف للمرجعية العليا، فاقترح ان يرفع آية الله البروجردي الذي كان من ابرز الشخصيات العلمية، لتسنم مقام المرجعية والحفاظ على كيانها خلفاً لآية الله الحائري. وبسرعة تمّ متابعة هذا الاقتراح من قبل تلامذة آية الله الحائري ومن ضمنهم الإمام الخميني، فسعى سماحته شخصياً في إقناع آية الله البروجردي للهجرة إلى قم وقبول المسؤولية الخطيرة المتمثلة في تزعم الحوزة العلمية.

    لقد ادرك الإمام الخميني ـ ومن خلال اطلاعه على حساسية الظروف السياسية التي يمرّ بها المجتمع، والوضع الذي تعيشه الحوزات العلمية، وطبيعة حركة التاريخ التي كان يستلهمها من مطالعته المستمرة لكتب التاريخ المعاصر والمجلات والصحف الدورية الصادرة وقتئذ، وما كان يقوم به من زيارات متوالية إلى طهران والمشاركة في مجالس العلماء الاعلام من امثال آية الله المدرس ـ أدرك بأن الامل الوحيد بالتحرر والنجاة من النكسة التي اعقبت فشل الحركة الدستورية، وبالخصوص بعد تولي رضاخان للسلطة، يكمن في تسلح الحوزات العلمية بالوعي، وقبل ذلك ضمان استمرار وديمومة وجود الحوزات العلمية وتمتين عرى الارتباط بين الجماهير والمؤسسة العلمائية.

    لدى هجرة آية الله السيد البروجردي إلى مدينة قم، عكف الإمام الخميني، باعتباره احد المجتهدين والمدرسين المعروفين في الحوزة العلمية بقم، على تحكيم اسس زعامة ومرجعية آية الله البروجردي، وقد بذل في هذا السبيل مساعٍ حثيثة. واستناداً لما ينقله طلابه واظب الإمام حينها على حضور درس المرحوم آية الله البروجردي في الفقه والاصول.

    ورغبة منه في متابعة مسيرته في تحقيق اهدافه السامية، اعدّ الإمام الخميني برفقة آية الله مرتضى الحائري في عام (1949م) مقترحاً لإصلاح البنية العامة للحوزة العلمية، وقام بتقديمه إلى آية الله البروجردي (ره) وقد حظي هذا المقترح باستقبال ودعم تلامذة الإمام وطلبة العلوم الدينية الواعين.

    ولو كان طبّق هذا المقترح عملياً في تلك الظروف، لأصبحت الحوزة العلمية مؤسسة ذات تشكيلات علميّة واسعة تسهل عليها اداء دورها المطلوب، غير أنّ الخناسين المتظاهرين بالقداسة الذين رأوا ان هذا المقترح سيؤدي إلى تعكير صفو اوضاعهم المترفة الهادئة، اصيبوا بالاضطراب فانطلقوا يعارضون ويحبطون حتى بلغ الأمر ان غيّر آية الله البروجردي نظرته الاولى ورغبته القلبية في ذلك، فاشاح اخيراً عن قبول هذا المقترح. ونتيجة لذلك تأثر آية الله مرتضى الحائري فسافر للاقامة في مشهد مدة من الزمن، غير انّ الإمام الخميني أصرّ على البقاء رغم قسوة الظروف ورغم تألمه مما حدث وما تلاه من حوادث مشابهة، آملاً في حركة الوعي المرتقبة الوقوع في الحوزة العلمية.

    قبل ثمانية أعوام من ذلك التاريخ وفي (1941م) كانت ايران قد تعرضت للاحتلال من قبل جيوش الحلفاء، وقد استسلم المستبد ـ الذي أمضى عشرين عاماً في تجهيز قواته المسلحة منفقاً المبالغ الطائلة عسى ان يتمكن بواسطتها من حبس الانفاس في صدور ابناء شعبه ـ أمام هجمات الغزاة، ووفقاً لما اقرّ به ابنه محمد رضا فإن جنوده قد بادروا للفرار من مختلف جبهات المواجهة أمام اولى الاطلاقات التي اطلقتها قوات الحلفاء وقبل ان يتقابلوا معهم. وإثر ذلك ارغم رضاخان على التنازل عن العرش رغم كل ادعاءاته، وغادر البلاد مجبراً.

    كان رد الفعل الشعبي متناقضاً، فمن جانب كانت الجماهير تعيش الحزن والانكسار نتيجة اجتياح قوات الحلفاء لاراضي بلادهم، وفي الوقت نفسه كانت مشاعر السرور والفرح البالغ تعمّ الجميع نتيجة سقوط المستبد ـ الذي كانت امواله المنقولة التي جمعها من كدح الفقراء ومن سنين النهب للثروات الوطنية ـ تجاوز الستمائة وثمانين مليون من الريالات الايرانية (في ذلك الوقت).

    صدر الامر بتعيين الملك الجديد من السفارة الانجليزية وبموافقة عضو آخر من قوات الحلفاء وهو روسيا، وكان الاختيار قد وقع على محمد رضا البهلوي، وبذلك بدأ فصل جديد من العذاب والعناء استمر لسبعة وثلاثين عاماً تميزت ببيع استقلال البلاد وعزتها.

    امتاز العامان الأوّلان من حكومة محمد رضا بالتزلزل وعدم الاستقرار، الأمر الذي اتاح الفرصة للجميع بأن يلتقطوا انفاسهم، فبادرت الاحزاب والشخصيات السياسية إلى توضيح اهدافها ومراميها، فتوجه البعض نحو القومية التي كانت تتناغم مع اهداف الملك الشاب، في حين توجه جمع آخر من السياسيين نحو النفوذ في هيكل الدولة والتشكيلات التشريعية. وشهدت الساحة آنذاك غياب بعض العلماء المجاهدين من امثال آية الله المدرس، الذين كان وجودهم وقتئذ سيمثل دعامة اساسية لخيمة الثورة الشعبية، إذ تعرضوا للتصفية الجسدية على ايدي ازلام رضاخان، كذلك فإنّ الشيوعيين والاحزاب السياسية المرتبطة بالخارج كانت تعلن عن مواقفها بناءً على الاوامر الصادرة من موسكو وغيرها.

    اما الحوزة العلمية في تلك الايام فقد كانت عاجزة عن تحمل مسؤولياتها الاجتماعية ودخول ميدان الاحداث ـ كما اشرنا سابقاً ـ وذلك نتيجة للحملات المسعورة التي شنها رضاخان ضدها ونتيجة لنفوذ الانتهازيين والنفعيين فيها ممن ساهموا في انزوائها وعزلها عن المجتمع.

    ومن الطبيعي ان لا تكون تلك حالة عامة شاملة، فقد كان جمع من الاخيار المجاهدين من امثال نواب الصفوي وانصاره ـ ممن كانوا يعتقدون بمبدأ تشكيل الحكومة الإسلامية ـ يعدّون العدّة في تلك الظروف المضطربة استعداداً لخوض مرحلة الجهاد المسلح البطولي. وقد وصف الإمام الخميني غربة المجاهدين في سنوات الكبت والاختناق تلك التي مرت عليهم في عهد رضاخان بأبيات من الشعر قال فيها:

    أين نتوجه للشكوى من جور رضاخان وقـد حبست الانفاس في الصدور

    كــــيــــف نـــــصــــرخ ولــــم يبق من الانــــفـاس ما يمكننا من الصراخ!

    انتهز الإمام الخميني الفرصة المتاحة فقام بتأليف ونشر كتابه "كشف الاسرار" (عام 1943م) الذي تعرّض فيه لذكر المآسي التي تميزت بها فترة العشرين عاماً من الحكم البهلوي ودافع فيه عن الإسلام والمؤسسة العلمائية، وازال الشبهات التي اثارها المنحرفون، ونوّه في كتابه هذا إلى فكرة الحكومة الإسلامية وضرورة النهوض لاقامتها.

    ثم اصدر سماحته وبعد عام من ذلك التاريخ (نيسان 1944م) ما يمكن اعتباره اول منشور سياسي له، طالب فيه ـ وبصراحة ـ علماء الإسلام والأمّة الإسلامية بالنهوض والانتفاضة العامة. ويمكن القول بأن لهجة البيان ومضمونه وطبيعة المخاطبين الذين خاطبهم تشير كلها إلى أنّ الإمام لم يكن يتوقع قياماً وشيكاً من الحوزة في مثل تلك الظروف المؤسفة التي كانت تمر بها. وان الدافع وراء اصدار هذا المنشور كان دق اجراس الخطر وتنبيه طلبة العلوم الدينية الشباب لحقيقة ما يدور حولهم. وكما كان متوقعاً لم يتلق الإمام جواباً مناسباً على دعوته للنهوض والانتفاضة، غير أنّ بصيص الامل الذي دبّ في وجدان الطلبة، دفعهم للالتفات حول الإمام، إذ وجدوا في محاضر دروسه الأنس والحقيقة.

    هذا وكانت ملامح شخصية الإمام ومواقفه السياسية قد اتضحت اكثر فأكثر بعد تحركه الاخير. وبهذا النحو كانت قد تشكلت بالتدريب نواة من تلامذة الإمام ممن يتفقون معه في الفكر والرؤية، وكان لاغلبهم ادوار هامة في احداث انتفاضة الخامس من حزيران 1963، وفي سنوات الاختناق التي تلتها.

    وباختصار فإنّهم واصلوا مسيرتهم مع الإمام حتى ما بعد الثورة، فمن تمكن منهم من العبور بسلام من مضيق ما قبل الثورة وخرج سالماً من المعتقلات وأنواع التعذيب ـ الذي كان المجاهدون يعرضون له ـ وادّى دوره في المواقع الحساسة من هيكل النظام الإسلامي في أشدّ الظروف حساسية وحرجة.

    وطبقاً للوثائق التاريخية والمذكرات المتوافرة، بذل سماحة الإمام جهده الجهيد في المجال الحوزوي خلال فترة مرجعية وزعامة آية الله البروجردي (ره) ـ فضلاً عن ممارسته دوره المعهود في التدريس والبحث وسائر المجالات المختلفة ـ للدفاع عن موقع المرجعية والحوزات العلمية من جانب، ونشر الوعي السياسي والاجتماعي وتحليلاته للمسائل السياسية الجارية والمبادرة لاطلاق التحذيرات في الأوقات المناسبة حول اغراض النظام الملكي والحيلولة دون نفوذ العناصر المنحرفة والمترفة إلى اوساط الحوزات العلمية من جانب آخر.

    وفي غضون ذلك، كان الإمام يواصل الاتصالات بالشخصيات السياسية الواعية في طهران من امثال آية الله الكاشاني ويتابع الاحداث بدقة بشتى السبل بما في ذلك متابعة جلسات مجلس الشورى الوطني والنشرات المهمة التي كانت تصدر وقتئذ.

    عندما دبّ الهمس (عام 1949م) حول تشكيل المجلس التأسيسي لتغيير الدستور واطلاق العنان للشاه، اشيع بأنّ آية الله العظمى البروجردي كان راضياً بتلك التغييرات المرتقبة وان مشاورات قد جرت بالفعل بينه وبين بعض المسؤولين بهذا الشأن، تأثر الإمام الخميني لهذه الشائعة فبادر للتحذير بصراحة ووضوح من مغبة هذا الامر، ثم بعث رسالة مفتوحة، اعدها بالتعاون مع بعض المراجع والعلماء الاعلام حينها إلى آية الله البروجردي يستطلع حقيقة الأمر. الأمر الذي دفع آية الله البروجردي إلى اصدار بيان كذّب فيه وجود أي اتفاق. وفي الوقت نفسه اصدر آية الله الكاشاني بياناً من منفاه في لبنان طالب فيه بضرورة الوقوف في وجه القرارات والخطوات التي يزمع الملك القيام بها.

    وحينما جرت انتخابات الدورة السادسة عشرة لمجلس الشورى الوطني، وتمّ انتخاب آية الله الكاشاني من قبل اهالي طهران، وقد ادى الائتلاف والتنسيق بين جناح آية الله الكاشاني والجبهة الوطنية إلى ترجيح كفة الميزان لصالح انصار نهضة تأميم النفط ولغير صالح الملك، كذلك قام فدائيو الإسلام الذين كانوا يتمتعون بدعم آية الله الكاشاني بعدة عمليات خاطفة لم يبق لها مثيل تمّ من خلالها انزال ضربات موجعة في هيكل الحكومات العميلة للملك. واعتماداً على هذا التأييد الذي توفر له استطاع الدكتور مصدق ان يتسنم قيادة البلاد، ثم انطلقت انتفاضة الثلاثين من تير 1331 (12 تموز 1952م) في طهران، فتلفعت ايران بوشاح الفرح والسرور نتيجة تحقق مطالبها القديم بتأميم النفط، غير انه لم يمض وقت طويل حتى ظهرت ملامح عدم الانسجام في جبهة الائتلاف، وتفاقمت الاختلافات بين (فدائيي الإسلام) وآية الله الكاشاني، وقادة الجبهة الوطنية إلى حد المواجهة احياناً، إذ اصرّ المرحوم الكاشاني على رفض اقتراح دفع الغرامة للانجليز في مقابل تأميم النفط، وكان يعتقد بأنّ على الإنجليز أنفسهم ان يدفعوا الغرامة لايران عن نهبهم النفط الايراني لمدة خمسين عاماً، ولهذا السبب حذر سماحته الدكتور مصدق بشدة من مغبة التنازل أو المساومة في هذا الشأن.

    من جانب آخر كان آية الله الكاشاني يعارض بشدة استبدال الانجليز بالأميركان والشركات الأميركية في مجال تعدين النفط وسائر المجالات الاقتصادية في البلاد. في حين ان الغالبية من المسؤولين في حكومة مصدق كانوا يميلون بصراحة نحو هذا الاتجاه.

    كذلك كانت مشاركة بعض العناصر غير الإسلامية في نهضة تأميم النفط والاعتماد على (حزب تودة) الشيوعي، من جملة الأمور موضع الخلاف، إذ ادى نفوذ تلك العناصر المتزايد جنباً إلى جنب تنامي صلاحيات رئيس الوزراء، إلى تنامي وتيرة الاعلام المبرمج المعادي للإسلام، وبلوغ خيانات حزب تودة ذروتها وانزواء التيار المتديّن في النهضة مما اتاح الفرصة لامريكا للقيام بانقلابها الناجح في (19 آب 1953م) واعادة الملك ليمسك بزمام السلطة المطلقة، والتخلص من معارضيه.

    ويتضح من خطابات الإمام وكلماته التي ألقاها حول أحداث الانتفاضة الوطنية بأنّ سماحته كان مدركاً هشاشة هذا الائتلاف مسبقاً.

    حققت النهضة الوطنية انتصارات باهرة على طريق تحقق اهدافها المعادية للاستعمار، إلاّ أنّ عملية تأميم صناعة النفط كانت تنطوي على ثغرات مقطعية وزمانية حالت دون تحقيقها ـ منفردة ـ ديمومة النهضة على المدى البعيد. ان عدم إيمان التيار الوطني في النهضة بالشعارات والاهداف المطروحة من قبل التيار الديني الذي كان يحظى بتأييد الجماهير، وغياب القيادة الموحدة، ونفوذ العناصر المنحرفة وغياب الاهداف السياسية والثقافية المشتركة التي باستطاعتها استقطاب الجماهير الايرانية المسلمة على المدى البعيد، ناهيك عن التحركات الأميركية والضغوط الخارجية. كل هذا كان من جملة العوامل التي حالت دون امكانية استمرار النهضة.

    لقد مثّلت نهضة تأميم النفط صورة مصغّرة للظروف السياسية والاجتماعية التي احاطت بالحركة الدستورية واتسمت بنفس نقاط قوتها وضعفها، لذلك واجهت المصير نفسه. حتى التيارات الدينية لم تكن تتصف بوحدة النظر والدعم الشعبي. إذ ان نشاط حركة فدائيي الإسلام وكذلك مساعي آية الله الكاشاني ليس فقط لم تكن تحظى بتأييد آية الله العظمى البروجردي المرجع والزعيم القوي آنذاك، بل كانت تعصف بها خلافات حادة أيضاً.

    وفي ظروف كهذه لم تتمكن ايضاً المواقف الصريحة الداعمة التي وقفتها شخصيات معروفة من امثال آية الله العظمى الخونساري في قم والمواقف الضمنية المؤيدة من امثال الإمام الخميني من التأثير في مجرى الاحداث.

    على أيّة حال قبل ان يتذوق الشعب الايراني حلاوة نهضة التأميم فوجئ بطعم المرارة الناجمة عن الاختلافات والحوادث المريرة اللاحقة التي ختمت بانقلاب (التاسع عشر من آب). ورغم أنّ فدائيي الإسلام لم يلقوا السلاح الا أنّهم وبعد عامين ـ أي في (16 تشرين الثاني 1955م)، نتيجه لفشل عملية اغتيال حسين علاء، رئيس الوزراء آنذاك الذي كان يهمّ بالسفر إلى بغداد للتوقيع على حلف بغداد (السنتو) ـ تعرضوا للاعتقال وحكم على قادتهم بالاعدام في محكمة عسكرية سرية وذلك في شهر كانون الاول من عام 1955م، ولم تثمر مساعي الإمام الخميني وسائر العلماء للحيلولة دون تنفيذ حكم الاعدام بهم.

    هذه الاحداث المريرة تركت اثرها على روح الإمام الخميني المرهفة، إلا انها مثلت تجربة قيمة للمراحل اللاحقة من حركته الجهادية.

    اما الملك وبلاطه فقد اصبحوا بعد الانقلاب ـ وفي ظروف تختلف عن المرحلة السابقة ـ تحت الهيمنة الأميركية، إذ أخلى الانجليز مواقعهم للأميركان. وبسرعة تم تأسيس دائرة الأمن (السافاك) عام (1957م) وضرب المعارضين بقسوة، وتشديد الحكم القمعي لاعداد الظروف الاجتماعية اللازمة لتنفيذ الاصلاحات الأميركية. وخلال الستينات والسبعينيات راحت الشركات الأميركية تتسابق في التوجه إلى الخليج الفارسي لاحتلال المواقع التي كان يتمتع بها الاستعمار الانجليزي. كذلك فإن اجواء الحرب البادرة والمنافسة الشديدة بين أميركا والاتحاد السوفيتي كانت قد زادت من حساسية منطقة الخليج الفارسي الستراتيجية، وكانت انظار البيت الابيض تتطلع إلى الثروات النفطية الإيرانية والاقليمية، لذا أقدم ساسة البيت الابيض على تفويض شاه ايران لعب دور شرطي المنطقة والحفاظ على مصالح الغرب فيها، وقد تمّ ترجيحه للعب هذا الدور على جميع الانظمة الاخرى في المنطقة من جميع الجهات. وكانت أميركا تسعى إلى تحقيق هدف آخر من التحالف مع الشاه، وتوفير الدعم له. فالمواجهة بين الدول الإسلامية والكيان الاسرائيلي الغاصب كانت امراً لابد منه، لذا فإن الطبيعة الخيانية للعائلة البهلوية وشخصية الشاه محمد رضا، اعتبرت في تصورهم عوامل تساعد في امكانية الاستفادة من النظام الملكي لايجاد شرخ في صفوف العالم الإسلامي. وكان للنفط الملكي لايجاد شرخ في صفوف العالم الإسلامي. وكان للنفط في هذا المخطط دور اساسي ايضاً، إذ أن ازمة الطاقة كانت الأمر الشاغل للغرب في حالة وقوع مواجهة عسكرية بين الدول النفطية الإسلامية واسرائيل، لذا فإن توسيع عمليات التنقيب عن النفط في ايران، وزيادة استثماره وتقوية النظام الملكي كانت تعدّ الضمانة الوحيدة للتقليل من الازمة المتوقعة في مثل هذه الظروف.

    غير ان الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية التقليدية في ايران المعتمدة على الزراعة بشكل أساسي، كانت تعتبر عائقاً أساسياً أمام اجراء الاصلاحات الأميركية في إيران. فإيران كانت تفتقر في تلك الظروف إلى الاستعداد الكافي للتوسع في انتاج النفط وزيادة مدخولاتها النقدية من بيعه مستقبلاً ـ وهي الايرادات التي كان ينبغي ان تنفق في شراء التجهيزات العسكرية والسلع والبضائع الأميركية الأخرى ـ لذا فقد انهالت اللوائح والمشاريع والاقتراحات على مجلسي (الشيوخ والشورى) لتغيير الظروف وتهيئة الأرضية في إيران. واستناداً لما ورد في الاعترافات الصريحة التي أدلى بها مسؤولو النظام السابق وكذلك ما اظهرته الوثائق والمستندات التي تمت مصادرتها من وكر التجسس الأميركي (السفارة الأميركية السابقة) في إيران، فإنّ إعداد مضامين أغلب تلك اللوائح كان يتم إما في أميركا أو في سفارتها في إيران.

    فكان مشروع الاصلاح الزراعي خطوة اختبارية اريد بها اعداد الارضية للمصادقة على اصول ثورة الملك البيضاء. اجل تمَّ اختيار المشروع كأول خطوة مدروسة، إذ رافقت طرح مشروع الاصلاح الزراعي حملة دعائية مكثّفة وشعارات طنانة كالوقوف بوجه الباشوات والاقطاعيين، وتقسيم الاراضي بين الفلاحين والمحرومين، وزيادة الانتاج.. إلى ما شابه ذلك. ومن هنا كانت المعارضة للاهداف الخفية لمشروع الاصلاح الزراعي، تعدُّ بمثابة دعم الاقطاعيين وملاكي الاراضي الكبار وكانت تقمع بشدة.

    تزامنت التحركات الاميركية والشاهنشاهية الجديدة عام (1961م) مع وقوع حادثتين مؤلمتين. ففي الثلاثين من آذار 1961م، التحق آية الله العظمى السيد البروجردي بالرفيق الاعلى، الذي اعادت خدماته الجليلة وشخصيته العلمية، للمرجعية موقعها المتميز باعتبارها اهم ملاذ ديني للجماهير في ميدان الحياة الاجتماعية في ايران. فوجود سماحته بحدّ ذاته كان يمثل عائقاً اساسياً إمام تحقيق النظام الملكي لمخططاته. ومن هنا اعتبرت وفاته خسارة لا تعوض. وبعد عام تقريباً ودع الحياة ايضاً العالم المجاهد آية الله الكاشاني، الذي كان اسمه ذات يوم يبعث الرعب في كيان الشاه.

    إمام الإمام الخميني ـ وكما هو ديدنه ـ فإنه لم يخط خطوة واحدة في سبيل المرجعية بعد وفاة آية الله البروجردي، رغم التفاف مجتمع الحوزة والجماهير حوله، بل رفض بشدة الاقتراحات والخطوات التي قام بها بعض اصحابه ومريديه في هذا الاتجاه. وكان ذلك في وقت كان الإمام الخميني قد اتمّ تعليقته على كتاب العروة الوثقى منذ خمسة اعوام قبل وفاة آية الله البروجردي، وفي تلك السنوات بالتحديد كان سماحته قد كتب حاشية على كتاب وسيلة النجاة لتكون رسالته العملية.

    ان النظرة الزاهدة التي كان الإمام الخميني يتحلى بها تجاه الدنيا، وإعراضه عن المقامات والمناصب الاعتبارية الدنيوية، يمكن استشرافها من بحوثه الأخلاقية والعرفانية المعمقة التي وسمت آثاره المكتوبة، كشرح الاربعين حديث وسرّ الصلاة وآداب الصلاة التي كان قد كتبها قبل سنوات من ذلك التاريخ.

    بعد ارتحال آية الله البروجردي وتجزؤ المرجعية الكبرى، أظهر النظام الملكي نشاطاً اكبر واندفاعاً في تحقيق الاصلاحات التي كانت أميركا ترغب فيها، كما انه سعى في الوقت ذاته إلى إخراج المرجعية من ايران. غير ان النظام كان مخطئاً في حساباته.

    ففي (8 تشرين الاول 1962م) صادقت وزارة اسد الله علم على تعديل لائحة مجالس الاقاليم والمدن، وتغيير بعض مضامينها كاشتراط إسلامية المرشحين، والقسم بالقرآن الكريم، واشتراط الذكورة في المرشحين والناخبين. لقد كانت المصادقة على اشتراك النساء في الانتخابات تخفي وراءها اهدافاً اخرى. كما أن حذف وتغيير شرطي الذكورة والإسلام كان يراد منه ـ على وجه الدقة ـ ادخال العناصر البهائية في المراكز الحساسة من هيكل النظام الحاكم.

    وكما اشرنا سابقاً، ان دعم الملك للكيان الصهيوني وتوسيع العلاقات الايرانية الاسرائيلية كانت شروطاً أميركية في مقابل توفير الدعم للملك، ولتحقيق هذه الشروط كان لابد من زيادة نفوذ اتباع المسلك الاستعماري البهائي في السلطات الايرانية الثلاث.

    وبمحض انتشار خبر المصادقة على اللائحة المذكورة، بادر الإمام الخميني ومجموعة من العلماء الاعلام في قم وطهران ـ وبعد التشاور ـ إلى اعلان معارضتهم العامة والشاملة لها.

    كان للإمام الخميني دور فاعل في توضيح الاهداف الحقيقية للنظام الملكي والتنبيه إلى خطورة الرسالة الملقاة على عاتق العلماء والحوزات العلمية في تلك الظروف.

    أثارت البرقيات والرسائل المفتوحة المتعرضة التي بعث بها العلماء إلى الملك وإلى رئيس الوزراء ـ اسد الله علم ـ موجة عارمة من الدعم والتأييد لدى طبقات الشعب المختلفة. كما أنّ برقيات الإمام الخميني التي بعث بها إلى الملك ورئيس الوزراء تميزت باللهجة الحادة والحازمة المحذرة. يقول سماحته في إحدى تلك البرقيات: "إنّني انصحكم مجدداً بأن تطيعوا الله تعالى وتنصاعوا للدستور، وان تحذروا العواقب الوخيمة لمخالفتكم للقرآن واحكام العلماء الاعلام وزعماء المسلمين وانتهاك الدستور، فلا تعرّضوا البلاد عمداً وبلا مبرر للخطر، وإلا فإن علماء الإسلام سيقولون رأيهم فيكم".

    بادر النظام الملكي بادئ الأمر إلى التهديد وتكثيف الاعلام المعادي ضد المؤسسة العلمائية. وصرح اسد الله علم في مقابلة اذاعية اجريت معه بالقول "إنّ الحكومة لن تتراجع عن تنفيذ مشروعها الإصلاحي الذي بدأته".

    ولكن مع ذلك فإن الحركة الشعبية تزايدت باطراد، فعطلت الاسواق في طهران وقم وبعض المدن الاخرى، وتجمع الناس في المساجد للتعبير عن دعمهم وتأييدهم لحركة العلماء.

    لم يمض اكثر من شهر ونصف على بداية الحادثة، حتى تراجعت الحكومة عن تنفيذ مشروعها، وابرق الملك ورئيس وزرائه برسالتيهما الجوابية إلى العلماء هادفين التودد إليهم وكسب رضاهم، غير أن النظام الملكي امتنع عن مخاطبة الإمام الخميني لما عرفه عنه من قوة الشخصية وثباتها.

    رأى بعض العلماء في الحوزة العلمية بأن موقف الدولة هذا مقنع، وطالبوا بوقف الانتفاضة؛ غير أنّ الإمام الخميني عارض ذلك بشدة، فسماحته كان يعتقد بأنّ على الحكومة أن تبادر لالغاء لائحة مجالس الاقاليم والمدن بشكل رسمي وعلني. ففي رسالته الجوابية على سؤال بعض الكسبة والتجار من اهالي قم حول لائحة مجالس الاقاليم والمدن كان سماحته قد كشف النقاب عن الاهداف التي رامها النظام من وراء هذه اللائحة واشار إلى ان المقصود ادخال عناصر البهائيين والجواسيس الاسرائيليين في تركيبة النظام الايراني، إذ جاء في جانب من رسالته: "إنّ الشعب المسلم لن يسكت ما لم تتدارك هذه الاخطار، ولو رضي احد بالسكوت فسيكون مسؤولاً أمام الله القادر، وسيحكم عليه بالزوال في هذا العالم" كما حذر سماحته في ذات الرسالة نواب مجلسي الشيوخ والشورى من مغبّة التصويت لصالح هذه اللائحة قائلاً: "إنّ الشعب المسلم وعلماء الإسلام أحياء واعوان، وانهم سيقطعون أيّ يدٍ خائنةٍ تمتد للمساس باصول الإسلام واعراض المسلمين".

    واخيراً اذعن النظام الملكي للهزيمة، ففي 28 تشرين الثاني 1962م، ألغت الحكومة اللائحة السابقة، وأبرقت للعلماء والمراجع في طهران وقم تعلمهم بالأمر. غير أنّ الإمام الخميني أصرّ مجدداً على مواقفه السابقة وأعلن في اجتماع ضم العلماء الاعلام في قم بأن إلغاء اللائحة بشكل سرّي أمر غير كافٍ وأكد بأنّ الحركة ستتواصل ما لم يعلن أمر الإلغاء في أجهزة الاعلام.

    وفي اليوم التالي، أعلن خبر إلغاء لائحة مجلس الاقاليم والمدن في صحف النظام، واحتفلت الجماهير بأول نصر كبير تحقق لها بعد نهضة تأميم صناعة النفط.

    وفي حديث له ـ حيث يعيش الشعب افراحه هذه ـ قال الإمام الخميني: "الهزيمة الظاهرية ليست مهمة، المهم هو الهزيمة الروحية. وإن المرتبط بالله لا يهزم، بل الهزيمة لاولئك الذين تمثل الدنيا غاية آمالهم… فالله لا يهزم. ولا تهنوا ولا تحزنوا… خلال الشهرين الماضيين اضطرتني الاحداث إلى الاكتفاء بساعتين من النوم يومياً… ومرة أخرى إذ رأينا أنّ شيطاناً من الخارج استهدف بلادنا، فنحن كما نحن والدولة كما هي… النصيحة من الواجبات… فعلى العلماء ان ينصحوا الجميع، بدءً من الملك وحتى آخر فرد في البلاد…".

    وهكذا كانت حادثة لائحة مجالس الاقاليم والمدن تجربة ناجحة وهامة للشعب الايراني، خاصة وقد تعرف من خلالها على شخصية تؤهلها سجاياها لقيادة الامة الإسلامية.

    ورغم هزيمة الملك في حادثة مجالس الاقاليم والمدن، إلاّ ان أميركا واصل الضغط عليه لتنفيذ الاصلاحات التي كانت تخطط لها. وفي مطلع عام 1963م أعلن الملك عن مبادئه الاصلاحية الستة وطالب اجراء استفتاء عام بشأنها. فاعلنت الاحزاب القومية عن موافقتها من خلال رفعها لشعار "نعم للاصلاحات، لا للاستبداد" كما أنّ الشيوعيين أيضاً ـ وانطلاقاً من رؤيتهم بأن الاصلاحات الملكية ستسرع من مسير ديالتيكية النظام الاقطاعي نحو النظام الصناعي والرأسمالي ـ أعلنوا عن موقفهم المنسجم مع الموقف الذي اعلنته اذاعة موسكو، واعتبروا اسس الثورة البيضاء اسساً تقدمية وهم انفسهم الذين نعتوا نهضة الخامس من حزيران بأنها حركة رجعية استهدفت الدفاع عن الاقطاعيين.

    ومرة اخرى دعا الإمام الخميني المراجع والعلماء الاعلام في قم لدراسة الموقف والنهوض ثانية. لكنّ اولئك الذين كانوا يرون المرجعية الدينية منحصرة في مباشرة الامور الدينية للناس لا تحمّل المسؤولية في مواجهة المصائب والنوازل التي تحلّ بالامة الإسلامية، لم يرق لهم امر النهوض. ورغم أنّ اهداف النظام الملكي غير المعلنة من وراء ذلك الاستفتاء وتلك الاصلاحات كانت واضحة لشخص الإمام، وان المواجهة أمر لابدّ منه، إلا أنّ اجتماع العلماء قرر بالاجماع فتح باب الحوار مع الشاه واستكشاف نوياه.

    كانت الرسائل المتبادلة بين الطرفين (الشاه والعلماء) ترسل بواسطة مبعوثي الطرفين للتفاوض، وفي عدة مراحل مكوكية. وفي لقاء لآية الله كمال وند، هدد الملك بأنّ الاصلاحات سيتم تنفيذها باي ثمن ولو كان بسفك الدماء وتخريب المساجد!

    في الاجتماع اللاحق للعلماء الاعلام بقم، طالب الإمام بتحريم المشاركة في الاستفتاء العام الذي طرحه الملك، لكنّ الجناح المحافظ الذي كان حاضراً في الاجتماع، عدّ المواجهة في تلك الظروف بمثابة "نطح الصخرة" واعتبرها امراً عديم الجدوى. واخيراً ونتيجة لاصرار الإمام الخميني وثباته على موقفه، تقرر ان يقوم المراجع والعلماء بمعارضة الاستفتاء علناً وتحريم المشاركة فيه. وفي الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1962م اصدر الإمام بياناً شديد اللهجة، ادى انتشاره إلى تعطيل البازار المركزي بطهران، وخروج الجماهير في تظاهرات معارضة ردّ عليها رجال الشرطة. ومع اقتراب موعد الاستفتاء المفروض، اتخذت المعارضة الشعبية ابعاداً جديدة. مما اضطر الشاه ـ ولاجل التخفيف من حدّة المعارضة ـ إلى السفر إلى قم.

    كان الإمام الخميني يعارض بشدة فكرة خروج العلماء لاستقبال الشاه، بل وحرّم الخروج من المنازل والمدارس يوم وصوله إلى قم. وكان تأثير هذا التحريم كبيراً إلى درجة جعلت المتولي لحرم السيدة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم (ع)، الذي يعتبر اهم منصب حكومي في المدينة، يمتنع عن الخروج لاستقبال الشاه، الامر الذي ادى إلى عزله عن منصبه.

    ولدى وصوله عبّر الشاه عن سخطه على علماء الدين والجماهير بأشد العبارات سقوطاً وفظاظة، عبر خطابه الذي ألقاه في جمع من الموظفين الحكوميين وعملاء النظام الذين اصطحبهم معه من طهران.

    وبعد يومين من زيارة الملك لمدينة قم، اجري الاستفتاء في وضع مؤسف، إذ لم يشارك فيه غير عناصر النظام وأزلامه. وقد سعى النظام من خلال وسائل اعلامه التي كانت تكرر اذاعة برقيات التهنئة التي بعث بها المسؤولون الأميركان والدول الاوروبية، إلى اخفاء فضيحته الناجمة عن اعراض الجماهير عن المشاركة في الاستفتاء.

    واصل الإمام الخميني فضح النظام واغراضه ونواياه من خلال الخطابات والبيانات، فكان ضمن ما اصدره بيان حازم ومستدل عرف فيما بعد بـ "بيان التسعة"، استعرض فيه مخالفات الملك وحكومته للدستور، وتوقع فيه ان تؤدي الاصلاحات الملكية إلى تدهور الزراعة وضياع استقلال البلاد، ورواج الفساد والفحشاء كنتائج قطعية مسلّمة.

    واستجابة لاقتراح الإمام الخميني، تم تحريم الاحتفال بعيد النوروز لعام 1342 (21 آذار 1963م) اعتراضاً على ممارسات النظام. وقد أطلق الإمام الخميني في بيانه الذي اصدره بهذا الخصوص عبارة "الثورة السوداء" على ما سُميّ بـ "الثورة البيضاء"، كما أنّه فضح انصياع الملك للمخططات الأميركية الإسرائيلية، وكان سماحته قد اعلن في هذا البيان: "وإني لا أرى حلاًّ أن يصار إلى اقالة هذه الحكومة المستبدة بجريرة مخالفة أحكام الإسلام وانتهاك الدستور، وتشكيل حكومة ترتكز إلى أحكام الإسلام وتعي معاناة الشعب الايراني. اللهم لقد أدّيت واجبي ـ اللهم قد بلّغت ـ وإذا مُدَّ في عمري فإني سأواصل أداء تكليفي باذن الله".

    ان ادراك اهمية هذا الكلام لا يتسنى إلاّ لاولئك المطلعين على السجون الرهيبة والاضطهاد الذي كان سائداً في تلك الايام، إذ كان اقل انتقاد يقود إلى السجن والتعذيب والنفي.

    من جانب آخر فإن الشاه الذي كان قد طمأن واشنطن باعداد المجتمع الإيراني لتقبل الإصلاحات الأميركية واطلق على اصلاحاته اسم "الثورة البيضاء"، رأى ان معارضة العلماء له ستكلفه ثمناً باهظاً، لذا شرعت اجهزة الاعلام بشن حملة واسعة ضد العلماء والإمام الخميني وقرر الملك سحق النهضة.

    وفي الثاني من فروردين 1342ش (22 آذار 1963م) ـ الذي صادف ذكرى استشهاد الإمام جعفر الصادق (ع) ـ هاجم ازلام النظام المسلحين، متنكرين بملابس مدنية، تجمع طلاب العلوم الدينية في المدرسة الفيضية، ثم قامت قوات الشرطة بالهجوم على المدرسة الفيضية مستخدمين اسلحتهم النارية فقتلوا وجرحوا الكثيرين من الطلاب. وفي الوقت ذاته تعرضت المدرسة الطالبية في تبريز لهجوم مماثل. وفي غضون تلك الاحداث كان منزل الإمام الخميني يستقبل كل يوم مجاميع كثيرة من الثوريين والجماهير الغاضبة التي كانت تأتي للتعبير عن تضامنها وتعزيتها ودعمها للعلماء وللاطلاع على آثار جريمة النظام في قم.

    وكان الإمام الخميني يحمّل الملك شخصياً وبصراحة ـ اثناء خطاباته في الجماهير ـ المسؤولية الكاملة عن تلك الجرائم وعن التحالف مع إسرائيل، ويحثّ الجماهير على القيام. وفي خطابه الذي ألقاه في الأول من نيسان عام 1963م انتقد بشدة سكوت علماء قم والنجف وسائر البلاد الإسلامية ازاء جرائم الملك الاخيرة، قائلاً: "ان السكوت اليوم يعني التضامن مع النظام المتجبر".

    وفي اليوم التالي أي في الثاني من نيسان عام 1963م اصدر الإمام بيانه المعروف تحت عنوان "محبة الملك تعني النهب". وقد وضع الإمام في بيانه هذا ـ الذي يعدّ من اشد بياناته السياسية لهجة ـ الملك في قفص الاتهام وأكّد في خاتمة بيانه ان التقية في مثل هذه الظروف حرام، وان اظهار الحقائق واجب (ولو بلغ ما بلغ). وخاطب الإمام الخميني في بيانه هذا الشاه وازلامه قائلاً: "لقد أعددت اليوم قلبي لتلقي طعنات حراب ازلامك، ولكني غير مستعد لقبول الظلم ولن ارضى بالخضوع إمام تجبر النظام".

    كان الإمام الخميني قد اختار طريقه بوعي. ولديه الآن حصيلة غنية من التجارب السياسية والمواقف الجهادية الحلوة والمرّة. ويرى أنّ بانتظاره وقائع خطيرة وان إمامه طريقاً محفوفاً بالمخاطر. غير انه لا يتحرك بوحي من الماضي أو المستقبل. انه يفكر دوماً بأداء الواجب الشرعي رافعاً شعار "العمل بالتكليف ولو بلغ ما بلغ".

    ان معنى "الهزيمة والنصر" في منطق الإمام الخميني غير ذلك الذي اعتاد عليه السياسيون المحترفون. فهو خلافاً لكثير من المناضلين المشهورين والقادة والاعلام من سياسي العالم، الذين يدخلون أولاً الميدان السياسي بأيّ وسيلة ودافع، ثم يحرصون على مظهرهم السياسي ودورهم وتتشكل شخصيتهم وسط ذلك الميدان المضطرب ـ دخل الميدان السياسي ومارس دوره القيادي للثورة الإسلامية في عام 1963م بعد أن قطع شوطاً كبيراً في مسيرة التهذيب وكسب الفضائل المعنوية والمعارف الحقيقية بسطوحها العالية، ومارس الجهاد الاكبر لسنوات طويلة. فالإمام كان يعتقد بأنّ بناء النفس والجهاد الذاتي مقدم على الجهاد الخارجي، حتى إنّه كان يقول دوماً بأنّ العلوم المختلفة ـ بما في ذلك علم التوحيد ـ إذا لم تقترن بتهذيب النفس فإنّها لن تكون سوى حجاب ولن تقود إلى الحقيقة.

    ان العبارات الحادة التي ضمنها الإمام بيانه الصادر في 2 نيسان 1963م واشباهها التي وسمت الكثير من تراثه السياسي، لم تكن مناورة سياسية لاخراج مناوئيه من الساحة، بل انها كانت عرضاً لحقائق تنبع من اعماق وجود شخصية ترى أنّ العالم محضر الله. فالإمام لم يكن يكنّ لاحد من خصومه من امثال محمد رضا أو صدام أو كارتر أو ريغان وغيرهم ممن وقفوا بوجهه خلال جهاده، حقداً أو عداءً شخصياً. كان سماحته حريصاً على إنقاذ المجتمع البشري من سلطة اتباع الشيطان وإعادة البشرية إلى هويتها الفطرية الالهية ـ الرحمانية وكان ينظر إلى الصراع من هذا المنظار، وقد حرص على الاعتقاد والعمل بهذه المبادئ قبل ان يدعو غيره إليها.

    وللوقوف على سرّ موفقية الإمام الخميني ينبغي البحث في مجاهدته الطويلة لنفسه وسعيه لبلوغ المعرفة الشهودية الحقيقية. فلا يمكن درك دوافع الإمام الخميني واهدافه من نضاله السياسي دون التأمل في مراحل تكامل شخصيته الروحية والمعنوية والعلمية.

    لقد رأى العالم الكثير من العناصر التي ميّزت جهاده وثورته، إلاّ أنّ ما يميز نضال الإمام الخميني وما يميز ثورته عن سائر الثورات، ويجعلها متصلة بثورات الأنبياء، هو أنّ الشخصية التي فجرت الثورة الإسلامية في القرن العشرين، وحسب ما يروي رفقاء دربه، لم تترك طوال فترة ما قبل النهضة حتى انطلاقاتها ومن ذلك الوقت حتى رحيله عن الدنيا، نافلة صلاة الليل والتهجد ليله واحدة، ناهيك عن الفرائض والواجبات. إنّه ذلك الرجل الذي جلس يردّ على اسئلة العشرات من الصحفيين والمصورين الذين اجتمعوا من انحاء العالم في آخر لقاء صحفي له في محل اقامته في (نوفل لوشاتو) وما ان مرت بضع دقائق وحان موعد الصلاة، حتى قام ليؤدي صلاته غير مكترث لذلك الجمع.

    وللوقوف على سرّ التأثير المميّز لبيانات الإمام وكلامه في الاستحواذ على مخاطبيه إلى الحدّ الذي يدفعه إلى التضحية بارواحهم، ينبغي البحث في أصالة فكره، والحزم في الرأي والصدق الخالص معهم.

    ان من اهم المزايا التي وسمت نهضة الإمام الخميني: للوقوف بوجه التدخلات الأميركية في الشؤون الداخلية والخيانات التي يرتكبها الملك.

    وفي الثالث من نيسان 1963م، أبرق آية الله العظمى الحكيم من النجف إلى العديد من العلماء والمراجع في إيران يطالبهم بالهجرة الجماعية إلى النجف الاشرف. كان هذا الاقتراح يهدف إلى الحفاظ على حياة العلماء وكيان الحوزات العلمية، وقد عبّر النظام الملكي ـ وعبر العديد من الممارسات ـ عن غضبه واستنكاره لدعم علماء النجف وكربلاء وآية الله الحكيم لنهضة العلماء في إيران. ومن اجل خلق جوٍ من الرعب والحؤول بين العلماء والاجابة على برقية آية الله الحكيم، بادر نظام الشاه إلى ارسال افواج من قوات الامن الداخلي إلى مدينة قم، كما ارسل في الوقت ذاته وفداً رسمياً أخذ على عاتقه نقل رسالة التهديد الملكية إلى مراجع التقليد.

    امتنع الإمام الخميني عن استقبال هذا الوفد. وقد اشار سماحته إلى هذه القضية في خطابه الذي القاه في 2/ 5/ 1963 مشيراً إلى الملك بكلمة "التافه" إذ قال": "إن هذا التافه، رأس هذه الحكومة الخبيثة، أرسل رئيس الشرطة إلى منازل المراجع ـ طبعاً انا لم استقبلهم، وليتني فعلت، ليتني يومها سمحت لهم بدخول المنزل ثم هشمت اسنانهم! ـ ليبلغوهم: ان الشاه قد أمرنا إذا ما نطق احدكم بشيء بأن نقوم بارسال من يهدم بيوتكم ويقتلكم ويهتك اعراضكم".

    ابرق الإمام الخميني برسالة جوابية إلى سماحة آية الله العظمى الحكيم، غير عابئ بتلك التهديدات، أكد فيها ان الهجرة الجماعية من قبل العلماء وإخلاء مواقعهم في الحوزة العلمية بقم يتعارض مع المصلحة الإسلامية. كتب الإمام في جانب من هذه البرقية يقول: "سوف نؤدي تكليفنا الالهي ان شاء الله وسوف نوفّق لإحدى الحسنيين: إما قطع ايدي الخونة عن الإسلام والقرآن الكريم، أو مجاورة رحمة الحق جل وعلا، وأنّي [لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً]".

    وفي بيانه الذي أصدره بتاريخ 2 نيسان 1963 بمناسبة اربعينية شهداء فاجعة الفيضية، أكدّ الإمام الخميني وقوف العلماء والشعب الايراني إلى جانب قادة الدول الإسلامية والعربية ضد اسرائيل الغاصبة. وادان الاتفاقيات المبرمة بين الملك محمد رضا واسرائيل. وبذا أوضح، منذ إنطلاق نهضته، بأنّ النهضة الإسلامية في ايران ليست بمعزلٍ عن مصالح الامة الإسلامية، وان نهضته انما تهدف الاصلاح في كل العالم الإسلامي غير محدودة بحدود إيران الجغرافية.

    كتب الإمام الخميني في رسالة وجهها إلى العلماء يقول: "إنّ الخطر الاسرئيلي على الإسلام وايران وشيك للغاية. فالمعاهدة مع اسرائيل في مقابل الدول الإسلامية ابرمت أو على وشك ذلك. وبالسكوت والاعتزال سنضيّع كل شيء. إنّ للإسلام علينا حقاً، ان لنبي الإسلام علينا حقاً. ينبغي لعلماء الإسلام واتباع الدين المقدس ان يؤدوا ما عليهم من دينٍ لدينهم في هذا الزمان الذي تتعرض فيه كل الجهود المضنية التي بذلها ذلك العظيم (ص) للزوال. لقد صممت على عدم التراجع حتى ألزم هذا النظام الفاسد حدّه…".

    انتفاضة الخامس من حزيران

    وفي حزيران عام 1963م اطلّ محرم الحرام. فبادر الإمام الخميني لاستثمار هذه الفرصة في تحريك الجماهير ودفعها لمواجهة النظام الملكي المستبد. وفي (عاشوراء انطلق مئات الآلاف من المتظاهرين في طهران وهم يحملون صور الإمام، وتجمعوا أمام "قصر المرمر" (محل إقامة الملك) ورددوا ـ لاول مرة في العاصمة ـ شعار "الموت للدكتاتور"، ثم تلتها مظاهرات أخرى في الايام اللاحقة، تجمع فيها المتظاهرون في الجامعة والسوق المركزي (البازار) وفي مقابل السفارة البريطانية معلنين عن دعمهم لنهضة الإمام.

    وفي عصر يوم عاشوراء لعام 1383هـ. (3 حزيران 1963م) القى الإمام في المدرسة الفيضية خطابه التاريخي، والذي كان البداية لقيام الخامس من حزيران. وقد خصص سماحته القسم الاعظم من خطابه لاستعراض المصائب التي الحقتها العائلة البهلوية بالبلاد، وفضح العلاقات السريّة بين الملك واسرائيل. وفي هذا الخطاب اطلق الإمام صرخته مخاطباً بالقول: "ايها السيد! اني انصحك! يا جناب الملك! يا حضرة الملك! اني انصحك، بأن تكف عن ممارساتك هذه! انهم يستغفلونك. ولست ارغب ان يبادر الجميع للتعبير عن شكرهم لله في اليوم الذي تنحى عن السلطة.. فإذا كانوا يلقنونك ما تقول، فاني ادعوك ان تفكر قليلاً، واستمع لنصيحتي.. فما هي العلاقة بين الملك واسرائيل حتى تطالبنا مدير الامن بعدم التعرض لاسرائيل… فهل الملك اسرائيلي؟"

    وقع خطاب الإمام كالمطرقة على روح الملك الذي كان ما اصيب به من جنون القدرة والتكبر الفرعوني على لسان الخاصة والعامة. لذا اصدر اوامره بكم صوت الثورة هذا، فبادرت قوات امنه اولاً لاعتقال جمع من انصار الإمام في ليلة الرابع من حزيران، وفي فجر يوم الخامس من حزيران داهم المئات من رجال الكوماندو الذين تمّ ارسالهم من طهران، منزل الإمام الخميني لاعتقاله، في وقت كان الإمام يؤدي نافلة الليل، ونقل على الفور إلى طهران ليودع في معتقل (نادي الضباط) ثم نقل في غروب ذلك اليوم إلى (سجن قصر).

    انتشر خبر اعتقال الإمام بسرعة في مدينة قم وضواحيها، فانطلق الرجال والنساء نحو منزل قائدهم وهم يرددون شعار "الموت أو الخميني" الذي ملأ ارجاء المدينة. وقد بلغ الغضب الشعبي حدّاً دفع رجال الشرطة في البداية إلى الفرار، إلا أنهم عادوا لمواجهة الجماهير بعد ان تسلحوا بمختلف التجهيزات العسكرية، وبعد أن تم ارسال قوات دعم من المعسكرات المحيطة بالمدينة.

    وبينما كانت جموع الجماهير تغادر حرم السيدة المعصومة (ع) فتحت قوات النظام التي استقرت خارج الحرم المطهر نيران اسلحتها الاوتوماتيكية، ولم تمض عدة ساعات على المواجهة بين الجماهير وقوات النظام، حتى دار حمام الدم في المدينة، ولم يكتف النظام بذلك، فقد ارسلت عدة طائرات مقاتلة للتحليق في سماء المدينة واختراق حاجز الصوت لادخال الرعب والهلع في قلوب الجماهير.

    تمّ مواجهة الانتفاضة بالسلام والنار للسيطرة على الاوضاع. بعدها بادرة العجلات العسكرية لجمع اجساد الشهداء والجرحى من الشوارع والازقة لنقلهم بسرعة إلى أماكن غير معلومة. وفي غروب ذلك اليوم كانت مدينة قم تعيش حالة النكبة والحزن.

    في صباح يوم الخامس من حزيران كان خبر اعتقال الإمام قد وصل إلى طهران؛ مشهد؛ شيراز وسائر المدن مما فجر اوضاعاً مشابهة في تلك المدن. انطلقت مجاميع الناس من اهالي (ورامين) والمناطق المحيطة بطهران نحو العاصمة. ولما كانت دبابات النظام وآلياته وقواته المسلحة قد احاطت بالعاصمة للحيلولة دون وصول المعارضين إليها، فقد اشتبكت قوات النظام مع تلك المجاميع في تقاطع (ورامين) مما ادى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى من الاهالي.

    كذلك اقيم تجمع جماهيري حاشد في السوق المركزي بطهران وفي مركز المدينة، راح يردد شعار "الموت أو الخميني" وهو في طريقه إلى قصر الملك. كما انطلقت سيول الجماهير من جنوب مدينة طهران متوجهة نحو مركز العاصمة يتقدمهم طيب الحاج رضائي والحاج اسماعيل رضائي ـ وهما اثنان من فتوات منطقة جنوب طهران ـ وقد اعتقل هذين الاخوين فيما بعد، وفي 2 تشرين الثاني 1963م تم اعدامهما ونفي انصارهما إلى مدينة بندر عباس.

    لقد كشف النديم الدائم للملك (الفريق الركن حسين فردوست) في مذكراته، النقاب عن استخدام افضل الخبرات الامنية والسياسية الأميركية آنذاك للقضاء على الانتفاضة، وكذلك عن الهلع الذي اصاب الملك والبلاط وقادة الجيش والسافاك في تلك الساعات، وكيف اتخذ الملك وخبراته قرار سحق الانتفاضة. يقول فردوست: "قلت لأويسي (قائد فرقة الحرس الخاص): بأنّ السبيل الوحيد هو ان تقوم بتسليح جميع الطباخين والخدام وعمال التنظيف والحراس وغيرهم الموجودين في فرقتك…".

    كتب اسد الله علم رئيس الوزراء في مذكراته يصف ما خاطب به الملك ذلك اليوم قائلاً: "لو كنا تراجعنا لكانت الفوضى عمت ايران بأسرها ولتعرض نظامها للسقوط المهين. وآنذاك كنت قد ذكرت لكم ـ الملك ـ بأننا يجب ان نصّر على مواجهة هذا الموقف حتى وإن تطلّب الامر تنحيتي عن موقع المسؤولية والاعلان عن استنكاركم لما فعلت، ثم الحكم عليّ بالاعدام والقاء تبعة ذلك على عاتقي من اجل انقاذكم".

    على أيّ حال، اعلنت الاحكام العرفية من الخامس من حزيران في كلّ من طهران وقم، وعلى الرغم من ذلك فإن تظاهرات واسعة انطلقت في الايام اللاحقة وكانت تنتهي كل مرة بالمواجهة الدامية.

    كان الخامس من حزيران 1963م يوم انطلاقة الثورة الإسلامية للشعب الايراني.

    بعد تسعة عشر يوماً من الاعتقال في سجن قصر، تمّ نقل الإمام الخميني إلى معتقله الجديد في معسكر (عِشْرَت آباد).

    بعد يومين من انتفاضة الخامس من حزيران، وصف الملك ذلك القيام الشعبي بأنه فوضى وعمل وحشي نجم عن اتحاد الرجعية السوداء والحمراء، وسعى لربط ما حدث بالخارج ونسبته إلى اشخاص امثال جمال عبد الناصر. ولم يخف على احد حينها تهافت الادعاءات التي اطلقها الملك. وعلى العكس تماماً من ادعاءات الملك تلك، فإن حزب تودة وسائر الشيوعيين الايرانيين اصرّوا في كتاباتهم ومواقفهم المعلنة على اعادة وتكرار وجهة نظر موسكو حول أحداث الخامس من حزيران والتي كانت تصرح بها من خلال الاذاعة والصحف الصادرة في الاتحاد السوفيتي والمتمثلة في اعتبار تلك الانتفاضة حركة رجعية عمياء للوقوف بوجه الاصلاحات التقدمية التي كان الملك يرغب في تنفيذها.

    كذلك فإن احداً لم يصدق الادعاء الكاذب للملك، والذي اراد من خلاله توجيه الاتهام إلى جمال عبد الناصر رغم كل محاولات السافاك ودسائسه في هذا السبيل. فالاستقلال التام لانتفاضة الخامس من حزيران، كان بدرجة من الوضوح لم تتمكن معه امثال هذه الترهات الواهية من الطعن فيه.

    وباعتقال قائد النهضة وممارسة القتل الوحشي بحق الجماهير في الخامس من حزيران عام 1963م، تكون النهضة قد اجهضت في الظاهر.

    وفي محبسه امتنع الإمام الخميني عن الردّ على اسئلة المحققين، معلناً بوضوح وشجاعة بأنّ الهيئة الحاكمة في ايران والسلطة القضائية تفتقد باجمعها إلى الشرعية القانونية والصلاحية الرسمية، وفي زنزانته الانفرادية في معسكر عشرت آباد لم يفرط الإمام الخميني بالفرصة التي سنحت له فراح يكثر من مطالعة كتب التاريخ المعاصر؛ منها: تاريخ الحركة الدستورية في ايران. وبعض مؤلفات (جواهر لعل نهرو).

    بعد اعتقال سماحته انطلقت الاصوات المعارضة الواسعة من قبل علماء الدين ومختلف طبقات الشعب ومن شتى انحاء البلاد مطالبة باطلاق سراح قائدها. فقام جمع من العلماء الاعلام بالسفر إلى طهران للاعلان عن معارضتهم لاعتقال الإمام. وكان الخوف من اقدام النظام على تصفية الإمام يثير القلق بين الجماهير ويدفعها لاظهار ردّ فعل قوي. وقد تعرض بعض العلماء الذين تجمعوا في طهران لهجوم ازلام السافاك، وتمّ اعتقالهم وايداعهم السجن لمدة من الزمن.

    وعندما رأى الشاه بأنّ انتفاضة الخامس من حزيران وجهت ضربة للاستقرار والضمانات التي اعطاها لأميركا، حاول ان يقلل من أهمية تلك الانتفاضة ويظهر بأنّ الاوضاع عادية وخاضعة لسيطرته. من جانب آخر كان الغضب الجماهيري نتيجة استمرار اعتقال الإمام في تنام مطرد. لذا اضطر النظام في الثاني من آب 1963م إلى نقل الإمام من معتقله ليوضع تحت الاقامة الجبرية في منزل تحاصره قوات الامن في منطقة (الداوديّة) بطهران. وبمجرد اطلاع اهالي طهران على انتقال القائد، اخذوا يتوافدون على منطقة الداودية. ولم تمرّ عدّة ساعات على تجمع الاهالي حتى اضطر النظام إلى تفريق الجموع ومحاصرة المنزل بشكل علني بواسطة رجال الشرطة.

    في مساء الثاني من آب نشرت صحف النظام خبراً مختلقاً مفتعلاً يشير إلى التوصل إلى اتفاق بين مراجع التقليد والمسؤولين في الحكومة، ولم يكن بمقدور الإمام الخميني الاطلاع على الخبر أو تكذيبه، غير ان العلماء الاعلام كذبوا من خلال بياناتٍ اصدروها آنئذٍ وقوع مثل هذا الاتفاق أو التفاهم. وقد تميز البيان الذي اصدره آية الله المرعشي النجفي (ره) بحدّة اللهجة والتأكيد على فضح اساليب النظام، فكان من البيانات البالغة التأثير.

    بعد هذه الاحداث تم نقل الإمام مخفوراً إلى منزل في محلة (قيطريّة) بطهران وبقي تحت الاقامة الجبرية هناك إلى يوم اطلاق سراحه 7 نيسان 1964م.

    وفي الثلث الاول من عام 1964 تصور النظام بأنّ القسوة والحزم اللذين واجه بهما الجماهير في حادثة الخامس من حزيران، قد أديا إلى تنبيه الجماهير ودفعا المجاهدين إلى اختيار جانب السكوت، لذا حاول الايحاء بأن وقائع العام الماضي قد تمّ نسيانها.

    وفي مساء السابع من نيسان 1964م تمّ ـ ومن دون اعلان مسبق ـ اطلاق سراح الإمام الخميني ونقله إلى قم. وبمحض اطلاع الجماهير على الامر عمت مظاهر الفرح مدينة قم بأسرها، وأقيمت الاحتفالات البهيجة في المدرسة الفيضية وسائر الاماكن، ودامت عدة أيام.

    ولم تمر سوى ثلاثة أيام على اطلاق سراح الإمام الخميني حتى بادر سماحته إلى ابطال كل التصورات والدعايات التي روّج لها النظام، وذلك من خلال خطابه الثوري الذي القاه بعد اطلاق سراحه مباشرة؛ إذ جاء فيه: "لا معنى للاحتفال اليوم. مادام الشعب على قيد الحياة، فانه لن ينسى مصيبة الخامس من حزيران".

    وتناول قائد الثورة في خطابه ابعاد انتفاضة 15 خرداد بالتفصيل. وفي رده على ما نشرته الصحف الاجيرة من اكاذيب قال سماحته: "كتبوا في افتتاحية احدى الصحف أن تفاهماً قد حصل مع علماء الدين، وان علماء الدين يؤيدون ثورة الملك والشعب البيضاء. أيّ ثورة هذه؟ وأيّ شعب؟… ان الخميني لن يساومهم حتى وان اعدموه… ولا يمكن تنفيذ الاصلاحات تحت اسنّة الحراب".

    ولما كان السافاك قد اقدم على مؤامرة بث الفرقة وايجاد شرخ في صفوف المجاهدين في الحوزة العلمية ـ وذلك من خلال ايجاد الخلافات بين العلماء والمراجع ـ فقد تعرض الإمام الخميني في خطابه الذي القاه في المسجد الاعظم بقم بتاريخ 15 نيسان 1964م إلى هذه المسألة هادفاً إحباط تلك المؤامرة قائلاً: "اذا وجه أحدهم إهانةً لي، أو لطمني على وجهي، أو صفع اولادي، اقسم بالله تعالى بأني لا ارضى أن يهبّ احد لمواجهته والدفاع عني، لست ارضى، انني أعلم بأن بعضهم يهدفون ـ اما عمداً أو جهلاً ـ إلى بث الفرقة في هذا المجتمع… انني ومن موقعي هذا أقبّل ايادي جميع المراجع، من كان منهم هنا أو في النجف أو في سائر البلاد، في مشهد وطهران، واينما كانوا. اني أقبّل ايادي جميع علماء الإسلام. ان هدفنا اسمى من هذه الأمور، اني أمدّ يد الاخوة إلى جميع الشعوب الإسلامية، وإلى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها".

    وفي هذا الخطاب كشف الإمام ايضاً النقاب عن العلاقات السريّة بين الملك واسرائيل وأطلق صرخته: "أيتها الجماهير! أيّها العالم! اعلموا بأنّ شعبنا يخالف أيّ اتفاق مع اسرائيل، إنّ من يقوم بذلك هو ليس شعبنا، ليس علماءنا، فإن ديننا يمنعنا من ابرام أيّ اتفاق مع اعداء الإسلام".

    وفي هذا الخطاب ايضاً عبّر سماحته عن الملك بكلمة "التافه" فقال موجهاً الخطاب إليه بالقول: "لا يلتبس عليكم الأمر فحتى لو داهنكم الخميني، فإنّ الامة الإسلامية لن تداهنكم. لا تتوهموا فاننا مازلنا في الخندق نفسه الذي كنا فيه، نعارض كل اللوائح المخالفة للإسلام، ونقف في وجه تجبركم… ان شعبنا المجيد مستاء غاية الاستياء من اسرائيل وعملائها ومن الحكومات التي تصالح إسرائيل".

    وفي الذكرى السنوية الاولى لانتفاضة الخامس من حزيران، اصدر الإمام وسائر المراجع بياناً مشتركاً، كما صدرت بيانات مستقلة عن الحوزات العلمية تم فيها تجليل ذكرى الانتفاضة واعلن يوم ذكراها يوم حداد عام.

    وفي شهر تموز عام 1964م تمّت محاكمة المجاهد الكبير آية الله الطالقاني والمهندس مهدي بازركان ـ احد قادة حركة تحرير إيران ـ والذين أعلنوا عن دعمهم لانتفاضة الخامس من حزيران، في محكمة عسكرية وحكم عليهما بالسجن لمدة طويلة. فاصدر الإمام الخميني بياناً حذّر فيه الجماهير قائلاً: "ان على المواطنين ان يتوقعوا أياماً صعبة"، كما اقترح سماحته ان يعقد علماء الدين جلستان اسبوعية منتظمة لمتابعة اهداف النهضة وتوجيه الحركة الشعبية.

    مواجهة "لائحة الحصانة القضائية"

    وفي جانب آخر، كان الملك ـ وتحت الضغط الأميركي ـ مصمماً على تنفيذ الاصلاحات التي اعدت في البيت الابيض، متصوراً ان المذابح والمعتقلات والمحاكمات، قد ادت إلى ازاحة ثقل قوات المقاومة من طريقه. ولما كان ينتظر من الاصلاحات ان تقود إلى تحقيق الهيمنة الأميركية على البلاد وتمكينها من جلب خبرائها للتواجد بصورة مباشرة في سائر المجالات الاقتصادية والعسكرية وفي مختلف المواقع الحساسة في النظام الشاهنشاهي، لذا فمن الخطوات الاولى التي كان ينبغي تنفيذها هي ازالة الموانع الحقوقية والقانونية أمام وجود القوات الأميركية في ايران وضمان امنها واطلاق العنان لها. من هنا احتل موضوع احياء نظام الحصانة (الحصانة السياسية والدبلوماسية والقضائية للمواطنين الأميركان في ايران) مكانة في جدول الاعمال. فكان اقرار لائحة الحصانة من قبل مجلسي الشيوخ والشورى رصاصة الخلاص التي اطلقت على استقلال ايران المحاصرة المضطهدة.

    ان القسوة التي مورست في سحق المناضلين وسجنهم ونفيهم، والحكم البوليسي للملك، كانت قد حبست الانفاس في الصدور وحالت دون ان يرتفع صوت معارض.

    في هذا الجو المضطرب عقد الإمام الخميني العزم على اداء رسالته التاريخية والانتفاضة مرة اخرى، فاختار يوم السادس والعشرين من تشرين الاول ـ يوم مولد الملك الذي كانت تقام فيه الاحتفالات الاستعراضية وتنفق الاموال الطائلة ـ كيوم لفضح النظام. وقام بابلاغ ذلك عن طريق الرسائل والمبعوثين إلى علماء المدن الاخرى.

    وفي محاولة لاخافة الإمام الخميني وثنيه عن عزمه على القاء خطاب في ذلك اليوم، قام الملك بارسال مبعوثه الخاص إلى قم. غير ان الإمام رفض استقباله، مما اضطر المبعوث إلى ابلاغ رسالة الملك إلى السيد مصطفى نجل الإمام البكر.

    وفي اليوم الموعود، ودون الاكتراث بالتهديدات، القى الإمام الخميني واحداً من اشهر خطاباته في حشد كبير من علماء الدين واهالي مدينة قم وسائر المدن. كان ذلك الخطاب التاريخي ـ في الحقيقة ـ ادانة للحكومة الأميركية على تدخلاتها غير القانونية في شؤون البلد الإسلامي ايران، وفضحهاً لخيانات الملك. ابتدأ الإمام ـ وبصلابة لا توصف ـ خطابه بهذه الكلمات: "لقد سحقت عزتنا، لقد صودرت عظمة ايران ومجدها… لقد سحقت عظمة الجيش الايراني. لقد طرحوا على المجلس قانوناً جديداً يلحقنا بمعاهدة فينا، ويمنح المستشارين العسكريين الأميركيين وعوائلهم، وموظفيهم الفنيين والاداريين وخدمهم، حصانة تحول دون محاكمتهم إذا ارتكبوا أيّة جناية في إيران… أيها السيد! اني احذرك. ايها الجيش الايراني أني أحذركم… ايها السياسيون الايرانيون، أني احذركم… اقسم بالله: مأثوم من لا يصرخ… والله من لا يرفع صوته يرتكب كبيرةً… يا قادة الإسلام، هبوا لنجدة الإسلام. يا علماء النجف انقذوا الإسلام… يا علماء قم لبوا صرخة الإسلام".

    وفي هذا الخطاب بالذات قال الإمام الخميني مقولته المشهورة: "… أميركا اسوأ من انجلترا… انجلترا اسوأ من أميركا.. بعضهم أخبث من بعض، غير اننا اليوم مضطرون للوقوف بوجه هؤلاء الخبثاء، بوجه أميركا.. فليعلم الرئيس الأميركي بانه اشدّ الناس بغضاً لدى ابناء شعبنا… كل مصائبنا بسبب أميركا، كل مصائبنا بسبب اسرائيل، واسرائيل ربيبة أميركا".

    وفي ذات اليوم (26 تشرين الاول 1964م) اصدر الإمام الخميني بياناً ثورياً كتب فيه: "ليعلم العالم بأن كل المصائب والمشكلات التي يتعرض لها الشعب الايراني والشعوب الإسلامية، انما هي من الاجانب ومن أميركا. ان الشعوب الإسلامية مستاءة من الاجانب عموماً ومن اميركا خصوصاً… أميركا التي تدعم اسرائيل وانصارها، أميركا التي تسلّح اسرائيل لتشرّد العرب المسلمين".

    وبذا فقد اثمرت جهود الإمام الخميني لفضح مؤامرة الحصانة في دفع إيران إلى حافة الثورة من جديد في تشرين الاول عام 1964م، غير ان الملك بادر وبسرعة لمواجهة الموقف مستفيداً من تجربته في انتفاضة الخامس من حزيران. هذا من جانب، ومن جانب آخر كان العديد من العناصر الدينية والسياسية البارزة والمدافعة عن نهضة الإمام يقبعون في تلك الايام في السجن أو المنفى. كذلك فإن عدداً من مراجع التقليد والعلماء الاعلام ممن ساهموا في أحداث الخامس من حزيران كانوا قد انسحبوا من الميدان تدريجياً والتزموا الصمت يدفعهم إلى ذلك الحفاظ على مصالحهم. وقد استمر الامر بهذا النحو حتى عام 1979 عام انتصار الثورة.

    من جانب آخر بناءً على الوثائق التاريخية التي تمّ نشرها بعد انتصار الثورة الإسلامية، فإن بعضاً من امثال السيد شريعتمداري، كانوا قد سعوا وقتئذ إلى دفع بعض انصارهم ومؤيديهم لانتحاء الصمت وعدم مناصرة دعوة الإمام الخميني مستفيدين من نفوذهم ومواقعهم لتحقيق ذلك.

    ان الخطر الاساسي الذي كان يهدد النظام الملكي هو وجود الإمام الخميني، الذي لم تجد معه أيّ حيلة لاجباره على السكوت. فهو الآن قائد محبوب ومعروف لجميع المجاهدين من الشعب الايراني، وهو مرجع تقليد لكثير من المسلمين. ولما كانت التجربة السابقة قد اثبتت بأن اعتقاله داخل البلاد سيضاعف من مشاكل النظام، ولما كان الاقدام على تصفيه جسدياً سيؤدي إلى تفجير اوضاع لا يمكن التنبؤ بعواقبها، لذا اتخذ النظام قراراً بنفيه إلى خارج البلاد.

    نفي الإمام إلى تركيا

    في فجر الرابع من تشرين الثاني عام 1964م، داهم رجال الكوماندو الموفدون من طهران منزل الإمام الخميني في قم لاعتقاله. واللافت ان سماحته كان لدى اعتقاله منهمكا في المناجاة وصلاة الليل تماماً كما كان حاله لدى اعتقاله في العام الماضي. وبعد ذلك تم نقل الإمام مباشرة إلى مطار (مهر آباد) الدولي. حيث كانت طائرة عسكرية بانتظاره، فأقلته مخفوراً من قبل رجال الأمن والشرطة إلى أنقرة ـ في تركيا ـ. وفي عصر اليوم نفسه نشر السافاك في الصحف المحلية خبر نفي الإمام بتهمة التآمر على النظام!

    ورغم الجو الخانق الذي كان سائداً آنذاك، انطلقت موجات من الاحتجاجات والاعتراضات تجلت في مظاهرات عمت السوق المركزي بطهران، وفي تعطيل الحوزة العلمية دروسها لمدة طويلة، وارسال الطوامير والرسائل إلى المؤسسات الدولية وإلى مراجع التقليد.

    وكان آية الله الحاج مصطفى الخميني قد اعتقل ايضاً في نفس يوم اعتقال الإمام واودع السجن. وفي الثالث من كانون الثاني عام 1965م تم نفيه إلى تركيا ليلتحق بوالده.

    كانت ظروف منفى الإمام في تركيا عصيبة للغاية. فقد منع الإمام هناك حتى من ارتداء الزي العلمائي، غير ان أياً من تلك الضغوط الجسدية والروحية لم تفتّ في عضد الإمام وتجبره على الاستسلام.

    كان اول محلٍ لاقامة الإمام في تركيا هو فندق (بولوار بالاس) في أنقرة (الغرفة رقم 514 من الطابق الرابع.) ولأجل اخفاء محل اقامة الإمام، تمّ في اليوم التالي نقله إلى شارع اتاتورك. ثم نقله إلى مدينة (بورسا) الواقعة على بعد 46 كم غرب أنقرة في تشرين الثاني عام 1964م لأجل عزله وقطع أيّ نوع من الارتباط معه.

    وفي تلك المدّة سلب الإمام امكانية أيّ تحرك سياسي ووضع تحت مراقبة مباشرة ومشددة من قبل رجال أمن ايرانيين تم ارسالهم لهذا الغرض بالتعاون والتنسيق مع قوات الأمن التركية.

    دامت إقامة الإمام في تركيا احد عشر شهراً، قام نظام الشاه خلالها ـ بسرعة منقطعة النظير ـ بتصفية بقايا المقاومة في إيران، وبادر في غياب الإمام إلى تنفيذ الاصلاحات التي رغبت أميركا في تنفيذها.

    اضطر النظام ـ واستجابة لبعض الضغوط التي مارستها الجماهير وبعض العلماء ـ إلى السماح بسفر بعض الممثلين عن الجماهير والعلماء للاطمئنان على صحة الإمام وسلامته.

    وخلال مدة إقامته في تركيا اشار الإمام ومن خلال الرسائل التي بعث بها إلى اقاربه ومؤيديه وعلماء الحوزة، اشار ـ تلميحاً وعن طريق الرمز والدعاء ـ إلى ثباته على مواقفه الجهادية، كما طلب ارسال بعض كتب الادعية والكتب الفقهية إليه.

    كانت فترة الاقامة الاجبارية في تركيا فرصة ثمينة للإمام اغتنمها في تدوين كتابه القيم (تحرير الوسيلة). وهو الكتاب الحاوي لفتاوى الإمام الفقهية، ذكر فيها ـ ولاول مرة ـ مسائل تتعلق باحكام الجهاد والدفاع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسائل العملية الهامة الاخرى، الامور التي كانت حتى ذلك الوقت منسيةً لا يتطرق لذكرها أحد.

    جدير بالذكر ان آراء الإمام الاجتهادية في الفقه والاصول كانت قد نشرت ـ ومنذ سنوات قبل رحيل آية الله البروجردي ـ في العديد من آثار الإمام ومؤلفاته التي سيأتي ذكرها في خاتمة هذا الكتاب.

    ومن تركيا إلى العراق

    في الخامس من تشرين الاول عام 1965م، تم نقل الإمام الخميني بمعيّة نجله آية الله الحاج مصطفى الخميني من تركيا إلى منفاه الجديد في العراق. ولا يسعنا في هذه العجالة التعرض بتفصيل إلى علل واسباب تغيير منفى الإمام الخميني. ولكن نشير باقتضاب إلى انها تمثلت في الضغوط التي مارسها المتدينون والحوزات العلمية داخل البلاد، والمساعي والتظاهرات التي قام بها المسلمون خارج البلاد من اجل اطلاق سراح الإمام، كذلك حرص النظام الملكي على اظهار الاوضاع بالمظهر العادي والتدليل على قدرة وثبات نظامه للحصول علىمزيد من الدعم الأميركي. اضافة إلى المشاكل الامنية المتفاقمة في تركيا وتزايد الضغوط الداخلية من قبل الإسلاميين على الحكومة التركية. والاهم من كل ذلك تصور نظام الشاه بان الهدوء وعدم وجود الرغبة في التدخل في الامور السياسية الذي كان يسود الحوزة العلمية في النجف الاشرف؛ ووضع النظام الحاكم في بغداد، كل ذلك سيمثل حواجز كبيرة تحدّ من فعاليات الإمام الخميني.

    بعد وصوله إلى بغداد توجه الإمام الخميني لزيارة مراقد الأئمة الاطهار في الكاظميين وسامراء وكربلاء، ثم سافر بعد اسبوع واحد إلى محل اقامته الجديد في مدينة النجف الاشرف.

    ان الاستقبال الحاشد الذي حظي به الإمام من قبل طلبة العلوم الدينية وابناء المدن المذكورة، كان يدل بحد ذاته وخلافاً لتصورات الحكومة الايرانية، بأن نداء نهضة الخامس عشر من خرداد وجد له انصاراً في العراق والنجف الاشرف أيضاً.

    وقد اثبت الإمام الخميني ـ منذ بداية وجوده في العراق وعبر لقائه المقتضب مع ممثل الرئيس العراقي آنذاك (عبد السلام عارف) ورفضه الاقتراح القاضي بعقد مؤتمر صحفي وتلفزيوني ـ بأنه ليس ذلك الشخص الذي يرضى بان يجعل من اصالة ثورته الالهية ثمناً للمصالحة بين نظامي بغداد وطهران.

    وقد بقي هذا المنحى من الاستقامة صفة ملازمة لنهج الإمام طوال فترة اقامته في العراق، وبذلك اثبت الإمام الخميني بأنه أحد أندر القادة السياسيين في العالم ممن لم يقبلوا ـ وهم في أشدّ حالات التعرض للضغط والمشكلات ـ بالدخول في المهاترات السياسية المتعارفة والمساومة على اهدافه. كان يكفي ـ بعد ظهور المناوشات السياسية بين حكومتي بغداد وطهران ـ ان يعطي الإمام الخميني مواقفته المبدئية حتى تنهال عليه انواع الامكانات لتوضيفها في نضاله ضد الشاه، غير ان الإمام لم يمتنع عن الاقدام على ذلك وحسب، وإنما كان يقف في تلك المواطن على جبهتين لممارسة دوره الجهادي، وفي احيان عديدة بلغ الموقف حدّ المواجهة والقيام ضد النظام الحاكم في بغداد ايضاً.

    ومما لا شك فيه لولا حنكة الإمام الخميني وحيطته لكادت الثورة الإسلامية أن تسير منذ ذلك الوقت في الطريق الذي طوته غالبية الحركات والجبهات والاحزاب السياسية الايرانية لأكثر من مرة، والذي لم ينته بها إلا إلى التبعية والخذلان.

    إنّ الفترة الطويلة ـ والتي ناهزت الثلاثة عشر عاماً ـ التي امضاها الإمام الخميني في منفاه في النجف الاشرف بدأت في ظروفٍ ـ وإن كانت تبدو خالية من الضغوط والقيود المباشرة التي تعرض لها في إيران وتركيا ـ إلا أنّ المعارضة والمحاولات التحبيطية والكلام الجارح الذي كان يصدر من بعض العلماء القشريين واهل الدنيا المتخفين بلباس اهل الدين، كان بدرجة من الاتساع والايذاء جعلت الإمام يتحدث ـ رغم ما عرف عنه من صبر وحلم ـ عن ظروف الجهاد العصيبة في تلك السنوات بمرارة بالغة كلما مرّ ذكرها. لكنّ أيّاً من تلك المصائب والمصاعب لم تستطع ثني الإمام عن مواصلة الطريق التي اختارها بوعي وادراك.

    كان الإمام قد ادرك مسبقاً بأن الحديث عن الجهاد والدعوة للنهوض في ذلك الجو فعل غير مجدٍ. وكان يتوجب عليه البدء من النقطة نفسها التي ابتدأ منها في سنوات ما قبل انتفاضة الخامس من حزيران، والحوزة العلمية بقم، بمعنى البدء بالاصلاح والتغيير التدريجي للظروف، وتربية وتعليم جيل بامكانه ان يتحمل مسؤوليته رسالته.

    ومن هذا المنطلق شرع الإمام بتدريس بحوث خارج الفقه في مسجد الشيخ الانصاري في تشرين الثاني عام 1965م رغم الجهود المغرضة التي بذلت من اجل ثنيه عن ذلك. واستمر في اعطاء دروسه هذه حتى فترة ما قبل سفره إلى باريس.

    وقد قادت المباني المتقنة للإمام في الفقه والاصول، وتسلطه على مختلف فنون واقسام المعارف الإسلاميّة، بعد فترة وجيزة إلى جعل درسه وحوزته من ابرز الحوزات الدراسية في النجف الاشرف كماً وكيفاً رغم ما بذله الرجعيون من جهود مثبطة محبطة. وكان يحضر درسه الطلبة الايرانيون، والباكستانيون والعراقيون والافغان والهنود والخليجيون وغيرهم لينهلوا من نبع علومه الدفّاق. وقد شجع ذلك انصار الإمام ومحبيه ممن كانوا في ايران في الهجرة الجماعية إلى النجف الاشرف. غير ان توصيات الإمام الخميني بضرورة البقاء وحفظ الحوزات العلمية في إيران منعتهم من تنفيذ رغبتهم، وان كان العديد من عاشقي الإمام الخميني قد انطلقوا نحو النجف الاشرف، وقد ساعد ذلك بالتدريج في ايجاد بؤرة لتجمع الثوريين المعتقدين بنهج الإمام، الذين حملوا على عواتقهم ـ فيما بعد ـ مسؤولية ايصال بيانات الإمام النضالية في سنوات الكبت والاضطهاد.

    ومنذ وصوله إلى النجف الاشرف لم يقطع الإمام الخميني ارتباطه بالمجاهدين في داخل ايران، فقد اتخذ من المبعوثين والرسائل وسيلة لحفظ ارتباطه ذاك. وقد حرص على تضمين رسائله، التوصيات القيّمة حول ضرورة الثبات على مواصلة النهضة لتحقيق اهداف انتفاضة الخامس من حزيران. والعجيب ان كثيراً من الرسائل التي كان يبعثها الإمام الخميني كانت تتضمن الاشارة إلى قرب وقوع انفجار عظميم على صعيد السياسي والاجتماعي في ايران، ومطالبة المجتمع العلمائي الايراني باعداد العدّة لتحمل مسؤولياته في هداية المجتمع في المستقبل، في وقت كانت ظواهر الامور تشير إلى انعدام الامل بتغيّر الظروف السياسية والاجتماعية، وفي ظروف كان النظام الملكي يبدو فيها اكثر اقتداراً نتيجة قضائه على جميع جيوب المعارضة الشعبية.

    وبنفي الإمام الخميني وممارسة القمع والاضطهاد الشديدين بحق المعارضة، ابتدأ اسوأ فصول حكومة الملك البوليسية. فقد تحول (السافاك) إلى وسيلة لممارسة القدرة الملكية المطلقة، حيث بلغ الأمر حدّاً جعل توظيف اصغر موظف في ابعد نقطة من البلاد مرتبطاً بموافقة جهاز السافاك. ولم يبق في هذا العهد من السلطات الثلاث إلا اسماؤها، فقد كان الملك وبعض افراد البلاد وازلامه من الرجال والنساء هم المسؤولون عن كل نشاطات البلاد. ولقد اكدت اعترافات الملك ـ التي سطرها في آخر كتاب أصدره واللقاءات التي اجريت معه ـ وما كتبه اقرباؤه والمنسوبون إليه من موظفي وازلام البلاط ومن امراء الجيش واقطاب النظام الآخرين والتي نشرت بعد سقوط النظام الملكي في ايران، وكذا الوثائق التي تمت مصادرتها من السفارة الاميركية في ايران، اكدت بما لا يدع مجالاً للشك ان الملك والبلاد لم يكونا سوى آلاتٍ مسلوبة الارادة لا غير، وان ما كان يصدر عن البلاط والنظام الملكي، حتى تعيين الوزراء وقادة الجيش وتنظيم اللوائح المهمة، كان يتم بواسطة السفارة الأميركية ـ والانجليزية احياناً ـ. ونكتفي هنا بالاشارة إلى مقطعين مما كتبه الشاه للتدليل على ذلك، كتب محمد رضا يقول: "كان سفيرا انجلترا واميركا يؤكدان لنا في كل لقاء: بأننا سنقف إلى جانبك. وخلال خريف وشتاء عام 1978 ـ 1979م، شجعونا على ايجاد جو سياسي مفتوح… غالباً ما كان السياسيون أو المبعوثون الأميركان الذين كنت استقبلهم، يشجعونني على الثبات والصمود. ولكن عندما سألت السفير الأميركي عن ذلك، اجابني بأنّه لم يتلق حتى الآن أمراً بذلك… وقبل ذلك بعدة اسابيع، وعندما استقبلت مسؤول الاستخبارات الأميركية الجديد في طهران دهشت لتصريحاته، تحدثنا قليلاً عن الجو السياسي المفتوح وإذا بي انظر ابتسامة عريضة ترتسم على محياه… على أيّة حال، إن اولئك الذين كانوا لسنواتٍ طويلة حلفاءنا الاوفياء، كانوا يضمرون لنا عجائب غريبة فاجأونا بها".

    الطريق ان الشاه حاول في هذا الكتاب الايحاء بأن هذه العوامل والاسباب الخارجية المفاجئة، هي التي أدّت إلى سقوط نظامه، حتى انه صرح بأن الجنرال ربيعي ـ قائد القوة الجوية ـ قال للقضاة قبل إعدامه: ان الجنرال هايزر، القى بالملك خارج البلاد كما يلقي بفأرة ميتة!" والحال ان حديثه هذا يعتبر بحدّ ذاته تحريفاً للتاريخ. فطبقاً للوثائق والمستندات التي لا تحصى ـ وأهمها واوضحها اعترافات الجنرال هايزر نفسه في كتابه ـ فإن من المؤكد أن الجنرال هايزر كان قد وفد إلى طهران من أجل الحفاظ على النظام الملكي الذي كان يتهاوى تلك الأيام، وكان بصدد تنظيم انقلاب عسكري للسيطرة على الاوضاع في تلك الفترة الحرجة.

    وعلى فرض قبول ادعائه هذا، فإن الملك وخلافاً للاسم الذي اختاره لكتابه، لم يعط أي جواب للتاريخ، وإلا فهل يمكن مع كل تلك الادعاءات التي كان يدعيها ـ من قبيل مخاطبته لكورش بالقول: "نعم، فنحن يقظون!!" وغير ذلك مما اطلقه طوال 37 عاماً من حكومته ـ أن يتعامل مع استقلال بلاده بهذه الطريقة، بحيث يتمكن جنرال أميركي من الدرجة الثالثة أو الرابعة خلال اقامته في طهران لعدّة أيام من إلقائه كالفأرة الميتة خارج البلاد!؟

    على أيّة حال، فبعد ضرب انتفاضة الخامس من حزيران، ونفي الإمام من البلاد، لم يرد الملك حينها أي عقبة إمامه تحول بينه وبين تحقيق تطلعاته. فقد وصلت الامور في البلاد إلى وضع اصبحت بعض نساء البلاد يمارسن دورهن في عزل وتنصيب الوزراء والنواب والقضاة، حتى اطلق على (اشرف بهلوي) أخت الملك لقب (الكلّ بالكل) في وقت كانت فضائحها الاخلاقية وترأسها لعدّة عصابات تمارس تهريب المخدرات تملأ الصحف والمجلات الأجنبية، وان اختيار احد البهائيين (أمير عباس هويدا) الذي كان يردد مقولته المشهورة دوماً: "روحي فداء لجلالة الملك" وبقاءه على سدة رئاسة الوزراء الشكلية لا يعني سوى انعدام استقلال السلطات الحاكمة، وانعدام أي أثر وعلى ادنى المستويات لدور الجماهير في السلطة.

    كان الملك يسعى بقوة نحو التمدن العظيم الذي كان يتوهمه وراح ينفق من قوت ابناء الشعب على الحضارة المرتكزة إلى ترويج الثقافة الغربية، وشيوع التحلل والتفسخ الأخلاقي، والإغارة على الثروات الوطنية والقومية عبر المئات من الشركات الأميركية والاوروبية في إيران، وتخريب البنية التحتية للزراعة الايرانية المستقلة نسبياً، وترحيل القوى المنتجة الايرانية، إلى القرى والأرياف وتحويلها إلى قوى معطلة ومستهلكة، وتوسيع الصناعات التجميعية الذيلية وغير الضرورية، وتجهيز ونصب محطات الانذار المبكر ومحطات التنصت والجاسوسية والقواعد العسكرية الأميركية في ايران وفي منطقة الخليج الفارسي.

    ففي الفترة من عام 1970 إلى 1977 وحدها انفق مبلغ 26.4 مليار دولار من عائدات النفط على الواردات التسليحية الايرانية من أميركا، وخلال عام 1980 وحده كان الملك قد ابرام اتفاقاً لاستيراد ما قيمته 12 مليار دولار من الاسلحة الأميركية؛ الامر الذي أريد من خلاله ـ وبناءً على سياسة البيت الأبيض ـ الحفاظ على المصالح الأميركية في منطقة الخليج الفارسي الحساسة، وهي مهمة انيطت أيضاً بالمستشارين الأميركان الذين بلغ عددهم آنذاك (60) ألف مستشار.

    كان نظام الشاه وفي أوج ثباته ودون أن يعاني من أيّ مشكلة خارجية، وكان يبيع ستة ملايين برميل من النفط يومياً، في وقت لم تكن نفوس ايران تتجاوز 33 مليون نسمة، وكان سعر البرميل الواحد من النفط قد تجاوز الثلاثين دولاراً للبرميل الواحد، وذلك لاسباب عديدة منها الحرب العربية الاسرائيلية والمساعي الغربية لتخزين كميات أكبر من النفط لاجل مواجهة التوقف المحتمل في تدفق النفط الإسلامي نحو الغرب واحتمال تعاضد الدول الإسلامية المنتجة للنفط بوجه الغرب، في حين كانت العديد من طرق البلاد الرئيسية غير معبدة، والقسم الاعظم من ابناء الشعب محروم من نعمة الكهرباء. بل من أبسط الحاجات الاساسية والوضع الصحي المطلوب.

    في ذلك الوقت وبينما كانت مناطق واسعة من البلاد تعاني من ظروفٍ كالتي ذكرنا، كان عشرات الرؤساء والقادة والوزراء من البلدان الأخرى يجتمعون في العاصمة طهران لمشاهدة الاحتفالات بمناسبة مرور ألفين وخمسمائة عام على بداية الامبراطورية الفارسية ليسعدوا برؤية تلك الاحتفالات الاسطورية. ولما كان المئات من العمال والعاطلين المشرّدين يعيشون في الاقبية وأكواح الصفيح في جنوب وشرق وغرب طهران ووسطها، في حالة يرثى لها من الفقر والتردي الصحي، ولما كان هذا الأمر من السعة والانتشار في طهران إلى درجة كبيرة، فقد أجبر النظام اثناء تلك الاحتفالات على القيام بإحاطة هذه الاحياء ـ خصوصاً الواقعة منها على جانبي الطرق التي تمر منها الوفود الأجنبية ـ باسوار جميلة ومطليّة حتىلا تظهر آثار التمدن العظيم للعيان!!

    وفي تلك الايام كانت العديد من المحلات السكنية في جنوب وغرب طهران تفتقد إلى الماء الصالح للشرب. وقد وضع لكلّ مائة عائلة ماسورة ماء واحدة ليشربوا منها. وبلغ معدل الامية في عام 1976 (52.9%) بين من تتراوح اعمارهم بين السابعة وما فوق. وحينما فرّ الملك من ايران عام 1978م كان قد مضى على ثورته البيضاء والاصلاحات المدعومة من قبل أميركا خمسة عشر عاماً. وخلال تلك المدة ورغم انتاج وبيع النفط وسائر الثروات الوطنية بشكل مسرف، ورغم دعم الدول الاجنبية للنظام، فإن ايران لم تفشل في تحقيق استقلالها وحسب، وإنما كانت التبعية الاقتصادية والزراعية والصناعية تزداد يوماً بعد آخر، وكان التدهور الاقتصادي والفقر وضياع العدالة يزداد باطراد. اما من الناحية السياسية فقد حول الملك ايران إلى اكثر بلدان العالم عمالة للغرب وخصوصاً أميركا.

    ورغم الظروف الصعبة والمعقدة التي كان الإمام الخميني يمرّ بها في منفاه، فإنه لم يكف عن الجهاد والوقوف بوجه النظام الملكي. وكان يبعث الأمل بالنصر المؤزر في النفوس من خلال خطاباته وبياناته. فقد كتب في 16 نيسان 1976 في بيان مخاطباً الحوزات العلمية: "انني اطمئنكم أيها السادة المحترمون وأطمئن الشعب الايراني بأن النظام سوف يهزم. فإن اسلاف هذا النظام كانوا قد تلقوا الصفعة من الإسلام، وهؤلاء ايضاً سينالون نصيبهم. استقيموا ولا تستسلموا للظلم، ان هؤلاء راحلون وانتم الباقون… إنّ هذه السيوف الصدئة سوف تعود إلى اغمادها…".

    وفي ذلك اليوم كتب الإمام الخميني رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء (أمير عباس هويدا) استعرض فيها ممارسات النظام المجرمة وحذّره من الوقوف إلى جانب اسرائيل في مقابل الدول الإسلامية قائلاً: "لا تعقدوا عهد الاخوة مع اسرائيل عدوة الإسلام والمسلمين، التي شردت اكثر من مليون مسلم. لا تسيئوا إلى عواطف المسلمين، لا تطلقوا يد اسرائيل وعملائها الخونة في اسواق المسلمين اكثر من هذا، لا تعرضوا اقتصاد البلاد للخطر من اجل اسائيل وعملائها. لا تضحوا بثقافتنا من أجل اسرائيل وعملائها. لا تضحوا بثقافتنا من اجل اهوائكم… خافوا غضب الجبار، واحذروا سخط الشعب… {إنّ ربَّك لبالمرصاد}".

    غير أنَّ الشاه لم يكترث لتحذيرات الإمام الخميني. ورغم أن البلدان الإسلاميّة كانت على اعتاب حرب مع اسرائيل، كانت البضائع والسلع الإسرائيلية رائجة في السوق الإيرانية وتتمتع بدعم خاصٍ من النظام، فكانت انواع الفواكه والمواد الغذائية تعرض في الأسواق الايرانية بأسعار متدنية نافست المنتجات الداخلية وعرّضتها للبوار.

    وفي 7 حزيران 1967م اصدر الإمام فتواه الثورية بتحريم أي نوع من العلاقة التجارية والسياسية للدول الإسلاميّة مع إسرائيل، وحرّم شراء البضائع الاسرائيلية، وذلك بمناسبة حرب الايام الستة بين العرب واسرائيل، وقد ألحقت الفتوى ضربة قوية بالعلاقات المتنامية بين نظام الشاه واسرائيل.

    كذلك مارس العلماء وطلبة العلوم الدينية في ايران، ضغوطاً ضد حكومة الشاه من خلال اصدار البيانات وتوزيع المنشورات، مما دفع النظام إلى ترجمة انتقامه عملياً، وذلك بالهجوم على منزل الإمام الخميني في قم ومصادرة الكثير من الوثائق والكتب الخاصة به، ثم الهجوم على المدارس الإسلاميّة في المدينة وجمع آثار وصور الإمام الخميني، وخلال هذه الهجمات ألقي القبض على نجل الإمام الخميني هجمة الإسلام السيد أحمد الخميني، وكذا حجة الإسلام الحاج الشيخ حسن الصانعي، والمرحوم آية الله الإسلامي (وكيل الإمام في الاستفتاءات الشرعية). فقد أدت جهودهم مع سائر أنصار الإمام الخميني الثوريين إلى إفشال مخططات وممارسات السافاك والنظام الملكي التي هدفت إلى قطع المرتبات الشهرية الموزعة من قبل الإمام، والحؤول دون ارسال الحقوق الشرعيّة من قبل الجماهير إلى مرجعهم.

    وكان السيد أحمد (نجل الإمام) قد تعرض قبل مدة من ذلك للاعتقال اثناء عودته من النجف، وذلك عند الحدود العراقية الإيرانيّة بعد ان كان قد سافر من قم إلى النجف لاستلام رسائل واوامر الإمام الخميني حول مواصلة النهضة وكيفية ادارة منزله في قم. وقد سيق بعد اعتقاله إلى سجن (قزل قلعة) وذلك اوائل عام 1967م.

    واستناداً إلى الوثائق التاريخية التي تمّ الحصول عليها من دوائر السافاك، فإن جهود منظمة الأمن تركزت في تلك الفترة على قطع الارتباط بين الإمام ومقلديه في ايران والحيلولة دون قيام الإمام بدفع المرتبات الشهرية إلى طلبته في الحوزة العلمية بقم. وقد تظافرت وتواصلت في غضون ذلك جهود وكلاء الإمام الشرعيين في إيران من أمثال ذوي السماحة: الإسلامي التربتي، والحاج الشيخ محمد صادق الطهراني (الكرباسچي) وآية الله البسنديدة (شقيق الإمام الخميني الاكبر) رغم التهديدات التي عرضهم النظام لها، ورغم تكرار اعتقالهم وابعادهم. كذلك ساهمت الجهود التي بذلها المسؤولون عن إدارة منزل الإمام في قم والذين اصبح مقراً لادارة النهضة ـ وكان يُدار من قبل نجل الإمام الخميني ـ في منع النظام من تحقيق اهدافه.

    لقد كان السافاك يبدي حساسية كبرى تجاه النشاطات الهادفة إلى احياء اسم الإمام الخميني وذكره وتنشيط دور منزله في قم، إلى درجة دفعته إلى وضع منزله تحت الرقابة المتواصلة عبر مجموعة من عناصر وبعض عناصر الشرطة التي كانت تراقب المنزل طوال ساعات النهار وقسماً من ساعات الليل، وتحول دون تردد المراجعين والمقلدين على المنزل. غير أنّ المراجعين والمقلدين كانوا يفدون على منزل الإمام في ساعات متأخرة من الليل وذلك بعد ذهاب المأمورين، للحصول على الاجوبة والتوجيهات اللازمة.

    في تلك الايام (حزيران 1967م) كان النظام يفكر في إعادة نفي الإمام الخميني مجدداً من النجف إلى الهند إلا انه لم يكتب لمخططه النجاح نتيجة قيام العديد من مؤيدي الإمام والتيارات السياسية بمواجهته وفضحه داخل البلاد وخارجها.

    وبمجيء حزب البعث (17 تموز 1968م) إلى السلطة في العراق تضاعفت الضغوط والعقبات إمام نهضة الإمام الخميني، وذلك للطبيعة العدائية التي يكنها حزب البعث للحركات الإسلاميّة. غير ان الإمام لم يكف عن مواصلة النهضة، إذ منحته اقامته في النجف، ونهضة العالم الإسلامي بشأن قضية الحرب بين العرب واسرائيل، الفرصة لتوسيع نطاق جهاده المتمثل في احياء الاعتقاد الديني في عصر مظلومية الدين، والعثور على الهوية، واستعادة الامجاد السابقة وتحقيق وحدة الأمة الإسلامية وعدم انحساره في مواجهة الشاه.

    ففي لقائه مع ممثل حركة فتح الفلسطينية في 11 تشرين الاول 1968م، اوضح الإمام الخميني آراءه حول مختلف المسائل التي تهمّ العالم الإسلامي، وجهاد الشعب الفلسطيني، وأكد في ذلك اللقاء وجوب تخصيص جزء من مبالغ الزكاة للمجاهدين الفلسطينيين.

    في اوائل عام 1969م اشتدت الخلافات بين النظام الايراني ونظام حزب البعث الحاكم في العراق حول الحدود المائية المشتركة بين البلدين. وقد بادر النظام العراقي آنذاك إلى ترحيل اعداد كبيرة من الايرانيين المقيمين في العراق في ظروف سيئة جداً، كما سعى جاهداً لاستغلال العداء بين الإمام الخميني والنظام الايراني. من جانب آخر كان شاه إيران يتحين الفرصة للعثور على ادنى مبرر للنيل من استقلال نهضة الإمام الخميني. لكنّ الإمام وبحنكته المعهودة وقف بوجه الدسائس التي كان كلا النظامين يحوكانها. وقد قام آية الله السيد مصطفى الخميني ممثلاً عن والده بتسليم مذكرة احتجاج على ترحيل الطلبة والكسبة الايرانيين المقيمين في العراق، إلى الرئيس العراقي أحمد حسن البكر وسائر المسؤولين ممن حضروا اللقاء، تضمنت رفض أي نوع من المصالحة والتنسيق بين الإمام الخميني والنظام العراقي.

    في 21 آب 1969م قامت مجموعة من الصهاينة المتطرفين باحراق جانب من المسجد الاقصى. وعلى الفور أعلن الشاه الذي واجه ضغوطاً من الرأي العام، اعلن عن استعداده لتقبل نفقات تعمير المسجد، وذلك في محاولة للتخفيف من غضب المسلمين ضد اسرائيل. وفي هذه الاثناء اصدر الإمام الخميني بياناً فضح فيه مكائد الشاه واقترح في المقابل: "مادامت فلسطين محتلة، فعلى المسلمين ان لا يقوموا باعادة بناء المسجد الاقصى وترميمه، فليتركوا هذه الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية ماثلة أمام انظار المسلمين لتكون سبباً لدفعهم نحو تحرير فلسطين".

    ان اربعة اعوام من التدريس وجهود التوعية التي مارسها الإمام الخميني استطاعت ان تغير وضع الحوزة إلى حدّ ما، ففي عام 1969م أصبح لدى الإمام مخاطبين جدد من العراقيين واللبنانيين ومن سائر بلاد المسلمين ممن اتخذوا من نهضة الإمام الخميني أسوة لهم، فضلاً عن الاعداد الكبيرة من المجاهدين داخل البلاد.

    وفي مطلع عام 1970م شرع الإمام بتدريس سلسلة بحوثه حول الحكومة الإسلامية أو (ولاية الفقيه)؛ وقد ادى نشر هذه المجموعة من الابحاث في كتاب تحت عنوان (ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية) ـ في ايران والعراق ولبنان وفي موسم الحج ـ إلى تفجير موجة جديدة من الحماس في صفوف المجاهدين. لقد عرض هذا الكتاب ـ وعلى لسان قائد الثورة ـ ابعاد الجهاد وأهداف النهضة والمباني الفقهيّة والاصولية والعقلية للحكومة الإسلامية والمباحث النظرية التي تتناول اساليب الحكومة الإسلاميّة.

    في نيسان 1970م نشرت الصحف الأميركية خبر وصول هيئة رفيعة المستوى من الرأسماليين الأميركان برئاسة روكفلر إلى ايران. وقد وصل هذا الوفد لتحري الطريقة التي يتمّ من خلالها اعادة عائدات النفط الإيراني إلى أميركا، فتلك العائدات كانت قد بدأت منذ ذلك العام بالتزايد بشكل جنوني، لذا صار لازماً معرفة سبل مشاركة الشركات الأميركية في هذه الغنيمة.

    ورغم ان السافاك كان قد منع ـ منذ عدة اشهر ـ العديد من العلماء من انصار الإمام الخميني من ارتقاء المنبر، إلا ان علماء الدين الملتزمين وبعد اطلاعهم على آراء الإمام حول مسألة الحكومة الإسلاميّة اندفعوا إلى فضح مخططات الشاه ومعارضة تزايد النفوذ الأميركي في ايران. وكان آية الله السعيدي من اشدّ مؤيدي الإمام معارضة لما كان يجري، مما عرضه إلى الاعتقال في شهر نيسان 1970م، ولم يمض على اعتقاله اكثر من عشرة أيام حتى فارق الحياة نتيجة التعذيب الشديد الذي تعرض له في دهاليز سجن قزل قلعة على ايدي السافاك.

    وعلى اثر شهادته اصدر الإمام الخميني بياناً تأبينياً خلد فيه جهاد هذا الرجل مؤكداً من خلاله: "إنّ المرحوم السعيدي ليس وحده الذي سقط في سجنه معارضاً لهذا الوضع المؤسف" وقد جاء في هذا البيان ايضاً: "إنّ الخبراء واصحاب رؤوس الاموال الأميركان هجموا على ايران، باعتبارهم من اكبر المستثمرين الاجانب، وذلك لتكريس أسر الشعب الايراني المظلوم… ان أيّ اتفاق يبرم مع اصحاب رؤوس الأموال الأميركان وسائر المستعمرين يخالف ارادة الشعب واحكام الإسلام".

    الاحزاب والحركات السياسية منذ انتفاضة 5 حزيران حتى انتصار الثورة الإسلامية

    من اهم الحركات السياسية التي كان لها حضور جدي في ميدان الجهاد الشعبي بعد انتفاضة الخامس من حزيران وساهمت بفاعلية في مسيرة الثورة حتى انتصارها، وكانت سبّاقة في متابعة تنفيذ اهداف النهضة، هي الحركة غير الحزبية والمستقلة التي مثلّها علماء الدين المؤمنون بنهج الإمام الخميني، ممن كانوا يقودون الحركة الجهادية بأساليب واشكال مختلفة ـ كان الإمام الخميني يحدّد اطرها في كلّ مرحلة من مراحل الجهاد ـ معتمدين في ذلك على مواقعهم الدينية المتميزة بين الجماهير، والعلاقات المباشرة التي كانت لهم مع مختلف شرائح وطبقات الناس في المدن والقرى. ان المنع من ارتقاء المنبر الخطابي، والنفي إلى المناطق النائية، والاعتقال المتكرر وما يرافق ذلك من التعذيب الوحشي الذي قد يؤدي إلى الشهادة في سجون النظام الملكي، أمور كان علماء الدين الايرانيون الملتزمون قد اعدّوا انفسهم لمواجهتها بعيد انتفاضة الخامس من حزيران دون ان تفت في عضدهم أو تمنعهم من السعي إلى تحقيق اهدافهم.

    من جانب آخر، وبعد انتفاضة الخامس من حزيران 1963، قامت مجموعة من الهيئات الدينية في طهران (تتكون في الاساس من الكسبة وجمع من الشخصيات العلمائية المؤمنة بقيادة ومرجعية الإمام الخميني) بتشكيل جمعية باسم (الهيئات الإسلامية المؤتلفة) وكان جناحها العسكري يمارس نشاطه على طريقة (فدائي الإسلام).

    كان من اهم الاعمال التي قامت بها هذه الجمعية، اغتيال رئيس الوزراء (حسن على منصور) الذي قبل تحمل عار المصادقة على "لائحة الحصانة" اثناء فترة حكومته. وقد اقدم النظام الملكي على اعتقال عدة عناصر مؤثرة من افراد هذه الجمعية عقب عملية الاغتيال، وقام باعدام بعضهم والحكم على الآخرين بالسجن لمدة طويلة. كان لاعضاء ومؤيدي هذه الجمعية دور اساسي ومؤثر طوال فترة الجهاد، إذ اشرفوا على عملية طباعة وتوزيع بيانات الإمام الخميني وتنسيق احتجاجات الكسبة والحرفيين، كما كان لهم السهم وتنسيق احتجاجات الكسبة والحرفيين، كما كان لهم السهم الوافر في تنظيم المظاهرات والاضطرابات في الاشهر الاخيرة من عمر النظام الملكي.

    كذلك اعلن عن تشكيل (حزب الشعوب الإسلاميّة) من بعض العناصر العلمائية والجامعية ومن سائر فئات الشعب بعد انتفاضة الخامس من حزيران بهدف مواجهة النظام عسكرياً، وقد عكف هذا الحزب فور تأسيسه على تسليح وتدريب عناصره، غير أن قياداته انكشفت بعد فترة من تأسيس الحزب نتيجة تحري وملاحقة السافاك، فبادر ـ اثر ذلك ـ بعض قادة واعضاء الحركة إلى الفرار واللجوء إلى الجبال الواقعة شمال مدينة طهران، لكن محاصرة قوات الشرطة لهم وبشكل منظم اوقعتهم في الأسر فسيقوا إلى السجون.

    ومن بين الحركات والاحزاب السياسية التي يمتد تاريخ تأسيسها إلى ما قبل انتفاضة حزيران 1963م، يمكن الاشارة إلى (حزب تودة) و(الجبهة الوطنية) و(حركة تحرير ايران).

    اما (حزب تودة الشيوعي) الذي كان متهماً من قبل الجماهير بالخيانة، فانه من الناحية العملية كان قد صالح النظام منذ مدة طويلة سبقت انتفاضة الخامس من حزيران ونقل تشكيلاته الحزبية إلى خارج البلاد، وكان يعيش حالة دائمة من الاختلافات الداخلية، فضلاً عن ان العديد من قادته سقطوا بعد اعتقالهم، وتفرغوا للتعاون مع النظام وإلى حدّ ما قبول بعض المناسب السياسية والادارية في النظام الملكي. كانت السياسيات التي انتهجها حزب تودة تابعة بشكل مباشر للمواقف السياسية التي تصدر عن موسكو، علماً ان سياسة الكرملين خلال الخمس والعشرين عاماً الاخيرة في العهد الملكي كانت قد تركزت على حفظ العلاقات مع النظام وعدم التفريط بالمنافع الاقتصادية السوفيتيه في ايران. ومن هنا اقتصرت نشاطات حزب تودة خلال تلك الفترة على اصدار البيانات السياسية وامتلاك اذاعة خارج البلاد، التي لم تكن في الغالب سوى اداة بيد موسكو للضغط على النظام لتحقيق اهدافها.

    الجبهة الوطنية ايضاً، ورغم الموقع الذي تسنمته في نهضة تأميم صناعة النفط إلا أنها بعد انقلاب 19 آب تعرضت للانزواء والانشقاقات والاختلافات الداخلية، وقد انحصرت النشاطات الاعلامية المتفرقة لانصار الجبهة عموماً في الاوساط الطلابية والاتحادات التي كانوا يشكلونها خارج البلاد. وقد التزم انصار الجبهة من الإسلاميين والجامعيين ـ رغم مواقف قادتهم ـ جانب التأييد والدعم لنهضة الإمام الخميني.

    اما حركة تحرير ايران، التي كانت تتمتع بدعم المجاهد آية الله الطالقاني، فقد اعربت عن دعمها لانتفاضة الإمام الخميني في الخامس من حزيران، وكانت قاعدة هذه الحركة منحصرة بالعناصر المتدينة في الجامعات وبعض الجامعيين الدارسين خارج البلاد، كما انها كانت تفتقد التشكيلات السياسية القادرة على توظيف الحركة الجهادية.

    اما منظمة (مجاهدو الشعب) فقد كانت قد تشكلت ما بين عامي 1965 ـ 1966م بهدف الكفاح المسلح ضد النظام الملكي. ونتيجة للمعرفة السطحية التي كان يتصف بها قادة هذه المنظمة تجاه الإسلام، وقعت المنظمة في فخ الالتقاطية. ومع انها قدمت تنظيمها على انه تنظيم إسلامي، إلا انها كانت تتعاطى في الخفاء بعض الافكار الماركسية في الاقتصاد، وفي اساليب النضال.

    وعلى الرغم من ان الانحرافات العقائدية لهذه المنظمة لم تكن قد اكتشفت بعد، إلا ان الإمام الخميني امتنع عن دعمها وتأييدها، حتى حينما ذهب ممثل الحركة للقاء الإمام في النجف الاشرف مطالباً اياه بدعم الحركة، امتنع سماحته موضحاً انحرافاتها الفكرية.

    منظمة (فدائيو الشعب) أيضاً كانت تمثل تنظيماً آخر تشكل من ائتلاف مجموعتين ماركسيتين صغيرتين، اعلن عن وجوده عام 1971، واتخذ الكفاح المسلح نهجاً لنضاله. جاء تشكيل هذه المنظمة اساساً بوحي الاحساس بالحقارة الذي أصاب الشيوعيين الايرانيين نتيجة وضع حزب تودة والخيانات التي ارتكبها من جهة، وتفوق وتضحيات العلماء والعناصر الإسلاميّة في انتفاضة الخامس من حزيران من جهة اخرى.

    حرص كلا الننظيمين في السنوات الاولى من تشكيلهما على كسب وتدريب عناصره، ثم بادر بعد ذلك للقيام بعمليات مسلحة محدودة ومتفرقة، استطاع السافاك بعدها من تشخيص قياداتهم مما أدّى تفكك المنظمتين. وفيما عدا اعدام بعض قادتهما، فان معظم الذين تم اعتقالهم من اتباعها اعطوا تعهداً مكتوباً للنظام بالكف عن نشاطاتهم الحزبية والاندماج في النظام. ورغم ان السافاك قصد ـ من خلال المقابلات التلفزيونية التافهة التي اعدها من بعض عناصر التنظيمين ـ تشويه صورة المجاهدين الحقيقيين في اذهان الناس، الا ان تلك المقابلات التلفزيونية والاعترافات المذهلة التي أقرّ بها اولئك كشفت النقاب عن الانحرافات الاخلاقية والعقائدية والتصفيات الدموية التي كانت تعيشها تلك التنظيمات. ومما تجدر الاشارة إليه ان بعض المعتقلين من عناصر هذين التنظيمين اخذ على عاتقه مسؤولية التجسس على المعتقلين السياسين المؤمنين بنهج الإمام الخميني، لصالح السافاك.

    على ايّ حال، ففضلاً عن (الهيئات الإسلامية المؤتلفة) و(حزب الشعوب الإسلامية) كانت هناك مجاميع إسلامية مجاهدة اخرى مارست دورها في الدفاع عن نهضة الإمام الخميني بانتهاج اسلوب الكفاح المسلّح، ويمكن على سبيل المثال ذكر المجاميع السبعة التي انصهرت فيما بعد في تشكيل واحد، وكذلك مجموعة رجل الدين المجاهد الشهيد على اندرزكو.

    في السنوات التي تلت انتفاضة حزيران 1963م، كان لمجموعة تحمل اسم "رابطة الحجتية" نشاط واضح، مع ان تاريخ تشكيل هذه المجموعة يعود إلى سنوات طويلة سابقة. وانّ محور نشاطها كان يدور حول المواجهة الفكرية للحركة البهائية في ايران. وعلى الرغم من التناقض الذي كان يبدو بين اهداف هذه المجموعة وتطلعات النظام باعتباره حامي البهائية، إلا ان الواقع كان يحكي شيئاً آخر؛ ذلك ان (رابطة الحجتية) وقادتها كانوا يشترطون للانتماء إلى الحركة، عدم التدخل في السياسة، الأمر الذي هيأ للنظام ظروفاً مناسبة استطاع من خلالها تعطيل عدد كبير من الطاقات الدينية الفعالة وصرفها عن مواجهة العلة والعامل الاساسي للفساد في ايران (السلطة الملكية العميلة) وإشغالها بمواجهة المعلول وبشكل غير مؤثر ايضاً. وبهذا النحو استطاعت رابطة الحجتية من توسيع تشكيلاتها ودائرة نشاطاتها دون ادنى مضايقة من السافاك، بل انها ـ في بعض المواطن ـ كان يتم ذلك بدعم من السافاك.

    وبعد قيام الإمام الخميني بفضح حقيقة عقائد هذه الرابطة انسحب منها العديد من اعضائها والتحقوا بصفوف مؤيدي نهضة الإمام الخميني، خصوصاً قبيل انصار الثورة الإسلامية.

    كانت رابطة الحجتية تمارس دورها في مواجهة البهائية في المجال الفكري الثقافي، في حين ان البهائية في العقود الاخيرة ـ سواء في ايران أو سائر انحاء العالم ـ كانت تعمل كحزب سياسي مرتبط باسرائيل ومدعوم من قبل الصهاينة المقيمين في أميركا، ومن الطبيعي ينبغي للمتصدين لمواجهتها ان يأخذوا هذه الامور في الحسبان.

    ومنذ عام 1969م وما بعد، اصبحت المحاضرات والخطابات التي كان يلقيها افراد من قبيل: الاستاذ مطهري، والدكتور مفتح، والدكتور باهنر، والمهندس بازركان، والدكتور علي شريعتي، في المراكز الدينية في طهران كمسجد قبا، ومسجد هدايت، ومركز التوحيد، وحسينية الارشاد (على الخصوص)، محط انظار العديد من المثقفين المتدينين والمسلمين الجامعيين. فقد كرس الاستاذ المطهري ـ بوصفه فيلسوفاً وفقيهاً متميزاً حضر لسنوات طويلة درس الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي (ره) ـ جل اهتمامه بعد عودته إلى طهران لتبيين الاسس العقائدية الإسلامية وبلغة معاصرة، وتوعية الجيل الشباب بانحرافات المدارس الالحادية والالتقاطية. وقد عدّ الإمام الخميني جميع آثار الشهيد المطهري وبدون استثناء آثاراً مفيدةً، وجلل ذكراه والخدمات القميمة التي اسداها للإسلام والمسلمين.

    جدير بالذكر ان الرسائل التي كتبها الاستاذ مطهري وما خلّف من أوراقه المتبقية، تشير إلى ان السبب في اعتزال الاستاذ فعاليات ونشاطات حسينية الارشاد، يكمن في اعتقاده ان الثورة الثقافية والاجتماعية يجب ان تستند إلى اصالة الوحي وإلى الفكر الديني المحض، لذا فإن الاستاذ المطهري كان يعتقد بان تأثير الاتجاهات الحديثة والتفسيرات الثورية للمسائل الدينية والمذهبية ـ غير المبنية على الاساس المذكور، والتي لا تتعاطى الاساليب التخصصية في فهم استنباط الاحكام الدينية ـ سيكون مؤقتاً سريع الزوال وسيفتح الطريق أمام الالتقاط والخلط بين المقولات الدينية والافكار الوضعية، الأمر الذي سيمهد السبيل أمام نفوذ ورسوخ النظريات الفلسفية والاجتماعية الغربية.

    اما الإمام الخميني فقد أكدّ في الكثير من خطاباته وبياناته في ذلك الوقت على ضرورة الدفاع عن المواقف المقدامة لعلماء الدين المجاهدين الشيعة طوال التاريخ، والدفاع عن العلماء الاعلام، وردّ على كل الشكوك التي اثيرت حول هذه الموضوع. وقد كرر التحذير ـ في رسائله التي بعث بها إلى الاتحادات الإسلامية للجامعيين الدارسين في الخارج ـ من الاستنتاجات السطحية وغير المتخصصة عن الإسلام منبهاً في الوقت ذاته ـ وضمن تكريمه وتجليله للخدمات التي اسداها المفكرون المثقفون المسلمون ـ الى خطر المتحجرين والقشريين من علماء الدين، مؤكداً ايضاً على تجنب طرح المسائل المثيرة للخلاف والتمحور حول التكتلات الحزبية الأمر الذي يعدّ مخالفاً لمصالح الثورة.

    الإمام الخميني ومواصلة النضال (1971 ـ 1977م)

    في اواخر عام 1971م تصاعدت وتيرة الخلافات بين نظام البعث العراقي ونظام الشاه الأمر الذي اسفر عن ترحيل الآلاف من الايرانيين المقيمين في العراق إلى بلدهم. وبهذا الشأن ابرق الإمام الخميني إلى الحكومة العراقية وندد بشدة بعملية التهجير تلك، واعلن عن عزمه على مغادرة العراق استنكاراً لممارسات الحكومة العراقية. غير ان النظام الحاكم في بغداد منع الإمام من الخروج تخوفاً من النتائج التي قد تترتب على خروجه.

    من جانب آخر وتزامناً مع زيادة انتاج النفط وارتفاع اسعاره في سنة 1971م وما بعد، احس الشاه بقدرة اكبر، فضاعف من وحشيته في قمع واضطهاد المعارضين، وخاض سباقاً جنونياً في شراء التجهيزات العسكرية والسلع والبضائع الاستهلاكية الاميركية، وسرّع من ايجاد القواعد العسكرية الأميركية والعديدة داخل البلاد، وزاد من مستوى العلاقات التجارية والعسكرية مع اسرائيل، وحمّل الشعب الايراني نفقات هائلة لإقامة الاحتفالات الاسطورية في ذكرى مرور الفين وخمسمائة عام على نشوء الملكية في ايران والتي كان يحضرها العديد من قادة ورؤساء دول العالم. وقد جعل الشاه من هذه الاحتفالات استعراضاً للقدرة والثبات اللذين يتمتع بهما النظام الملكي.

    وقد ندد الإمام الخميني ـ وعبر بيانات عديدة ـ بهذه الاحتفالات المفروضة على الشعب، وكشف النقاب عن تخلف البلاد والحقائق المرّة التي حكمت المجتمع الايراني.

    وخلال الحرب العربية الاسرائيلية الرابعة، وبينما كان الملك يمثل الحامي المقتدر لاسرائيل، طالب الإمام الخميني ـ عبر بيان اصدره في تشرين الثاني 1973م ـ الشعب الايراني بالوقوف في وجه اعتداءات الكيان الصهيوني، كما افتى في هذا البيان ايضاً بوجوب دعم الشعوب الإسلامية للمجاهدين الفلسطينيين مادياً ومعنوياً، وذلك عبر التبرع بالدم وارسال الاسلحة والذخائر والمواد الغذائية إلى المجاهدين المسلمين. كما أكدّ سماحته في بيان آخر على ان: "الأمة الإسلامية لن ترى يوماً سعيداً ما لم تجتث جرثومة الفساد هذه (اسرائيل) من جذورها، وان ايران لن تشم نسيم الحرية مادامت مبتلاة بهذه العائلة (البهلوية) الفاسدة".

    وفي اواسط شهر آذار 1974م، تجلت ديكتاتورية الملك في ذروتها، حينما اعلن عن تشكيل حزب البلاد "رستاخيز" (ويعني البعث!) واعتمد سياسة الحزب الواحد. فقد اعلن عبر حديث تلفزيوني بأن على جميع ابناء الشعب الايراني ان ينتسبوا إلى الحزب، وعلى المعارضين ان يحصلوا على جوازات سفر ويغادرون البلاد باسرع وقت.

    وعلى الفور اصدر الإمام الخميني فتواه التي جاء فيها: "نظراً لمخالفة هذا الحزب للإسلام ومصالح الشعب الايراني المسلم، يحرم على جميع ابناء الشعب الانتماء إليه، وان الانتماء اليه يعدّ أعانة للظالم ومشاركة في القضاء على المسلمين، كما ان معارضته تعدّ من ابرز مصاديق النهي عن المنكر".

    كانت فتوى الإمام الخميني وبعض علماء الإسلام فاعلة ومؤثرة. ورغم الاعلام المكثف الذي كرسه النظام للحث على تقوية الحزب، إلا ان النظام اعلن عن هزيمته رسمياً بحلّه الحزب بعد عدّة سنوات.

    كتب الإمام الخميني في جانب آخر من بيانه هذا يقول: "وانا في غربتي هذه، يعصرني الألم والحسرة على الوضع المؤسف الذي يعيشه الشعب الايراني، وكم هو جميل ان اكون في هذه الظروف الحساسة بين أبناء الشعب، اساهم معهم في هذا الجهاد المقدس من اجل انقاذ الإسلام وإيران".

    وفي عام 1975 وفي ذكرى انتفاضة حزيران، شهدت الفيضية مجدداً قيام الطلاب الثوريين وانطلقت صرخات "يعيش الخميني"، "الموت لسلالة البهلوي" لترن في أرجاء المدرسة على مدى يومين. ولما كانت الحركات والمنظمات الفدائية قد تلاشت، وكانت الشخصيات الدينية والسياسية المجاهدة ترزح في سجون النظام، فقد مثلت هذه الحركة الثورية صدمة للملك والسافاك، فانطلقت قوات الشرطة لمحاصرة المدرسة الفيضية ثم انهالت على طلبة العلوم الدينية بالضرب والشتم بصورة وحشية وألقت القبض على جميع المعترضين واقتادتهم إلى السجون.

    وفي بيان اصدره الإمام الخميني بهذه المناسبة، اعرب عن تفاؤله لهذا الحادث قائلاً: "رغم كل المصائب فإنّ صحوة الشعب تبعث على الأمل. ان نهوض الجامعيين في مختلف انحاء إيران ـ طبقاً لاعتراف الملك نفسه ـ والعلماء الاعلام وطلاب المدارس ومختلف فئات الشعب، رغم كل الضغوط والتجبر، مقدمة لنيل الحرية والانعتاق من قيد الاستعمار".

    وفي كلمة بعثها إلى المؤتمر السنوي للاتحادات الإسلامية للجامعيين الدارسين في أميركا وكندا، وفي 24 ايلول 1975م، كتب سماحته: "ان نقطة الأمل المضيئة التي اراها في اواخر عمري، هي هذا الوعي والصحوة التي يتحلى بها الجيل الشباب. ونهضة المثقفين التي تتنامى بشكل سريع والتي ستحقق أهدافها ـ باذن الله تعالى ـ في قطع ايادي الاجانب وبسط العدالة الإسلامية".

    امعاناً في سياساته بمحاربة الدين، غيّر الملك في آذار عام 1975 بكل وقاحة، التاريخ الرسمي المعتمد في البلاد، من التاريخ الهجري إلى التاريخ الملكي لملوك الهخامنشة. وفي ردّ حاسم افتى الإمام الخميني بحرمة استخدام التاريخ الملكي.

    وكما استقبلت الجماهير فتوى الإمام في تحريم الانتماء إلى حزب (رستاخيز)، حظيت فتواه في تحريم استخدام التاريخ الملكي الموهوم باستقبال جماهير كبير، وفضحت الحادثتان النظام الملكي، مما دفعتاه إلى التراجع عنه عام 1987 وإلغاء استخدام التاريخ الملكي.

    من جانب آخر، انهت اتفاقية الجزائر عام 1975م التي وقعت بين الشاه وصدام حسين (نائب رئيس الجمهورية العراقية آنذاك) الخلافات بين البلدين بشكل مؤقت، فقد رأت أميركا ان المنازعات والمناوشات بين بغداد وطهران وقتئذ أمر يعرض الاستقرار في المنطقة وفي الخليج الفارسي إلى الخطر. لذا فقد تمّ عقد تلك الاتفاقية بشكل رسمي بتدخل الرئيس الجزائري والرئيس المصري انور السادات الصديق الحميم لشاه ايران.

    أدت اجواء التآلف بين حكام بغداد وطهران إلى مضاعفة العراقيل أمام مسير جهاد الإمام الخميني، غير ان هذه الموانع لم تتمكن من ثنيه عن مواصلة جهاده الذي ابتدأه.

    وفي تلك الايام بعث السفير الايراني في العراق تقريراً وجهه إلى قادة النظام الملكي يقول فيه: "ان آية الله الخميني، لم يكف عن ممارسة نشطاته في العراق، فهو ناشط جداً في العمل على مواجهة النظام، يرجى اصدار أوامركم في هذا الخصوص لتحديد موقفنا تجاهه".

    وفي معرض جوابه على هذا التقرير كتب الملك ـ بغضب ـ: "لقد قلت مراراً لابد من خنق هذا الصوت" غافلاً عن ان التقدير الالهي اراد مصيراً آخراً لرسالة الإمام الخميني {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره}.

    في عام 1976 وصل الديمقراطيون الى البيت الابيض الأميركي، وضاعت سدىً المساهمات المالية التي قدمها شاه ايران إلى الجمهوريين، وكان كارتر قد انتصر من خلال شعارات حقوق الانسان، والحد من تصدير الاسلحة إلى الخارج. وواضح أنّ هذه الشعارات انما رفعت لاجل الحدّ من المشاعر العدائية تجاه أميركا التي كانت تسود البلدان الاخرى كايران مثلاً، والتعتيم على الازمة الاقتصادية التي كانت تعصف بأميركا، وزيادة الضغط على الاتحاد السوفيتي (السابق) للحصول على امتيازات اكثر في مفاوضات الحدّ من الاسلحة النووية التي كانت جارية آنذاك بين الطرفين.

    بعد اتضاح سياسات الديمقراطيين في أميركا، قام الملك بالاعلان عن سياسة الجو السياسي المفتوح! واقدم على اجراء تغييرات وتبديلات في بيادقه.

    وتشير الوثائق التي نشرت بعد احتلال وكر التجسس الأميركي (السفارة الأميركية في طهران) بان السياسة الأميركية فيما يخصّ إيران ـ التي كانت تضع اطارها العام وزارة الخارجية الأميركية ووكالة المخابرات الأميركية CIA، وكانت تبلغ للسفارة في طهران ـ لم تتغير، فأميركا تدعم الملك ونظامه بالكامل، وان الديمقراطيين ايضاً يرون ـ كما هو الحال في السابق ـ بأن الملك يمثل عنصراً اساسياً لحفظ المصالح الأميركية في منطقة الخليج الفارسي، لذا استثنيت إيران من قانون حظر تصدير الاسلحة.

    وقد اوضح سفر كارتر وزوجته إلى طهران والحديث الذي أدلى به والتصريحات التي اعلن من خلالها عن الدعم المطلق الذي يوفره البيت الابيض للملك، بأنّ الجو السياسي المفتوح انما كان حركة مسرحية عابرة.

    بلوغ الثورة الإسلامية ذروتها عام 1977 ونهضة الجماهير

    تمكن الإمام الخميني ـ الذي كان يتابع التحولات والاحداث الجارية في إيران والعالم بدقة متناهية ـ من اغتنام الفرصة التي اتيحت له محققاً الاستفادة القصوى منها. فقد اعلن في بيان اصدره في آب 1977: "نظراً للاوضاع الداخلية والخارجية، وانتشار انباء الجرائم التي يرتكبها النظام الحاكم في المحافل الدولية والصحافة الاجنبية، فإن الفرصة مواتية الآن للتجمعات العلمية الثقافية والوطنيين والجامعيين الدارسين في الخارج والداخل، والاتحادات الإسلاميّة اينما كانت، للمبادرة بالانتفاضة ـ دون خوف ـ واغتنام هذه الفرصة".

    وجاء في جانب آخر من البيان ذاته: "ان التجاوز على حقوق مئات الملايين من المسلمين، وتحكيم حفنة من الاوباش على مقدراتهم، واتاحة الفرصة للنظام الايراني غير الشرعي، وللكيان الاسرائيلي الخاوي ليغتصبا حقوق المسلمين ويصادرا الحريات، ويتعاملا مع الناس معاملة وحشية، كلها جرائم ستثبت في سجل الرؤساء الأميركيين".

    تحولت شهادة آية الله السيد مصطفى الخميني في شهر تشرين الاول 1977م والمراسم التأبينية المهيبة التي اقيمت له في إيران، إلى نقطة انطلاقِ لتحرك الحوزات العلمية مجدداً، ونهضة المجتمع الايراني المتدين. وقد عبر الإمام الخميني عن تلك الحادثة بـ"الألطاف الإلهية الخفية" ـ الأمر الذي أثار الدهشة والاعجاب. وقد حاول النظام الملكي حينها الانتقام من الإمام بنشر مقالة موهنة في صحيفة اطلاعات. غير ان السحر انقلب على الساحر، اذ فجرت المقالة انتفاضة التاسع من كانون الثاني عام 1978م التي استشهد فيها جمع من الطلاب الثوريين. ومرة اخرى اشعلت قم فتيل النهضة، وما هي إلاّ فترة وجيزة ـ وفي ظروف اختلفت تماماً عن الظروف التي انطلقت فيها انتفاضة حزيران 1963 ـ حتى تضافرت وتكاتفت حركة الجماهير في مختلف انحاء البلاد. حيث ادت إقامة مراسم العزاء المتتالية في اليوم الثالث والسابع والاربعين من سقوط الشهداء، إلى سريان لهيب الثورة إلى مدن البلاد الاخرى كتبريز ويزد وجهرم وشيراز واصفهان وطهران. وطوال هذه الفترة كانت البيانات المتواصلة الصدور من الإمام الخميني، واشرطه تسجيل احاديثه وخطاباته ـ والتي كان يدعو فيها الجماهير إلى الثبات ومواصلة النهضة حتى القضاء على النظام الملكي وتشكيل الحكومة الإسلامية ـ تستنسخ وتكثر على ايدي مؤيديه وانصاره ويتم توزيعها في جميع انحاء البلاد.

    ومع كل الجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام الملكي، لم يتمكن من اخماد لهيب الثورة المستعرة. وكانت احابيله ودسائسه السياسية ومناوراته العسكرية تبوء بالفشل دون أن يكون لها دور في تهدئة الغضب الجماهيري، بفعل بيانات الإمام التي كانت تكشف الخفايا وترشد الجماهير إلى اتخاذ الخطوات اللازمة في مسيرة تحركهم.

    ولمّا لم ينفع تنصيب احد التكنوقراطيين المتغربين (جمشيد آموزكار) رئيساً للوزراء بدلاً عن (هويدا) ـ الذي عمل في خدمة الملك ثلاثة عشر عاماً ـ في ايجاد حل للمعضلة التي تعصب بالنظام، استبدل الملك آموزكار بأحد اعضاء المحافل الماسونية الاستعمارية في ايران، فجاء (جعفر شريف إمامي) رافعاً شعار "حكومة المصالحة الوطنية". إلاّ أن دسائسه ومساعيه في التفاوض مع شريعتمداري ـ الذي لمع نجمه مجدداً باعتباره احد القادة الدينيين، وحرص النظام على تأييده ودعمه ـ لم تتمكن من ايقاف التحرك الجماهيري.

    وفي عهد حكومته (شريف إمامي) ـ الثامن من ايلول ـ ارتكبت المذبحة الجماعية الوحشية بحق الجماهير العزل في ميدان جالة (الشهداء حالياً) بطهران. واعلنت إثر ذلك الاحكام العرفية في كل من طهران واحدى عشرة محافظة من محافظات البلاد الكبرى لأجل غير مسمى.

    غير أنّ الجماهير لم تعبأ بالاحكام العرفية، مستلهمة شجاعتها من بيانات الإمام الخميني، واستمرت التظاهرات ليل نهار، دون انقطاع، بل كانت في اتساع مستمر. إذ كانت نداءات (الله اكبر)، (الموت للشاه)، (يعيش الخميني) تسمع على مدار الساعة ويرافقها احياناً ازيز الرصاص الذي كان ينطلق من كل جهة.

    لقد قاد الإمام الخميني نهضته منذ البدء مستلهماً قوله تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ومرجّخاً الثورة الثقافية والتحول الاجتماعي بواسطة الجماهير، على الثورة السياسية، وكان سماحته يعتقد في تلك الظروف التي كانت تمر بها ايران بعدم جدوى النضال من خلال الاحزاب أو البرلمانات، وكذا بعدم جدوى الكفاح المسلح إذا ما جرّد من مشاركة الجماهير، ودعمهم. وكان يرى التعبئة العسكرية والجهاد العام المسلح آخر السبل المتبقية إذا ما فكرت أميركا بالانقلاب العسكري.

    كانت المساجد والمراكز الدينية بمثابة المعاقل الاساسية للثورة الإسلامية والمنطلق لتحرك الجماهير وتجمعاتها. وكانت الشعارات التي ترددها الجماهير مزيجاً من التعاليم الدينية وارشادات الإمام الخميني. وخلال عامي 1977م 1978م، وعندما بلغت الثورة الإسلامية ذروتها عادت الاحزاب والفئات السياسية للظهور من جديد وباعداد كبيرة جداً، وقاعدة ضئيلة لا تذكر، مما جعلها تعيش في جدبٍ حرمها امكانية التأثير في مجرى الاحداث تماماً فاضطرها إلى مجاراة الحركة الجماهيرية الواسعة.

    ويومها نشطت الحركات والفصائل الجهادية المسلحة، التي تمّ تشكيلها بوحي من الاهداف الإسلامية واعتقادات راسخة بنهج الإمام الخميني، فكانت نشاطاتها تعبّر عن نهج جهادي مستقل، بل تمثل حركة حماية ودعم لثورة الشعب العارمة.

    وكان من الاساليب الموفقة التي اتبعها الإمام الخميني في الجهاد ضد نظام الشاه، دعوته الجماهير إلى الاضطرابات العامة وتوسيع مدارها. فقد شملت الاضرابات في الاشهر الاخيرة من الثورة مختلف اركان النظام من وزارات ودوائر ومراكز عسكرية حتى امتد الأمر إلى عمال وموظفي شركة النفط الوطنية والبنوك ومراكز الدولة الحساسة، الأمر الذي وجّه الضربة القاضية إلى جسد النظام.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    ایران - شیراز
    العمر
    36
    المشاركات
    10,003
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    12279

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    الإمام يتحدث عن نفسه

    النص الآتي عبارة عن مقتطفات من حياة الامام الخميني (ره)، أدلى بها بنفسه ودوّنها نجله المرحوم السيد أحمد الخميني، وأعاد سماحة الامام تصحيحها

    باسمه تعالى

    كانت ولادتي حسب ما تفيد الجنسية المرقّمة 2744 في عام 1279 للهجرة الشمسية في مدينة خمين (ولكن في الواقع في 20 جمادى الثانية عام 1320 للهجرة القمرية).

    والتاريخ القطعي هو 20 جمادى الثانية المصادف للأول من مهر [الشهر السابع] عام 1218 للهجرة الشمسية.

    (أمّا 18 جمادى الثانية 1320 للهجرة القمرية، فيصادف للثلاثين من شهريور [الشهر السادس] عام 1218للهجرة الشمسية). اللقب مصطفوي، واسم الأب مصطفى، واسم الأمّ هاجر (كريمة المرحوم الميرزا أحمد مجتهد الخوانساري الأصل الخميني المسكن).

    محل صدور الجنسية هو مدينة كلبايكان، وموقّعة من قبل صفري نجاد مدير دائرة الأحوال الشخصية في كلبايكان.

    بدأت درسي بمدينة خمين على يد المرحوم "أبو القاسم" وأكملت دراستي الابتدائية على يد المرحوم الشيخ جعفر والمرحوم الميرزا محمود (افتخار العلماء). ثم درست المقدمات على يد خالي المرحوم الحاج الميرزا محمد مهدي، وبدأت بدراسة المنطق على يد المرحوم النجفي الخميني، وعلى يديك [آية اللّه بسنديده] السيوطي وشرح الباب الحادي عشر والمنطق على ما يبدو، وشيئاً من المطول مسلماً.

    وفي عام 1339 هـ ق ذهبت الى أراك لغرض الدراسة ودرست المطول عند المرحوم الشيخ محمد علي البروجردي، والمنطق عند الشيخ محمد الكلبايكاني، وشرح اللمعة عند المرحوم عباس الأراكي.

    وفي أعقاب هجرة الشيخ عبدالكريم الحائري(رحمة اللّه عليه) الى قم في عام 1340هـ.ق الذي صادف مع بداية السنة الهجرة الشمسية عام 1300، أتممت دراسة المطول عند المرحوم أديب الطهراني الموسوم بالميرزا محمد علي، ودرست شيئاً من مرحلة السطوح عند المرحوم سيد محمد تقي الخوانساري وأكملت القسم الأعظم عند الميرزا سيد علي اليثربي الكاشاني حتى نهاية مرحلة السطوح، وذهبتُ وإيّاه سويّة لدراسة مرحلة البحث الخارج عند الشيخ عبدالكريم الحائري، وأنهينا معظم بحث الخارج على يده. ودرست الفلسفة عند المرحوم السيد ابو الحسن القزويني، والرياضيات (الهيئة والحساب) عنده ايضاً وعند المرحوم الميرزا علي اكبر اليزدي. وكان أكثر ما جنيناه من فائدة في العلوم المعنوية والعرفانية من المرحوم الميرزا محمد علي شاه آبادي.

    وبعد وفاة المرحوم الحائري انهمكنا أنا وبعض الاصدقاء بالبحث والتدريس الى حين قدوم المرحوم البروجردي الى قم، ومن أجل توجيه الأنظار إليه أخذت أحضر في دروسه، ومع ذلك استفدت منها كثيراً.

    كنت قبل مجيء المرحوم البروجردي الى قم أُدرّس المعقول والعرفان والسطوح العالية في الأصول والفقه. ولكن من بعد مجيئه استجبت لطلب بعض الاخوة ومنهم المرحوم المطهري وأخذت أدرّس الفقه لمرحلة البحث الخارج وتركت دراسة العلوم العقلية. وبقيت على هذا الحال طوال مدّة إقامتي في قم وفي النجف. وبعد هجرتي الى باريس حرمت من كل هذه الأمور وانشغلت بأمور أخرى وبقيت على هذا الوضع الى يومنا هذا.

    اسم زوجتي خديجة الثقفي المعروفة بقدس ايران، وهي من مواليد عام 1929 للهجرة الشمسية، وهي كريمة الحاج الميرزا محمد الثقفي الطهراني. كان زواجي منها في عام 1308هـ ش، ورزقت بأول مولود في عام 1309 هـ ش وسمّيته مصطفى. ولديّ حالياً ثلاث بنات على قيد الحياة، اضافة الى أحمد وهو من مواليد عام 1342هـ ش. أسماء بناتي وفقاً لترتيب السن: صديقة، وفريدة، وفهيمة، وسعيدة، ومن بعد أحمد بنت أخرى اسمها لطيفة. وآخر ابن لي على قيد الحياة هو أحمد.

    ممتلكات الإمام وفقاً لإعلانه ( رض )

    الإسم: روح اللّه ـ اللقب: المصطفوي والمعروف بالخميني ـ رقم الجنسية: 2744، مكان صدور الجنسية: خمين ـ السمة ـ عالم دين.

    (أ) الأموال غير المنقولة (مع ذكر الخصوصيات):

    (1) منزل في قم يشتمل على ديوان وبيت للعائلة ويقع في محلة باغ قلعة المعروفة.

    (2) قطعة ارض وصلت عن طريق الإرث من الوالد وحسب معلومات السيد بسنديدة فإنها مشتركة بيني وبينه وبين ورثة المرحوم أخي السيد الهندي.

    وحسب معلومات السيد بسنديدة أيضاً فإن سهمي من مال اجارتها هو 4000 ريال لا استلمها في الوقت الحاضر.

    (ب) الأموال المنقولة: من النقدية أو الإيداعات الموجودة في البنوك والاسهم، والأموال المنقولة الاخرى مع ذكر القيمة التقريبية.

    (1) مبلغ صغير من المال موجود في طهران وهو إمّا نذورات أو هدايا شخصية.

    (2) لا أملك شيئاً من الاثاث المنزلي، نعم يوجد قليل من الاثاث في قم وطهران وهي ملك لزوجتي، توجد سجادتان في البيت اعطوها لي لكي اعتبرها من أموال الخمس اذا شئت وليس لي ولا للورثة أي حق فيهما، ويجب ان تُعطى للفقراء من السادة.

    عدد قليل من الكتب المتبقية من الكتب التي نهبت من مكتبتي في عهد الشاه المخلوع ولا أعرف عددها، وعدد من الكتب التي اُهديت لي من قبل مؤلفيها خلال مدة إقامتي في طهران ولا اعرف قيمتها التقريبية ولكنها مبلغ زهيد.

    الأثاث الموجودة في البيت الذي اسكنه حالياً في طهران هو ملك لصاحب البيت والسيد أحمد على علم بذلك.

    (3) جميع الأموال المودعة في البنوك أو الموجودة في البيت أو عند بعض الاشخاص الذين يعرفهم السيد بسنديدة ـ باستثناء المال القليل الذي سبقت الإشارة إليه ـ هي من الحقوق الشرعية وهي ليست ملكأً لي وليس للورثة فيها حق، وقد حددّت مصيرها في وصيتي.

    24 ـ دي 1359

    7 ـ ربيع الأول 1401هـ

    * إعلان الإمام الخميني (رض) عن ممتلكاته يكشف عن مستوى عيشه المتواضع بالإضافة الى تقيّده بالقانون، فقد جاء طبقاً للعمل بالدستور الذي يُلزم القائد بالإعلان عن ممتلكاته.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    ایران - شیراز
    العمر
    36
    المشاركات
    10,003
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    12279

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    مع الامام في بيته

    لقاء حميم مع قرينة الإمام الخميني (قده)


    إنارة:

    ستون عاماً من العمر قضتها إلى جنب الإمام، رافقته في حياته وشاركته أفراحه وأتراحه، ولا شاهد أقرب و أكثر صدقاً في حكاية حياة الإمام منها. لقد لمست عن قرب عظمة الإمام وخلوصه وتقواه ومعنوياته ونظمه وصدقه، وبكلمة واحدة شخصيته الرفيعة. إنها رأت بأم عينها وأودعت في قلبها كثيراً من الحقائق والدروس الحلوة التي سمعها الآخرون أو قرأها؛ وليست هي إلاّ قرينة الإمام وكريمته وعزيزته الحاجة السيدة الثقفي، التي تحظى باهتمام و تكريم عشاق الإمام.

    إن حكايتها لسلوك الإمام العائلي رواية صادقة عن خصائص القيادة الإلهية المقدسة، وذلك بعد مضي عشرين عاماً من خطّ نسخة فريدة وتبلور نظام إلهي. وقد أجرت ابنتها الدكتورة السيدة زهراء مصطفوي معها لقاءً مطوّلاً، ننشر لكم النص الكامل لهذا اللقاء.

    ـ السيدة مصطفوي: أماه السلام عليكم، أرجو قبول عذري؛ إن كنت موافقة، أردت أن تتفضلي بالحديث المختصر عن حياتك المشتركة مع الإمام، وكذا عن احوالك قبل الزواج، وعن عائلتك من الناحية العلمية والاقتصادية.

    ـ قرينة الإمام: وعليكم السلام؛ بسم الله الرحمن الرحيم

    إذا أردت الحديث عن عائلتي فينبغي أن أبدأ من عدة أجيال مضت. فالوالد هو الحاج ميرزا محمد الثقفي كان من علماء طهران، وقد أثر عنه التفسير (نوين) في عدة مجلّدات، وقد كان في أغلب أوقاته مشغولاً بالتأليف، وقلّما يمارس الوظائف الأخرى مثل أخذ الوجوهات الشرعية (أخماس وزكوات)، والاتصال بالتجار وما شابه ذلك. وقد كان يأمّ جماعة. وباعتبار أن الوالدة كانت من عائلة متمولة فقد كان في غنى عن البحث عن مورد. وقد كان والدها الميرزا أبو الفضل الطهراني من نوابغ زمانه، وقد توفي عن عمر يناهز الأربعين، وكان له كتاب (شفاء الصدور) وهو شرح على زيارة عاشوراء. وقد كان الامام يقول: كان السيد الميرزا أبو الفضل من العظماء، وقد طُبع له ديوان شعر بالعربية.

    ـ يبدو انه كانت له مكتبة ضخمة تم وقفها.

    ـ نعم كانت له مكتبة ضخمة، وقد سمعت من أبي أنه وهبها لمدرسة (سپهسالار) أي مدرسة الشهيد مطهري حالياً. وقد كانت له دروس في تلك المدرسة اضافة إلى انه كان يصلي هناك.

    والده هو الحاج ميرزا أبو القاسم الثقفي كان معروفاً باسم (الحاج ميرزا أبو القاسم كلانتر) وهو من مجتهدي عصره، وأحد كتبه هو تقريرات درس المرحوم الشيخ الأنصاري (من العلماء العظام) وقد كان هذا الكتاب في متناول الجميع.

    ـ على هذا، كان الوضع الاقتصادي لعائلتكم جيداً؟

    ـ نعم؛ لقد ورثت جدّتي أباها، وقد كان زوجها مسئولاً عن الخزينة (خازن المماليك) وكان متمولاً. أما الوالدة فكان أبوها يعطيها 30 توماناً يومياً. أما أبي فقد كان طالب حوزة ورغم أنه ما كان يملك شيئاً، إلاّ أن أباه كان يقطن زقاق (صدر أعظم) الذي كانت بيوته ملكاً لأتابك. وأتابك كان زوج عمة أمي. وقد كان العلماء آنذاك يحظون باحترام واهتمام جهاز الحكومة، لأن شؤون الدولة جميعها كانت تحت اشراف العلماء. وقد كان الوالد الحاج ميرزا أبو الفضل يحظى باحترام وتقدير من قبل أتابك، وبما أنهما كانا أقارب، كانت علاقتهما وثيقة.

    ـ يبدو أن الوالد سبق وأن سكن مدينة قم لفترة.

    ـ جاء الشيخ عبد الكريم الحائري إلى قم سنة 1340هـ.ق، وباعتبار أن تاريخ ولادتي 1333هـ.ق فإني كنت آنذاك سبع سنوات تقريباً. والدي في السنة التاسعة والعشرين أو الثلاثين من عمره قرّر أن يذهب إلى مدينة قم لأجل الدراسة، وقد كنتُ آنذاك تسع سنين.

    ذهب أبي برفقة أمي إلى قم ومكثوا مدة خمس سنين هناك، وأنا لم أذهب معهم بل بقيت عند جدتي، وما كان والدَي يتوقعان التحاقي بهم لأني كنت مع جدتي منذ الصغر.

    ـ أنا عشت مع جدتي منذ الشهر السادس مع عمري. وكانت تُدعى السيدة مخصوص، وكنا ندعوها نحن السيدة ماماني. وعندما هاجر والدي إلى قم، كنت مع جدتي نزورهما كل سنتين مرة. لم تكن آنذاك سيارات، بل عربات حصانية ودليجنسات وكنا نبيت في الطريق ليلتين في علي آباد وفي مكان آخر. الوالد كان قد استأجر بيتاً موقراً في زقاق السيد اسماعيل في السوق. البيت كان كبيراً فيه ساحة وبرّاني، وصاحب البيت كان تاجراً محترماً، وقد كان له خادم في البيت باسم ذبيح الله واثنين من الحشم وأشخاص آخرون كانوا يترددون عليه لأجل أداء أعمال مختلفة.

    كان لأمي ثلاثون توماناً شهرياً، لذا أرسلتنا إلى المدرسة، وكان آنذاك مدرسة حديثة فيها صف يضمُ عشرين طالبةً، وما كان الكل يتمكن من إرسال أطفاله إلى المدرسة إلاّ بنات الأطباء والتجار والمجتهدين. ونحن كنا ثلاث أخوات نذهب إلى المدرسة ودرسنا إلى الصف الثامن أنا في طهران وأختي في قم، وفي الصف الثامن طرح حديث الزواج.

    ـ بعد ما بلغ الحديث موضوع الزواج، نرجو أن تتكلمي عن زواجك، وكيف الإمام حصل عليك أو وجدك؟

    ـ باعتبار أن الوالد قطن قم مدة خمس سنوات، وأنا ذهبت لزيارته عدة مرات، مرة كنت بنت العاشرة وأخرى بنت الثلاثة عشرة وأخرى بنت الاربعة عشر، وفي احدى هذه المرات طلب الوالد من جدتي بقائي إلاّ أنّ جدتي أرادت الاقامة لمدة خمسة عشر يوماً فقط باعتبار قرب العيد. ترجّاها والدي كثيراً قائلاً لها: "لم أشبع من رؤية قدسي، فاتركيها عندنا مدة شهرين، وعندما تأتي إلى طهران في الصيف نأتي بها معنا". وقد رضت الجدّة في النهاية، أما أنا فما كنت راضية على البقاء، رغم ذلك بقيت مدة أشهر. وقد كنت تخرّجت من الصف السادس ولم يوافق الوالد على ذهابي إلى الثانوية، وقد كانت ثانويات البنات آنذاك قليلة جداً، وكان الوالد يقول: "ان المعلمين والمفتشين والفراش كلهم رجال، فلا تذهبي"، ولأجل ذلك بقيت في قم أشهراً، ثم رجعت بصحبة الوالدة إلى طهران.

    خلال فترة إقامة الوالد في قم مدة خمس سنوات، تعرّف على عدة أصدقاء، كان السيد روح الله واحداً منهم، ولم يكن حاجاً آنذاك، وهو رجل متدين ونجيب وفاهم وكيّس وقد ارتضاه الوالد رغم اني كنت اختلف معه في العمر اثنا عشرة سنة، أما الوالد فكان يختلف معه بسبع سنوات، ومن بين اصدقاء الوالد هو السيد محمد صادق اللواساني وقد كان صديقاً للسيد روح الله كذلك، وفي الوقت الذي جاء فيه الوالد إلى طهران، كان السيد اللواساني قد تحدث مع السيد روح الله (حيث كان له من العمر 26 ـ 27 سنة) حول موضوع الزواج وقد كان السيد روح الله قد قال للسيد اللواساني: "لم أرتضِ بعدُ ببنت، ولا أريد الزواج ببنت من مدينة خمين"، فقال له السيد اللواساني: "إن السيد الثقفي له بنتان، وكلاهما حسنتان كما تقول زوجة أخي". لقد حكى لي هذا كله أبي بعد ذلك… على كلِّ حال، كان يرتدي الملابس الجيدة، فكان يرتدي الجلود الإسلامبولية ويذهب إلى الدرس. وكان الطلبة يتعجبون من ملابسه؛ فقد كان عالماً ومتديناً وأنيقاً في نفس الوقت. كان أبي لا يدعنا نذهب إلى المدرسة إلاّ بعد ارتداء السروال الطويل وأحذية سوداء وبسيطة، وأكمام طويلة. لكنه ـ روحياً ـ ما كان يحب التجمّل وكان حقاً من أهل العلم وروحانياً. وكان السيد (الإمام) دائماً يقول: "والدك روحاني رفيع المستوى، وصاحب علم وفضل كبير، لكن من المؤسف أنّه ما كان شيء من زمام شؤون الروحانيين بيده".

    ـ بما أنه كان صاحب علم وفضل، لابد وأن كانت له تأليفات؟

    ـ أنا لا أعرف عن ذلك شيئاً إلاّ تفسيراً واحداً، وإذا أردت الإطلاع فاسألي من الأخوين السادة علي وحسن، فانهما يعلمان بهذه القضية. ورغم أنّ الكثير قد أخذ منه كتباً مجانياً، ورغم أنه قد وهب مكتبته إلى الجامعة، لا زالت له مكتبة تملأ غرفة كاملة إلى السقف تحتوي على كتبه وكتب والده وكتباً أخرى قد حصل عليها.

    ـ أماه، تكلمي عن كيفية حصول الخطبة؟

    ـ ما تقدم كان دافعاً للسيد أحمد أن يقدم على خطبتي للإمام، وقد استغرقت موافقتي على الزواج مدة عشرة أشهر؛ وذلك لأني كنت غير مستعدة للمجيء إلى قم، وكنت عند المجيء إلى قم لا أقيم أكثر من 10 ـ 15 يوماً، وبعد ذلك كنت أطالب جدتي بإرجاعي إلى طهران. وذلك لأن قم لم تكن كما هي الآن؛ فقد كانت مكتظة بالمقابر، والقبور كانت ملتصقة بجدار صحن الحرم، والأزقّة كانت ضيقة و… فما كنت أقيم في قم كثيراً، بل أرجع في وقت مبكر، وقد كنت منزعجة عندما أرغمني الوالد مرة للبقاء في قم مدة شهرين.

    لقد بدأت مراحل الخطبة، وقد قال لي أبي آنذاك: "لا إشكال من جانبي، حتى لو غرّبك عن جدتك وبعدك عنها، لأنه إنسان لا يدع السيدة قدسي تتأذى". وباعتبار صداقته مع السيد، كان يعرفه جيداً. أما أنا فكنت أقول: لا أذهب إلى قم أبداً، وكانت هناك أمور تجعلني أكره الذهاب إلى قم.

    ـ إذن ما حصل أن ذهبت إلى قم؟ يبدو أنك رأيت مناماً إذا كنت تذكرين ذلك.

    ـ رأيت منامات مباركة، أدركت بعدها أن هذا الزواج مقدّر، وفي آخر مرّة التي تمت القضية بعدها، رأيت الرسول وأمير المؤمنين والإمام الحسن مجتمعين في بيت صغير، وقد كان نفس البيت الذي استأجرناه للعرس.

    ـ أي أنك رأيت بيتاً في المنام، كان هو ذاته الذي أجرتموه للعرس، هكذا؟

    ـ نعم؛ نفس الغرف والمواصفات التي قد رأيتها في المنام، وحتى الستائر التي قد اشتروها لنا بعد ذلك كانت نفسها التي قد رأيتها في المنام، ففي ذلك الجانب من البيت غرفة جالس فيها الرسول والأمير والإمام الحسن، وفي الجانب الآخر الذي يضمّ غرفة للنساء (التي اصبحت فيما بعد غرفة العروس) أنا كنت فيها مع عجوز مرتدية عباءة منقّطة بنقاط صغيرة وكان يقال لها (جادر لكي)، وهي عجوز ذات ملامح ناعمة، وقد كان الزجاج يشكل جزءً من باب الغرفة وكنت أنظر من خلال هذا الزجاج. سألت العجوز: مَن هؤلاء؟ فأجابت: ان الذي على رأسه عمامة سوداء هو الرسول (ص). والرجل الذي له مولوي أخضر (عمامة صغيرة) وقبعة حمراء يتصل بها شال (وقد كانت هذه الملابس مألوفة آنذاك)، وفي النجف كان الخادم يرتدي هذا الزي من الملابس) هو أمير المؤمنين. وفي ذلك الجانب شاب يرتدي عمامة سوداء، قالت فيه العجوز انه الإمام الحسن. وبعدها قلت: هذا الرسول وذلك الأمير، وبدأت بإبراز الفرح؛ فقالت العجوز: "أنت التي تكرهين هؤلاء!!". فقلت: "كلا، أنا لا أكره هؤلاء، بل أحبهم" ثم قلت: "أنا أحب هؤلاء جميعهم؛ فذلك رسولي وذلك إمامي الأول والآخر إمامي الثاني". قالت العجوز: "أنتِ تكرهين هؤلاء"، وفزعت آنذاك من النوم، كنت منزعجة لِمَ استيقظت بسرعة. وفي الصباح حكيت المنام لجدتي، فقالت جدتي: "أماه؛ يبدو ان هذا سيد حقاً، وأنت قد آذيت الرسول والأئمة برفضك إيّاه، فلا حلّ للمشكلة إلاّ رضائك؛ وهذا هو تقديرك".

    ـ متى كان البناء أن تخبرونهم بالجواب؟

    ـ كنت أجيب بالرفض كلّما كانت تقترح عليّ جدتي الموضوع؛ والجواب النهائي كان مبهماً. وكان السيد أحمد اللواساني يأتي ليلياً من قبل الخطيب ويسأل عن الجواب؟ وتتكرّر منه هذه الممارسة، وكان جواب جدتي: لم ترضَ النساء بعد. وباعتبار الصداقة التي كانت بين السيد أحمد والوالد، كان يأتي بين الحين والآخر بعربة ويقيم ليلتين أو ثلاثة في بيت الوالد ثم يرجع إلى قم.

    وبعد مضي فترة، وفي المرّة الخامسة من مجيء السيد أحمد خلال شهرين أراد الجواب الأخير؛ فأراد الوالد أن يقول له "لا يمكنني أن أوافق، لأن القضية تتوقف على إرادة البنت والأمر بيدها وبيد جدتها، ونحن نكنّ لجدتها الاحترام الوافر". وعدم موافقة جدتي كان بسبب أن شريكها في الأملاك قد خطبني.

    ـ والدك كان نيّراً كثيراً، وملتزماً بضرورة احراز رضاك ورضا جدتك، عكس ما كان عليه الآباء آنذاك في عدم الالتفات إلى متطلبات البنات.

    ـ نعم، نعم، عندما استيقظت صباحاً، حكيت المنام إلى الجدة، وبعد ان جمعنا مائدة الافطار دخل الوالد، وقد كان ذلك في الشتاء والمدفأة تعمل، وكل ذلك كان بغتة ومن دون سبق قصد وبرمجة.

    ـ أي أن المنام، واستشارة الجدّة، ودخول الوالد البيت كلها حصلت دفعة وفجأة.

    ـ نعم؛ وبعد دخول الوالد أتيت أنا بالشاي، فقال: "جاء السيد أحمد للمرة الخامسة وقال لي كلاماً لا قدرة لي على النطق به" والكلام الذي كان قد تفوّه به السيد أحمد بعد ما قال له أبي إن النساء غير موافقات، هو: "إنها عاشت مرفّهة، ولا يمكنها أن تكيّف نفسها مع حياة الطلبة البسيطة، وهذا كلام يقوله المخالفون".

    الجميع كان مخالفاً، أولهم أنا ثم الجدة والأم والأقارب. والوالد كان يقول: الأمر إليكم، لكني أثق به كرجل مثقّف ومتدين، وديانته تحول دون قضاء السيدة (قدسي إيران) أوقاتاً مزعجة.

    قال لي الوالد: "إذا لم تتزوجي حالياً، فلا علاقة لي بزواجك بعد ذاك".

    كنت في الخامسة عشر من عمري وكنت أحترم الوالد كثيراً. وكنت لا أتردد أمامه من دون عباءة وعندما يدعونا كنا نأتيه مرتدين العباءة ـ عباءة كانت، لي أو لأختي. أنا سكتّ آنذاك. جاءت الجدة بالكز (نوع من الحلويات التقليدية الايرانية) كمراسم استقبال، فقال الوالد: "أتناول الكز كعلامة على موافقة السيدة قدسي ورضاها"، وأكل قطعة الكز. أما أنا فما تفوّهت بشيء لأن عظمة المنام كانت قد استحوذت عليّ. وقد غادر الوالد البيت بعد تناوله الكز.

    وبعد اسبوع جاء السيد أحمد اللواساني والسيد بسنديده والسيد الهندي (أخوا الإمام) والسيد محمد صادق اللواساني والخطيب بصحبة خادم كان باسم مسيّب جاءوا جميعاً إلى بيت الوالد لأجل الخطبة، وقد كانوا جميعاً اصدقاء إلاّ السيد الهندي.

    فأرسل الوالد، الخادم ذبيح الله إلى بيتنا وقال: "إن السيدة عندها ضيوف وطلبت مجيء السيدة قدسي إيران إلى البيت". سألته الجدة: "من هو الضيف"؟ كانوا قد أوصوه أن لا يصرّح لهم بمجيء الخطيب إلى بيت الوالد خوفاً من تكرر الرفض من قبلي؛ وبعد ما ذهبت إلى بيت الوالدة فهمت الموضوع.

    إن اختي التي كانت أصغر مني سنة ونصف السنة، صرخت "جاء العريس! جاء العريس". وأخذوا بي لأرى العريس من خلف الغرفة، وكان جالساً في موقع بحيث يكون أمام من أراد النظر إليه من خلف الغرفة. وقد كان السيد أصفر الوجه، ذات شعر أصفر بعض الشيء، جالساً قرب المدفأة؛ وعندما رجعت، ذهبت أمي وأخواتي لرؤيته، لأنهن ما كنّ قد رأينه من ذي قبل.

    ـ هل ارتضيت العريس؟

    ـ ما وجدت فيه بأساً، إلاّ أني كنت أصغر من أن أتّخذ قراراً، كما كنت ذاتياً بسيطة. رجع الوالد ببطء وسأل الوالدة: "ما قالت قدسي إيران بعد ما رجعت؟". وقد قيل لي فيما بعد ان الوالد عندما رآني ساكتة خرّ ساجداً لله. لأنه كان قد ارتضى العريس بنفسه. وكان يردد دائماً "قلبي يميل إلى أن يكون لي ولد من أهل العلم وعريس كذلك" وقد حصل ذلك. حيث ان ولده الثاني السيد حسن أصبح من أهل العلم كما كان الوالد نفسه.

    ـ هل الوضع المعيشي بعد الزواج كان مثل وضعك قبل الزواج؟

    ـ في البداية عندما أراد السيد أن يتزوج، وكان البناء أن يجيبه الوالد بالايجاب، قال الوالد للسيد أحمد: إنّ النساء يُشكلون على الزواج. فسأل السيد أحمد ما هي اشكالاتهم؟ أجاب الوالد: أحد الاشكالات هو أن البنت لا تعرفه وهو من مدينة خمين والبنت من طهران وقد عاشت مرفّهة، والوضع المالي والمعيشي لجدّتها جيد جداً، وقد لا تتكيف في العيش مع طالب حوزة ومعيشته الخاصة. وهل يملك الخطيب شيئاً؟ فإذا كان مورده الوحيد مرتب الشيخ عبد الكريم، فلا يمكنها العيش معه حقاً؛

    ـ أماه! سمعت أن العرس كان في شهر رمضان المبارك، رغم أن المألوف هو حصول العرس في غير هذا الشهر، لماذا؟

    ـ لأن الدروس كانت معطّلة.

    ـ وهذا يعني أن الإمام كان بدرجة من الالتزام بالدرس بحيث ما كان مستعداً لتعطيل دروسه حتى لأجل الزواج.

    ـ نعم كان ملتزماً.

    ـ هل مراسم العقد والعرس كانت مجلّلة أم بسيطة؟

    ـ العقد لم يكن مجلّلاً. كان الوالد جالساً في المضيف ودعاني إلى المجيء قربه، وقد كنت قادمة من المدرسة توّاً، فوضعت عباءة اختي الصغيرة على رأسي وذهبت قربه: قال: اجلسي في ذلك الجانب من المدفأة؛ إن عائلة العريس جاءوا في اليوم الأول من شهر رمضان واليوم هو الثامن من الشهر ووالدتكِ استقبلتهم بحفاوة مذ ذاك. فهم قد أقاموا في بيت الوالد.

    كانوا يبحثون عن بيت يستأجرونه لأخذ العروس، وقد كان القرار أن يتم العرس في طهران ثم نذهب إلى قم. وقد وجدوا بيتاً بعد ثمانية أيام. وقد كان نفسه الذي رأيته في المنام، وقد قال لي الوالد: "وكّليني لكي أوكّل السيد أحمد لإجراء صيغة العقد في شاه عبد العظيم". والسيد كان قد وكّل أخاه السيد بسنديده. وعندما طلب مني والدي هذا تأملت بعض الوقت وقلت: "رضيت". ثم ذهبوا إلى شاه عبد العظيم لاجراء صيغة العقد. وبعد أن قالوا إنا هيّأنا البيت، قال الوالد: أعطوهم وسائل البيت. وقد كانت الوسائل عبارة عن سجادة وملحف ومدفأة ووسائل الطبخ وأشياء اخرى؛ كما أرسلوا معي مربيتي مع بنتها عذراء لأجل الاستقبال والطبخ. وفي الليلة الخامسة عشر أو السادسة عشر من شهر رمضان دعا السيد الأصدقاء والمعارف وقد ارتديت آنذاك ثوباً أبيض وأنيقاً كانت بنت العمة قد خاطته وطرزته بالورد حسب ذوقها الحسن.

    ـ ما كان مقدار صداقك؟ وهل مقداره كان باقتراحٍ منكم أو من السيد الوالد؟

    ـ كان 1000 تومان. وكانوا قد قالوا للوالد بالامكان جعل دارٍ من دورنا في خمين صداقاً للبنت؛ إلاّ أن الوالد رفض ذلك باعتبار جهله بأسعار الأملاك في مدينة خمين.

    ـ هل طالبت بصداقك؟

    ـ كلا، لم أطالب. لكنه أوصى في نهاية الأمر بسدس بيته في قم كجزء من الصداق.

    ـ هناك نظرية مطروحة تقول إن التي كان صداقها قبل ستين سنة مقداراً معيناً كألف تومان، فهي لا تطالب حالياً بأكثر من ألف تومان. وهناك من يقول إن المطالبة حالياً بما يعادل قيمة الألف تومان في ذلك الزمان.

    ـ نعم؛ إنّ الألف تومان آنذاك تكفي لتجهيز العروس بجهاز كامل. وقد جعل لي سهماً في البيت ظناً منه أني قد احتاج السكن في البيت يوماً ما.

    ـ كيف كانت معاملته لكِ عموماً؟ هل كان يكنّ لك نفس الاحترام الذي كنت تحضين به قبل الزواج أم لا؟ وهل هذا الاحترام كان مستمراً إلى آخر أيام حياته؟

    ـ نعم؛ كان يحترمني ويهتمّ بي كثيراً، وما كان يجرحني بكلمة واحدة. وفي يوم من الأيام كانت بنتاه صدّيقة وفريدة ـ أما أنتِ فقد كنت صغيرة ـ قد ذهبا إلى بيت الجار من السطح، فاعترض على ذلك وكان متوتراً وقلقاً، ظناً أن في بيتهم خادماً، فكنت أطمئنه بأن الخادم لم يكن آنذاك؛ ورغم عصبيته التي قد تصل إلى قمتها ما كان يسيء الأدب تجاهي. كان يختار لي مكاناً جيداً من الغرفة ويتجامل في تقديمي على نفسه.

    وما كان يبدأ تناول الطعام قبل مجيئي. وكان يطلب من الأطفال أن يتأنوا في الأكل إلى مجيء الوالدة. ما كان يتفوه بكلام بذي أبداً. ولكني لا أقول أنه وفّر لي حياة مع رخاء؛ بل حياته كانت بسيطة باعتبار أنه كان طالب حوزة. وما كان يحب أن يمدّ يده إلى الآخرين للسؤال، كما كان ذلك حال أبي. فكلاهما كان يحبان العيش بما كان في أيديهم من ميزانية. رغم ذلك كان يحترمني. وكان يرفض عملي في البيت. كان يقول لي دائماً: لا تكنسي. وإذا ما أردت غسل خمار أحد الأطفال في الحوض كان يأتي ويقول: "قومي؛ ما عليك أن تغسلي ذلك". كنت أكنس الغرفة في غيابه وكذلك الحال بالنسبة لملابس الأطفال، فقد كنت اغسلها في غيابه. وفي سنة من السنوات التي غاب فيها خادمنا الدائم ـ كنا آنذاك في الإمام زاده قاسم، أي في السنوات الأخيرة حيث كبر الأطفال وتزوجوا ـ كنت أذهب لغسل الأواني بعد إتمام وجبة الغذاء، وكلّما كان يراني هناك ـ وقد كانت فريدة موجودة في بيتنا ـ كان يأمر فريدة بغسل الأواني عوضاً عني.

    ـ أمي العزيزة! إن هذه المطالب الصريحة والواضحة تكشف عن أن الإمام ما كان يعدّ غسل الأواني بل حتى خمار أحد اطفالك من وظائفك. وكان ينزعج من قيامك بهذه الأعمال في الحالات التي تتطلب الحاجة منك القيام بها بنفسك، ويعدّ ذلك اجحافاً لك. وأنا أذكر جيداً أنه ما كان يأمرك بغلق الباب عند دخولك الغرفة، بل يقوم هو بعد جلوسك ويغلق بنفسه. إن احترام الإمام لك كان ولايزال مما اشتهر عنه. لقد سمعت أنك درست عند الإمام، أرجو ايضاح ذلك.

    ـ بعد مرور سنة واحدة على اكمالي للمرحلة الابتدائية ذهبت إلى الاعدادية ودرست الأول المتوسط هناك، وبعد مضي شهرين من دراستي استأجرت معلمة تعلمني الفرنسية، كما ودرست شهرين عند معلمة أخرى. كنت أمنح كل منهما 2 تومان شهرياً. بعد قدوم والدي من قم إلى طهران تعلمت على يديه كتابة جامع المقدمات مدة من الزمن وبعد ان تزوجت استمر السيد الإمام في تعليمي، وبعد اطلاعه على قابليتي يبدأ بتدريسي جامع المقدمات، وقد درست جميع دروس جامع المقدمات؛ بالطبع بدأت في السنة الأولى بدراسة علم الفلك، وبعد ذلك بدأت بجامع المقدمات. وعندما شرعت بالسيوطي كان لي طفلان، وعندما أتممت دراستي له كان لي أربعة أطفال، وعندما جاء الطفل الرابع وهو فريدة، أصبحت معدومة الفرصة للدراسة، رغم ذلك شرعت بدراسة شرح اللمعة. وبعد فترة من الزمن وجدت نفسي عاجزة عن الاكمال، فتركت الدراسة؛ وقد استغرقت دراستي ثماني سنوات. وبعد إنطلاق الثورة ذهبنا إلى العراق. فبدأت بدراسة اللغة العربية، وبما أنّي كنت أفقد الصديقات شرعت بتعلّم العربية من خلال الكتب الدراسية؛ فتناولت كتاب الثالث الابتدائي ثم السادس ثم الصف التاسع اخذته من "حسين"، وبما اني كنت أجهل بعض الكلمات، جاء لي أحمد العزيز بمعجم فارسي ـ عربي عندما سافر إلى طهران. ثم مالت نفسي إلى مطالعة القصص الروائية الجميلة، ورغبتي بها كان دافعاً لي على مطالعتها. وسبب تركي للدراسة في وقت مبكر من عمري هو عدم وجود المشجعين لي على ذلك، رغم ان رغبتي للدراسة كانت شديدة قياساً لما كان عليه المعارف والصديقات.

    ـ إن تخصيص الإمام وقتاً لتدريسك مدة ثمان سنوات في بداية الزواج، يُعدّ تشجيعاً لك على مواصلة الدراسة، وقبل هذا كنتِ قد ذهبت إلى المدرسة لا الكتاتيب رغم ان أكثر الناس آنذاك بل حتى أنا ذهبت إلى الكتاتيب لا المدرسة، وهذا هو بذاته تشجيع لك على التعلّم والدراسة.

    ـ نعم؛ ان قبوله تدريسي واستمرار هذا التدريس مدة ثمان سنوات كان نوعاً من التشجيع. لكن لو كان أربعاً من أمثالي يدرسن ويتباحثن معي لكانت النتيجة مختلفة. فالطالب يتشجع إلى الدراسة عندما يرى زملائه في الصف يدرسون معاً؛ كنت أقرأ القصص الروائية في العراق، وعندما تطورت عربيتي بدأت بقراءة الجرائد والمجلات وبلغت مستوى أني طالعت في السنة الأخيرة من إقامتنا في العراق كتاب "الحضارة الإسلامية" باللغة العربية.

    ـ أمي العزيزة! باعتبار اطلاعي على مستواكِ العلمي ومستوى طلاب الجامعات، فإنّي أعدّك بمستوى الجامعيين المتفوّقين، وذلك بفضل مساعيك الشخصية وتشجيع سماحة الإمام. فالإمام كان يسعى دائماً لرفع مستواك العلمي؛ ويا ترى هل كان يتدخل في شؤونك الخاصة مثل اختيار الملابس والخروج من البيت؟

    ـ كلا؛ أذكر في الاسبوع أو الشهر الأول من حياتنا المشتركة انه قال لي: لا علاقة لي بشؤونك الخاصة وارتدي ما تحبين من الملابس، وما أريده منك هو الالتزام بالواجبات والاجتناب عن المحرمات، أي أن لا ترتكبي ذنباً. ما كان يؤكد على المستحبات كثيراً. ما كان يتدخّل في شؤوني؛ فكنت أعمل وأعيش بالشكل الذي تهوى إليه نفسي؛ فما كان يتدخل بلقاءاتي مع الصديقات ولا في خروجي من البيت؛ فقد كان مشغولاً بالدرس والتحصيل وأنا مشغولة بشؤوني الخاصة.

    ـ أماه! كنت حظيظة أن كان زوجك عارفاً بالإسلام، حيث كان عالماً بحدود صلاحيات الرجل في مجال التحكم بالمرأة؛ ولذلك ما كان يتدخل في شؤونك الخاصة؛ بل ما كان يطلب منك إلاّ أداء الواجبات والانتهاء عن المحرمات، وهذا هو معنى التسليم إلى الله.

    أماه! تفضلي بالحديث عن القضايا السياسية أثناء الثورة وقبل ذلك؛ هل الإمام كانت تربطه علاقة بالسيد الكاشاني؟

    ـ إن السيد الإمام كان يحب السيد الكاشاني. عندما جاء السيد إلى طهران وأقام في بيت الوالد مدّة ثمانية أيام، كان قد التقى بالسيد الكاشاني آنذاك وبيت السيد الكاشاني كان في نفس الزقاق الذي كان فيه بيت الوالد. وكانا صديقين، وفي ذلك الوقت قال السيد الكاشاني للوالد: "أين وجدت هذه الاعجوبة".

    ـ بهذا يتضح أن السيد الكاشاني قد أدرك ذكاء الإمام ونباهته منذ أن رآه في المرة الأولى. ويبدو أنه قد أدرك منذ ذلك الحين أن الإمام يختلف عن باقي الطلاب. ماذا فعل الإمام في قضية نواب صفوي؟

    ـ أرادوا اعدام نواب صفوي وأخوته وكنت صديقة لأمهم. وقد ذهب السيد الإمام آنذاك إلى السيد البروجردي لأجل التدخل في القضية، إلاّ أن السيد رفض ذلك، فاُعدموا.

    ـ ما هي ذكرياتك عن بداية النضال عام 1342هـ.ش [1963]؟

    ـ كانوا يصادرون الأملاك بالقوة ويعطونها إلى الرعية. وكان السؤال عن حلية الزراعة والخبز الناتج عنها يتكرّر دائماً. بعد فترة ذهبت أنا برفقة مصطفى إلى النجف وكربلاء. وقد سمعنا هناك تدهور الأوضاع في إيران. وكان السيد مصطفى قلقاً تجاه الأوضاع، ويطالبني بالرجوع إلى إيران. وعندما رجعنا وجدنا البيت مكتظاً بالناس، فذهبنا إلى بيت أخيكِ، وقد تبدل بيت السيد مصطفى إلى مقهى. والاضطرابات أخذت بالازدياد، إلى أن بلغت نقطة خطاب الإمام يوم عاشوراء. وقد كان ذلك اليوم صوت همهمة الإمام وتنفّسه مشهوداً في البيت. جاءوا تلك الليلة وركلوا الباب، ذهب السيد لهم وقال: لا تركلوا الباب، فقد جئت. وفي أثناء ارتدائه لقباه وعباءته كسروا الباب وداهموا البيت، وأخذوا السيد معهم. كان محتجزاً في دارٍ مدة يومين أو ثلاث، ثم نقلوه إلى سجن قصر احتجزوه هناك مدة 10 أو 12 يوم، وما كان مسموحاً لنا بأخذ طعام له. ويبدو أنهم كانوا يذهبون إليه وينصحونه لرفع اليد عن نضاله. طالب السيد بكتاب دعاء وملابس فأرسلنا له ما أراد. وبعد ذلك نقلوا السيد إلى عشرت آباد ليضلّ هناك مدة شهرين، ما كانوا يسمحون لأحد الالتقاء به أو الإتيان بشيء له إلاّ الطعام، لهذا جئنا إلى طهران في بيت الوالدة وكنا نرسل له الغداء كل يوم. ثم اُطلق سراحه بعد شهرين، أخذوا به في البداية إلى منطقة داودية في دار الحاج عباس نجاتي. أنا ذهبت برفقة بناتي إلى هناك في اليوم الأول، وبعد ما اختلت الغرفة وبقينا نحن لوحدنا قلت له: هل يصعب عليك البقاء هناك؟! فمدّ يده على رقبته وأخرج قطعة صغيرة مفتولة من جلده. وما قلت آنذاك شيئاً إلاّ أني كنت مزعوجة جداً.

    ـ لازلت تنزعجين عندما تذكرين بعض الذكريات. أعتذر يا أمي، إنّي أبكيتك لمرات في هذا اللقاء بسبب إحياء الذكريات المرّة. أعتذر حقاً.

    ـ لا إشكال في ذلك. بعد ذلك اقترح السيد روغني أن يأتي السيد الإمام إلى بيته. وقد تموضع الكثير من رجال الأمن (الساواكيين) أمام دار السيد روغني، كما أنهم أجّروا بيتاً لنا يقرب من بيت السيد روغني. وكان قد تموضع 30 شخصاً تقريباً من رجال الأمن، كانوا يحدّون من التردد من وإلى البيت، وما كانوا يسمحون لشخص بالدخول إلاّ الوالدة والأخت. وقد قضينا مدة سبعة أشهر في القيطرية عند دار السيد روغني. وبعد ذلك قال لنا رئيس الساواك آنذاك الذي كان اسمه انصاري: أخبرونا متى ما أردتم الذهاب إلى قم، للمجيء بسيارة لكم. وذهبنا بعد ذاك إلى قم ووجدنا البيت قد ملأته الرجال، فأجّروا لنا بيتاً يتصل بجدار بيتنا وفتحوا باباً يتصل بالبيت. وقضينا فترة ثمانية أشهر في قم أي من العيد [النيروز] وحتى الثالث عشر من آبان حيث ألقى خطابه المعروف حول الحصانة القضائية للأمريكيين [كابيتولاسيون]. في الليل جاءوا خلف الباب وأنا كنت في الشرفة والإمام في جانب آخر، ورأيت أن واحداً بعد الآخر يتسلقون الجدران، فصرخت "سيد" ورأيتهم يركلون الباب الذي بيننا وبين الباب الخارجي. وعند سمع السيد صوتي صاح: "كسرتم الباب، إني قادم". ورأيت أن واحداً آخر من رجال الأمن قد تسلّق الجدران، فخفت، وكان ذاك في السحر. فخرج السيد من الغرفة وصرخ: "كسرتم الباب.. أخرجوا وأنا سآتي"، وعندما رأوا السيد خرج من الغرفة واتجه نحوي نزلوا من الجدران. جاء السيد وأعطاني ختمه ومفتاح صندوقه، وقال لي: "فلتكن هذه عندك حتى أخبرك"، وخرج من ذلك الباب فأخفيت ما أعطاني ولم أخبر بها أحداً. كان ذلك، لأنّ السيد توقع أن يأخذوا ختمه ومفتاح صندوقه. فزع آنذاك أحمد وكان 17 أو 18 سنة، سألني: أينَ أبي؟ قلت: "خرج من هذا الباب، أنت لا تذهب خلفه" لكنه ذهب. قال بعد ذلك: "لم أتحرك إلاّ أقداماً قليلة حتى رأيت بعدها أحد رجال الأمن موجهاً سلاحه نحو وجهي محذراً إياي من التقدم أكثر".

    ـ لا تنزعجي يا أمي، وإذا كانت ذكريات تلك الأيام تزعجك إلى هذا الحد، فإني سأضطرّ لعدم السؤال. أرجو أن تكوني صبورة كما كنت إلى الآن. أذكر إذّاك عندما جئتك رأيتك ترجفين، وعندما سألتك عن صحتك أجبت بقوة؟ إني بصحة جيدة، لكني لا أعلم لِمَ أرجف. وأنا دائماً يتغير حالي عندما أذكر تلك اللحظة وأذكر مظلوميتكِ. حسناً يا أمي، لم تذكري لنا ما فعلت بالمفتاح والختم وكيف أرجعتيهما إلى الإمام في النهاية.

    ـ كنت قد أخفيت المفتاح والختم إلى أن ذهب السيد إلى العراق؛ وبعدها أرسل لي رسالة من النجف طلب مني إرسالها بواسطة شخص أمين. طرحت الموضوع على السيد اشراقي، فقال لي: إنّي أطمئن إلى الشيخ عبد العلي القرهي وعنده جواز سفر؟ فكتبت رسالة أرفقت معها المفتاح والختم فدفعهما إليه في النجف.

    ـ إن ايداع الإمام المفتاح والختم بيدك أنت دون شخص آخر رغم أنه بإمكانه أن يقول لك أودعيهما عند شخص آخر، يكشف عن ثقة الإمام بك ومستوى المقاومة وحفظ السر التي كنت تتمتعين بهما، أرجو أن تحكي لنا عن إقامته في تركيا.

    ـ إنّ مدينة "بورسا" كانت محلّ إقامة السيد وكان يرافقه رجل من الأمن باسم حسن وهو من أهالي مدينة ساوه، وكان هو أيضاً من المبعدين لوحده دون عائلته، لذا كان غير مرتاح. وإلى جنب حسن كان شخص تركي باسم "علي بيك" كانا يراقبان السيد دائماً. وعندما أبعدوا أخوك مصطفى، كانا يذهبان سوية خارج البيت، وجلّ الوقت كان الإمام يصرفه في البيت لأجل كتابة رسالته العملية "تحرير الوسيلة".

    ـ ماذا فعل نظام الشاه بالأخ؟

    ـ بعد توقيف السيد، ذهب أخوك إلى بيت آية الله السيد المرعشي النجفي، والناس كانوا ملتفين حوله؛ وإثر اكتشاف النظام أن لأخيك دوراً مؤثراً، ألقاه في سجن قزل قلعة مدة شهرين ثم أبعده إلى تركيا.

    ـ هل كنت راضية على ذهاب الأخ إلى تركيا؟

    ـ كلا.

    ـ أذكر أنه جاءكم الأخ عندما أراد الذهاب إلى تركيا، وأذكر أنّي أعنته على شدّ العمامة. وكنت مخالفة مع ذهابه، وتقولين له: "لقد مضى من السيد عمراً وهو يناضل الشاه، فهو مسنّ حالياً، أما أنت فشاب بذمتك زوجة وأطفال وزوجتك حامل حالياً، ما افعل بزوجتك. وبما أنّ الأخ كان مرغماً على الذهاب وما كان يريد إيذائك، قال: إن الجميع مجتمعون هنا، إلاّ الوالد فهو وحيد وفريد في تركيا، فعلي الذهاب قربه… وقد أخذوه في النهاية؛ وكان يوماً عصيباً ومرّاً هل تذكرين؟ [تؤيد زوجة الإمام ذلك بالبكاء]. أعتذر، إنَّ هذه الذكريات مؤلمة لنا جميعاً. الآن تكلّمي عن كيفية ذهاب الإمام إلى العراق، وعن الحوادث التي حصلت له في طريقه إلى العراق؛ ومن المحتمل أن الوالد أو الأخ تحدث عن ذلك. لأن هذا موضوع قلّما تطرّق له شخص. وأغلب السادة، التحق به في العراق فيفتقدون المعرفة بما جرى للإمام قبل ذلك.

    ـ بعد اطلاق سراحه في تركيا خيّروه الرجوع إلى إيران أو الذهاب إلى العراق، إلاّ أنهم عملياً أرغموه على الذهاب إلى العراق. بعد دخوله العراق قررّ أن يذهب إلى كربلاء في البداية لأجل الزيارة، ثم يذهب إلى النجف. وخلال تواجده في الكاظمية ثلاثة أيام أو أربعة كان يذهب إلى سامراء. وفي هذه الأثناء كذلك دعاه أحد الأشخاص الذين كان لهم دار في كربلاء واعتاد الاصطياف في فصل الحرارة ليسكن بيته في هذه المدة، فذهب وسكن هناك مدة ثلاثة أيام، إلى أن أعدّ الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي من أصدقاء السيد وصرّافي العراق بل من صرّافي نصف الممالك العربية، بيتاً له في كربلاء، كما أنه هيّأ للإمام بيتاً في النجف. وفي كربلاء أقام السيد مدة ثلاثة أيام في بيت الحاج الشيخ نصر الله. وقد قال الأخير للناس والطلاب: أعّدوا للإمام بيتاً ووسائل البيت لكي لا يقيم الإمام في غير بيته؛ والوسائل التي اشتروها واعدوها للبيت كانت سجادة وبسط مستعملة، ثلاثة أو أربعة من ملاحف النوم وسماور كبير، وكيس سكر، وصندوق من الشاي، وأربعين فنجاناً وصحون مختلف أنواعها لأجل الاستقبال، أربع صواني (أطباق) وكمية من الأواني الاخرى. وقد أطلع الرجال بأن يأتوا في الساحة التي مقاساتها 5X6متراً. وبعد ما وصل إلى منزله في النجف قادماً من كربلاء، أقام مدة 14 عاماً. والدار كان صغيراً جداً. ومساحة مطبخه كانت لا تسع فراش سرير واحد. كنا نضع قدر الطعام خارج المطبخ عندما نريد صبّ الطعام. كانت هناك غرفتان في الطابق التحتاني حجم كل منهما 3X4، كما كانت هناك غرفتان في الطابق الفوقاني، احدهما كانت غير مؤهلة للاستخدام، ففرشنا واحدة منهما للإمام. وآجرنا البيت المجاور لتخصيصه للاستقبال. والدار عموماً كان صغيراً وقديماً.

    ـ أمي العزيزة! رغم أني أستنبط من الكلام أنك كنت تعانين من الاوضاع الاقتصادية في العيش مع الإمام، إلاّ أنك كنت تتحملين ذلك كله قناعة منك. ألا تتصورين أنك وكذا اطفالك متأثرون جميعاً بالإمام من الناحية العقائدية والأخلاقية؟

    ـ نعم، إن معنويات الإمام وسلوكه وكلماته أثرت على الأطفال، وبخاصة في مجال الديانة، فإن أطفالي متدينون حقاً وأنا أشكر الله على ذلك، وهو يرجع إلى الإمام وآثار وجوده.

    ـ هل تشعرين بهذا التأثير في ذاتكِ؟

    ـ لقد تأثّرت بسلوكه وتقواه كما هو الحال بالنسبة للأطفال، إلاّ أن تأثيره على الأولاد من الناحية الأخلاقية مشهود في الأولاد.

    ـ لو كان زوجك شخصاً غير مؤمن، فهل تعتقدين أنك لا تتغيرين من الناحية الخلقية وكذا الإيمان؟

    ـ كنت أضعف في الديانة، كما أن الآن قويت فيها حقيقة.

    ـ من وجهة نظر أخلاقية غير دينية، هل سمعت الإمام يوماً يحذرك أو يحذّر الأولاد بأن يصونوا لسانهم، أو يتقيدوا بسلوكهم؟

    ـ كان يذكّرنا بالمواظبة على الأخلاق والسيرة الحسنة، فيدعونا لعدم التكبّر، ولا أحد من الأولاد وكذا نفسي كزوجة للإمام يتكبّر، ولا أتصور أنه خطر في ذهننا أنّنا من عائلة الإمام وأن ذلك دافعاً لنا نحو التكبر والعجب.

    ـ ما يخطر ببالك من إرشادات أخلاقية وتربوية؟

    ـ لا أذكر من ذلك شيئاً، فإنه قلّما ينصح، لكنه كان يؤكد على التربية الدينية عندما يبلغ الطفل السبع، ويطالبني بأن آمر الأطفال بالصلاة كي يعتادوا عليها في التسع؛ إلاّ أني كنت أقول له: ضع كل شأن من الشؤون التربوية بعهدتي إلاّ الصلاة، فإنهم لا يصغون إلي. كان يهتم بشأن الصلاة ويسألهم عن أدائهم للصلاة، ويصدّقهم إذا ادّعوا الأداء، ولا يلح بالسؤال منهم، ولا يتفحص في صدق كلامهم.

    ـ تعتقدين أنّ أكبر دور للإمام في مجال تربية الأطفال والعائلة هو تقوية الاعتقادات المذهبية فيهم.

    ـ نعم، أخذتم الأخلاق والإيمان منه؛ أما السلامة والتكيّف مع الحياة ومع الأزواج فأخذتموها مني.

    ـ أماه! كيف تقضين أيامك بعد رحيل الإمام، وكيف هو سلوك الأولاد معكِ، وكذا معاملة المسؤولين؟

    ـ إن معاملة المسؤولين جيدة جداً، وقد زارنا السيد الخامنئي عدة مرات وسأل عن أحوالي. وكذا الشيخ هاشمي الرفسنجاني زارنا عدة مرات، في الاعياد وفي أوقات أخرى. كما زارنا الشيخ كروبي. وزارنا السيد خوئينيها مرة.

    ـ هل تترددون على عوائل المسؤولين؟

    ـ نعم، إن عوائل المسؤولين يتعاطفون معي ويحبونني، وكذا الناس، ونحن يتردد بعضنا على الآخر في الأعياد والمناسبات المختلفة.

    ـ كيف معاملة الأولاد لك؟ وما وصية الإمام في ذلك المجال؟

    ـ إن الأولاد يحترمونني كثيراً، وقد كان الإمام أوصى السيد أحمد العزيز أن يواظب وأن يتلافى ما فاته، وتداركه بالنسبة للوالدة.

    ـ كان الإمام يمتدح دائماً تحملك وصبرك وعفوك كما كان يوصي بك. ونحن شهدنا دورك في نضال الإمام، وشهدنا تعرجات حياتك المشتركة وهبوطها وصعودها، ومعاناتك الغربة في النجف والبُعد عن الأطفال و… رغم ذلك لم نشهد شكاوى أو مخالفة واعتراض على الإمام. وقد كان الإمام نفسه يكرّر حكايته لهذه النقطة. ما توقعاتك من الأولاد؟

    ـ أتوقع منهم الاحترام ما دمت حية كما احترموني إلى الآن. وأنا راضية عن الجميع؛ عن أحمد العزيز وبناتي وزوجة ابني، الجميع جيدون جداً.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    ایران - شیراز
    العمر
    36
    المشاركات
    10,003
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    12279

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    مقابلة مع حرم المرحوم السيد أحمد الخميني (ره)

    معالم الوجه الآخر


    كلما ازداد في الشخصية ظهورها العام وتألقها أمام الجمهور، كلما استبدَّ بالعقول النيرة والنفوس المستبصرة شوقها وفضولها لكي تنفذ من وراء هذا الألق بحثاً في الأعماق عما يتستر وراء المشهد ويخفى عن الأنظار.

    ومع رجل كالإمام لامست مكونات شخصيته تلك السكينة والطمأنينة العلوية التي تنفح بها السماء على أولياء اللّه دون الناس جميعاً، يزداد التوق لاكتشاف بطائنها وما يضمره مشهد الظهور العظيم من اسرار ومفردات.

    الشخصية الكبيرة والصغيرة تمارس كلاهما حضورهما الطبيعي البعيد عن التكلف في دائرة الحياة الشخصية وذاتياتها؛ مع فارق انَّ الأولى تبرهن بالتزامها على سموّها وعلو همتها وما تنطوي عليه من انسجام بين الظهور العام والسلوك الشخصي، في حين انَّ الثانية تعطي الأدلة على دنوها ووضاعتها من خلال حجم المفارقة بين “تكلفها” في الظهور العام، وانحدارها في السلوك الخاص.

    وفي السلوك الخاص تتفوق بعض الشهادات على غيرها بما لا يضارعها أية شهادة. وهذه الأسطر التي بين أيدينا تنطوي على اضمامات ـ لا أكثر ـ تحكي لمحات من معالم الوجه الآخر في حياة الإمام، وتثبت كم هي منسجمة سيرة حياة هذا الرجل بين الدائرتين الخاصة والعامة.

    * السيدة فاطمة طباطبائي نرجو أن تحدثينا عن تأريخ ارتباطك بعائلة الإمام

    لقد ارتبطت بعائلة الإمام في عام 1970، بيدَ ان عائلتنا كانت على معرفة كاملة بعائلة الإمام قبل هذا التأريخ؛ فقد كان والدي وسماحة الإمام الراحل كلاهما مدرسين في الحوزة العلمية بمدينة قم، بالاضافة إلى ان كريمة الإمام الكبرى هي حرم حجة الإسلام اشراقي، والأخير قريب لوالدتي، وهذا سبب آخر لعلاقتنا مع هذه العائلة.

    * وما هي الوصايا والتوجيهات التي تركت أثرها عليك في أول لقاء لك مع الإمام الراحل

    لقد تزوجت من السيد أحمد الخميني في عام 1970، وفي 1973 سافرتُ وزوجي وطفلي البالغ تسعة شهور، إلى العراق، حيث وصلنا منزل الإمام مُنتصف الليل، وقد فتح لنا الباب سماحة الإمام بنفسه، فجلس معنا دقائق ثم نهض وانهمك بأداء صلاة الليل. أثار هذا الموقف استغرابي، فصلاة الليل ليست واجبة، وقد كان بامكانه تأجيلها، خاصة والإمام يحب السيّد أحمد كثيراً، ولم يكن قد رآه منذ عدّة سنوات!

    تأكدَّ لي بعد ذلك أنَّ هذا الموقف للإمام نابع من شدّة حبّه للّه وحرصه على أداء صلاة الليل.

    أمّا الخصيصة الاُخرى التي كان يمتاز بها الإمام، والتي اكتشفتها فيه سريعاً، فهي ثباته وصلابته، والنظام الخاص الذي امتاز به سماحته. فبعد مرور عدّة أيام على مكوثي في النجف الأشرف، احطت علماً بطبيعة برامجه في كل ساعة من اليوم، حتى بت أعرف الساعة من خلال ملاحظة الإمام، بسبب انتظام برامجه ودقّتها.

    وسألت حرم الإمام مرّة عن برامج الإمام، فأجابت: إذا اخبرتك ببرنامجه خلال اليوم الواحد، فبامكانك اعتباره برنامجه على مدار السنة، فهو على غاية كبيرة من النظم والدقة، وكان يوصي بالنظم والتخطيط دائماً.

    كنت أجهل في البداية الكثير من الاُمور، ولكني بعد التدقيق بأعمال الإمام وسلوكه؛ وبعد توجيه الأسئلة إليه، تأكّد لي انه يلتزم كثيراً من المستحبات الشرعية ويبتعد عن المكروهات، وكان ينهانا عن المكروهات أيضاً، فمثلاً حين كنّا نضحك بصوت عال كان ينهانا عن ذلك، لأن الضحك بصوت عال مكروه شرعاً.

    * كيف كان يتعامل سماحة الإمام مع موضوع اختيار الزوجة لابنائه أو الزوج لبناته، وهل كانت لديه وصايا خاصة في هذا المضمار

    لقد كان سماحته يدرس وضع العوائل التي كانت تتقدم للزواج من كريماته بحثاً عن أوجه مُشتركة بين الجانبين. وبعد ان يطمئن إلى عائلة المتقدم ويقتنع بها، يتحدّث بنفسه مع الخاطب ليرَ هل انه كفوء لكريمته أم لا، ويدرس الطرفين وهل بامكانهما فهم بعضهما البعض. بعد دراسة الموضوع بتأمل يستخير اللّه (عزّ وجلّ)، أي يطلب الخير من اللّه.

    وأتذكر مرة انني سألت حرم الإمام فيما إذا كان سماحته يستخير اللّه بشأن المتقدمين للزواج من كريماته أم لا؟ فأجابت: لم تكن للإمام قناعة بالاستخارة بمعناها السائد، كأن يستخير ـ الإنسان ـ فإذا جاءت النتيجة سلبية يرفض، وإذا كانت ايجابية يقبل. كلا لم يكن يعمل بالاستخارة بهذا المعنى.

    مازلت أتذكر جيداً عندما أراد تزويج أحد كريماته كيف استقبل القبلة وصلى ركعتين، ثم توجه إلى اللّه (عزّ وجلّ) يلتمس إليه ان يجعل الخير في هذا الزواج. ولو دققنا في الموضوع لرأينا انّ هذا هو معنى الاستخارة.

    أي انّ على الإنسان بذل ما في وسعه والبحث في الاُمور ودراستها ما أمكن، حتى إذا ما توصل إلى قناعة ذاتية يتوجه إلى اللّه (جلّ شأنه) لطلب الخير والمعونة.

    * ما هو الدور الذي كان الإمام يمنحه لكريماته بشأن اختيار الزوج

    كان يطرح الموضوع عليهن، والشيء الطبيعي انّ العائلتين كانتا على معرفة ببعضهما؛ أي ان كريمة الإمام هي على معرفة كاملة بعائلة المتقدم للزواج مِنها، وكان الإمام يطرح الموضوع على كريمته، وينقل لها تصوره عن الخطيب ونقاط ضعفه وقوته، بيدَ انه كان يترك الخيار النهائي للبنت، وإلاّ في غير هذه الحالة يكون عقد الزواج باطلاً أساساً.

    * هل كان لسماحته (رضوان اللّه عليه) وصايا خاصة وموازين معينة حول الزواج

    لقد كان ميزانه تقوى الشخص دائماً، لأنه يعتقد بأن التقوى هي العامل الرئيس؛ فحتى لو وضعنا البعد المعنوي جانباً، فانّ الإنسان المؤمن لن يتسبب بمشكلة في القضايا الدنيوية؛ فالمسلم المتقي لا يُلحق الأذى والظلم بالآخرين، وبزوجته أيضاً، والمؤمن لن يضيع حق أحد، وكان الإمام يقول دائماً انّ من يسير على منوال ضوابط معينة لا يقوم بأي تصرف غير صادق، وبالنتيجة لن يلحق الأذى بزوجته واطفاله.

    أما الوصية الاُخرى التي كان يؤكد عليها، فهي موضوع الكفاءة، بأن يكون الزوجان مناسبين لبعضهما البعض. والشيء الطبيعي أنّ العائلة العلمائية تتسق أكثر مع العائلة الاُخرى المماثلة لها.

    بناءاً على ما مرّ كان الإمام يؤكد على وصيتين مهمتين بشأن الزواج، الاُولى: التقوى، والثانية: كون الشخص كفوءاً مناسباً. بالإضافة إلى الأهمية التي كان يوليها للعائلة واُصولها؛ إذ كان يعتقد انّ الأب والجدّ إذا كانا صالحين، فان نطفتهما تكون طاهرة أيضاً.

    بعد هذه الاُمور كان يهتم بالقضايا الاُخرى، من دون أن يعير أهمية للجوانب المادية، أو أن يعتبرها معياراً للسعادة والشقاء.

    * ما هي نظرة الإمام إلى آداب الزواج والقضايا المتعلقة به كالمهر مثلاً

    كان الإمام دقيقاً بشأن المهر، أي انه كان يعتقد بضرورة المهر، فعندما كان الزوجان يحضران لاجراء العقد عند سماحته، ويحددان المهر، كأن يكون نسخة من القرآن الكريم فقط، كان يطلب مِنهما تحديد مبلغ من المال كمهر بالإضافة إلى القرآن الكريم.

    * ماذا كان رأيه حول مقدار المهر

    هذه مسألة ترتبط بوضع الأفراد، وكان الإمام يُرجع ذلك إلى العرف السائد؛ فهذا موضوع عرفي بالدرجة الاُولى، فقد يختلف ميزان المهر من عائلة إلى اُخرى، وكان الإمام يعتقد بضرورة الاهتمام بالموازين التي تعتمدها البنت وعائلتها، بيد أنه لم يكن يميل إلى مراسم الزواج الاُخرى، فعندما تزوج حفيده من شقيقتي نهى عن اقامة المراسم، سيما إذا علمنا ان الزواج جرى خلال سني الحرب، حيث نهى سماحته عن الاحتفال، فاقتصرت مراسم الزواج على مستوى الحد المتوسط. أقول بشكل عام، إنّ الإمام كان يرى ضرورة رعاية العرف السائد والعمل وفقاً له.

    * ما هي الاُمور التي كان يعتبرها الإمام جزءاً من واجبات حرمه أو كريماته، وهل كان يبدي انزعاجه لعدم التزامهن بها

    لقد كان احترامه لحرمه كبيراً جداً، وقد كان هذا الاهتمام مشهوداً حتى آخر لحظات عمره، فكان يوصي الجميع بذلك، حتى أولاده؛ أي يوصيهم باحترام زوجاتهم.

    كما تعلمون لا يوجب الإسلام شيئاً من الأعمال المنزلية على المرأة، من قبيل طهي الطعام مثلاً، والإمام كان يولي موضوع الألفة والتفاهم أهمية خاصة، لذا لم يكن سماحته يصدر أمراً لحرمه بشأن هذه الاُمور، فعندما كان يريد مثلاً خياطة أحد ازرار ملابسه، كان يقول للسيدة حرمه: هل يمكن أن تعطيه للآخرين لخياطته، ولم يكن يأمرها ان تخيط ذلك بنفسها. وإذا رأى ان زرّ القميص لم يُخاط فلم يكن يقول ـ معترضاً ـ: لماذا لم تخيطيه؟ بل كان يقول: الم يكن هناك أحد لخياطته.

    لم يقل لحرمه حتى آخر لحظة من حياته ناوليني كأساً من الماء، وفي المقابل كان يقوم بذلك تجاه حرمه، أي كان يأتي لها بالماء، ويذكرها بتناول أقراص الدواء.

    هذا من ناحية سلوك الإمام. وقد كان يتقيّد في بعض المجالات، فبشأن العلاقات مع بقية العوائل، كان يحرص على أن تستشيره حرمه بخصوص اقامة العلاقات الجديدة مع العوائل، وكان يطلب ان تبلغه بالمكان الذي تريد حرمه التوجه إليه، للتأكد من العائلة التي يُراد بناء علاقة عائلية معها.

    لقد كان الإمام يضع هذه القيود خارج المنزل، وكان قد طلب من السيدة حرمه، ان يكون الميزان هو عدم اقتراف ما يشكّل مخالفة شرعية، مع التأكيد على الالتزام بالواجبات.

    انَّ المراقب لأعمال الإمام وتصرفاته يشعر بأنّ ظاهره وباطنه واحد لا يتغيّر؛ فإذا أراد مثلاً ان ينهانا عن الكذب، فقد كان يتصرف بشكل يبين لنا فيه أنَّ الكذب عمل مذموم وصفة الجبناء والوضيعين.

    * ما هو رأي الإمام الراحل بشأن دراسة المرأة، وهل كانت له وصايا خاصة في هذا المجال

    لم يكن سماحة الإمام يتدخل بالشؤون الخاصة لافراد العائلة، وخاصة بالنسبة للمتزوجين من أبنائه الذكور، إلاّ أنه كان يدلي بتوجيهاته لأبنائه الذكور أكثر من الإناث، ولم يكن يتدخل ـ مثلاً ـ حتى في تسمية أحفاده، بيدَ انه كان يدلي بوجهات نظره في هذه الاُمور فيما لو سئل عنها.

    لذلك لم يكن يتدخل في تحديد الفرع الدراسي لكريماته، ولكنه كان يوصي بشكل عام بضرورة مواصلة تحصيل العلم. وكان يوصي أحفاده دائماً بمواصلة دراساتهم العليا ويشجعهم على ذلك. لقد ذكرت حرم الإمام انها طلبت من سماحته عندما قدموا مدينة قم، ان يدرّسها لأنها لم تكن قد أكملت سوى المرحلة المتوسطة، فاستجاب لذلك، وكان يعطيها جزءاً من وقته لتحقيق هذا الهدف، وكان يشجعها على المطالعة، بيدَ أنه كان يؤكد لها ضرورة ان لا يتحوّل العلم إلى حجاب.

    * ما هو موقف الإمام بشأن عمل المرأة

    لم يكن يعترض على ذلك بشرط أن لا يكون للعمل تبعات سلبية على الوضع العائلي، لأنّ المرأة هي التي تربّي المجتمع، والعائلة هي نواة المجتمع. لقد كان الإمام يرى ان دور المرأة مهم جداً في بناء العائلة وتماسكها، كما كان يعتقد ان بمقدور المرأة إصلاح الرجل السيء، فإذا كان المحيط العائلي سليماً فلن تحدث مشكلة ولن يحدث خلاف، مما يترك آثاراً ايجابية على الأطفال الذين سينشأون بشكل سليم، ومن ثم سينعكس ذلك على المجتمع ايجابياً.

    كان الإمام لا يمانع من عمل المرأة خارج المنزل بشرط أن لا يسيء ذلك إلى العائلة، نظراً لدور المرأة المصيري وأهميته في تربية الاطفال.

    كنا أحياناً نمزح معه، ونحن نقول: ان على المرأة أن تبقى في منزلها! فكان يجيب: لا تستهينوا بدوركم في المنزل؛ فانَّ تربية الاطفال ليست بالشيء الهيّن، فلو تمكن إنسان ما من تربية واعداد شخص واحد تربية صحيحة، فسيكون بذلك قد أدّى خدمة جليلة للمجتمع. الأكثر من ذلك، كان الإمام يعتقد بأنَّ الرجل غير قادر على تربية الأبناء، وان ذلك يعتمد بشكل أساس على المراة، لأنّ مساحة العاطفة في المرأة أكبر، والحب والعاطفة يجب أن يكونا عماداً للعائلة.

    * ما هو رأي الإمام الراحل من النشاطات التي تقوم بها السيدات من عائلته في المجالين السياسي والاجتماعي

    لم يكن الإمام يمنعنا من ذلك، إلاّ أنه كان يحرص على ان لا نُستَغَل بسبب ارتباطنا به، أي انه كان يحظر علينا التصدّي للمناصب الحساسة. فكان لا يرغب ـ مثلاً ـ أن تكون كريمته نائبة في مجلس الشورى، حيث كان يقول: لا اُحب أن يقال ان فلانة تسلمت المنصب الفلاني لارتباطها بالإمام وصلتها به. وكان يقول أيضاً: لم نقم بالثورة لكي نتقاسم المواقع، ولكي لا تحدث شبهة في هذا المضمار اُريد منكم أن لا تتسلموا مناصب كهذه، وهناك مجالات اُخرى يمكنكن العمل من خلالها.

    لذلك انطلقت نشاطاتنا في مجالات اُخرى، على سبيل المثال عندما كان سماحته في مدينة قم المقدسة، وأصدر توجيهاته بتشكيل مؤسسة محو الامية، التزمت بأحد الفصول الدراسية، وقد سجلت الكثير من الأخوات الاميات أسماءهن في هذا الفصل، ورغم انَّ الإمام كان يعاني في حينها من مرض القلب، إلاّ انه كان يشعر بالغبطة والسرور عندما كنت اُحدثه عن نشاطاتي في هذا المجال، مما كان يشجعني للتحدث عن ذلك له.

    لقد كان يعلم بأن لدي طفل صغير واني اُواصل العمل خارج المنزل، إلاّ انه لم يكن يمنعني عن ذلك. وكذا الحال بالنسبة لكريمته حيث كان يعلم انها تقوم بنشاطات واسعة على صعيد حركة المرأة المسلمة. لقد كان يقول: واصلوا نشاطاتكم، إلاّ ان عليكم رعاية الحدود الشرعية، ومِنها كسب موافقة أزواجكن.

    * ما هو رأي الإمام بشأن موضوع حجاب المرأة

    كان الإمام الراحل يعتقد بأن ملابس المرأة وظاهرها لا يجب أن يقود إلى الافساد؛ أي يجب عليها ان لا تظهر مفاتنها الجسدية، ولكن لا مانع من ظهور قرص الوجه، بدون زينة.

    أمّا بشأن عمل المرأة خارج المنزل، فكان يرى بأنّ عليها ان لا تتحدّث إلى الرجل ما دام لم تستدع الضرورة ذلك. فعندما كان أحد أحفاده يصل مرحلة البلوغ، لم يكن يجلس معنا في غرفة واحدة، لأنّ الإمام لم يكن يرى ذلك ضرورياً، ولكنه لم يكن يعترض على الضروريات، فقد أخبرته مرة أني تحدثت مع الاُستاذ في الجامعة حول أحد المواضيع الدراسية بباعث الضرورة العلمية.

    * ما هو رأي الإمام بالنسبة لتعدّد الزوجات

    لقد كان سماحته يعتبر رعاية العدالة شرطاً مهماً في ذلك، وكان يستبعد ان يتمكن الرجل من رعاية العدالة، أمّا إذا تمكّن فلا مانع من تعدّد الزوجات. ولكن تعرفون ان سماحته وكل أبنائه وأحفاده لم يتزوجوا غير زوجة واحدة، وكان يتصرف بما يوحي انه لا يحبّذ تعدّد الزوجات، أي انه كان يرى هذا الموضوع غير مناسب.

    والشيء الطبيعي ان تؤخذ أوضاع المجتمع بنظر الاعتبار؛ إذ من المحتمل ان تستدعي الضرورة العمل بمبدأ التعددية. ولكن من الذي بمقدوره رعاية العدالة مع زوجاته.

    * هل كانت للإمام الراحل وصايا خاصة قبل رحيله

    في اليوم الذي سبق انتقاله إلى المستشفى وجه إلينا بعض النصح بشأن موضوع الغيبة. فهو لم ينهِ عن الغيبة لأن ذلك أمر مفروغ منه، ولكنه كان يقول: حاولوا الابتعاد عن المجالس التي تذكر فيها الغيبة. لقد كان يؤكد كثيراً على الابتعاد عن الغيبة وعن السخرية بالآخرين.

    أمّا الموضوع الآخر الذي كان كثيراً ما يؤكد عليه الإمام، فهو اداء الصلاة في أوقاتها، وكان يستشهد برواية عن الإمام الصادق (ع) تؤكد ان المستخف بالصلاة لن ينال شفاعة آل الرسول. قلت له مرّة، ربما كان مراد الإمام الصادق (ع) في حديث الاستخفاف، هو من يؤدي الصلاة مرة ويتركها في مرة اُخرى، بيد أنه أجاب: كلا، ان ذلك سيكون خلافاً للشريعة، فقد كان الإمام الصادق يرى ان عدم الاكتراث بأداء الصلاة في أوقاتها، يعني ان الشخص يرجح عليها قضايا اُخرى.

    * لو تُحدثينا ـ في نهاية المطاف ـ عن بعض توجيهات الإمام الراحل؟

    كانت توجيهاته تؤكد على الالتزام بالأخلاق والآداب في المنزل. أما بشأن التعبد والطاعة فهو بحث خاص يحتاج للتفصيل، فلو تفحصنا فتاوى الإمام لرأينا أنه كان يعطي لكل منها بعده المعنوي. وهذا لا يعني ترك ظاهر الأمر والتمسك ببعده المعنوي أو بالعكس؛ فقد كان الإمام يهتم بالجانبين معاً، أي انه كان يقول بأنّ الظواهر الشرعية لها ابعاد معنوية يجب العناية بها.

    وحول العبادة يذكر الإمام في أحد كتبه، ان العبادة باب فتحه اللّه لرحمته، فليس بامكاننا ـ مثلاً ـ أداء شكر النعمة التي أنعمها اللّه علينا بتعليمنا الصلاة، وسماحه لنا (سبحانه) بأدائها. كان ينظر إلى مفهوم الصلاة بمثل هذا المنظار.

    أي انَّ الصلاة والعبادة هي أبواب فتحها اللّه لرحمته، وبمقدور الإنسان التقرب إلى اللّه من خلال الصلاة. وقد كان الإمام يؤكد انه ليس بمقدورنا أن نعرب عن شكرنا للباري على نعمة الصلاة التي منحنا اللّه ايّاها، ليكون بمقدورنا الارتباط به (عزّ وجلّ) من خلال الصلاة. كان يوصي دائماً بقراءة الأدعية كالمناجاة الشعبانية، وكان يؤكد انه لم يكن بامكان أي منّا أن يدعوا بمثل هذه الأدعية التي كان يدعوا الأئمة بها، لولا ان لطف اللّه هو الذي هدانا إليها لنتكامل من خلالها ونسمو.

    وبشأن شهر رمضان كان يؤكد انه شهر ضيافة اللّه، وهو رحمة منه (سبحانه) لمخلوق ضعيف كي يتمكّن من الارتفاع والسمو.

    تكتسب العبادات والواجبات الشرعية مفهوماً خاصاً عندما ننظر إليها بمثل هذا المنظار.

    شخصياً أوصاني الإمام في الأيام الأخيرة بقراءة دعاء العهد صباح كل يوم، ومن الأدعية التي كان يواظب عليها سماحته دعاء كميل بن زياد المروي عن الإمام علي (ع)، والمناجاة الشعبانية.

    وبشكل عام كان الموضوع الذي يؤكده دائماً وينصح به أفراد اُسرته هو الالتزام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات، والعمل بذلك يستلزم أولاً معرفة الواجبات للعمل بها، ومعرفة المحرمات لاجتنابها، وكان يؤكد ان العمل بالمستحبات له دور خاص في بناء الشخصية الإسلامية.

    كما كان يوصي كثيراً بتلاوة القرآن الكريم.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    ایران - شیراز
    العمر
    36
    المشاركات
    10,003
    مقالات المدونة
    1
    معدل تقييم المستوى
    12279

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    البرنامج اليومي للإمام الخميني (قده)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تصادف هذه الأيام ذكرى رحيل الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، الرجل الذي هزّ الدنيا، وقاد أعظم ثوره في هذا العصر، فما عسى دقائق محدودة جداً تقوى على استنطاق بعض شيء من حياة هذا الرجل العظيم.

    نحاول في هذه الدقائق المحدودة أن تستلهم بعض الدروس من سيرته الحافلة بالعطاء.

    الموضوع الذي اخترته للحديث: (البرنامج اليومي للإمام الخميني).

    1ــ الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) له برنامج يومي ثابت ينظم من خلاله شؤونه اليومية، وكان دقيقاً جداً في تنفيذ هذا البرنامج، وما كان يشغله شيء عن تنفيذ برنامجه..

    حتى إنّ استشهاد ابنه السيد مصطفى لم يغير شيئاً من برنامجه، يقول ابنه السيد أحمد:
    "عندما سمع الإمام خبر استشهاد ولده السيد مصطفى، لم نلاحظ على وجه الإمام أيّ أثر للأذى ولقلق بل قال: (لقد وهبنا الله نعمة وقد استرجعها الآن)، ولم يسمح له لهذا الحدث العظيم أن يوجد أدنى خلل في برنامج دروسه وصلاته ومطالعاته". وقال السيد أحمد الخميني: "كان الإمام في تلك اللحظة التي وصل فيها خبر ابنه السيد مصطفى مشغولاً بقراءة أحد الكتب، ولم يتوقف واستمر في القراءة حتى أنهى من الكتاب صفحة (300).

    2ــ ما هو البرنامج اليومي للإمام الخميني؟

    الإطلاع على هذا البرنامج يعلمنا كيف يجب أن ننظم أوقاتنا، والبرمجة والتنظيم للأوقات له معطياته الكبيرة في حياتنا:

    أ ــ الاستفادة من الوقت.

    ب ــ توظيف القدرات والطاقات بشكل دقيق.

    ج ــ المراقبة والمحاسبة.

    3 ــ ما هي أهم فقرات هذا البرنامج؟

    تحدثنا السيدة زهراء ابنة الإمام (رضوان الله تعالى عليه) عن هذا البرنامج اليومي، نذكره بشيء يسير من التصرف والتعليق .

    1 ــ عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل يستيقظ الإمام الخميني ليقوم بأعمال التهجد والعبادة وأداء صلاة الليل (ويستمر حتى طلوع الفجر)، ويتخللها فاصلة قصيرة تلي إقامته صلاة الليل كان يقرأ فيها الاستفتاءات التي يجب أن يراجعها بنفسه.

    لم يترك الإمام الخميني صلاة الليل اختيارا ..

    {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}..

    {كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

    {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا}.

    {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}.

    {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}.

    لركعتان يصليهما العبد في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها ..

    1ــ صلاة الفجر والدعاء حتى طلوع الشمس .

    2ــ استراحة حتى الساعة السادسة .

    3ــ المشي لمدة نصف ساعة يشتغل خلالها بذكر الله .

    4ــ تلاوة القرآن، وكان محافظاً على تلاوة القرآن .

    5ــ ثم يتناول الإفطار قبل الساعة السابعة .

    6ــ في الساعة السابعة يدخل إلى غرفة الاستقبال وتبدأ اللقاءات (لمدة ساعتين) التواصل الدائم مع الناس. يعيش هموم الناس وقضاياهم.

    7ــ في الساعة التاسعة يمارس الإمام رياضة المشي لمدة نصف ساعة يشتغل خلالها بذكر الله .

    8ــ في التاسعة والنصف يدخل إلى غرفته الخاصة لقراءة التقارير التي ترسل إليه من أنحاء البلاد .

    9ــ استراحة القيلولة؛ ما بين العاشرة وعشر دقائق إلى الساعة الحادية عشرة والنصف يأخذ قسطاً من الراحة (كان يضطجع فيها ــ ربما ينام وقد يبقى مستيقظاً).

    10ــ صلاة الظهر والعصر..

    في الساعة (11,30) يستعد للصلاة: يبدأ بالوضوء. ثم يتلو القرآن، ثم يؤدي صلاتي الظهر والعصر ونوافلهما .

    11ــ الجلوس مع أفراد العائلة ..

    في الساعة (12,55) ينتهي من الصلاة فيجلس للتحدث مع أفراد عائلته (لمدة عشر دقائق).

    12ــ تناول طعام الغداء.. في الساعة الواحدة وخمس دقائق، وبعد الانتهاء يتحدث مع العائلة لمدة عشر دقائق.

    13ــ قراءة التقارير الخبرية .. والاستماع إلى أخبار الساعة الثانية.

    14ــ الاستراحة حتى الساعة الرابعة .

    15ــ في الساعة الرابعة يمارس رياضة المشي لمدة نصف ساعة، يشتغل بذكر الله .

    16ــ قبل غروب الشمس يجدد الوضوء ويبدأ بتلاوة القرآن إلى أن تغرب الشمس، فيتهيأ لإقامة صلاتي المغرب والعشاء ونوافلهما..

    17ــ المطالعة والقراءة (يدخل غرفته الخاصة).

    يهتم بقراءة الكتب المطبوعة حديثاً (قراءات الإمام متنوعة).

    يهتم بقراءة الصحف والمجلات ..

    يتابع برنامج التلفاز..

    يستمع إلى الأخبار بدقة..

    يستمع إلى التقارير الخبرية..

    يتابع المقابلات والتصريحات..

    18ــ ثم يمارس بعض التمارين الرياضية لمدة ربع ساعة .

    19ــ تناول طعام العشاء في الساعة التاسعة .

    20ــ بعد الانتهاء من العشاء يقوم ببعض الأعمال الخاصة به تستمر إلى العاشرة أو العاشرة وعشر دقائق (لم تحدد السيدة زهراء هذه الأعمال الخاصة)!

    21ــ بعدها يذهب إلى غرفته للنوم إلى الثانية بعد منتصف الليل؛ إذ كان ينهض لصلاة الليل .

    3ــ كان الإمام الخميني (رض) يتشدد في ضبط واحترام المواعيد .

    لو أعطى أحداً موعداً في الساعة الثامنة ــ مثلاً ــ، وحضر هذا الشخص في الساعة الثامنة وخمس دقائق، يعتذر الإمام عن استقباله لأنه لم يلتزم بالموعد المحدد، يقول له:

    اذهب الآن وتعال غداً في الثامنة ..!

    أهمية المحافظة على أوقات المواعيد:

    1ــ تعبر عن صدق الوعد.

    2ــ تعبر عن دقة الانضباط.

    3ــ تعبر عن احترام الوقت.

    4ــ احترام أوقات الآخرين.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    20,954
    مقالات المدونة
    4
    معدل تقييم المستوى
    45969

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    رحم الله مولانا الامام الخميني ,,

    حيدر ,,

    سيدي كالعادة تنبض حروفك القا وزهوا وولاء لا ينتهي
    ولا يعترف بالنهايات دام الطيب في قلمك ودام العز لحروفك
    كل الامتنان نبضاً يترنم
    بـ حرفك وإبداعك ترنم الحرف طربا بوصفك له واختال
    زهوا على في كل ابداعاتك اا,,,

    لكِ ارق التحايا واجمل باقات الورد

    :
    نور

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    113
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    الدكتور حيدر
    لو سمحت لي اضافة بسيطة
    فمن قراتي لموضوعك يعتبر الخوميني ترك بصمة قوية في اعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للعالم الاسلامي واحب ان يبلور هذه الخريطة في دمج العالم الاسلامي من خلال قوة واحدة وهذه الفكره وحدها كفيلة بحشد كم من الاعداء بالغرب والشرق ضدها فعلي صعيد العالم العربي
    نجد خوف حكومات الخليج من امتداد أفكار الثورة الإسلامية التي تزعمها الخوميني إلى بلادها مما أدى إلى توتر في العلاقات انتهى بمباركة أمريكية بقيام الحرب بين العراق ممثلة لأقوى قوة عسكرية ضاربة في الخليج في ذلك الوقت وبين إيران الخطر الأيديولوجي المجاور ومن الطرائف أن الكويت قد ساهمت في تلك الحرب بمد العراق بكل ما يطلبه من أموال وصورت صدام حسين على أنه مخلص العرب و حامي حماهم
    و على المستوى المصري بدأت العلاقات تتوتر عندما قبل السادات لجوء شاه إيران إلى مصر بعد أن رفضته كل دول العالم ثم انشرخت العلاقة تماماً بعد إقامة تمثال في ميدان عام في إيران للـ إسلامبولي قاتل الرئيس السادات و ا جرت محاولات لإعادة العلاقات إلى طبيعتها عندما التقى مبارك بـ راسفنجاني في ألمانيا
    ويعتبر هذ ا الرجل بثورته ذو تاثير قوي لمجريات الاحداث بالتاريخ الاسلامي المعاصر


    لقد اثارالخوميني جدلا واسعا بثورته التي تباناها انصاره ومؤيديه وما حوله من بلدان عربية تخشي امتداد الثورة لبلادها عن طريق هؤلاء الاتباع لفكر الخوميني واعتقد ان امريكا هدفها القضاء علي فكر الخوميني بمساعدة الدول العربية التي من مصلحتها محو هذه الفكرة تماما لخطورتها علي بلدانهم

    شكرا
    د تامر

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    مع احترامي للسيد حيدر وجميع الاخوة المشاركين وعلي راسهم الدكتور تامر الصديق الحبيب
    انا لي اعتراض علي بعض فتاوي الخوميني التي ربما تكون مدسوسة عليه لاني منذ فترة قرات بالمنتدي نقد لاحد قتاوي اهل السنة عن جواز ارضاع زميل العمل وبالطبع نحن نعترف ان هذه الفتوي هراء وان كانت اعجبت جميع العاملين بمصر الذين لديهم زميلات عمل جميلات
    ولكن استوقفتني فتوي اود تعليقكم عليها
    هذه فتوى الخميني في تحر ير الوسيلة وهو تحليل وطء الرضيعة او الزواج منها

    لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواما كان النكاح أو منقطعا ، و أما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة و الضم و التفخيذ فلا بأس بها حتى فى الرضيعة ، و لو وطأها قبل التسع و لم يفضها لم يترتب عليه شى‏ء غير الاثم على الاقوى

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    20,954
    مقالات المدونة
    4
    معدل تقييم المستوى
    45969

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    انا لي اعتراض علي بعض فتاوي الخوميني التي ربما تكون مدسوسة عليه لاني منذ فترة قرات بالمنتدي نقد لاحد قتاوي اهل السنة عن جواز ارضاع زميل العمل وبالطبع نحن نعترف ان هذه الفتوي هراء وان كانت اعجبت جميع العاملين بمصر الذين لديهم زميلات عمل جميلات
    ولكن استوقفتني فتوي اود تعليقكم عليها
    هذه فتوى الخميني في تحر ير الوسيلة وهو تحليل وطء الرضيعة او الزواج منها

    لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواما كان النكاح أو منقطعا ، و أما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة و الضم و التفخيذ فلا بأس بها حتى فى الرضيعة ، و لو وطأها قبل التسع و لم يفضها لم يترتب عليه شى‏ء غير الاثم على الاقوى

    اين اذا هو الحرام والحلال في فتواك ,,,كيف يريد المسيو القر..ضاوي ؟ ان ترضع امراة بالغة ناضجة دون ان تثار هذا من الناحية الحسية بقي علينا مناقشة الحرم الحرام وهو تعري امراة امام رجل ,,,
    اذا نحن بحق وحقيق امام نصابين مشعوذين اساؤا لكل الديانات باجتهاداتهم القذرة اساءة بالغة لاحدود لها ولو كان الذين يقاتلون الكفرة في العراق شرفاء وهم صادقين في دعواهم وشعاراتهم المرفوعة لما سكتوا عن هذا الكفر الذي جاء به شيخهم القر...ضاوي ؟ وبدل من ان يقاتلوا المحتلين ويقتلوا الابرياء في العراق عليهم ان يحموا الدين الاسلامي الحنيف من الدخلاء عليه والمسيئين اليه امثال بن لا....دن . والقر...ضاوي .؟بيه
    نور

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    20,954
    مقالات المدونة
    4
    معدل تقييم المستوى
    45969

    افتراضي رد: السيرة الذاتية للامام الخميني

    لا
    يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواما كان النكاح أو منقطعا ، و أما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة و الضم و التفخيذ فلا بأس بها حتى فى الرضيعة ، و لو وطأها قبل التسع و لم يفضها لم يترتب عليه شى‏ء غير الاثم على الاقوى
    يقول الخميني في كتابه تحرير الوسيلة ص241 مسالة رقم 12 ( وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ) !
    انتهى قوله ....


    هكذا يتادول الوهابية الفتوى
    و الأصل هو


    تحرير الوسيلة في ج 2 ص 216 وهي على النحو التالي :
    مسألة 12 – لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواماً كان النكاح أو منقطعاً ، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شيء غير الإثم على الأقوى ... الخ .






    ملاحظات:


    أولاً :
    الفتوى ليس في باب المتعة إنما هي في باب النكاح عموماً
    .

    ثانيا :
    الفتوى ليست في صدد إباحة التمتع أو عدم إباحته ، وإنما بصدد بيان لواحق الزواج بالزوجة الصغيرة وهل يجوز وطؤها أم لا ، فالجواب لا يجوز قبل إكمال التسع كما هو واضح .. هناك سؤال ثاني يسأل إذن يجوز الاستمتاعات غير الوطء ، الجواب نعم
    .

    ثالثاً و هذا مهم جدا :
    بيان حد الصغر ، أجاب بأن لا حد للصغيرة في الزواج حتى الرضيعة .


    رابعاً :
    لو عبث بها لما دون الإفضاء - وهو اتحاد الموضعين - هل عليه حد أو غرامة ؟!. الجواب : لا حد عليه ولا غرامة .. ولكن عليه إثم شرعي .





    و
    الحقيقة
    إن هذه الفتوى مما
    أجمع عليه المسلمون
    ، وإني أتحدى أي فقيه أن يقول أن هذه الفتوى خلاف الفقه بكل المذاهب .. فعلى صعيد المذاهب الأربعة يرون بالتسليم واليقين أن
    رسول الله فعل ذلك بالسيدة عائشة فتزوجها بنت ست سنوات
    ودخل بها بعد بلوغها
    التاسعة
    ، وهذا يكشف عن جواز الزواج من الصغيرة غير البالغة وعدم جواز وطئها قبل التاسعة ، وباقي الاستمتاعات مسكوت عنها ينطبق عليها عموم حقه في زوجته والأصل عدم التحريم فيما لا نص عليه
    °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
    وهذه فتوى لأحدلإخوة من أهل السنة


    المبسوط ، للإمام السرخسي
    : المجلد الثامن ، الجزء 15 ، كتاب الإجارات .
    ( ولكن عرضية الوجود بكون العين منتفعاً بها تكفي لانعقاد العقد ، كما لو «
    تزوج رضيعة
    » صح النكاح )

    منقووول بتصرف

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •