انظموا الی مجموعه منتديات العراق بالفيس بوک  

 

- الإهدائات >> رنا النجفية الي مشتاقتلكم : مساء الانوار مشتاقة للكل كيفكم دنيا مخذتنا والحياة .. سلامي للكل الاصدقاء .. ان شاء الله مانسيتوني..تحياتي رنا النجفية.. عماد البحري الي ويبقى الحسين : ورأسك من بينهاسيدي-يضيءالدنا نوره ساطعُ - سيحكي الى الناس يكفي الخنوع*- فما عاش*خلدا بها** الخانعُ - فذاك يزيد وهذا الحسين*- على كفه دمه واضعُ- يجول ارتيادا لكل الحتوف ويقهرها*صوته الجامعُ عماد البحري الي ويبقى الحسين : تيممت تربك في الحاضنات******** بمرضعة*** للهوى** ترضعُ *** فكنت حسيني حتى النخاع************ يهدهدني*** حبك*** الناصعُ عماد البحري الي ويبقى الحسين : شممت ثراك فكان النسيم******* ليلذعني** والهوى** لاذعُ *** تجفُّ الدماء ويبقى الحسين******* خواتمها وهو المطلعُ * عماد البحري الي كربلاء حيث طريق الاحرار : تمشي إليك توسلا خطواتي وأعدها إذ أنها حسناتي ووددت لو أن الطريق لكربلا من مولدي سيرا لحين مماتي لأنادي في يوم الحساب تفاخرا أفنيت في حب الحسين حياتي

النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

  1. #1
    حيدرالسماوي Guest

    افتراضي شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام
    الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (رض)


    مقدمة الكتاب


    ينبغي أن يلتفت القارئ الكريم حول هذا الكتاب إلى عدة نقاط:
    النقطة الأولى: إن هذه هي المجموعة الثانية من المحاضرات التي ألقيتها على مجموعة من طلاب الحوزة الشريفة في ذكرى شهادة الحسين الشهيد عليه أفضل الصلاة والسلام.
    أما المجموعة الأولى فقد مضى عليها عدة سنوات وطبعت عدة مرات بعنوان: (أضواء على ثورة الحسين ).
    وغالبا ما يتم إلقاء أمثال هذه المحاضرات خلال الأشهر الخاصة بتلك المناسبات وهي شهري محرم الحرام وصفر الخير الهلاليين.
    وقد تم إلقاء هذه المجموعة الثانية في عام 1418 للهجرة النبوية الشريفة على مهاجرها أفضل الصلاة والتحية.
    النقطة الثانية: انه كان في الإمكان أن يكون هو الجزء الثاني لذلك الكتاب. ولكننا وجدنا ـ كما سيجد القارئ أيضاً بعد إطلاعه على كلا الكتابين ـ إن هذا الكتاب مختلف عن سابقه اختلافا جوهريا، بالرغم من اتحادهما في الموضوع العام. ومن هنا رجحنا أن يكون كتابنا مستقلا، واخترنا له هذا العنوان: (شذرات من فلسفة تاريخ الحسين ).
    النقطة الثالثة: إن فكرة ما يسمى بالتقريرات في الحوزة الشريفة موجودة بكثرة وخاصة في علم الأصول. حيث يقوم الأستاذ بإلقاء المحاضرات، ثم ينبري احد الطلاب الأذكياء المستوعبين للمادة إلى كتابة تلك المحاضرات وطبعها باسمه واسم أستاذه. فتلك هي (التقريرات).
    وقد سمعت من بعض الفضلاء إن كتاب (فقه الرضا) وكتاب (تفسير العسكري) إنما هي نوع من التقريرات كتبها بعض طلاب الأئمة عن محاضراتهم عليهم السلام.
    وهذا الكتاب الذي بين يديك هو نوع من التقريرات، حيث قام جناب الأخ المفضال الشيخ اسعد الناصري دام عزه بكتابة وضـبط تلك المحاضرات بشكل منسق وجميل. فكان ذلك هو هذا الكتاب جزاه الله خير جزاء المحسنين.
    وقد قرأت كتابته بتدبر فوجدتها متكاملة وشاملة ومماثلة لما كنت ألقيته من تلك المحاضرات بحمد الله وحسن توفيقه.
    النقطة الرابعة: إننا اتفقنا فيما بيننا: انه لا حاجة إلى أن تكون عبارة الكتاب جزلة ورصينة ـ كما يعبرون ـ بل يحسن أن تكون بنفسها انعكاسا لسلاسة المحاضرات الأصلية ووضوحها، فانه سيكون اعم فائدة واشمل نفعا.
    ومن هنا كان الأسلوب في هذا الكتاب، هو أسلوب الدرس نفسه، وليس أسلوب التدريس الرصين المتكامل.
    إلا انه بطبيعة الحال أصبح صورة عن المحاضرات، بسهولتها وصعوبتها أيضاً، فإنها ـ بلا شك ـ تمثل لغة الحوزة ومصطلحاتها، حين تحين الحاجة إلى تلك المصطلحات.
    ومن ثم فقد يجد القارئ الاعتيادي، بعض الصعوبة الناتجة من اختلاف الفكر الحوزوي واللغة الحوزوية عن اللغة السوقية. وكان هذا مما لابد منه.
    النقطة الخامسة: لم تكن مهمة جناب الشيخ المقرر دام عزه سهلة، لان المحاضرات نفسها، فيها مكررات أحيانا وإيضاحات واستدراكات وغير ذلك، مما يقتضي الحذف أحيانا والتقديم أو التأخير أحيانا. وقد قام بكل ذلك مشكورا.
    هذا وقد أعطيته الحرية التامة بالتعبير، فلم أغير من كتاباته شيئاً، بل أقررته عليها وان صادف أحيانا إنها تختلف قليلا عن مضـمون الدرس نفسه. فإنها يكفي أن تكون ممثلة لفهمه من تلك المحاضرات. وهو فهم كاف ومعتد به والحمد لله وحده.
    النقطة السادسة: يلاحظ القارئ الكريم كون هذا الكتاب خاليا عن المصادر والتحويل على الأجزاء والصفحات والطبعات.
    فقد اعتدت شخصيا على ذلك في عدد من مؤلفاتي مثل ثورة الحسين  وفقه الأخلاق. ثم قد يوفقنا الله سبحانه في الطبعة الثانية إلى بيان ذلك. كما كان فعلا في الكتابين المذكورين في طبعتهما الثانية.
    النقطة السابعة: يجد القارئ الكريم أن هذا الكتاب غير مستوعب لكل تاريخ الحسين . بل فيه نقص رئيسي وهو عدم تعرضه لواقعة يوم الطف. وإنما تعرض الكتاب إلى هذا الإمام الهمام من أول أمره إلى قضية مقتل مسلم بن عقيل  في الكوفة، بصفته سفيرا للحسين . وكان ذلك كافيا في إنجاز هذا الكتاب، ويبقى الحديث الباقي عن وقائع يوم الطف وغيره موكولا إلى ضمير الغيب، لعل الله سبحانه يوفقنا إليه إذا بقيت الحياة.
    النقطة الثامنة: انه لاشك إن النظر إلى فلسفة تاريخ المعصومين عليهم السلام وأفعالهم وأقوالهم من الصعوبة بمكان، لان ذلك حتما فوق المستوى الاعتيادي للبشر. كما حاولنا البرهنة عليه في مقدمات كتابنا عن ثورة الحسين .
    ومن هنا يكون أي كلام مخالف للواقع، من الكذب على الله تعالى وعلى المعصومين عليهم السلام، وهو من أعظم الكبائر في الدين. فبينما يريد به الفرد الإفادة والثواب، فانه ينال اللعنة والعقاب.
    إلا إن الذي يهون الخطب، هو أسلوب الأطروحات الذي عرضناه وعرفناه في مقدمة (منة المنان). وهو الأسلوب الذي اتخذناه هنا أيضاً، بل هو موجود أيضاً في اغلب مؤلفاتي ودروسي.
    فان كثيرا من الوجوه والاعتبارات والالتفاتات، لو صح التعبير، إنما هي أطروحات مناسبة للمقدار الذي نستطيع أن نفهمه ونعلمه من مستوى المعصومين عليهم السلام.
    ويبقى الواقع منحصرا بضروريات الدين وواضحات التاريخ من ناحية، وبما يعلمه الله سبحانه من الأسرار الواقعية التي نحن في مستوى النقص والقصور عن الالتفات إليها والحصول عليها.
    وفي النهاية أتمنى على الرب الرحمن الرحيم أن يجعل في هذا العمل وغيره القربة والرضا، وان يعفو عن ما قد يكون فيه من نقائص وهفوات، ناتجة من النفس الأمارة بالسوء وأتمنى على الأخوان المؤمنين الدعاء بخير الدارين وكل ما تقر به العين. ومن الله نستمد كل توفيق والحمد لله رب العالمين.

    1 شوال 1418 محمد الصدر


    مقدمة الشذرات

    في حدود فهمي: إن هذه الدروس تصلح أن تكون تكملة لكتابي (أضواء على ثورة الحسين) والى ساعة متأخرة كنت احسبها ليست ذات منهج معين، وإنما هي عبارة عن مجموعة أسئلة على غرار درس التفسير، حيث يعرض السؤال ثم يجاب عليه، مع نقطة ضعف توجد هنا وذلك إن درس التفسير مرتب على ترتيب آيات القرآن الكريم، بينما نجد إن هذا الدرس ليس كذلك.
    وهذا إلى حد ما صادق، ولا أستطيع أن اضبط المطلب مئة بالمائة، وإنما بعد إلقائه وكتابته يمكن ترتيبه بشكل من الأشكال.
    وإذا كانت هذه الأمور التي سوف اطرحها تكملة لكتاب (أضواء على ثورة الحسين، فهناك تحدثنا عن كبرى وصغرى. أي قاعدة عامة، وتطبيق للقاعدة العامة، والتي استوعبت حوالي نصف الكتاب، وذلك في إعطاء فكرة عن أن نحمل المعصومين وأصحابهم على الصحة، لأنهم تربية رسول الله ، أو لأنهم ملهمون ونحو ذلك. فأي شيء شككنا فيه من ذلك فإنما هو لقصورنا وتقصيرنا، وليس لنقص فيهم والعياذ بالله.
    وهذا يعتبر كقاعدة عامة، وأما التطبيق فتحتاج إليه بعض النفوس، فقد يأتي السؤال بقوة في الذهن، فإذا حصل شيء من ذلك فانه يحتاج إلى الجواب.
    وقد تركت التعرض إلى بعض الأسئلة هناك، فلربما إن بعض الأسئلة يصعب جوابها خصوصا أمام العوام، وإنما ذكرت اشهر الأسئلة وأوضحها مع أجوبتها وليست كلها كذلك.
    والأمر هنا كذلك، فإننا نعرض السؤال الذي نستطيع أن نجيبه، وأما إثارة السؤال الذي لا نستطيع الإجابة عليه فغير صحيح. فان مثل ذلك يثير الشبهات في أذهان السامعين، فيفهمون السؤال ولا يفهمون جوابه.
    مع العلم انه يحرم إثارة الشبهات التي لا يمكن الإجابة عليها أمام الناس.
    والأسئلة سوف تكون على تقدير صحة الروايات، وأكثرها روايات تاريخية ضعيفة، فإننا لو وزناها بالميزان الفقهي لا تكون معتبرة. فمن هذه الناحية فان أسهل ما يقال في مثل ذلك هو ضعف السند، والأصل عدم صدوره، فنتخلص من اصل المشكلة.
    ولكن بعض الأمور قابلة للتفسير دينيا، أو عقلائياً، أو عرفيا، أو بدرجة من درجات الباطن.
    فإذا كان الأمر كذلك نستطيع أن نتنزل عن عدم اعتبار السند، ونقول: لو كان هذا القول أو العمل موجودا فجوابه كذا وكذا.







    نصرة الحسين 

    روي عن الحسين  انه قال: من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبَّه الله على منخريه في النار 
    فانه يرد على ظاهر هذا الحديث الشريف إشكال رئيسي، يتسجل بالالتفات إلى ثلاث مقدمات، فإذا استطعنا مناقشتها، أو مناقشة بعضها، فالإشكال ساقط:
    المقدمة الأولى: إنهم قالوا في معاجم اللغة ، في لسان العرب وغيره: إن الواعية هي الصراخ على الميت، وهي لا تحصل إلا بعد الموت. فواعية الحسين وأصحابه لا تكون إلا بعد استشهادهم. فمعنى قوله: واعيتنا أي من سمع إننا متنا، بحيث سمع البكاء أو الصراخ علينا. ولا معنى لوجودها قبل الموت.
    المقدمة الثانية: قوله ينصرنا فإن النصر المتوقع له إنما يكون حال حياته، وحال حربه مع جيش الأعداء أو قبل ذلك، أي حينما كان يدعو الناس في المدينة، إذ لا معنى للنصر بعد الموت الذي يكون قد حصل.
    المقدمة الثالثة: إن المفهوم عادة من (ينصرنا) أو (أنصرنا) أو (هل من ناصر لنا) هو النصرة في المستقبل، فان إطاعة الأمر بهذه الصيغة تكون استقبالية دائما.
    فيكون المعنى كالآتي: من سمع واعيتنا أي بعد موتنا فلينصرنا، أي بعد حصول الشهادة، وقد قلنا في المقدمة الثانية: انه لا معنى للنصر بعد حصول الشهادة والوفاة.
    إذن فلو تمت كل هذه المقدمات لأصبحت العبارة لغوية ولا معنى لها.
    ويمكن الجواب على ذلك بعدة مستويات:
    المستوى الأول: إن نتنزل عن المقدمة الأولى، وهي: إن الواعية هي الصراخ على الميت، فنقول: إن الواعية كما هي الصراخ على الميت هي أيضاً مطلق الصراخ وان لم يكن على الميت.
    قال ابن منظور: والوعى أو الوغى بالتحريك، الجلّبة والأصوات، وقيل: الأصوات الشديدة ... والواعية كالوعى. فكما إن الوعى: الأصوات، فكذلك الواعية أيضاً.
    وقال الأزهري: الواعية، والوعى، والوغى كلها الصوت، والواعية هي الصارخة. أي إن الواعية كما إنها تستعمل كمصدر فإنها تستعمل كاسم فاعل، أي الفاعل للصوت، أو الناطق به. وإنما سمي الصراخ على الميت واعية، لأنه صوت وضوضاء، أي حصة من الصوت والضوضاء.
    فيكون معنى الخبر الوارد من سمع واعيتنا، أي سمع صوتنا، وسمع استغاثتنا، ولم يأت لنصرتنا الآن مع تمكنه من ذلك، أكبه الله على منخريه في النار، وهو أمر مطابق للقواعد فقهيا وعقائديا، ولا يحتاج الحسين إلى بيانه، ولكنه بينه إيضاحا وتنبيها للغافل وغير الملتفت. وكذلك لإقامة الحجة على الجيش المحارب له، فإنهم بطبيعة الحال يكونون مصداقا لذلك، بل هم المخاطبون بالمباشرة، وباقي الناس إنما يبلغهم النداء بالنقل والرواية، ومن الواضح تاريخيا إنهم لم يستجب منهم احد إلا الحر بن يزيد الرياحي وربما معه ولده أو خادمه أو هما معاً .
    المستوى الثاني: التنزل عن المقدمة الثالثة: فان قوله: (ولم ينصرنا) وان كان ظاهرا بالاستقبال في نفسه، كما هو مقتضى طبيعة الأمر، إلا انه لما كان يلزم منه اللغوية ـ بعد التنزل عن الأجوبة الأخرى ـ فانه يمكن أن نحمله على إرادة الماضي، وخاصة مع وجود حرف (لم) الذي يفيد الماضي، فيكون المعنى: ولم يكن قد نصرنا خلال حربنا واستغاثتنا، أكبه الله على منخريه في النار. وهو أمر مطابق للقواعد أيضاً.
    المستوى الثالث: التنزل عن المقدمة الثانية التي تقول: (بان النصر المتوقع المطلوب إنما يكون في حالة حياة الحسين وأصحابه)، أي نصرهم ضد الجيش المقابل لهم في حال حياته وحال حربه. فنقول: إن ذلك ليس هو الفرد المنحصر أو المعنى الوحيد، وان كان هو القدر المتيقن. فان النصرة يمكن أن تكون في كل وقت، حتى بعد الشهادة وحتى الآن وحتى في المستقبل، فيمكن نصرته في أي مكان، وفي أي زمان، وفي أي جيل، ومن قبل أي شخص، وعلى كل المستويات.
    فيكون المعنى:  من سمع واعيتنا  أي بعد حصول الشهادة للحسين وأصحابه، فيجب عليه أن ينصرنا في أي زمان ومكان بمقدار ما يستطيع. وما يتيسر له من إمكانيات.
    والنصرة أيضاً ليست منحصرة بالقتال، وان كان هو القدر المتيقن منها، إلا إنها يمكن أن تكون لها حصص كثيرة من باب نصر أصول الدين أو فروعه أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإطاعة أوامره، وتطبيق شريعته التي قتل من اجلها، وضحى في سبيلها، وكذلك هداية الآخرين نحو أهدافه، وكشف زيف أعدائه. وكذلك تطبيق الإصلاح الذي استهدفه وذكره في بعض خطبه ونحو ذلك.
    ومن هنا يكون كل من يأخذ بثأر الحسين فهو ناصر له بلا إشكال وأوضح الأمثلة في ذلك أمران:
    الأول: حركة المختار الثقفي، فانه ناصر للحسين وليس مشمولا لقوله:  من سمع واعيتنا فلم ينصرنا.
    الثاني: الأخذ بالثأر من قبل الإمام المهدي (عج)، فانه ناصر للحسين بعد شهادته.
    إذن، فالإشكال من هذه الناحية منسد ولا معنى له.

    * * *

    ثم انه يوجد هناك سؤال آخر، وهو سؤال اقرب إلى الفهم الفقهي. والفهم الفقهي يحتاج إلى صحة السند، فإذا قلنا انه غير تام سندا فحينئذ ينسد باب السؤال من الناحية الفقهية، ولكننا لو تنزلنا وقبلنا بصحة السند، أو الاطمئنان بصحته، والاطمئنان حجة، فحينئذ يأتي هذا السؤال، وهو: إننا بعد أن عرضنا الجواب عن السؤال الأول، بان معنى قوله : من سمع واعيتنا فلم ينصرنا أي في المستقبل ولو بعد الشهادة بمائة سنة أو ألف سنة أو أكثر، فان هذا يدل على وجوب نصرة الحسين دائما في كل مكان وفي كل زمان.
    جوابه: انه يحول دون ذلك أمران بعد غض النظر عن السند:
    الأمر الأول: إن كان المراد بالانتصار للحسين هو مطلق الانتصار وليس بخصوص القتال فقط، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباقي أحكام الشريعة، فان الحسين فدا نفسه لأجل ذلك، إذن فنصرته تكون بتطبيق منهجه وشريعته وأهدافه. وحينئذ فعلينا أن ننظر إلى التكليف ماذا يقتضي، فالواجبات يجب تطبيقها، والمستحبات يستحب تطبيقها. فلا يحتمل أن يكون المراد هو وجوب تطبيق المستحبات، فإنها نصرة للحسين ولكن بمقدار موضوعها.
    الأمر الثاني: إن كان المراد من الانتصار للحسين هو الحرب والقتال، فان عمل الحسين الرئيسي في هذا الموضع هو القتال، فعلى كل جيل أن يمارس القتال لأجل نصرته حتى في المستقبل أي بعد شهادته،بعد اعتبار إن الرواية صحيحة السند، وهناك يمكن مناقشة الوجوب من عدمه، فهل هذا الأمر صحيح أم لا؟.
    وجوابه: إن هذا يكون منوطا بأمرين:
    الأول: وجود المصلحة، أو الحكم الشرعي بالوجوب أو الاستحباب ونحو ذلك من الأمور.
    الثاني: وجود القدرة والتمكن، وأما إذا كانت القدرة غير موجودة، فان التكليف ساقط لا محالة، لأنه تكليف للعاجز وتكليف بما لا يطاق، وهو قبيح عقلا.
    ولا يبعد القول إن هذا غير متوفر في اغلب الأجيال.
    نعم ، لو أحس أي واحد وجود الشرائط لديه في أي مكان أو زمان، لامكن الفتوى بوجوب ذلك، ومقتضى القواعد هو ذلك، فلا يحتاج معه إلى البحث عن صحة السند.

    * * *

    بقي الإلماع إلى أمر، وهو إن هذا الوجوب الذي دلت عليه الرواية الشريفة مهما فسرناه فانه متوقف على مقدمتين، فقد أشارت الرواية إلى واحدة وأهملت الأخرى لأنه تقييد عقلي موجود لسائر الأحكام، بل إن كل الأحكام الشرعية مقيدة بقيود نشير منها إلى هذين القيدين:
    الأول: العلم.
    الثاني: القدرة أو التمكن.
    فشرطية العلم قد ذكرت في الرواية بقوله:  من سمع واعيتنا أي علم بها، فبمفهوم المخالفة ، انه إذا كان الإنسان جاهلا فانه يكون معذورا أكيداً، سواءٌ كان في ذلك الحين أو كان في أي مكان أو زمان.
    ومع عدم التمكن يكون العجز، والعاجز معذور لا محالة. وهذا أيضاً لا يختلف فيه من كان في أي زمان أو مكان. فمثلا: هذا الذي دعي لنصرة الحسين في حياته، وخرج مع صحب له من البصرة قاصدا نصرته، فوصله خبر مقتله، فانه يكون معذورا ومأجورا. رغم معرفتنا إنهم فقدوا للتوفيق للنصرة الفعلية ولم يرزقوا الشهادة مع الحسين وصحبه.
    ومثلهم عبد الله بن جعفر لكونه كفيفا أو محمد بن الحنيفة لضعفه عن القتال أو المختار لسجنه وغيرهم.
    إن قلت: إن ما قلتم إن من نصرة الحسين نصرة الأحكام الشرعية، ليس بذات الأهمية التي تدعونها، وهي ليست بذلك المستوى من الأهمية، بحيث يستصرخنا الحسين  لأجلها، فان الاستنصار والاستصراخ هو للأهم الأهم منها، وأما الباقي فانه موكول إلى تطبيق الأحكام الشرعية.
    قلنا: إن أوضح جواب على ذلك، انه قد ورد ما مضمونه: ( انظر لمن تعصي) ، فان الذنب يكتسب أهمية بقدر المعصي وليس بقدر العاصي، والله سبحانه لانهائي وحق الطاعة له جل جلاله، وحق الطاعة للانهائي لانهائي، والمعصية تكتسب مسؤولية أخلاقية لا متناهية، حتى ولو كانت في اقل المعاصي وأصغرها.
    فلو عذب الله فردا إلى الأبد بذنب واحد لم يكن غير منصف له ، وورد فيه دعاء . ولكن رحمته سبقت غضبه.
    إذن، كل حكم فقهي مشمول لاستنصار الحسين ، ولا يمكن الاستهانة به، فعلى الفرد أن يطبق أوامر الله تعالى صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، ظاهرها وباطنها، مهمها وبسيطها، فطاعة الله تعالى بتلك الأهمية بحيث إن الحسين على عظمته يقتل في سبيلها، ويداس تحت أقدام الحيوانات. فكل تلك المصائب التي حصلت في عرصة كربلاء إنما هي قربان بسيط وقليل بإزاء طاعة الله تعالى، وتطبيق منهجه، وتحقيق أهدافه، ومصالحه الواقعية التي ذخرها الله لنا.


    علاقة الحسين  بمن قبله وبمن بعده
    وفق نظرية التخطيط الإلهي العام

    يميل البعض من المفكرين ممن يريد إثبات وعيه، وإخلاصه في كتابته للتاريخ أو فلسفة التاريخ، إلى القول بترابط حلقات التاريخ عموما، أو تاريخ المعصومين عليهم السلام خصوصا.
    فان التاريخ ليس مجموعة عشوائية من الحوادث، وإنما هو عبارة عن حوادث مترابطة، أي إن فيه اتصالا، وعلية ومعلولية. بل بالإمكان القول إن هناك نحو من التخطيط والحكمة من أول التاريخ إلى آخره، سواء كان التاريخ عموما، أو تاريخ معصومي ما بعد الإسلام، ابتداء من النبي  وانتهاء بالإمام المهدي خصوصا.
    فهناك مخططا أدركه النبي  وأدركه الأئمة واحدا بعد واحد بعد أن بلغه السابق للتالي منهم عليهم السلام أجمعين.
    فالأئمة نفذوا مخططا واحدا مشتركا ومدروسا ومتفقا عليه بينهم، ويمكن أن نستنتج من ذلك إن لو كان أي منهم في محل الآخر لفعل نفس فعل الآخر. فلو كان الإمام الهادي مثلا بدلا من الإمام الصادق لفعل نفس فعله، وكذلك العكس، فان المصلحة في زمن الإمام الصادق تقتضي الفعل الذي فعله الإمام الهادي ، فأي شخص من الأئمة لو كان في ذلك الزمن لكان عليه أن يفعل ذلك الفعل، لان المصلحة الواقعية واحدة لم تتغير.
    ثم إنهم يذكرون لذلك المخطط وجوها وأطروحات مستندة إلى ما استطاعوا فهمه من مجموعة الأقوال والأفعال الصادرة من المعصومين وغيرهم.
    ولا تنافي قطعا بين كون التاريخ عموما مخططا عن حكمة ودراية وبين تاريخ المعصومين وكونه مخططا كذلك. وبتعبير آخر إن تاريخ المعصومين هو حصة، أو مصداق من التخطيط التاريخي العام. ولكنهم يبرزون عادة فرقا بينهما مفاده:
    إن التخطيط العام للتاريخ تكويني، والتخطيط في التاريخ الإسلامي تشريعي، أو قل: إن ذلك تلقائي، وهذا عمدي.
    نعم، كلاهما عمدي بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، ولكننا نتحدث بالنسبة إلى الأفراد، فانه لم يدل الدليل على إن الأفراد قبل الإسلام كانوا يعلمون الحكمة الإلهية في سير البشرية ، وإنهم ملتفتون إلى التخطيط الإلهي بما فيهم الأنبياء فضلا عن عامة الناس. أما بعد الإسلام فالدليل دال على إن المعصومين كانوا ملتفتين إلى ذلك التخطيط، والى الحكمة الإلهية، كما ورد إن رسول الله  أمر أمير المؤمنين بالصبر، فطبقه الإمام عن علم وعمد، واعتكف عقدين من الزمان ولم يخطط لاسترداد حقه ولم يؤكد حقه أكثر مما فعل لورد الوصية له بذلك، حتى ورد إنهم جاءوا إلى سلمان الفارسي وقالوا له: إن إمامك يُجّر بحمائل سيفه، إلا تنصره؟. فقال: لو شاء أن يقلب ذه على ذه لفعل .
    فانه ساكت عن علم وعمد لم يفعل ما يخل بالتخطيط لا ظاهرا ولا باطنا تسليما لأمر الله تعالى.
    والى حد ما نستطيع أن نقول: إن هذه القاعدة ثابتة ومبرهن عليها في علم الكلام من ناحية، وفي الفلسفة من ناحية أخرى، فإننا حينما نؤمن بوجود الله تعالى، ونؤمن بعدله، وحكمته اللامتناهية، بتسبيب الأسباب والمسببات، إذن، فكل شيء مهما كان صغيرا فهو مطابق للحكمة الإلهية التي نؤمن بها، ويحتاجه التسبيب الكوني، سواء أكان على الأرض أم خارجها.
    هذا من ناحية علم الكلام.
    وقد عرفت أن هناك فكرة أجمالية تتناول خصائص الأسماء الحسنى وفاعليتها في الكون ، سواء على مستوى القبض أو على مستوى البسط.
    وأما من الناحية الفلسفية، فان الأمور معمقة بدقة أكبر، بحيث يجعلون الكون على شكل هرمي في المسؤولية الإلهية، ابتداء من الصادر الأول، وانتهاء بأدنى شيء. مضافا إلى فكرة أخرى، وهي إن العلل العليا ليس لها ماضي وحاضر ومستقبل، فان هذه الحدود تقيدنا لأننا فيها، وأما من ينظر إليها من فوقها، فهو في غنى عنها، ولا يحتاج إليها، فليس لها ماضي وحاضر ومستقبل، بل إن كل ذلك هو تحت سيطرة العلل العليا، وبمعنى من المعاني كله مخلوق ومسطور من الأبد إلى الأزل، لا يتخلف منه طرفة عين ولا ذرة ضوء ولا غير ذلك من الأمور.
    إن قلت: إن هذا قول بالجبر.
    قلنا: إن من جملة فقرات هذا التخطيط العام هو اختيارية كل المخلوقات أو معظمها، أو قل: إن لها اختيار كل بحسب رتبته مهما قل اعتبار وجوده، ، لان الفلاسفة المتعمقين يقولون: إن كل الخلق له نحو من العقل والعلم والإرادة، كل حسب مرتبته، لان هذه الأوصاف ملازمة للوجود، فما دام الشيء موجودا فان له نحو من هذه الأوصاف مهما قل، فمن هذه الناحية يكون الاختيار مع الإرادة موجودا.
    فان قيل: أن المادة العمياء لا يمكن وصفها بالاختيار .
    نقول :
    أولا: إن المادة المشار إليها – وبضرورة العلم الأوربي – لا تحتمل الأوصاف الدارجة التي وصفت بها، بل يقولون إنها طاقة مضغوطة.
    ثانيا: إن المادة قائمة بالمَلَك، وفي الصحيفة السجادية الصحيحة السند المتواترة وحجتها قائمة، يذكر السلام على الملائكة المكلفين بكل أنواع المادة وأشكال الوجود صغرت أو كبرت .
    بل إن كل ذرة أو جزيئة لها ملك، فإن اجتمعت مع غيرها فكونت أكبر من الذرة والجزيئة يكون عليها ملك آمر يحكم ما دونه.
    ونعرف اختيارية الملائكة لتوفر أركان الوجود فيهم من العلم والقدرة والإرادة. ونضمها إلى ما ثبت من : (إن الوجود كل ما تجرد ازداد في صفاته وتأكد).
    لذا فإن كل موجود له حظ من الاختيار لتوفر الإرادة والقدرة والعلم، مادة أو غيرها.
    وكل ما نرى من التسبيب والأسباب والعلة والمعلول فهو وهم ، بل كل ما يحصل في هذا الوجود هو من فعل الملائكة المأمورة المكلفة ولا مدخلية لأي خارج من غيرها.
    وما خفي عليك أكثر !!
    إذن، فهذه الفكرة ثابتة ومبرهن عليها،على مختلف المستويات ، ابتداءً من التخطيط العام للكون ، ثم التخطيط العام للبشرية، ثم التخطيط لعصر البعثة الإسلامية إلى يوم القيامة.
    ثم يمكن النظر إلى حصص من التاريخ الإسلامي العام، فننظر من بعثة النبي  إلى وفاة الإمام العسكري وهي فترة اللقاء بالمعصوم والتبليغ في المجتمع، وهي الفترة التي لها خصوصية خاصة، بل يمكن أخذ حصة أكثر تخصيصا وهي حصة أهل العبا ، وهي الفترة الأهم لأهميتهم  على جميع الخلائق بما فيهم الأئمة الباقين ، ولكل حصة من هذه الحصص لها تخطيطها الخاص وتدبيرها الخاص، وكلٌ يعرف ما يراد به ويخطط له، وأهل البيت أعرف بما فيه.
    بل بلغ علمهم بكل تفصيل هذا التخطيط زمانا ومكانا ورتبة حتى ورد  عن عمار بن ياسر، قال : كنت مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  سائرا ، فمررنا بواد مملوءة نملا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! ترى أحدا من خلق الله يعلم عدد هذا النمل ؟ قال : نعم ، يا عمار ، أنا أعرف رجلا يعلم كم عدده ، وكم فيه ذكر، وكم فيه أنثى . فقلت : من ذاك الرجل ؟ فقال : يا عمار أما قرأت في سورة يس )وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ( فقلت : بلى يا مولاي ، قال : أنا ذلك الرجل الأمام المبين .
    ومن له مثل هذا يستطيع أن يقلب ذه على ذه، لكنه التزم بالتخطيط المرسوم له، فلم يكن له مع أمر الله شيئا.
    ولكن مع ذلك فإن هذه الفكرة قابلة للمناقشة من عدة وجود محتملة:
    الوجه الأول: إننا لا ننفي وجود هذا الترابط بين كل حلقات التاريخ، وهذا ما طبقناه في كتابنا (اليوم الموعود) وسميناه بالتخطيط الإلهي لليوم الموعود وذكرنا له هناك أطروحة محتملة .
    إلا إننا في هذا الوجه من المناقشة نقول: إن هذا الترابط وان كان واقعيا ومبرهنا، إلا انه مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ونحن لا نستطيع أن نفهم الواقعيات وكنه علم الله سبحانه وتعالى، لأننا محجوبون وبعيدون عن الواقعيات، فخير لنا أن نتجنب الخوض في أمثال هذه الأمور، فهذا باب لا يمكن لأحد طرقه فضلا عن فتحه، باستثناء من له العصمة الكاملة الأصلية.
    وهذا الإشكال له وجاهة، من ناحية إن معرفة التخطيط بشكله الواقعي لا يمكن لنا إن ندركه.
    ولكن مع ذلك، فمن ناحية أخرى يمكن الحصول على نتف من بعض علمهم، من مصادرهم المبلغة والواصلة إلينا بالكتاب والسنة، والسنة قولا وفعلا وتقريرا ، وليس فقط في باب الأحكام الشرعية بل أوسع من ذلك.
    وإذا كان هذا المخطط التاريخي العام موجودا في علم الله سبحانه، وفي علم المعصومين ، كان في إمكان غيرهم التعرف عليه، أو على أهم خصائصه، أو جوانبه، أو على بعضها أيا كان على اقل تقدير.
    وبذا فإننا وإن كنا بعيدين عن ذلك، فالأئمة يعلمون بالواقعيات حسب تعليم الله لهم. إذن فهم كانوا يسيرون ويتصرفون حسب المخطط المدروس الذي يبدأ ببيعة النبي  وينتهي (أو لا ينتهي) بظهور الإمام المهدي والذي يستهدف نصرة الحق باستمرار، و بالمعنى الذي هم يفهمونه من النصرة.
    إذن، فهذا العلم ليس مختصا بالله سبحانه، بل هو مبلغ إلى المعصومين عليهم السلام بالإلهام. وأما نفيه بالمرة أو الاستدلال على عدمه، فهو غير ممكن، للجزم بوجود قوانين عامة إلهية تحكم التاريخ من ناحية، ووجود مصالح عامة وخاصة بشرية تحكم المجتمع من ناحية أخرى. مع العلم إن المصالح تتحدد بما قبلها وبما بعدها من الأمور والحوادث، مما يعلمه الله سبحانه. فلولا وجود خريطة معلومة لله سبحانه من المصالح، لكان العمل لغوا وعشوائيا، وهو محال على الله سبحانه وعلى المعصومين عليهم السلام.
    الوجه الثاني: إن غاية ما نستطيع التعرف عليه من تاريخ المعصومين هو إنهم طبقوا تكاليفهم الشرعية الظاهرية والواقعية معا، وليس فيهم أي تقصير في ذلك. وهذا معناه إن هناك مصدر لهم من قبيل الرواية إن كان اتجاهنا عاميا، أو إلهاميا، إن كان اتجاهنا خـاصيا. وقد ورد  إن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئا علمه الله تعالى ذلك . وهذا معناه إنهم طبقوا تكاليفهم العامة والخاصة. وهذا لا يلازم كشف وجود التخطيط الذي اشرنا إليه.
    والمقصود إن هذا يكفي لتفسير عمل المعصومين ، وهو الذي يدركه عوام المتشرعة، ولا حاجة إلى افتراض علمهم بما وراء ذلك لتفسير التاريخ فلا حاجة إلى إضافة عنصر مشترك كالتخطيط المزعوم.
    وما لم يكن الأئمة متعلقين بذلك التخطيط العام ـ لعدم الحاجة إلى وجوده أصلا ما داموا يقومون بتكاليفهم الشخصية بلا حاجة إلى عنصر مشترك مع غيرهم ـ فنحن أولى بعدم العلم به.
    جوابه: إن هذا فيه نقطة قوة، ونقطة ضعف.
    أما نقطة القوة فان هذه المقدمة التي قيلت مقنعة إلى حد ما، وهي إن قيام الأئمة بتكاليفهم الشرعية الصغروية كاف في فهم التاريخ وتفسيره بهذا السير الذي ساروه ووصل أكثر خبره إلينا.
    وأما نقطة الضعف: فهي إن هذا وان كان كافيا ولكنه هل ينفي الزائد؟ . فانه لا ينافي أن يكون هناك زائد على ذاك، وهو المسلك العام والمشترك والمعلوم والمدرك بالنسبة إلى كل المعصومين ، وخاصة بعد أن برهنا إلى عدم التنافي بين التكليف الشخصي الوقتي والتكليف العام الساري.
    وهنا ينبغي الإشارة إلى نقطتين احتياطا للرد على أي مستشكل، وهن ملزمات لكل مستشكل:
    أولهن: إن هذا المخطط الإلهي تعلمه العلل العليا كجبرائيل أو ميكائيل أو فلك الأفلاك ونحوه.
    الثانية : إن ما عند الأدنى يكون عند الأعلى مع زيادة.
    والنتيجة ـ بعد أن نستطيع البرهان إن الإمام خير منهم جميعا ـ إذن، فهو أولى منهم بالمعرفة.
    وإذا كان المعصومون عالمين بذلك، انسد ما قاله المستشكل من إنهم : (إذا لم يكونوا عالمين به، فنحن أولى بعدم العلم)، بل يكونون عالمين فعليا، وغيرهم عالم به إمكانا واقتضاءً.
    نعم، يبقى هذا منوطا بأمرين:
    أحدهما: مقدار استفادته من الكتاب والسنة، فان السنة هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فهي داخلة تكوينا في هذا المخطط. إلا إن ما يمكن استفادته بنحو واضح ومطابق منها قليل جدا. وذلك بسبب نقص المصادر أساسا، فان كثيرا من الكتب قد تلفت خلال التاريخ، أما عن علم وعمد، وأما بالصدفة، وكثير منها قد تلفت بسبب العوامل الخارجية من دون تعويض. فان عشرات الآلاف من الكتب قد تلفت، يكفي إننا نعلم بحسب النقل، إن السيد المرتضى علم الهدى  كانت تحتوي مكتبته ثمانين ألف كتاب مخطوط ، فأين هي؟. وكل علمائنا السابقون، كانوا يمتلكون عددا كبيرا من الكتب لم يصل منها إلينا إلا النادر. فنقصان الكتب له دخل كبير في إلقاء الضباب والغبار على هذا الشيء الذي نتكلم عنه.
    الثاني: مستوى الفرد المفكر الذي يحاول الفهم والاستفادة، لوضوح إن الناس يختلفون بكل خصائصهم عقليا ونفسيا وروحيا وثقافيا واجتماعيا مما تجعل النتائج عندهم مختلفة لا محالة.
    ومن هنا اختلفت الأطروحات والنتائج التي توصل إليها المفكرون، والمحاولات ليست كثيرة العدد إلا إنها كثيرة الاختلاف. فمثلا: إن بعضهم يميل إلى فهم تاريخ المعصومين كقطعة واحدة، وبعضهم يميل إلى تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم يميل إلى تقسيم كل حياة إلى عدة أقسام، فيكون المجموع عشرات الأقسام وهكذا.
    مضافا إلى اختلافهم في فلسفة وأسباب التاريخ والأقوال والأعمال التي قام بها المعصومون وأعداء المعصومين وغيرهم، مضافا إلى مستوى النظر إلى المعصومين أنفسهم كقادة دنيويين أو دينيين أو معصومين، أو خير الخلق ونحو ذلك. مضافا إلى اختلاف مذهب المؤرخ أو الفيلسوف.
    ونحن الآن لا حاجة لنا إلى إعطاء قانون عام أو فلسفة موحدة لأعمالهم أو للتاريخ، وقد فرغت ذمتي من ذلك بعد أن أعطيت صورة واضحة عنه في (اليوم الموعود) .
    وإنما يكفينا هنا مجرد إدراك ترابط العلل والمعلولات في علم الله تعالى، وعلم المعصومين قطعا. فقد قال شخص في يوم من الأيام : إن العشر سنين السابقة على الظهور فيها إعداد للظهور، فقلت: نعم، إلا إن هذا الإعداد يحتاج إلى سبب وهو العشر سنين السابقة عليه وهكذا، إلى أن يصل إلى صدر الإسلام بل إلى ادم 
    فيكفينا هنا ملاحظة بعض العلاقات وإلقاء بعض الضوء عليها بمقدار ما هو مستنتج ومفهوم من الكتاب والسنة.






    علاقة الحسين  بمن قبله
    الآن نبدأ بعلاقته بمن قبله، وينبغي الكلام في عدة أمور، ونبدأ بالأسبق منها فالأسبق بمقدار ما هو ممكن، ولا حاجة إلى زيادة في التفصيل:

    علاقة الحسين 
    بمن قبل الإسلام

    أي بالأنبياء السابقين وتابعيهم، وهذا فيه عدة نقاط:
    النقطة الأولى: إن وجود الحسين كإمام مفترض الطاعة، وابن رسول الله ، ونحو ذلك، كما هو جزء من الإسلام، وحركته كذلك هي جزء منه، وخاصة بعد أن نسمع قول النبي : حسين مني وأنا من حسين ، فنسبة الحسين  إلى السابقين هي نسبة الإسلام لهم. لأننا إذا نظرنا إلى الإسلام ككل بما فيه الحسين  إذن ، فقد نسبنا الإسلام بما فيه الحسين  إلى السابقين عليه.
    وإجمالا إن العلاقة بين الإسلام عموما وبما سبق من الأديان فيها نقاط اتفاق ونقاط تغاير، فمن نقاط الاتفاق اتفاقهم على أصول الدين لا يستثنى منهم أحدا، وكذلك اتفاق أنبياء الله تعالى جميعا على السير بالبشرية إلى التكامل، كما إن التفصيل ليس محله هنا في بقية نقاط الاتفاق أو التغاير.
    النقطة الثانية: إن الحسين  مدافع عن عقيدة التوحيد، وعن طاعة الله سبحانه، وهو أمر ثابت ومشترك بين الإسلام وما قبله، كما قال تعالى:  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ .
    النقطة الثالثة: إننا نؤمن بدليل كاف للاطمئنان، بعضه ظاهري، وبعضه باطني، إن الأنبياء السابقين كانوا مسلمين لقوله تعالى:  وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ، بل كانوا مسؤولين عن ولاية أهل البيت ، إذ لا نجاة لأي بشر من آدم إلى يوم القيامة، إلا بولايتهم، وأولى من يلتزم بولايتهم هم المعصومون السابقون على الإسلام، الذين هم الأنبياء والرسل.
    ويستشهد على ذلك من الكتاب والسنة بشيء من النتف البسيطة، كما فسر قوله تعالى:  أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فان بعض الروايات تقول:  ما كان قول لوط .... أو آوي إلى ركن شديد إلا تمنيا لقوة القائم المهدي ..  . ومن هنا ورد إن قسما منهم على الأقل كانوا يعلمون بالتاريخ المستقبل الذي يحصل لأهل البيت، فمن ذلك ما ورد: من إن موسى والخضر حين اجتمعا، كان من جملة ما ذكراه، مصائب الحسين وما يحدث له في طف كربلاء، وبكيا طويلا لذلك.
    ومن ذلك ما ورد في التوراة والإنجيل، فقد ورد فيها ظهور النبي  وظهور المهدي (عج)، ولعل بعض التفاصيل عن الحسين يمكن استشفاها منه، بالرغم من إن هذين الكتابين محرفان ووضع فيهما من الباطل كثير، إلا انه مع ذلك وجد فيهما مثل هذه الأمور بشكل وآخر.
    إذن، فهناك علاقة حميمة بين من قبل الإسلام وبين من بعده بما فيه الحسين .


    علاقة الحسين  بنبي الإسلام (ص)

    لا حاجة إلى كثرة الحديث في هذا الأمر، لان المسالة تعتبر من ضروريات الدين وضروريات التاريخ، وإنما نريد أن نقتبس شيئا من كلمات الحسين  كشاهد على علاقته برسول الله  وبدين رسول الله ، وكذلك من كلمات النبي  ومن أفعاله كشاهد على ذلك أيضاً.
    منها: انه قال الحسين في بعض خطبه:  أني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا. ولكن خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله  أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، أسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليَ هذا اصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين .
    ومنها: انه قال في خطبة أخرى: لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله لحمته. بل هي مجموعة في حضيرة القدس تقر به عينه وينجز به وعده. ألا ومن كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا إن شاء الله .
    ومنها: انه قال: أيها الناس انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي. الست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله  لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ .
    ومنها: قوله:  إلا ترى لهذا الدين لا يعمل به، والى المنكر لا يتناهى عنه. وان الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون .
    وأما كلمات رسول الله  فقد ورد انه بكى على مقتل الحسين وبكى له أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء .
    وبكى أمير المؤمنين حينما رأى كفي العباس حين ولادته. وقد ورد عنه انه قال: إني أعده لنصرة ولدي الحسين في طف كربلاء.
    وان الحسين حين كان صغيرا صعد على ظهر جده حال السجود وهو إمام في صلاة الجماعة في المسجد فبقى رسول الله  ساجدا والجماعة كلها ساجدة إلى أن نزل باختياره عن ظهره، وعندئذ رفع رأسه.
    وهذا له معنى ظاهري وباطني. أما الباطني فمن الأسرار، وأما الظاهري فالإعلام بأهمية الحسين لدى جده إلى حد يتعب هو في سبيله، ويتعب الناس في سبيله، فان في إطالة السجود صعوبة لا محالة.
    فيريد أن يبين بذلك عن العلاقة الاجتماعية التي بينه وبين الحسين ، وباللغة الحديثة الإعلام أو الإعلان عن أهميته، وأخذه بنظر الاعتبار مائة بالمائة، حتى لو كان طفلا صغيرا.
    فهناك اثنان فقط من خلق الله تعالى صعدا على رسول الله  وهما: أمير المؤمنين وولده الحسين 
    كما قال الشاعر:
    وعلي واضع أقدامه في محل وضع الله يده
    وورد عنه :  أحبهما وأحب من يحبهما.
    وورد عنه : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة . يعني سيدا أهل الجنة لأنهم كلهم شباب، وهما خير الناس على الإطلاق بعد الثلاثة الآخرين من أصحاب الكساء.
    وورد عنه : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا . وذلك لعلمه  بان أحدهما لن تتوفر له ظروف الحرب وسوف يقعد عنها، والآخر تتوفر له ظروفها فيقوم بها. والمهم وثاقتهما في نظر رسول الله  بحيث لا يختلف عنده أنهما قاما أو قعدا، يعني إن ما يريان انه المصلحة هو الحق والصحيح.
    وورد عنه :  الحسن والحسين ولداي من صلب علي .
    وهذا يعني إن انتساب الحسن والحسين إلى النبي  بالبنوة الحقيقة له. فهو والدهم الحقيقي والواقعي، وان كان أبوهما الظاهري هو أمير المؤمنين 
    ومن هنا قال: ولداي ولم يقل أبناي، وهذا أوكد من هذه الناحية، لان الابن قد يكون بالمعنى الأعم، لكن الولد لا يكون إلا بالمعنى الأخص، فمن هذه الناحية اختار أصرح اللفظين واوضحهما.
    فان انتساب الحسن والحسين وان كان بحسب الأسباب الدنيوية إلى الزهراء. ولكن المسالة الصق من ذلك، فهم أولاد النبي مباشرة. وهذه مزية لم تعط لأحد من الخلق غيرهما.
    ويمكن أن نفهم ذلك من القرآن الكريم، وذلك من قوله تعالى:  وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ .فمحمد وعلي نفس واحدة، ونور واحد فإذا كانا واحدا فما يكون لهذا يكون لهذا ، رغم إنهم بحسب التجلى أثنين. وكما ورد عن النبي  انه قال لعلي :  انك ترى ما أرى وتسمع ما اسمع .
    فان بعض العلويين كالعباس ومحمد بن الحنفية وغيرهم، وان كانوا علويين وأشراف، بل هم من الصلب المباشر لعلي وهذا مهم جدا إلا انه لم يرد فيهم ولداي كما ورد في الحسنين . بل حتى لو كانت الذرية من علي وفاطمة كمحسن وزينب فان الحسن والحسين أفضل.
    إن قلت: إن قوله تعالى:  وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ليس دليلا على وحدة محمد  وعلي ، وذلك بان نلتفت إلى انه يكفي في صدق  وَأَنفُسَنَا وحدة الجماعة بوحدة الهدف، ووحدة المصالح. أي جماعتنا وجماعتكم. بدليل انه لا يحتمل أن يكون المسيحيون كل واحد منهم هو عين الآخر، فكما انه لا نقول بالنسبة للمسيحيين بالوحدة ، فكذلك لا نقول بالوحدة بالنسبة إلى المسلمين.
    قلنا: إننا نضم قضية خارجية قطعية، وهي إن النبي  لم يطبق عنوان َأَنفُسَنَا إلا على اثنين: هو وأمير المؤمنين. في حين انه طبق على المسيحيون ذلك وهم جماعة متعددين. فـنِسَاءنَا منحصرة بالزهراء ، و  أَبْنَاءنَا منحصرة بالحسنين، وَأَنفُسَنَا منحصرة بعلي بعد أن نلتفت إن النبي  هو الداعي.
    والشيء الآخر الذي وددت الإشارة إليه، هو إن علي نفس محمد، ولكن ليس بالمنازل المتدنية، فهما بالدنيا اثنان، وفي الآخرة كذلك اثنان، وإنما هما نور واحد في قمة عالية جدا. وظاهر الكتاب والسنة مكرس على الأثنينية تقريبا، فلذا ورد انه نام على فراش النبي  مثلا، أو تزوج بنت النبي ، وانه وصي رسول الله ، ونحو ذلك من الأمور. فكل هذه الأمور تدعم بوضوح وصراحة الأثنينية، وإنما هي أثنينية في عالمها.
    إذن، فعلي فيه جهتان: جهة استقلالية وجهة فنائية في رسول الله  أو قل جهة غيرية وجهة عينية، وقد حاز في كل جهة شيئا من المميزات. فمثلا إن قوله : انك ترى ما أرى، وتسمع ما اسمع، وقوله : ما عرف الله إلا أنا وأنت ، فانه باعتبار الجهة الفنائية والعينية.
    فقد ولد علي الحسنين من الجانب الفنائي، فأصبحا أولاد رسول الله  مباشرة. وقد ولد الآخرين بالجانب الاستقلالي، أي بصفته مغايرا له. وبالنتيجة فقد ولد كل أولاده بالجانب الاستقلالي ماعدا الحسنين .
    فإن قلت: إن عليا فيه جانب فنائي وجانب استقلالي، فمن قال انه ولد الحسنين بالجانب الأول دون الثاني؟. بل الأظهر انه ولدهما بالجانب الاستقلالي والغيري.
    قلنا: إن المسالة إذا بقيت على هذا المقدار فلا بأس، لكننا نستطيع أن نقيم قرائن ودلائل على إنهما ولدا من علي بعنوان العينية والفنائية:
    منها: ذلك الخبر الوارد: الحسن والحسين ولداي من صلب علي.
    ومنها: شهرتهما أنهما ابنا رسول الله  حتى كان كل منهما ينادى بذلك.
    ومنها: أهميتهما البالغة في نظر الرسول  مما لم تعط لأحد من أخوتهما حتى من أبناء علي وفاطمة انفسهما.
    على انه يمكن القول: إن مميزات الحسين أكثر من مميزات الحسن مثل ما ورد: إن الشفاء في تربته واستجابة الدعاء تحت قبته والأئمة التسعة من ذريته ، مضافا إلى انه وفق إلى نوع من الشهادة لم يرزقها غيره بما فيهم أبوه وأخوه. ولولا وجود الدليل على إن  أبوهما خير منهما لقلنا انه خير من أبيه، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل.
    مضافا إلى انه ليس هناك احد غيره ( شاء الله ـ في نساءه ـ أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا)، أو أن يقتل ابنه الرضيع في يده، أو أن تدوس الخيل صدره وظهره، أو أن يقتل جائعا عطشانا. وأهمية الجوع والعطش عند الموت أمام الله سبحانه واضحة قد أرادها أمير المؤمنين ، لنفسه حين قال: إن هي إلا ثلاث وأود أن القي الله خميصا وأرادها العباس لنفسه حيث ألقى بالماء ولم يشربه، وهذا ما ذكرناه في (الأضواء) .
    الشيء الآخر بهذا الصدد: إن هناك رواية أخرى تدل على فضيلة للحسين ، وهي بحسب المضمون: (انه لما ولد الحسن أتاه النبي  وإذن في إذنه اليمنى وأقام في اليسرى وقال للزهراء : لا ترضعيه إلى أن ارجع ثم خرج. فتأخر النبي  فبكى الحسن برهة من الزمن فأخذها ما يأخذ النساء، أي من الشفقة، وأرضعته.
    ولما ولد الحسين جاء جده  أيضاً، وإذن في إذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لها: لا ترضعيه إلى أن ارجع. فلم ترضعه إلى أن رجع رسول الله . حينئذ اقبل النبي ، فوضع لسانه في فم الحسين ، فارتضع الحسين من لسان النبي ) . ولعل ظاهر الرواية إنها ليست مرة واحدة، بل استمر على ذلك أياما، ولعل هذا من أسباب المميزات التي ذكرناها قبل قليل، فإنها مزية لم تكن لأخيه الحسن  فكان يتغذى بنفس رسول الله .
    فإن قلت: فهل إن الزهراء عصت رسول الله  وقد قال لها عند ولادة الحسن : لا ترضعيه.
    قلنا: إن جواب ذلك من عدة وجوه:
    الأول: ضعف سند الرواية، فلعلها موضوعة، أو مزيد فيها. ولو لم يكن إلا هذا الجواب لكفى.
    الثاني: إنما تكون الزهراء مقصرة وحاشاها، فيما إذا كان الأمر إلزاميا، فيحرم عليها الإرضاع. وأما إذا لم يكن الأمر إلزاميا فلا إشكال، ولعلهم متفقون ما بينهم إن هذه الأوامر لا تكون إلزامية، وإنما هي اقتراحات، أو ترجيحات، أو نحو ذلك.
    الثالث: انه ما من شيء حرمه الله إلا وأحله في وقت الضرورة، وهذا حكم شرعي نافذ على المعصومين وغيرهم. ومن الممكن القول ببساطة، ووضوح: إن الزهراء شعرت بالضرورة والعسر والحرج. فالضرورة أسقطت الأمر بوجوب تأجيل الإرضاع.
    الرابع: إنها تلقت من الله تعالى أمرا عن طريق الإلهام، بان ترضعه، لان ذلك استحقاقه، والإلهام مقيد لأمر النبي ، ويكفي لنا أن نحتمل ذلك، في أن نحملها على الصحة.
    وهذا الخبر كما يدل على علاقته برسول الله ، يدل على علاقته بالزهراء .


    علاقته بالزهراء ()

    وفيها عدة أمور رئيسية:
    الأول: حديث الإطعام، ونزول القرآن في ذلك:  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً .
    ولا يخطر في الذهن: إنهم قالوا ذلك بلسان المقال، ولو قالوا ذلك لكانت نقطة ضعف فيهم، حيث إنهم يمنّون بذلك على الطرف المقابل. ولكن الله تعالى نطق عنهم، وعن اتجاههم. ولو قالوه بلسانهم لفشلوا، بحسب فهمي.
    الثاني: حديث الكساء ، وهو مشار إليه حتى في كتب العامة: وله أهمية عالية، ولو كان هناك واحد من الخلق لا من البشر فقط يستحق الدخول تحت الكساء لقدّر الله ذلك.
    ومن جملة القرائن على ذلك: إن رسول الله  منع أم سلمة من الدخول، وقال لها  أنك على خير في حين إنها عظيمة ومهمة والحسين قد أعطاها ترابا من تراب كربلاء، ومع ذلك فقد مُنعت.
    إن قلت: إن القضية ليست بهذه الأهمية، فان جبرائيل إذن له بالدخول تحت الكساء .
    قلنا: إن جبرائيل دخل لأجل تكامل نفسه، وبطلب منه، بعد إن افتخر الله سبحانه بهؤلاء الخمسة، لا لأنه مستحق في المرتبة السابقة. فهؤلاء دخلوا لان المكان مكانهم، ولكن جبرائيل دخل كشيء استثنائي. مضافا إلى انه دخل مفتخرا وليس غيره كذلك، ويتضح من ذلك انه أدنى من أي واحد منهم.
    وقد يخطر في الذهن: إنهم سلام الله عليهم قد دخلوا تحت الكساء مترتبين حسب الأفضلية. ولكن هذا منقوض بأمرين:
    الأول: إن الحسن قد دخل تحت الكساء قبل الحسين وليس الحسن أفضل من الحسين وان كان هو ظاهرا إمامه في فترة حياته.
    الثاني: تأخر الزهراء في الدخول، مع إنها أفضل من ولديها أكيداً. وإنما حصل ذلك لأنها المضيفة، والواقعة حدثت في دارها، فكان من الطبيعي لها أن تتواضع وتتأخر.
    * * *
    ثم انه من الآيات التي تشمل الزهراء والحسين معا، آية المودة في القربى، وهي قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى  .
    ونحن نعلم إن القربى لا يقصد منهم إلا أربعة: وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وأما باقي المعصومين فهم في الدرجة الثانية.
    فالمودة في القربى هي أجر رسول الله ، مقابل ما ضحى في سبيل الله وفي سبيل كل مؤمن ومؤمنة.
    فان كانت في قلب الفرد الولاية لهم، إذن فقد أدى أجر رسول الله ، وان لم تكن الولاية في قلبه، إذن فقد خان رسول الله .
    فإن قلت: إن المودة هي الحب والعاطفة، وأما الولاية فهي شيء آخر، وما هو المذكور في الآية هو المودة وليست الولاية. فكيف نحمل الآية على خلاف ظاهرها؟
    قلنا: إن جوابه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: إن العاطفة النفسية لا فائدة من ورائها، وهي ساقطة تماما. فإذا كان مجرد الحب لهم هو الذي ينجي، فان كثيرا من الناس ممن هو خارج التشيع، وخارج الإسلام، يحبونهم ويحترمونهم بدرجة معتد بها. فهل نعترف بأنهم ناجون؟
    فالولاية تشير إلى شيء يكون سببا للنجاة. والحب وحده لا يكون كذلك، إذن فلابد لنا أن نصرف الآية عن ظاهرها إلى ما يكون سببا للنجاة، وهو الولاية.
    الوجه الثاني: إننا لو تعمقنا بمقدار معتد به، نرى إن كثيرا ممن يدعون إنهم محبون لأهل البيت كاذبون، (لان المحب لمن يحب مطيع) في حين إننا نرى إن حياتهم ليست مبنية على الطاعة. إذن فالحب الحقيقي مساو للولاية الحقيقية تساوي المثلين، فيبدءان من نقطة واحدة وينتهيان إلى نهاية واحدة.

    * * *


    آية التطهير

    وكذلك من الآيات التي تشمل الزهراء والحسين آية التطهير.
    وهي قوله تعالى:  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً  .
    وأول شيء أبدا به هو معنى البيت، في قوله تعالى:  أَهْلَ الْبَيْتِ  فهو معنى أضافي حذف طرفه في الآية الكريمة، فهو لم يقل أهل بيت من؟. فان فيها أطروحتان:
    الأطروحة الأولى: إنهم أهل بيت النبي  وهي الأطروحة المشهورة.
    الأطروحة الثانية: إنهم أهل بيت الله سبحانه.
    وأنا أريد الآن أن أقيم القرائن على نفي الأطروحة الأولى وتعيّن الثانية. وذلك ضمن خطوات:
    الخطوة الأولى: أن نعطي المعنى اللغوي للبيت. فالبيت هو ما نسميه باللغة الحديثة (الغرفة) أو (الحجرة). ويسمون الخيمة بيتا، وأما المجموع من البيوت فتسمى دارا، لان الحائط يدور على سائر البيوت.
    ويظهر إن للنبي  في داره عدة بيوت (غرف) بعدد أزواجه، وكان يأوي في كل ليلة إلى واحدة منهن.
    الخطوة الثانية: انه لم يثبت أطلاقاً إن للنبي ، بيتا خاصا به.
    إذن، فما هو الذي يصدق عليه انه بيت رسول الله ؟ فان ما يسمى بيت رسول الله  فيه عدة احتمالات. وكلها غير صحيحة:
    الاحتمال الأول: الدار مجموعا. وهي لا تسمى بيتا بضرورة اللغة.
    الاحتمال الثاني: غرفة خاصة به، ولم يثبت إن له غرفة خاصة به، ولو ثبت ذلك لما شاركه فيها احد.
    الاحتمال الثالث: بيوت زوجاته. وهي إنما بيوتهن، وليست خاصة به.
    فإن قلت: فان لفظ (أهل البيت) يراد به تمثيل وجود رسول الله  كالخيمة على أهله، وهو تمثيل عرفي، فمن يكون تحت هذه الخيمة فهو من أهل البيت.
    قلنا: إن هذا قابل للمناقشة من وجهين:
    الوجه الأول: إن هذا معنى مجازي، والحمل على المعنى الحقيقي أولى، ولا يوجد عندنا معنى حقيقي لبيت رسول الله .
    الوجه الثاني: إن خيمته المعنوية غير خاصة بالمعصومين ، بل شاملة لسائر المسلمين والمؤمنين.
    فإن قلت: فان نسبة البيت إلى الله سبحانه أيضاً مجازية وليست حقيقية.
    قلنا: نعم، ولكن ذلك لاستحالة وجود البيت بالمعنى المادي لله سبحانه وتعالى، فيتعين أن يكون بيته معنويا.
    فإن قلت: إن بيت رسول الله  المعنوي إذا كان شاملا لجميع المسلمين، فان بيت الله المعنوي شاملا لكل الخلق، وليس خاصا بأحد.
    قلنا: نعم، إلا انه يختلف باختلاف المستويات والدرجات. ونستطيع أن نجعل لكل مجموعة بيتا خاصا بهم. فاخص الخلق أجمعين هم الأحق بالبيت الخاص بهم، وهم الخمسة أهل الكساء.
    قد يقال: إننا إن تحدثنا عن النبي  خلال فترة حياته المتأخرة عن وفاة خديجة ، فهذا الذي قلناه صحيح حيث كان في داره عدة بيوت، ويسكن في كل بيت واحدة من أزواجه. أما إذا تحدثنا عنه في عصر وجود خديجة معه فالحال يختلف، حيث انه من الأكيد، ومن ضروريات التاريخ، انه لم يتزوج غيرها إلى أن توفيت. ومعه فقد يكون له بيت مستقل، فيصدق عليه انه بيت رسول الله .
    جوابه: إننا نسال هل إن الآية الكريمة نزلت في حياة خديجة أم بعد وفاتها؟.
    وحسب فهمي إن خديجة ماتت، ثم تزوج النبي  زوجاته المتعددات، ثم ولد الحسن والحسين ثم نزلت الآية الكريمة وهذا ينبغي أن يكون واضحا.
    كما انه ينبغي الالتفات إلى إن دار رسول الله  كانت في حركة دائمة، منذ وفاة خديجة، إلى حين وفاته  من حيث الزواج، فلربما كانت تضيق على عدد زوجاته، ويكفي أن نلتفت انه  توفي عن تسع حرائر بالعقد الدائم، أي عن تسع زوجات. فهل كان في داره تسع غرف؟ كلا طبعا. وربما يُسكِن عدة زوجات في غرفة واحدة. والمهم انه ـ مع هذا الحال ـ لا يمكن أن تكون له غرفة مستقلة.
    كما ينبغي الالتفات انه على فرض وجود بيت مستقل له، فهو خاص به لا يسكنه احد غيره. ولا اقل أن تكون نسبة غيره إليه مجازية جزما كائنا من كان، حتى علي وفاطمة . فنحن أمام مجاز بكل تأكيد، أي بكل محتملات الفهم في الآية. ولا اقل أن يدور الأمر بين اعتبارهم أهل بيت النبي  لحبه لهم، أو أهل بيت الله تعالى لحبه لهم، ودرجاتهم العالية عنده. والثاني أولى، لان النسبة إلى الله تعالى دائما هي الأولى.
    فإن قلت: انه قد تسمى الدار بيتا مجازا.
    قلنا: إن المجاز يحتاج إلى قرينة وهي غير موجودة. واعتقد إن هذا المعنى كان مستنكرا لغة.
    فإن قلت: إننا نستصحب ذلك استصحابا قهقريا إلى زمان رسول الله ، أي إننا الآن نسمي الدار بيتا، ونشك انه كان كذلك فيما مضى، فنستصحبه استصحابا قهقريا ، ونقول انه كذلك في صدر الإسلام، أو في زمن نزول الآية الكريمة.
    قلنا: إننا لا نريد أن ندخل في مناقشة الاستصحاب القهقري. وإنما كل ما في الأمر إن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب اصلي معاكس ، لان الناس قبل الإسلام كانوا يطلقون لفظ الدار على مجموع الغرف، ولفظ البيت على الغرفة الواحدة، فهل انتفى ذلك في عصر النبي  أم لا؟. فنقول انه بقي على هذا الاستعمال، إلى أن نحرز خلافه في العصور المتأخرة عن النبي ، حيث أخذ الناس يخطأون ويسمون الدار بيتا.
    حينئذ ينتج من ذلك نتيجتان:
    النتيجة الأولى: إن أزواج النبي  ليس فيهن واحدة داخلة في مفهوم أهل البيت، وان كن ساكنات معه في داره، وذلك لعدة تقريبات ظهرت مما سبق.
    منها: إننا لو قبلنا إن له بيت خاص به، فليس إحداهن تسكنه.
    ومنها: إن كل واحدة من زوجاته هي أهل بيتها، وليس بيتها بيت النبي .
    ومنها: إننا بعد أن قربنا إن المراد بالبيت بيت الله تعالى، فهل هن أهل لهذه النسبة ؟ فمن كانت أهلا لذلك نسبناها، ومن كانت ليست أهلا رفضناها كائنة من كانت.
    فانه لم يدع احد عصمتهن، ولم يدع احد عدم صدور الذنوب منهن، فضلا عن صدور ذنوب كبيرة من بعضهن، فهل تكون من قد حاربت إمام زمانها أهلا لان تنسب إلى المقام الأعلى القريب من الله تعالى حتى لو تابت. فلذا قال تعالى: ) لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (. أي إن من أذنب في حياته ولو بذنب واحد فانه لا يصلح أن يكون أهلا للإمامة، لان ذلك الذنب يؤثر فيه أثرا يبقى معه طيلة حياته حتى لو تاب. فان عبادة الأصنام أو شرب الخمر أو الزنا، تجعل إمامة من قام بها متعذرة.
    النتيجة الثانية: إن (أهل البيت) معنى خاص بأصحاب الكساء الخمسة، لأنهم خير الخلق على الإطلاق، ولا يشمل غيرهم بما فيهم التسعة المعصومون من أولاد الحسين ، وبما فيهم الأنبياء والأولياء السابقون.
    مضافا إلى انه توجد الكثير من الروايات الواردة عن النبي انه يقول: إنها نزلت فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين .
    وإنما قال ذلك لكي لا يخطر في ذهن احد كائنا من كان انه منهم.
    إن قلت: انه لا يوجد فيها مفهوم مخالفة، فانه حينما قال: إنها نزلت فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين. لم ينف الزائد. بمعنى إن لازم كلامه (ونزلت في غيرهم).
    قلنا: إن لسان الحال يؤكد على إنها نزلت في هؤلاء فقط. ويقرب ذلك أمران:
    الأمر الأول: إن غيرهم أوضح في عدم الانطباق، وذلك لعدم معاصرتهم لرسول الله .
    الأمر الثاني: إن ظاهر الآية هو انطباقها على مصاديق متحققة فعلا، وليس على مصاديق سوف تأتي.
    فإن قلت: إذا كان المراد بالبيت بيت الله تعالى وليس بيت رسول الله ، فان بيت الله شامل للأزمنة الثلاثة أي الماضي والحاضر والمستقبل، ولا دخل لولادة التسعة المعصومين . فان لم يكونوا أهل بيت رسول الله ، فهم أهل بيت الله.
    قلنا: إننا لابد وان نلتفت إلى الفرق بالقرب الإلهي، بين هؤلاء الخمسة، وهؤلاء التسعة. فان الفرق موجود، ودلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة.
    إذن، فإذا كان أهل الكساء أعلى مرتبة من التسعة المعصومين ، فان بيتهم خاص بهم، ولا يتعدى إليه غيرهم.
    فإن قلت: إن المعصومين التسعة إذا خرجوا عن موضوع الآية، فقد خرجوا عن محمولها أيضاً. لأنها تقول: ) إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(، فالموضوع هو أهل البيت، والمحمول هو التطهير. فأي واحد قد دخل في الموضوع، فهو داخل في المحمول، أي إذا كان من أهل البيت فهو مطهر وإذا لم يكن منهم فهو ليس بمطهر.
    فإذا زعمنا إن التسعة المعصومين ليسوا من أهل البيت، إذن، فهم لا يدخلون في الوعد بالتطهير، فحيث إنهم خارجون موضوعا، فسوف يكونون خارجين محمولا.
    وهذه النتيجة باطلة أكيداً لأنهم مطهرون أيضاً، وشمولهم محمولا من دون أن يكونوا مشمولين موضوعا غير معقول، فماداموا مشمولين محمولا فهم مشمولون موضوعا، إذن نعرف إنهم مندرجون في ضمن أهل البيت.
    جوابه: إننا لو اقتصرنا على ظهور الآية فقط، إذن فأهل البيت هم أهل الكساء ، وهم المطهرون فقط. ولكننا يمكن أن نقيم أدلة خارجية على عصمة التسعة ، وعلى إمامتهم، وعلى ولايتهم العامة وعلى وجوب طاعتهم.
    ومن هنا يتعذر الاستدلال بالآية على عصمتهم، بل نستدل بعصمتهم على كونهم مشمولين للآية، وبعد شمولهم بالآية والتطهير يمكن أن نقول إنهم من أهل البيت على مقدار مستواهم من الوجود.
    إن قلت: إننا بعد أن قربنا إن المراد (بيت الله)، فبيت الله معنى عرفي ومتشرعي ومفهوم يطلق على المسجد الحرام عامة وعلى الكعبة الشريفة خاصة، والألف واللام اظهر بالعهدية، فهي عهد إليه. وخاصة بعد أن نلتفت إلى إن البيت المعنوي مجازي، وهذا المعنى حقيقي ومتسالم على فهمه.
    جوابه من أكثر من وجه واحد:
    الوجه الأول: إن الأهلية لها سببان، إما إن للإنسان يد عليه، وإما أن يكون ساكنا فيه، والكعبة لم يسكنها احد أكيداً، ولم تكن لأحد يد عليها فهم ليسوا أهل الكعبة بهذا المعنى.
    الوجه الثاني: إننا إذا تنزلنا عن ذلك، وقلنا: بان معنى الأهلية هنا هو الولاية العامة، فأولياؤها هم المشرفون عليها شرعا. ولكن هذا المعنى مجازي فلماذا لم يقل (أولياءه) بدلا من (أهل بيته). فالأولياء يراد بهم معنى، والأهل يراد بهم معنى آخر. فإذا قارنا بين المعنيين، فلابد أن نختار أهل بيت الله المعنوي وليس البيت المادي، لأنهم ساكنون سكنى معنوية بأنوارهم العليا، وأرواحهم المقدسة، في ذلك المكان العالي وليسوا ساكنين بالكعبة، لا بأجسادهم ولا بأرواحهم.
    ويمكن الجمع بين الفكرتين بعد الالتفات إلى فكرة أخرى قد سجلتها في بعض مؤلفاتي ، وحاصلها بان الكعبة وجود تجريدي رمزي عن التوحيد، فان المعنى المعنوي والتجريدي يحتاج إلى رمز مادي ليكون قريب المنال من العقول القاصرة والمقصرة، والمادية الدنيوية، فالكعبة مثال للتوحيد.
    حينئذ نقول إن المفهومين قد اقترنا، أي البيت المعنوي لله والبيت المادي له، فهذا رمز وذاك مرموز إليه، وكما إن هذا البيت رمز لذاك، هو رمز عن ساكني ذلك البيت، وبتعبير آخر كما إن الكعبة رمز عن التوحيد، هي رمز عن الموحدين أيضاً.
    فإن قلت:انه قد ورد متواترا قول النبي: سلمان منا أهل البيت . ثم نضم إلى ذلك مقدمة أخرى، وهي إن التسعة المعصومين أفضل من سلمان الفارسي، ثم نضم إلى ذلك مقدمة ثالثة، وهي إن ما عند الأدنى عند الأعلى مع زيادة. فان كان سلمان  من أهل البيت، فان التسعة المعصومين منهم من باب الأولوية. مع العلم إن ظاهر الكلام السابق إنهم ليسوا من أهل البيت، وان هذا العنوان خاص بأصحاب الكساء الخمسة .
    قلنا: إن هذا يمكن الإجابة عليه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: إننا نفهم إن (سلمان من أهل البيت ) من خلال السنة، لا إننا نفهمه من الكتاب، إلا في صورة واحدة وهي إننا نثبت إن الرواية شارحة ومفسرة للآية الكريمة. فإذا لم تكن كذلك، فإننا نفهم إن سلمان اعتبر من أهل البيت بإخبار الرواية فقط.
    فان أصحاب الكساء قد دل عليهم الكتاب إنهم من أهل البيت، وأما الباقون بما فيهم التسعة المعصومين وسلمان، ولربما آخرين. فقد دلت عليهم السنة إنهم كذلك.
    الوجه الثاني: انه يمكن إن نقول كما قلنا: إن نفس هذا العنوان إذا فهمناه بمعنى أوسع، فسوف تكون له حصص ودرجات عديدة، أو إننا نقول فيه بالتشكيك باصطلاح المنطق وعلم الأصول.
    حينئذ ماذا نفهم من (أهل البيت) في الآية؟ هل نفهم مطلق الأهل أم الأهل المطلق؟ فمطلق الأهل أي جميع حصص ودرجات (أهل البيت)، والأهل المطلق، أي الحصة الأرقى، والدرجة العالية من هذا العنوان.
    فإذا فهمنا من ذلك مطلق الأهل، فانه يشمل الجميع، بما فيهم أصحاب العصمة الثانوية من الأولياء، ويكون مقتضى الإطلاق ذلك. لكنهم قالوا في علم الأصول: بان الإطلاق ينصرف إلى أكمل الأفراد.
    حينئذ نقول: إن أكمل الأفراد في (أهل البيت) هم أعلى تطبيقات وحصص وأشكال أهل البيت ، وأعلى الحصص ليـس أكثر من خمسة، لأنهم خير الخلق على الإطلاق، ثم التسعة المعصومون بدرجة أدنى من أهل الكساء، ثم سلمان بدرجة أدنى من التسعة المعصومين ، وهكذا.
    مضافا إلى إن دليل أهل الكساء هو القرآن، وهو أعلى درجة من دليل الباقين الذي هو السنة.
    فإن قلت: إن عددا من الروايات قد وردت، تنص على اقتران نزول الآية، بحادثة الكساء، وهي كثيرة ومستفيضة، ومتواترة، وفيها يقول النبي : اللهم هؤلاء أهل بيتي، وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وكذلك ورد في بعض الزيارات: يا أهل بيت النبوة ، إذن فكيف نقول: إن المراد هو بيت الله؟.
    جوابه من أكثر من وجه:
    الوجه الأول: انه لا منافاة بين الأمرين، فهم أهل بيت الله وأهل بيت النبي ، لأنه لا منافاة بين الله وبين نبيه .
    الوجه الثاني: انه من باب كلم الناس على قدر عقولهم ، فلو قال: أهل بيت الله، فهل يفهم احد كلامه؟
    الوجه الثالث: انه حينما يقول أهل بيتي، فليس لكلامه مفهوم مخالفة، أي انه لا ينفي غيره الذي هو أهل بيت الله.
    وفي بعض تلك الروايات عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله : نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين، إنما يريد الله الحديث ، وهذا يخرج أي واحد من الآخرين، بما فيهم زوجات النبي  وبما فيهم التسعة المعصومين المتأخرين من أولاد الحسين  وإنما نعتبرهم من أهل البيت باعتبار الدليل على إمامتهم كما سبق، ولن يكونوا في نفس المنزلة، لان البيت الإلهي ذو درجات، كما قال الله تعالى:  رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ  .
    ولو كانت الآية شاملة للزوجات، أو خاصة بهن، لكنّ مشمولات لقوله  وهو خبر متواتر من الفريقين:  إلا أني تركت فيكم الثقلين، أحدهما: كتاب الله، من اتبعه كان على هدى، ومن تركه كان على ضلالة، ثم أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاث مرات . ولم يقل بشمولها للزوجات احد، فيلزم من بطلان التالي بطلان المقدم. وإنما يذكر المجتمع بأهل بيته باعتبار علمه بظلمهم بعده، ولم تظلم بعده إحدى زوجاته أطلاقاً.
    الخطوة الأخرى بهذا الصدد: إن الآية الكريمة لو كان مرادها أهل بيت النبي ، للزم خروج النبي  نفسه عنهم. فلو قلت: أولاد ادم، لم يشمل ادم ، ولو قلت: آل النبي، لم يشمل النبي، ولو قلت بني تميم لم يشمل جدهم تميم نفسه. فأهل بيت النبي  غيره وليس هو منهم. وهذا غير محتمل أطلاقاً، فهو من المقدسين بهذه الدرجة، فنفهم من بطلان التالي بطلان المقدم. إذن فلا يراد من أهل البيت في الآية أهل بيت النبي ، وإنما يراد أهل بيت الله.
    فإن قلت: إن أهل بيت النبي  غيره، ولكنه قد دخل معهم بالأولوية.
    قلنا: كلا، بل هو خارج تكوينا ولغة، ومعنى ذلك إن قداسته ورفعة شانه ليست ناشئة من كونه من أهل البيت ، مع العلم انه مندرج في الآية بضرورة الدين، وهو أولى من يندرج في الآية.
    الفكرة الأخرى التي أود أن أتعرض لها: إن لفظ (أهل البيت) ورد في القرآن مرتين: في هذه الآية، وفي قوله تعالى:  أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وذلك حينما بشرت زوجة إبراهيم بولد، فقالت:  أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً فأجابوها بذلك الجواب.
    فإننا نقول هنا بان المراد من أهل البيت، هم أهل الكساء، وليس هذه المرأة.
    فإن قلت: إن القرينة المتصلة تقتضي أن يكون المراد من أهل البيت هم أهل بيت إبراهيم ، لان المخاطبة هي زوجته، ولا يحتمل صرف الخطاب من المخاطب إلى أشخاص سوف يولدون بعد آلاف السنين، والذين هم أهل الكساء.
    جوابه من عدة مستويات:
    المستوى الأول: إن القرينة المتصلة في الآية على نفيه وعلى خلافه، فان من يعترض على بشارة الملائكة، ويتعجب من أمر الله، وهو بوحي من الله قطعا، هل يصلح لان يكون من أهل البيت، وان تكون تلك المرأة هي المخاطبة بذلك الخطاب؟. حاشا لعدل الله أن يكون ذلك.
    المستوى الثاني: أن نقول ولو احتمالا، إن عملا تخريبيا قد أنجز خلال التاريخ، وهو وضع الآيات الخاصة بأهل الحق بين قرائن مغلوطة، لكي تنسب إلى غير أهلها، كما نسبوا هذه الآية إلى أهل إبراهيم، ونسبوا تلك الآية إلى نساء النبي . وهذا ليس قولا بالتحريف الذي هو معنى النقيصة، وإنما هو قول بتغيير محل بعض الآيات.
    فمن المحتمل إن هذه القرينة المتصلة ليست بقرينة أصلاً، ولم تنزل وحيا هكذا. فتتوقف دعواهم على يقينية القرينة. فلا يمكن القول بذلك، لاحتمال الفصل بالوحي بين الآيتين. والاحتمال مبطل للاستدلال.
    المستوى الثالث: إنني قلت في بحث التفسير بان هناك اتجاها هو اقرب إلى الاتجاه الباطني في تفسير القرآن الكريم، وهو التفسير التجزيئي للقرآن، أي أن نأخذ كل لفظ وكأنه نزل وحده فنفهمه، من دون استعمال القرائن المتصلة. إذن فانتفت القرينة المتصلة، لأننا نفهم أهل البيت كأنها نزلت وحدها.
    ولكن الإشكال في حجية الفهم التجزيئي للقرآن، فإننا ظاهرا وفقهيا لا نعتبره حجة، فحينئذ إما أن نشهد بصحة الباطن الذي يبتني عليه هذا الوجه وإما أن نلزمهم بما التزم به كبرائهم من المتصوفة اعني بصحة الفهم التجزيئي.
    المستوى الرابع: إننا لو تنزلنا عن ذلك، أمكننا أن نفهم أطروحات أخرى غير إنهم: أهل بيت النبي  أو أهل بيت الله. وإنما هم أهل بيت إبراهيم لأنه أبو المسلمين، وأبو النبي . غاية الأمر إننا نحتاج هنا إلى مقدمتين:
    المقدمة الأولى: أن يراد ببيت إبراهيم البيت المعنوي لا المادي.
    المقدمة الثانية: أن يراد بأهله أهم من يمكن فيه ذلك، وهم ليسوا سكانه السابقين كزوجته وغيرها. وإنما هم أيضاً أهل الكساء، إلا إن هذا غير ممكن، لان أهل البيت أفضل من صـاحب البيت، وهذا غير محتمل. مضافا إلى البعد الزماني بين إبراهيم، وبين أصحاب الكساء.
    الأطروحة الأخرى المحتملة: أن يكون أهل بيت علي بعد التنزل عن الأطروحات السابقة، وهذا أيضاً يحتاج إلى مقدمتين:
    الأولى: ما عرفناه من انه لا يوجد لرسول الله  بيت ينسب الآخرون إليه.
    الثانية: قرينية حديث الكساء، وهو نص بان أهل الكساء هم خمسة، كما انه نص على نزول الآية فيهم.
    ومعه فنحن تاريخيا نعرف إن حادثة الكساء حدثت في بيت علي وان أربعة منهم هم أهل بيت علي نفسه، ولا يبقى إلا النبي ، وهو أولى بانطباق الصفة عليه منهم لأنه خيرهم.
    مضافا إلى إن رسول الله  كان يزورهم صباحا ومساءا، فيصدق ظاهرا وباطنا، إن بيت علي هو بيت النبي ومعه تخرج زوجات النبي  يقينا، لأنهن غير ساكنات في بيت علي ، كما إننا يمكن أن ندخل التسعة المعصومين مجازا في الدرجة الثانية بعد أهل الكساء. وأنا اعتقد إن بيت علي بيت واحد أي غرفة واحدة يسكنون كلهم فيها (في المدينة)، ويقرب ذلك طريقة زواجه سلام الله عليه، ومقدار الزهد المدقع الذي تزوج به، وإنما اكتسب أهميته معنويا لا ماديا.
    فإن قلت: فماذا نقول في قوله : سلمان منا أهل البيت؟.
    قلنا: انه من أهل البيت إلحاقا وتنزيلا، أيا كان البيت المقصود.



    معنى التطهير والرجس

    ثم انه بعد إن انتهينا من الحديث عن موضوع الآية، الذي هو (أهل البيت) نتحدث الآن عن محمولها، الذي هو (التطهير)، فانه وان كان واردا في الآية بلفظين، هما: لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ و  يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، لكننا الآن نغض النظر عن الفرق بينهما، ونعتبر إن محصلهما واحد.
    فان الطهارة يدور أمرها بين أمرين: إما أن تكون بمعنى مطلق الطهارة، التي تنطبق على الكثير، بما فيها الطهارات المتدنية أو القليلة. وإما أن تكون بمعنى الطهارة المطلقة، التي لا تنطبق إلا على أعلى المقامات من الطهارة. والمعنى الثاني هو الذي ينبغي أن نفهمه، لأنه المناسب مع ارتفاع شانهم، وخاصة بعد أن نلتفت إلى إن كل مرتبة من الكمال لها نحو من التطهير سببا أو مسببا. فنقول: طهر فوصل إلى هذه المرتبة من الكمال. أو نقول: وصل إلى هذه المرتبة من الكمال، فاستحق الطهارة التي تناسبه. فإذا وصل الفرد إلى أقصى مراتب الكمال وأصبح خير الخلق كلهم أجمعين، فانه يستحق الطهارة المطلقة والمركزة. ونحن لا نفهمها أكيداً، لأننا لم نعشها، وإنما نرى بعض آثارها، إذ كنا نعقل ونفهم بعض آثارها من المعصومين .
    وأما الرجس فبالعكس، فإننا نفهم منه مطلق الرجس لا الرجس المطلق، فعندما نقول:  لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ فالمراد مطلق الرجس أي اذهب عنكم كل رجس، وأي رجس، لكي تحصل الطهارة المطلقة. فلو فسرناها بالرجس المطلق، لكان المعنى إن الرجس المطلق ذهب وزال، وأما ما هو أدنى منه فهو موجود، ولا دليل على نفيه. فبقرينة إننا نفهم التطهير المطلق، فلابد أن نفهم مطلق الرجس.
    ونحتاج هنا إلى أن نحمل فكرة عن معنى الطهارة وإذهاب الرجس من خلال مقدمتين:
    المقدمة الأولى: إن خلقة البشر عموما فيها خير وشر، كما دل عليه قوله تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فالشر مركوز في النفس البشرية وجدانا وعيانا.
    بل بمعنى آخر فان عالم الإمكان كله لا يخلو من شر وحد وقصور وتقصير، بمعنى دقيّ أو عقلي أو باطني. لا اقل من فهم معنى الاستقلالية لنفسه وللأسباب أيضاً، وهو كذب صريح وباطل كامل. وكل ذلك وعلى كل المستويات مما يراد تطهير أهل البيت عنه، بعد أن كانوا بمقتضى خلقتهم الأصلية ينبغي أن يكونوا متصفين به، لأنهم من البشر ومن عالم الإمكان.
    فإن قلت: فان المراد تطهير أرواحهم لا أبدانهم، وهي مطهرة أصلاً. وبتعبير آخر إن التطهير على قسمين: تطهير مادي، وتطهير معنوي. فالتطهير المادي يخص البدن، والتطهير المعنوي يخص الروح. فأما التطهير المادي فهو شيء جيد، وهو نعمة من نعم الله، ولكنه ليس برئيسي، وليس خاصا بهم، فكثير من الناس أصحاء الأجسام ومعتدلي المزاج والعقل من الناحية البدنية. فالتطهير تطهير معنوي فهو يخص الروح. فحينئذ نقول الروح طاهرة. وتطهيرها من تحصيل الحاصل، وهو محال.
    جوابه: إن هذا جهل بمعنى الروح، وأنا لا أريد هنا أن أتحدث عن معنى الروح، وإنما أريد أن أقول بان هذا الذي قلناه، وهو إن النفس فيها جانب الخير وجانب الشر، فإنما هو بالجانب الروحي من الإنسان لا في الجانب الجسدي. إذن فالروح ليست منزهة عن الشر كما زعم السائل. فإذا كانت غير منزهة عن الشر فلا باس أن يشملها التطهير.
    فإن قلت: فان بالتطهير يزول الجانب السيئ من الروح بعد أن كان مركوزا بالخلقة، فحينئذ تتغير خلقتهم الروحية والمعنوية عن البشر. فيبقى في أرواحهم عنصر الخير فقط، في حين إن باقي الناس فيهم عنصر الخير وعنصر الشر، إذن فسوف تصبح خلقة هؤلاء مختلفة عن البشر، والحال إن القرآن الكريم يقول:  إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ فنعرف من بطلان الملزوم بطلان اللازم. إذن فهذا المعنى غير صحيح.
    قلنا: إن هذا سوء فهم، فليس المراد من التطهير تغيير الخلقة، فجانب السوء يبقى مركوزا فيهم، لكي لا يحصل فيهم نقص فيكونون اقل من غيرهم. وإنما المراد قطع معلولاته ونتائجه، فالبعض يستعملون جهاتهم السيئة، ولكن هؤلاء ليسوا كذلك، فان هذه النتائج قد عصموا عنها بإرادة الله سبحانه وتعالى.
    فإن قلت: فما مزيتهم عن الباقين، ولماذا حصل ذلك لهم دون غيرهم.
    قلنا: إن ذلك لمزيتين نعرفهما على الأقل:
    الأولى: انه اقتضت الحكمة الأزلية خلق الكون بشكل هرمي، فكلما صعدنا قل العدد، وكلما نزلنا ازداد، وذلك لضبط العلل العليا في الكون وترتيبه، فنحن نؤمن بالصادر الأول، لان مقتضى الحكمة وجوده.
    فالمهم إن تلك الموجودات الأولى والعليا هي أرواح المعصومين وهي أفضل الخلق لأنها الأقرب في تسلسل العلل إلى الله سبحانه، وهي الفاعلة في الكون، فكان مقتضى الحكمة تطهيرها لمنعها من الخيانة، رحمة بها ورحمة بمعلولاتها ونتائجها.
    الثانية: قضية الميثاق، فانه قد حصل تجلي لله عز وجل هناك، وسال البشر أجمعين:  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ وفي حدود فهمي إن جوابه لم يكن في زمان واحد، وفي رتبة واحدة، فكلما كان السوء في الإنسان أكثر كان جوابه أبطأ، وكلما كان خيره أكثر كان جوابه أسرع. وأول من بادر بالجواب هو رسول الله  وأمير المؤمنين ثم الأمثل فالأمثل.
    فإن قلت: لماذا خلق الله سبحانه وتعالى روحا ذات رداءة عالية لتبطئ بالجواب؟.
    قلنا: انه يمكن أن يجاب عليه بجوابين:
    الأول: إننا لو تنزلنا عن الهرمية، فإننا نقول إن عالم الإمكان عبارة عن علل ومعلولات متدرجة، فكل شيء مادي أو روحي في أي مرتبة، أو بأي عالم من العوالم، يوجد بحسب عليته وبمقتضى صفات عليته، وكل علة توجد بمقدار ما تستحقه.
    الثاني: في حدود فهمي إن الله عز وجل يخلق كل الاحتمالات، كشخص طويل وآخر قصير وشخص ابيض وآخر اسمر وهكذا. فانه يخلق كل الاحتمالات إبرازا لقدرته. ولا يمكن أن يكون اثنان في نفس الشكل بالضبط، فلابد من الاختلاف قليلا أم كثيرا، بفرق جسدي أو فرق نفسي أو فرق عقلي أو أي شيء آخر. حينئذٍ نقول: انه ابرز قدرته في أن خلق البعض وجعل جانب الخير فيهم كثيرا، وكذلك خلق البعض وجعل جانب الخير وجانب الشر متساويين، وخلق البعض وجعل جانب الشر فيهم كثيرا. فلابد أن توجد كل هذه الاحتمالات. فكانت النتيجة إن الناس اختلفوا في سرعة الجواب في عالم الميثاق.
    فإن قلت: فلماذا أجابوا قبل غيرهم؟.
    قلنا: هذا باعتبار اختيارهم ووعيهم ومعرفتهم. ولا يبعد القول: إن التطهير حاصل مسبقا، إذ لا يوجد مانع يوجب التأخير، بينما يوجد هذا المانع في الآخرين، والآية الكريمة أعربت عن طهارة قديمة لا في عصر نزول الآية، وإلا وجب أن نقول بعدم طهارتهم قبل ذلك، أو عدم عصمتهم، وكل ذلك باطل.
    الخطوة الأخرى بهذا الصدد: إن نفس الدليل على الاختيار في الدنيا، يمكن تطبيقه على عالم الميثاق. فلا يخطر في الذهن إنهم قالوا ذلك مجبورين أو مسيرين. كلا، فالذي نطق، نطق باختياره والذي سكت، سكت باختياره، ولذا حمّلهم الله المسؤولية، أي مسؤولية قول ) بَلَى( ، أي إن الله تعالى يقول لنا: انك قلت ) بَلَى( ومع ذلك عصيت.
    فهذه المسالة موجودة، وستبقى في ذممنا إلى الأبد مادمنا موجودين.
    فكما إن الدليل على الاختيار في عالم الدنيا هو إننا نقول: إن الاختيار لو لم يكن موجودا، لبطل الثواب والعقاب، أي بطلت المسؤولية الأخلاقية، واشتغال الذمة بالتكاليف. ولكنها لم تبطل أي يوجد ثواب وعقاب وتكاليف، إذن يعرف من بطلان التالي بطلان المقدم. فلو كان هناك جبر لبطلت المسؤولية.
    ونحن قلنا قبل قليل: بان الله تعالى يحملنا مسؤولية ) بَلَى(، التي قلناها. فلو كان جبرا لما حملنا مسؤوليتها، لأننا عندئذ نكون كالقلم بيد الكاتب، والعصا بيد الضارب.
    فالاختيار كان موجودا عند الناس بما فيهم الأئمة ، وكلما كان الفرد أعلى وأوعى وافهم وأكثر إدراكا للواقعيات، فانه سيبادر إلى الجواب أسرع.
    الخطوة الأخرى بهذا الصدد: انه نتج من ذلك، إن النبي  هو أول من أجاب، ثم من بعده المعصومون فذلك يعني إنهم معصومون من ذلك الحين، فلو لم يكونوا معصومين لكان حالهم حال غيرهم.
    وكذلك، فإنهم إنما كانوا معصومين لأنهم كانوا أطهارا، إذن فالطهارة التي يريد أن يطهرهم بها كانت قبل ذلك العالم الذي سألهم فيه أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فهم في أعلى الهرم بالتكوين منذ أول الخلق، سواء اعتبرناه قديما، أو اعتبرناه حادثا.
    المقدمة الثانية: إننا نلتفت إلى المفعول المطلق في الآية، أو التأكيد في الآية:  يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فلماذا قال تَطْهِيراً؟.
    جوابه من مستويين:
    المستوى الأول: مستوى المعلول: وهو أن نقول: إن هذا هو دليل على عمق التطهير وكثرته وتركيزه في نفوسهم إلى حد قد يبدو إن ماهيتهم تختلف، مع العلم إن الخلقة الأصلية لا تختلف، فاصل الخلق فيه ما في الكون من مصالح ومفاسد، ولكن الفاسد يقف ويبطل عمله تماما، وتكون كل مراتب وجودات الأئمة طاهرة، إذن فعمق التطهير مهم جدا.
    المستوى الثاني: مستوى العلة، فان الله عز وجل قادر على كل شيء، ولكن مع ذلك نستطيع أن نقول ولو مجازا، إن هذا الشيء صعب ومعقد في غاية التعقيد.
    أليس إن الله تعالى يفتخر بوجود نور علي بن أبي طالب ، فهو يفتخر إن قدرته استطاعت أن تخلق نورا متكاملا إلى هذه الدرجة من التكامل، فالعلة ينبغي أن تكون بالغة القدرة حتى تستطيع أن توجد شيئاً من هذا القبيل.
    ولذا فانه قد يقال: إن زكريا أشكل نفس الإشكال الذي أشكلته امرأة إبراهيم على الملائكة، حينما بشروه بيحيى، وهو نبي معصوم .
    فان جوابه: انه معصوم، ولكنه لم يطهر الطهارة التي عند أهل البيت ، ولو كان واحدا من أهل البيت لما أشكل، فان العصمة مراتب، والتطهير مراتب.
    فإن قلت: انه تطهير الأعمال، أي يوفقكم للأعمال الحسنة، ويردكم عن الأعمال القبيحة.
    قلنا: إن ذلك إن كان بالإرادة التكوينية، للزم الجبر، أي يجبرهم على الأعمال الصالحة، وترك الأعمال القبيحة، وهو قبيح عقلا. وان كان ذلك بالإرادة التشريعية، أي يعطيكم تشريعات طيبة ومنتجة، يأمركم بالطاعات وينهاكم عن المعاصي. فان هذا ليس خاصا بهم، وإنما هو عام لكل البشر، فكلهم مسؤولون أمام الله تعالى أن يعملوا الحسن ويتركوا القبيح.
    نعم، حينما تطهر العلة يطهر المعلول، أو قل: حينما تطهر النفس يطهر العمل، وتطهير الأعمال حاصل ولكن ليس بالمباشرة، وإنما لسببها وعلتها. وإذا طهرت العلة ولم يعمل الإنسان إلا العمل الصالح، لا يكون ذلك جبرا، وإنما يصل الإنسان إلى درجة بحيث يرى المعاصي بدرجة من القذارة فلا يقترب إليها أطلاقاً.
    يبقى الإلماع إلى شيء قلما يلتفت إليه، وهو إن الآية الكريمة قالت: ليذهب ولم تقل (أن يذهب) فلماذا حصل ذلك؟.
    جوابه أن نقول: إن اللام هنا بمعنى (إن) والحروف يستعمل بعضها في محل بعض مجازا كما قلنا ذلك في علم الأصول. فنقول: زيد يريد ليذهب أي يريد أن يذهب، وهو معقول على أي حال. ولكن لو تنزلنا عن ذلك فيكون المراد إن الله يريد شيئاً لكم لكي يكون هو سبب التطهير، فلنا أن نتساءل عن ذلك الشيء ما هو؟.
    جوابه: احد أطروحات:
    منها: الطاعة أو التكاليف المشددة، أي إنما يريد طاعتكم المناسبة لشانكم ليذهب عنكم الرجس. إلا انه يلزم منه عدم وجود الطهارة إلا بعد حصول الطاعة بأي واحد من مستوياتها، وهذا ينافي عصمتهم الذاتية، وولادتهم على العصمة، أو قل: عصمة أرواحهم قبل أبدانهم.
    ومنها: إن الأفعال على مستويات ولا اقل على مستويين: مستوى ظاهري ومستوى باطني. فان الذي تكلمنا عنه في الأطروحة السابقة هو الطاعات الظاهرية، ولكن هناك أعمال باطنية كثيرة، فكلما كانت النفس اطهر فسوف تكون أعمالها اكبر وأحسن.
    فإن قلت: فإننا سوف ننتهي إلى نفس النتيجة، أي إن الطهارة مترتبة على الأعمال، ولكنها الأعمال الباطنية وليست الظاهرية.
    قلنا: إننا إذا تكلمنا بالمستوى الدنيوي، فإننا نقول: إن الأعمال الباطنية موجودة من حين ولادة الإمام، أو قل: منذ أن فتح عينه على الدنيا. فتكون نتيجة هذا الكلام، انه لم يولد معصوما. ولكننا نتجاوز عالم الدنيا إلى ما قبل الدنيا، فان محمد بن عبد الله ، ليس هو هذا الرجل الذي يأكل ويمشي فقط، وإنما الأصل فيه هو روحه العليا والتي هي المخلوق الأول. فحينئذ نسال: هل إن تلك الروح كانت عاطلة قبل ولادة النبي ؟.
    جوابه: كلا، فان لها عملان:
    الأول: ذكر الله تعالى، كما نصت على ذلك بعض الروايات . فنقول: إن هذا العمل هو الذي حقق له الطهارة.
    الثاني: تسلطه على الإدارة التكوينية للخلق، وهذا أيضاً منصوص عليه في الروايات . فان الله تعالى خلق السماوات والأرض من نوره، وأعطاه السلطة والإدارة لها.
    ومنها: إننا نقول إن المقدر هو الوجود، أي وجودهم، فيكون المعنى: (إنما يريد الله إن يوجدكم ليذهب عنكم الرجس)، وكلاهما رحمة، فوجودهم رحمة، وتطهيرهم أيضاً كذلك.
    وهذا شيء في نفسه جيد، إلا إننا إذا التفتا إلى الأطروحات الآتية لوجدناها أرجح.
    ومنها: أن ننظر إلى مرتبتهم التكوينية المعنوية العالية. فيكون المعنى: (إنما يريد الله لكم هذه المرتبة ليذهب عنكم الرجس)، وهذه المرتبة ملازمة مع التطهير باصطلاح المنطق. وبتعبير آخر: يوجدكم في تلك المرتبة ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا.
    ومنها: إننا لا نلحظ قضية منزلتهم التكوينية، وإنما نلحظهم لمجرد إنهم اقرب إلى الله تعالى ممن سواهم، فيكون المعنى: (يريد الله أن يقربكم منه ليطهركم تطهيرا).
    فإن قلت: فان القرآن الكريم بعضه قرينة على بعض، فإذا نظرنا إلى الآيات السابقة. وجدناها تؤكد على الأعمال والتكاليف الصعبة كقوله تعالى:  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ، فلذا أراد الله تعالى إقناعهم بذلك فبرر الحكمة من هذه التكاليف، وهو انه إنما كلفهم بها لتترتب عليها الطهارة.
    جوابه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: إن التطهير إذا كان منوطا بالعمل، فان عمل الإنسان لا ينتهي إلى آخر حياة الإنسان في الدنيا، فتكون النتيجة: إن التطهير سوف يكون في حال الاحتضار، وهذا القول باطل.
    الوجه الثاني: ما قلناه من الشك في قرينية هذه الآيات السابقة، للشك أصلاً في مكان وجود هذه الآية الكريمة هنا.
    ) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (
    الوجه الثالث: تغيير الضمير، فانه قال:  عَنكُم لم يقل (عنكن)، ولو أراد التكاليف الخاصة بالأزواج لقال: (عنكن). كما قال:  وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ  إذن يظهر بوضوح إن المخاطب أشخاص آخرون غيرهن. فلا توجد لأفعالهم ذكر في الآيات السابقة لتكون قرينة. وهذا يدل على إن هناك تغييرا أساسيا للسياق قد حصل، وهذه العروة الوثقى ينبغي التمسك بها.
    الوجه الرابع: إن التطهير المشار إليه في الآية الكريمة شديد ومركز ومهم، وهذا يعرف من الدال عليه، أي من سياق الآية، وسياق الآية مشدد فالمدلول وهو التطهير مشدد، وبتعبير آخر إننا نعرف شدة عالم الثبوت من شدة عالم الإثبات والبيان. وهذا يتضح من عدة كلمات مثل:  إِنَّمَا التي تفيد الحصر، وكذلك  تَطْهِيراً الذي هو المفعول المطلق، وكذلك التكرار المعنوي الذي هو  ِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ  و وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . فهذا التركيز هو تركيز إعلامي لأجل معرفة إن التطهير الثبوتي الواقعي مركز جدا.
    وهذه الأمور لا تكون بالأفعال مهما كثرت، بل بإرادة الله سبحانه وتعالى المباشرة. لأننا إذا قلنا: بان الأعمال هي المنتجة للتطهير، فان الإنسان العامل حال عمله غير طاهر بهذا المعنى، أي إن فيه شيء من النقص والرجس، فالعمل ناتج من شخص ناقص ورجس، فكيف يكون هذا العمل موصلا إلى الطهارة المطلقة والمركزة. وإنما هي رحمة وفيض ابتدائي من قبل الله تعالى.
    فإن قلت: فان عمل الفرد الاعتيادي هو كذلك، ولكن عمل المعصومين ليس كذلك، فانه يوصل إلى درجات عالية جدا.
    قلنا: إن الأمر كذلك بعد تطهيرهم، ولكن مفروض الأطروحة هو إن عملهم ينتج التطهير، أي إنهم غير مطهرين في المرتبة السابقة على العمل.
    نعم، الأفعال تنتج تطهيرا بمقدار ما، إلا انه قليل. ولو بقي الحال عليه لكان العبد من الخاسرين. ولذا قيل: (القدم الأول من العبد والباقي من الرب) . وقال: يا من دل على ذاته بذاته وقال: خذني إليك بجذبة توصلني إليك . وقال:  ما جعلت طريقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك . إذن فالعبد عاجز عن ذلك تماما وإنما كل ذلك بالفيض الإلهي والرحمة المباشرة.
    مضافا إلى انه لو كانت الزوجات مشمولات لنال الصالحات منهن ذلك كخديجة الكبرى وأم سلمة مع العلم اليقين بعدمه. بل هن كغيرهن في عدم التطهير. والخبر يدل على ذلك وهو إبعاد أم سلمة عن الكساء. فإذا علمنا إن نتيجة هذا التطهير هو العصمة، لزم القول بعصمتهن. أو دلالة القرآن الكريم على ذلك، ولم يقل بذلك احد. فنعرف من بطلان التالي بطلان المقدم.




    مقارنة
    بين التطهير وإذهاب الرجس

    ثم إن الآية الكريمة أخذت في جانب المحمول عنوانين:
    أحدهما: إذهاب الرجس.
    ثانيهما: التطهير المركز.
    فهل هما يعودان إلى معنى واحد، بحيث يكون ثانيهما إيضاحا لأولهما؟.
    ويقرّب ذلك، بان الرجس نحو من القذارة، والطهارة إزالة القذارة. فإذهاب الرجس هو التطهير، والتطهير هو إذهاب الرجس، فهما متلازمان متساويان. بل أحدهما عين الآخر. فان الإذهاب هو التطهير نفسه كالمترادفين، ويكون الثاني إيضاحا للأول.
    وبإزاء ذلك توجد عدة أطروحات تدل على المغايرة بينهما:
    منها: اختلاف درجات الطهارة، فالبدء يكون بالأدنى والانتهاء بالأعلى. فالإذهاب هو الأدنى، والتطهير هو الأعلى. وهذا لا يتم بمجرده، لأنه حصل لهم دفعة لا تدريجا.
    ومنها: إن أحدهما بمنزلة الموضوع والآخر بمنزلة المحمول. والموضوع متقدم رتبة لا زمانا. فكل من يذهب عنه الرجس يطهر. وفاعلية الفاعل أما في إيجاد الموضوع أو فيهما معا.
    ومنها: إن أحدهما تكويني وهو إذهاب الرجس، والآخر انتزاعي وهو التطهير، وهو متأخر رتبة. يعني من يذهب عنه الرجس نسميه طاهرا ومطهرا.
    إلا انه لا يتم، لان فيه إقرارا إن الجهة التكوينية واحدة، وهو إذهاب الرجس في حين إن الآية ظاهرة بالتعدد بمقتضى التعاطف .
    ومنها: إن الاختلاف بينهما باختلاف المتعلق، فان الشرور في المكلف على مستويين، وكلاهما على مستوى المقتضي لا العلة التامة.
    1 ـ الشرور الوجودية: أي الشرور المركوزة في الخلقة.
    2 ـ الشرور العدمية: أي ما يترتب على الأفعال من نواقص.
    فإذهاب الرجس يكون بالنسبة إلى الشرور الوجودية لكي تذهب أو تنطفئ. والتطهير أي من الشرور العدمية لكي تتبدل إلى الوجود الأفضل.
    ومنها: إن الاختلاف بينهما يكون في جانب العلة والمعلول، فإذهاب الرجس بمنزلة العلة، والتطهير بمنزلة المعلول. فإذهاب الرجس عن جانب العلة يعني تطهير الروح من الشرور والأدناس، والتطهير يعني تطهير الأفعال.
    وأي شيء فسرناه فلابد أن نفهم منه الإذهاب المطلق للرجس، وليس مطلق الإذهاب. وكذلك نفهم من التطهير: التطهير المطلق وليس مطلق التطهير. لان الإذهاب المطلق والتطهير المطلق هو المناسب مع تلك المرتبة العليا التي لا يشاركهم فيها احد.

    * * *

    أما الآن فندخل إلى كلام لا ينبغي الإطالة فيه عن معنى الرجس. فإننا في حدود ما مشينا عليه من سلسلة التفكير يمكن أن نفسره بأحد تفسيرين:
    ٍالأول: هو الشر المركوز أساسا في الخلقة إلى جانب الخير كما قالت الآية الكريمة: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ .
    الثاني: آثار هذا الحال ونتائجه غير المحمودة من عصيان وعيوب وذنوب.
    حينئذ نعرض هذين الاحتمالين على آية التطهير لنرى إذهاب الرجس على أي المعنيين يصدق؟ فإذا كان المراد هو المعنى الأول فانه غير زائل، بل يستحيل زواله لأنه من تبديل الخلقة ، وليس في المصلحة زواله، لأنه يستلزم نقص الخلقة، فالملائكة فيهم عقل بلا شهوة، ومن هنا كانت خلقتهم اقل من خلقة البشر. فإذا كان الرجس هو هذا، إذن فإننا نحتاج إلى تقدير مضاف، يعني آثار الرجس أو نتائجه ونحو ذلك، وهو خلاف الأصل.
    وأما إذا حملناه على المعنى الثاني بان يكون المراد أساسا هو النتائج، فهي ذاهبة لا محالة. فيصدق بالدلالة المطابقية، ولا نحتاج إلى تقدير.
    ويمكن أن يقرب الوجه الثاني بان المراد من الرجس ما يتنجس به الطبع الإنساني معنويا، أو سلوكيا أو عقليا، ونحو ذلك. وهذا ليس إلا نتائج السوء وليس السوء الخلقي، فانه مما لا يوجب النجاسة وإنما يوجب فقط كمال الخلقة ، فوجوده أصلاً خير، وإنما تأثيره شر ونجاسة. ولذا اتصف الكثيرون بالعصمة وبالولاية وبالقرب ولم يضر ذلك بهم، بل هو نافع لهم لأنه سوف يكون سببا لكمالهم وارتفاعهم في درجات اليقين.




    الاستدلال على العصمة بالتطهير

    بقيت خطوة لابد أن نخطوها ما دمنا بصدد آية التطهير، لان الإمامية يستدلون بآية التطهير على العصمة، مع العلم إن اسم العصمة ليس موجودا فيها، فبأي أطروحة، وبأي طريقة يستدلون منها على العصمة؟.
    حينئذ نحتاج إلى بعض التقريبات التي تؤدي بنا إلى نحو قناعة بهذا الكلام.
    وتقريب ذلك يكون بعدة أساليب:
    الأسلوب الأول: وهو دنيوي، ومن خصائصه انك تستطيع أن تتحدث به مع غير المتفقه، أو الذي لا يحمل فكرة كافية عن الإسلام، وعن أصول الدين وعن فروعه. وذلك بان يقال: إننا إذا لاحظنا الأفراد المؤمنين بأي مذهب، أو أي دين أو أي عقيدة سماوية أو أرضية مادية أو إلهية، نجد إن الفرد منهم كلما كان أكثر إيمانا بمذهبه أو دينه أو عقيدته عموما ـ كالرأسمالية أو الشيوعية أو الوجودية، فضلا عن الأديان كالمسيحية واليهودية ـ وكلما كان أكثر تحمسا لها، وعملا في سبيل تطبيق أهدافها، كان أكثر إطاعة للمتوقع منه، حتى يصل إلى درجة العصمة من وجهة نظرها، ومن جهة الواجبات والمحرمات التي يكون هو مسؤولاً عنها تجاهها .
    وهذا أمر مجرب ولابد أن يؤمن به الجميع، ولذا نجد المـتعصبين إلى أي عقيدة، على استعداد أن يتحملوا القتل وسائر المصاعب في سبيلها، فكيف لا يتحمل طاعتها وتطبيق مستلزماتها وأهدافها على نفسه أو غيره، فيكون معصوما من وجهة نظرها؟.
    وهذا واضح التطبيق والصغرى في محل كلامنا، فان المعصـومين عامة، وأهل البيت خاصة، هم من أعظم المتحمسين إلى إطاعة الله والملتزمين بتطبيق الدين وأهداف سيد المرسلين .
    الأسلوب الثاني: وهو أيضاً دنيوي، وهو أن نتكلم بنفس الطريقة ولكن بأسلوب عقلائي. فكما إن الحال في العقائد هكذا، فان الأهداف الشخصية العقلائية أيضاً هكذا لكل ما يحبه الفرد ويكرس حياته من اجله، كخدمة الأبوين مثلا أو التجارة أو السياحة، أو تعلم اختصاص معين، فتراه يكرس كل وقته، ويضحي بكل مصالحه، ويلاحظ ذلك الهدف في الصغيرة والكبيرة. فيكون معصوما عن القيام بأي أمر يخالف ذلك أو يضاده، أو ترك أي عمل يكون مقربا له وفي صالحه. فإذا كان عمل العقلاء هكذا، فأولى أن يكون أئمتهم كذلك، فهم أهم المصاديق على الإطلاق.
    الأسلوب الثالث: أن نلتفت إلى نقطة مشتركة بين الأسلوبين السابقين، وهي الإخلاص. فكلما كان الإخلاص اشد وأكثر فسوف يكون إنجاز التوقعات أكثر. فمع وجود الإخلاص وجدت الهمة، ومع تصاعد الهمة توجد العصمة. والصغرى أيضاً محرزة في أهل البيت ، وهي وجود الإخلاص العالي جدا لديهم تجاه الله تعالى وتجاه شريعته.
    الأسلوب الرابع: أن ننظر من هذه الزاوية، وهي جانب أخروي أو معنوي، وذلك بان نقول: إن السبب الرئيسي للذنوب والعيوب والتجاوزات الصادرة من البشر، إنما هو النفس الأمارة بالسوء، والأمر بالسوء ناشئ من الرجس الموجود فيها. فإذا أنقمع وانقطع زالت كل آثاره ونتائجه، فإذا حصل ذلك بشكل كامل وشامل حصلت العصمة لا محالة.
    فإن قلت: إن هذا أمر ليس خاصا بالمعصومين بالذات، بـل يشمل المعصومين بالعرض وهم الأصفياء والأولياء، والكمّل من البشر فإنهم لا يصلون إلى هذه المراتب إلا بعد انقطاع شهواتهم ونزواتهم لا محالة.
    قلنا: نعم إلا إن المراتب تختلف أكيداً، ومن المسّلم والمجّمع عـليه بين المسلمين بل جميع البشر إلا من ندر: إن مرتبة هـؤلاء أعلى واجل وأفضل من جميع من اتصفوا بالعصمة. فإذا كان التطهير موجودا بمجرد زوال النفس الأمارة بالسوء فهذا معنى عام، ولكنه قابل للتركيز والتأكيد في المراتب العليا من العصمة، كما سميته في موسوعة الإمام المهدي : (تكامل ما بعد العصمة) ، فإذا كان الفرد في مرتبة عالية جدا من التطهير، كان معصوما بالذات. وإنما كانت عصمته واجبة لأنها بإرادة خاصة من الله سبحانه كما هو نص هذه الآية الكريمة .
    الأسلوب الخامس: أن ننظر إلى درجة وجود أرواحهم وأنوارهم العليا، فوجودهم أعلى واقرب إلى الله سبحانه من الناحية التكوينية والمعنوية، لأنهم خير الخلق، وهم العلل العليا للكون بالأسلوب الهرمي، الذي ذكرناه. فإذا نظرنا إلى تلك الدرجة، نجد إن تلك المرتبة العالية القريبة من الله تعالى لابد وان تكون منزهة من الذنوب والعيوب والقصور والتقصير مهما كان ضعيفا أو قليلا.
    فإن قلت: فان الروح العليا معصومة بلا شك، والكلام ليس في عصمتها، بل في الوجود الدنيوي للفرد المعصوم، والوجود الدنيوي ليس هو الروح العليا. فتكون روحه العليا معصومة، ووجوده الدنيوي ليس معصوما.
    قلنا: مادام هذا الوجود الدنيوي يمثل تلك الروح، فيكون معصوما بعصمة روحه، لأنه يمثل الروح العليا.
    فإن قلت: إن الوجود الدنيوي ليس دائما يمثل الروح العليا، فالروح العليا إنما يمثلها عند الوصول إليها، والشعور بها، وليس حين يكون محجوبا عنها، والوصول إليها لا يكون إلا بالجهاد والسلوك. ومعنى ذلك أن يكون حدوث العصمة متأخرا نتيجة لفعل الخير وجهاد النفس وهو خلاف ما عرفناه سابقا.
    قلنا: نعم، إن الإنسان إنما تصل روحه إليه، أو يصل إلى روحه بالجهاد والسلوك الصعب، لكن هذا في العصمة الثانوية ، وأما في العصمة الأولية، فمن الممكن القول إن الروح مفتوحة من الأول للفرد، فلا يحتاج التعرف إليها إلى سلوك، فالعصمة موجودة منذ الولادة. وذلك بعدة تقريبات:
    التقريب الأول: إن تلك الأرواح من العظمة والأهمية والتركيز بحيث لا تتخلف عن فتحها، والتعرف عليها منذ حلولها في الجسد وهو جنين، بخلاف سائر الأرواح التي تكون اضعف من هذا المستوى بقليل أو بكثير. فتلك الأرواح التي تكون أدنى، يكون السلوك إليها معقولا، وأما هذه الأرواح العظيمة والمركزة فتنفتح دون سلوك .
    التقريب الثاني: إننا نفهم ذلك من الآية الكريمة نفسها، لأنها تعيد الضمير إلى الشخص نفسه مرتين فتقول: ِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ  وكذلك: يُطَهِّرَكُمْ، لا إنها تعيد الضمير إلى مرحلة من حياته، والضمير ينطبق عليه منذ ولادته إلى موته. فالآية من هذه الناحية لها إطلاق ، والتمسك بإطلاقها يقتضي ذلك، أي العصمة المستمرة.
    التقريب الثالث: إن بعض المعصومين تولوا المسؤولية دون البلوغ كالجواد ، والمهدي، ولا يحتمل أن يكون إماما متحملا لمسؤولية أهل البيت من دون عصمة، ولا يحتمل تأخير العصمة عن زمن الإمامة ولا يحتمل تأخيرها إلى زمن البلوغ. حينئذ نقول: (الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد) أي إن المعصومين الآخرين كانوا معصومين في زمن طفولتهم، فلا يحتمل اختصاصها في واحد دون واحد لان الآخرين مثله في المستوى، فضلا عن أهل الكساء الذين هم أفضل من الجميع.
    التقريب الرابع: ما ورد في التاريخ من المميزات لهم حال طفولتهم، وهي مروية عن الجميع .
    منها: إن شخصا من أصحاب الحسن العسكري يقول: قلت للإمام من هو الخلف من بعدك؟. فدخل الإمام إلى البيت واخرج طفلا على ذراعه، وقال: (هذا هو الخلف) يقول فنطق الإمام المهدي قائلا: عرفت الحق فلا تطلب آثرا بعد عين .
    ومنها: ما ورد عن الإمام الجواد ، ( وذلك انه كان طفلا صغيرا وكان إلى جانبه مجموعة من الأطفال يلعبون، فمر عليهم المأمون ومعه جماعة، فهرب الأطفال إلا الإمام فقال له المأمون: لم لم تهرب مع الصبيان؟. فقال الإمام : ليس الطريق ضيقا فأوسعه لك، ولم اعمل شيئاً أخافك منه. فمضى المأمون إلى الصيد فأرسل له طيرا فحلق بعيدا ثم رجع وفي فمه سمكة صغيرة. فأخذها المأمون من فمه ثم رجع فكان الإمام إلى جانب الأطفال، فلما اقبل المأمون هرب الأطفال وبقي الإمام وكـانت السمكة في يد المأمون قابضا عليها، فأراد أن يختبر الإمام عما في يده. فقال له: ما الذي في يدي؟ فقال الإمام ما مضمونه القريب: إن لله سبحانه في عالم قدرته بحارا فيها اسماك تصادها بزاة الملوك لتختبر بها أولاد الأنبياء) .
    ومنها: إن أمير المؤمنين كان يقول للعباس قل: واحد، فيقول: واحد. فيقول له قل اثنين، فيقول: العباس : لا أقول بلسان قلت به واحد اثنين .
    فانه قد وصل إلى التوحيد الكامل من أول طفولته، فنقول: إن ما عند الأدنى عند الأعلى مع زيادة، أي إن المعصومين أولى منه بذلك.
    ومنها: ما ورد عن الإمام الحسن انه كان يذهب إلى بيت جده  فينزل الوحي على رسول الله ، وكان الإمام طفلا فيسمعه ثم يذهب إلى أمه الزهراء فيروي ما سمعه لها، ودخل أمير المؤمنين في ذات يوم من إحدى الغزوات، فوجد الحسن يروي الوحي إلى أمه ، فاحتضنه وقال: )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ( وفي رواية أخرى انه اقبل ليؤدي ما سمعه من الوحي إلى أمه فوقف ساكتا، فقال له أبوه : لِم سكت؟. فقال بما مضمونه: كيف انطق وأنا بين يدي عظيم؟. فاحتضنه الإمام وقال )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ(

    * * *
    بقي الكلام في أمرين:
    الأول: في درجة العصمة.
    الثاني: في العصمة من الخطأ والنسيان.
    لان المشهور يستدل على العصمة من آية التطهير، فهل تدل آية التطهير على العصمة من الخطأ والنسيان. وهل يمكن تقريب أطروحة لذلك أم لا؟.
    ينبغي أن نتذكر إننا قلنا في مناسبات سابقة إن المعصومين إنما هم معصومون عن الذنوب والعيوب العامة التي يتصف بها سائر الناس، ويكلفون بها حسب الشريعة الظاهرية. فهم معصومون منها لأنهم يرون وضوح القبح والصعوبة أمام الله سبحانه وتعالى، بحيث يتركونها بقناعتهم واختيارهم. ونحن لا نراها كذلك لتدنينا وبعدنا عن الواقعيات.
    فإذا علمنا إن المتورعين والمتقين يرون الواجبات مهمة والمحرمات مهمة، وهو الهدف دينيا وإنسانيا، فكيف يكون عصيانها في نظر المعصومين ؟ فانه يكون أقبح واشد. فهي من الجميع قبيحة، ومنهم أقبح، فلابد أن يتصفوا بالعصمة منها. ونحن إذا سرنا مع هذه القاعدة فسوف ينتج من ذلك، إن المعصومين إنما هم معصومون من الذنوب العامة وليسوا معصومين مما فوقها. ومن هنا بدرجة من درجات تفكيري قلت: انه توجد هناك مراتب قد يحصل فيها عصيان ما، و سميتها: (الذنوب الدقية) لأنها ذنوب على مستواهم من التوقع والتفكير. فهم بالنسبة إلى التوقعات الخاصة برتبتهم ليسوا معصومين مطلقا.
    وإذا مشينا بهذا الطريق فسوف نصل إلى نتيجتين تقربهما كثير من ظواهر القرآن الكريم والسنة:
    أحدهما: نسبة الذنوب إلى الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم ويعقوب ويونس، بل حتى خير الخلق محمد بن عبد الله . فهي ذنوب دقية وليست ذنوبا عامة.
    فالمتوقع من يونس مثلا أن يصبر أكثر، لكنه صبر اقل من المطلوب، فابتلعه الحوت.
    ثانيهما: اعترافات المعصومين بذنوبهم في الأدعية. وهذا له عدة وجوه:
    منها: التعليم للآخرين، فهم يستغفرون لكي نستغفر.
    منها: إنهم فعلا يستغفرون من ذنوبهم الخاصة بهم، أما ما هي هذه الذنوب؟. فالله اعلم، فإنهم يعتبرونها من أسرارهم الخاصة.
    مضافا إلى فكرة أخرى: وذلك بان يقال: إن مستويات العلة تختلف، وكذلك مستويات الكمال تختلف. فكلما ارتفع الإنسان في درجة التكامل، ازداد في درجة توقع الإلتزام منه، أي بواجباته ومحرماته الخاصة به، وكلما كان كذلك كان معصوما من الدرجة التي هو فيها. فلو كان عيسى أفضل من موسى في العصمة، وأعلى درجة في التكامل،فقد تصدر أشياء من موسى تكون صحيحة، ولكنها إذا صدرت من عيسى تكون غير جيدة، ولا تناسب شانه.
    ومن أمثلة ذلك أيضاً: إن المؤمن الاعتيادي، يمكن أن نعتبره معصوما عن الذنوب الواضحة الضرورية، كالزنا وشرب الخمر وقتل المؤمن والسرقة. ولكنه غير معصوم من الذنوب التي تناسبه، كالكذب والغيبة واكل حق الإمام بغير وجه شرعي وهكذا.
    ومنه قصة الشريفين المرتضى والرضي، حيث يقال: انه قدم لها أبوهما كتابا، وقال: اهديه لأحدكما ممن لم يعمل حراما طول عمره. فقال كل منهما: أني لم اعمل حراما. فقال: فاني أقدمه لمن لم يخطر في باله أن يفعل الحرام، فسكت أحدهما وقال الآخر: أني لم يخطر في بالي ذلك. فأعطاه له.
    وبهذا ينتهي الكلام عن علاقة الحسين بأمه الزهراء .




    علاقة الحسين مع أخيه الحسن 

    والحديث هنا لا ينبغي أن يقع من الناحية الأسرية، وإنما ينبغي أن يقع في نقطتين:
    الأولى: في إمامته عليه، مع العلم انه مثله أو دونه.
    الثانية: فيما قاله المفكرون المتأخرون من الإمامية، من إن صلح الحسن كان مقدمة لثورة الحسين ، فهل هذا صحيح أم لا؟.


    إمامة الحسن لأخيه الحسين 

    النقطة الأولى: لا شك إن الحسن تولى الإمامة بعد أبيه، وهذا معنى يعترف به الخاصة والعامة، فقد كان في تلك الفترة هو الإمام المفترض الطاعة على كل البشر بما فيهم الحسين  وهنا يأتي الإشكال: بان الحسن ليس أفضل من الحسين ، بل هما مثلان، فكيف أصبح إماما عليه؟. لان الإمام لابد أن يكون أفضل.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    الوجه الأول: النقض بسائر الأئمة فهذا حصل في كل الأئمة . فإننا نعرف إنهم متساوون تقريبا، ومن نور واحد. ولكن مع ذلك قد صار الأب إماما على ابنه إلى أن مات. فما تقوله هنا نقوله هناك.
    فإن قلت: إن مورد النقض يختلف عن مورد الكلام، باعتبار الأبوة، وهي منتفية مع هذين الأخوين .
    قلنا: إن ولاية الأبوة وان كانت شريفة، إلا إنها بسيطة ومتدنية بإزاء ولاية الإمامة. فحينئذ يلغى الفرق بين الأئمة والحسن والحسين لسقوط قيمة الأبوة من هذه الناحية، فيرجع النقض صحيحا.
    الوجه الثاني: الطعن بالقاعدة العقلية، فان الإشكال ناشئ من قاعدة يؤمنون بها، وهي إن من القبيح جعل المفضول إماما على الفاضل، فإننا نستطيع أن ننفي انطباق هذه القاعدة، من حيث إن هذا لم يحصل في المعصومين وأما جعل المثيل، إماما على مثيله، فهو مما لا يستنكره عقل ولا شرع.
    الوجه الثالث: إن هذه القاعدة العقلية إن سلمناها، فإنما تنفذ في مورد عدم الأهلية، أي إن المفضول ليس أهلا للإمامة، فإذا كان المفضول متدنيا جدا، قبح جعله إماما على من هو ارفع منه بدرجة عالية. وأما مع حفظ الأهلية كما هي متوفرة فعلا في أهل البيت فلا مانع من جعل المفضول إماما فضلا عن المثيل.
    الوجه الرابع: إننا لو تنزلنا جدلا عن الوجوه السابقة، أمكن القول بنفي الولاية ووجوب الطاعة في هذا المورد، والحسن إمام على كل البشرية إلا الإمام الذي بعده، أو أي إمام بالنسبة إلى باقي الأئمة . وإذا تعمقنا إلى حد ما، فإننا نستطيع إن نقدم جهلنا بوجه العلاقة الخاصة بين الإمامين. ولم يرد في التاريخ إن الإمام السابق أمر الإمام اللاحق بشيء بنحو الولاية، وان الثاني أطاعه. ومن الناحية العملية لا السابق يأمر ولا اللاحق يعصي، وكلاهما موقف من مواقف الأدب تجاه الله سبحانه وتعالى.
    الوجه الخامس: أن يقال: إن الإمام المتقدم دائما خير من الإمام المتأخر، لا باعتبار اصل وجوده، بل باعتبار ما ورد من: (إن المتأخر يعلم ما عند المتقدم عندما تصل روحه التراقي) . فينتقل ما عنده إلى ما بعده.إذن فالثاني في حال وجود الأول لا يعلم ما عنده، فالأول أفضل من هذه الناحية، فتتعين له الإمامة والولاية. وهذا صحيح لو سلمنا به، وفيه بعض الروايات.
    الوجه السادس: أن نتنزل عن كل ما سبق ونقول بالولاية الفعلية للمتقدم على المتأخر ما دام حيا، وهما مثيلان في المستوى الإلهي، فنقبله لثبوته بالتعبد الشرعي، بعد أن لم يكن قبيحا عقلا، فقد اقتضته الحكمة الأزلية لمصالح لا يعلمها إلا الحكيم المطلق.
    الوجه السابع: في الإمكان أن يقال: انه نحو امتحان للإمام المتأخر تجاه طاعة الله سبحانه وتعالى، بما فيهم الحسين تجاه أخيه الحسن ، وذلك بان يجد نظيره ومثيله في المستوى آمرا عليه، وولي على حياته ومماته، ويجب عليه القبول والرضا بأمر الله سبحانه ورسوله .

    هل إن صلح الحسن مقدمة لثورة الحسين ؟

    النقطة الثانية: في ما قاله المفكرون المتأخرون من الإمامية، ولعله قد أصبح من الضروريات في الفكر الشيعي، بان صلح الحسن  هومقدمة لثورة الحسين ، فهل الأمر كذلك أم لا ؟. وما هو الوجه في هذه المقدمية؟ .
    وينبغي الالتفات هنا إلى إننا لسنا مضطرين حسب القواعد الشرعية المعروفة أن نقول بهذه المقدمية، بل يكفي فيه ما عليه المسلك التقليدي الإمامي القديم من إن كل منهما قد رأى المصلحة في زمانه ومكانه المعينين أن يقوم بما قام به. وان المصلحة تلقاها بالإلهام عن ربه أو بالأمر من جده رسول الله ، وقد اجازهما  في ذلك حين قال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا . إذن فكل منهما قد أدى المصلحة الوقتية التي رآها في زمانه بغض النظر عن الآخر.
    وخاصة إذا التفتنا إلى إن هذه المقدمية إنما يصح قولها وإثباتها، إذا احرزنا ردود الفعل والتصرفات من قبل جميع الناس، من أصدقاء وأعداء وغيرهم، بحيث تحصل كما حصلت فعلا. مع إن هذا لم يكن محرزا في عصر الإمام الحسن بما فيه حصول يزيد على الخلافة، وغير ذلك كثير.
    فإن قلت: انه كان معلوما في علم الله سبحانه، وكان يعلمه الحسن .
    قلنا: نعم، إلا انه يمنع منهما مانعان:
    أحدهما: الاختيار المعطى للإنسان من أصدقاء وأعداء، ولا نقول بالجبر، فإذا كان الاختيار موجودا كانت الاحتمالات عديدة، وإذا كانت الاحتمالات عديدة كان المستقبل مجهولا.
    ثانيهما: احتمال حصول البداء، فان كثيرا من الأشياء ـ من أول الخليقة إلى آخرها ـ نؤمن بحصول بالبداء فيها. فقد تحصل حوادث غير متوقعة. فإذا كان الولي يعلم إن التسلسل المعين سوف يكون إلى أن يقتل الحسين ، فان هذا كله قابل للبداء، فإذا كان كذلك كان المستقبل مجهولا.
    وفي الحديث عن أمير المؤمنين والدهما انه قال: لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة وهي قوله تعالى: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ   .
    فإن قلت: فان الفكرة العامة للمجتمع كانت واضحة في ذهن الحسن ، وانه سوف تؤدي نتائجه إلى ثورة الحسين ومقتله، ووفق هذا أجرى الصلح.
    قلنا: هذا نظرا إلى المصالح الدنيوية، والجانب الظاهري من المجتمع، ولا شك إن الإمام الحسن  نظره أعمق من ذلك، فهو يعرف الواقعيات بما هي. وإذا تعمقنا أكثر لم نعرف كيف ستكون النتيجة.
    فإن قلت: فان لكل نتيجة سبب ولكل سبب سبب وهكذا. فيتعين أن يكون صلح الإمام الحسن واقعا في سلسلة علل ثورة الحسين .
    قلنا: نعم، إلا إن هذه العلل غير خاصة بذلك، بل إن تولي يزيد الخلافة من جملة عللها، وكذلك إصراره على أخذ البيعة، وكذلك تعيينه لعبيد الله بن زياد، وغير ذلك كثير.
    مضافا إلى إن هذا أمر كان يمكن إدراكه حين حركة الحسين أو بعدها، وأما قبلها فلم يكن متيسرا.
    وهل بالإمكان القول: بان الحسن صالح معاوية لأجل أن يتسبب في قتل أخيه الحسين بعد عشرة سنوات مثلا؟.
    فإن قلت: إن الحسن كان يعلم بوجود المصالح العظيمة التي سوف تترتب على حركة الحسين ، وثورته، ومن هنا كان راضيا بمقتل الحسين ، كما إن الحسين كان راضيا بمقتل نفسه. فلا يبعد أن يكون قد فعل الإمام الحسن صلحه من اجل أن يتسبب إلى قتل الحسين ، ومن اجل أن يتسبب إلى المصالح المترتبة على مقتل الحسين 
    قلنا: نعم، إلا إن هذا الوجه غاية ما يثبت: العلم به، والرضا به. وأما تسبيبه العمدي من اجل ذلك فلا. بل كان من اجل المصالح الوقتية في زمانه ، ولو قلنا بالتسبيب فإنما هو جزء العلة التكوينية في مجموع التسبيبات التي أدت إلى مقتل الحسين فان لكل شيء علة على أية حال.
    فإن قلت: انه لولا صلح الحسن لما حصلت ثورة الحسين لأنه جزء سببي مهما قل أو كثر. فهو مسبب بمعنى من المعاني ولو فلسفيا إلى ثورة الحسين كما إن الأسباب الأخرى موجودة، فيلزم من عدمه عدمه، أي يلزم من انعدام جزء العلة زوال المعلول، مهما كان جزء العلة ضئيلا. فيصدق فلسفيا انه إذا لم يصالح الحسن معاوية لما حصلت ثورة الحسين  وإذا لم تحصل ثورة الحسين لم تحصل نتائجها المحمودة، ومصالحها الكبيرة والعليا.
    قلنا: إن جوابه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: إن هذا التعبير: وهو انه لولا صلح الحسن لما حصلت ثورة الحسين ليس بأكيد، فلربما يجعل الله سببا آخر بديلا عن هذا السبب.
    الوجه الثاني: إن المفكرين الإماميين يقولون: قد حصل شيء ناتج من صلح الحسن حتى استعمله الحسين في وقته فهل حصل شيء من صلح الحسن ؟. وإنما هو مجرد صلح على ورق، فان معاوية صعد بعده على المنبر وقال: (ولقد عاهدت الحسن بأمور وهاهي تحت قدمي) . فان معاوية لم يلتزم به. فإذا لم ينتج شيئاً فكيف يقولون: انه مقدمة لحركة الحسين ؟.
    الوجه الثالث: لو تنزلنا وقبلنا انه لولا صلح الحسن لم تحصل ثورة الحسين فقد نقول: انه لا باس أن لا تحصل ثورة الحسين ، فيبقى الحسين وينفع الناس، وتترتب على ذلك مصالح أخرى كما تترتب على وجود سائر الأئمة . والشيء الذي نعرفه إن الله تعالى يحفظ دينه على كل حال، سواء صالح الحسن معاوية أم لا. وسواء ثار الحسين على يزيد أم لا.
    فإن قلت: انه لولا صلح الإمام الحسن لقتل كل الشيعة، ولأجل ذلك حصل الصلح. فإذا قتلوا لم تحصل ثورة الحسين لكونها سالبة بانتفاء الموضوع، ولم تحصل أي نتائج خير بعد ذلك. إذن فصلح الحسن تسبيب إلى حركة الحسين 
    قلنا: إن هذا الوجه وان كان مشهورياً ومركوزا في أذهان المتشرعة، إلا انه وحده لا يكفي، ولا دليل عليه، وذلك لأكثر من وجه واحد:
    الأول: إننا نرى إن معاوية نقض العهد ولم يستطع مع ذلك قتل كل الشيعة.
    الثاني: إن الله سبحانه هو الحافظ لهم بصفتهم ممثلين للحق، كما قال:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  وهذا ثابت سواء صالح الحسن معاوية أم لا.
    الثالث: إن المظنون أن يكون المراد من الصلح تقليل الظلم عما هو موجود، لا دفع الزائد من الظلم المحتمل من معاوية. فان معاوية كان ذكيا ويدرك إن الزائد ليس في مصلحته.
    مضافا إلى أمر آخر مهم، وهو يتوقف على مقدمة وحاصلها: إن لكل من هذين الإمامين الجليلين أهداف في عملهما بلا شك، أو بتعبير آخر أدق أن نقول: إن لله سبحانه أهدافا من عملهما، وهما عالمان بتكليفهما الشرعي وقائمان به، لنيل رضا الله وطاعته. فالهدف الحقيقي إنما هو منسوب إلى الله تعالى. فإذا نظرنا إلى مجموعة الأهداف المحتملة للحسن ، والأهداف المحتملة للحسين نرى إن نسبة هذه الأهداف بعضها إلى بعض على ثلاث مستويات:
    المستوى الأول: أن يكون الهدفان متباينين، لا ربط لأحدهما بالآخر، فلا يصح أن يكون أحدهما مقدمة للثاني، كما هو الحال على التصور المشهوري للهدفين، فان هدف الحسن هو حفظ الشيعة وعنصر الحق وإلا لأبادهم الظالمون، ولا اقل من إن من المحتمل أن يقتل نفس الحسن والحسين . فإذا قتلا يندثر الحق.
    وهذا ما لا يراد بكل صورة، والأئمة قد قدموا كل المقدمات وتنازلوا جملة من التنازلات وضحوا جملة من التضحيات في سبيل حفظ أهل البيت واستمرار الأئمة بما فيه عدم محاربة أو مشاركة زين العابدين  .
    وأما أهداف الحسين على الأطروحة المتعارفة فهو إبراز أهمية الدين، وإمكان التضحية له بهذا المقدار العظيم. فهما متباينان باصطلاح المنطق، وان كانا مشتركين في جانب طاعة الله تعالى، فلا ربط لأحدهما بالآخر ليكون مقدمة له.
    المستوى الثاني: أن يكون الهدفان متساويين أو قل إن أحدهما عين الآخر، فلا يصح أن يكون أحدهما مقدمة للآخر بدليل على انه لو كان العكس لصحت المقدمية أيضاً ، كل ما في الأمر إن أحدهما قبل الآخر وجودا في خلقة الله سبحانه، وقد تشاركا لإيجاد هدف واحد فقط. وهذا ينطبق على عدة أهداف محتملة أو على عدة أطروحات مثل: فضح خيانة ولا إنسانية المعسكر الأموي، وكل أعداء الحق على مدى التاريخ، وبذلك يفشل الخصم على مدى التاريخ عن كسب الأنصار له والدعوة إلى نفسه عن طريق الجدل النظري، وسيكون الحق النظري في جانبهما بوضوح ما لم يكن الفرد طالبا للدنيا.
    ومثل: أن يكون هدفهما معا إبراز أهمية الدين بدرجة عالية، بحيث لا يعتنى بإزائه بالأمور الشخصية مهما كانت واضحة اجتماعيا ودنيويا. كالتنازل إلى الأعداء من ناحية أو الإبادة من ناحية أخرى. وهما أقوى الحوافز الدنيوية التي قد تقع حجر عثرة دون انتصار الدين خلال الأجيال. فقد تصدى سبطا رسول الله  بأنفسهما لدحض هذا الاحتمال.
    وهذا هدف مشترك ولكن كل واحد منهما إعطاءه في صورة غير الصورة الأخرى، فمثلا نقول إن الصورة التي أعطاها الحسن انه لا يمكن أو لا ينبغي الحفاظ على هذا التكبر والسمعة، فحتى لو سحقت السمعة بالأرجل فهي في سبيل إرضاء الله تعالى، أما الصورة التي أعطاها الحسين فهي انه لا ينبغي الحفاظ على الذات و لا على المال ولا على الأسرة إن كان ذلك يرضي الله تعالى، وهذا لا يعني المقدمية، فلو كان العكس حاصلا لامكن حصول نفس الهدف.
    المستوى الثالث: أن يكون هدف الإمام الحسن تأصيل هدف يصلح أن يكون إعدادا واستقرارا أو مقدمة لثورة الحسين  وهذا الحال أيضاً ينطبق على بعض الأطروحات:
    منها: أن يكون هدف الإمام الحسن حفظ الشيعة، أو قل حفظ اكبر عدد منهم، وحينئذ تم حفظهم بالصلح، فاستطاع الإمام الحسين أن يقدمهم في ثورته وحركته. وهذا هو أوضح الاتجاهات المركوزة في أذهان المتشرعة التي تتحدث عن المقدمية. ولكن يمكن الجواب عنه: بان هذا صحيح لو كان الصلح قد انطبق فعلا، أما بعد أن رفضه معاوية فلا معنى لحصوله.
    فإن قلت: فان الحسن قد سعى بمقدار وسعه وإمكانه لأجل ذلك وهو معاهدته المعروفة، وليس في وسعه أخذ القبول الكامل والمستمر من خصمه.
    قلنا: نعم، ولكن ذلك لا يكفي للمقدمية، لوضوح إن هدف الإمام ينبغي أن يحصل لتحصيل نتيجته، وهي ثورة الحسين ، وأما إذا حصلت الخيانة من الطرف الآخر ولم يحصل الهدف إذن فهذه المقدمية لم تحصل عمليا وان حاولها الحسن .
    ومنها: تربية إيمان المؤمنين من قبل الإمام الحسن لأجل أن يحصل جيل متكامل يستطيع أن يجاهد بين يدي الحسين .
    وهذا النحو من الفهم له نحوان من الانطباق: انطباق مطابقي وانطباق التزامي.
    أما الانطباق المطابقي فهو ظاهر كلام من يقول بذلك، من حيث انه يرى إن الصلح بنفسه أوجب زيادة درجات الإيمان للمؤمنين في المجتمع بحيث اعد لثورة الحسين  إلا إن هذا قابل للمناقشة من عدة جهات:
    الجهة الأولى: انه عهد اجتماعي واتفاق سياسي، وليس موعظة إيمانية ليلزم منه ذلك.
    الجهة الثانية: انه لو كان منطبقا ومنفذا لصح، ولكنه لم ينطبق أطلاقاً.
    الجهة الثالثة: انه لو كان اثر في هداية الناس لنجحت ثورة الحسين دنيويا وسيطر على يزيد وأخذ الحكم، ولما خانه الشيعة بالكوفة، ولما خانوا مسلم بن عقيل وقالوا لأفرادهم: ما شانك والدخول بين السلاطين ، وكل ذلك لم يحصل. إذن فلم يكن هو الهدف الحقيقي للإمام الحسن ، لاستحالة تخلف الهدف الحقيقي المقصود كما قلنا في كتاب الأضواء .
    وأما الانطباق الالتزامي فباعتبار انه أوجد بعض الأمور التي أوجبت زيادة البلاء ضد المؤمنين، كرد فعل معاكس من قبل المعسكر المعادي ونحو ذلك. وكل بلاء دنيوي فهو موجب لتكامل البعض لا اقل. فقد حصل الإعداد في التكامل لثورة الحسين عن هذا الطريق.
    وجوابه:
    أولا: إن ذلك ليس مقصود من قال بأن صلح الحسن أعد لثورة الحسين بأيجاده زيادة درجات إيمان المؤمنين.
    ثانيا: إن هذا الإعداد غير خاص به، بل كل الحوادث المضادة للمؤمنين، والتي كانت تحدث يومئذ كفيلة بذلك ابتداء بيوم السقيفة فما بعده من قتل الزهراء وقتل الحسن وغير ذلك.
    إذن صح ما قلناه من: إننا غير مضطرين للإيمان بهذه المقدمية، أو قل إنها مما لا برهان عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عقل. ولكننا مع ذلك لا نستطيع نفيها إذ لا برهان على عدمها أيضاً، فتبقى أطروحة محتملة طيبة على أي حال.
    ونستطيع أن نطبق احتمال ذلك على كل الأهداف التي ذكرناها في المستويات الثلاث السابقة.
    أولاً: إذا كان هدف الإمام الحسن حفظ الشيعة عن الإبادة فيمكن أن يكون الغرض له حفظهم لنصرة الحسين 
    أما بمعنى أن لا يبادوا جميعا فتكون حركة الحسين سالبة بانتفاء الموضوع، أو بمعنى أن يبقى منهم عدد كبير ينصر الحسين في طف كربلاء.
    ثانيا: انه إن كان هدف الإمام الحسن فضح المعسكر الآخر، كما هو هدف الحسين ، كما قلنا في أطروحة سابقة، فالأول منهما متقدم خِلقيا وتاريخيا بمشيئة الله تعالى على الآخر، فهو بمنزلة المقدمة للآخر. وان صح انه لو كان العكس لكانت ثورة الحسين مقدمة لصلح الحسن  إلا أن الحسن ما دام مخلوقا في الجيل الأسبق، إذن فله المقدمية والإعداد.
    ثالثا: إننا نقول نفس الشيء فيما إذا كان هدفهما معا إبراز أهمية الدين وعظمته إزاء تحمل العناوين الثانوية والبلاء الدنيوي. فمن يكون متقدما زمانا من المحتمل أن يكون معدا لمن هو متأخر عنه.
    رابعا: أن يكون هدف الإمام الحسن تربية إيمان المؤمنين ليشاركوا في ثورة الإمام الحسين وقد حصل في الـبعض، كهؤلاء الذين جاءوا معه وقتلوا معه وهذا يكفي. ونحن نعلم إن عمق الإيمان لا يمكن أن يحصل للكثيرين إلا نادرا.
    وهناك أطروحات أخرى للمقدمية نستطيع أن نسميها سلبية، لم يذكرها المشهور:
    أولاً: أن يقال: إن صلح الحسن أوجب رد فعل في المعسكر الآخر أو زيادة في الظلم والاضطهاد بحيث حصلت المصلحة في نظر الحسين لبدء حركته.
    ثانيا: أن يقال: إن الامتحان الإلهي الذي أوجد صلح الحسن وان أوجب قوة الإيمان لدى البعض، إلا انه أوجب ضعفه في الكثيرين، بل في عدد ممن كان يعد نفسه من الخاصة والموالين. ومن هنا ضعف إيمان الشيعة نسبيا، فحصلت المصلحة لثورة الحسين ليريهم أهمية الدين والإيمان.
    ثالثا: إن صلح الحسن كان (ظاهرا) نحو من التنازل لمعاوية بالملك والإمامة، كما عليه المسلك التقليدي لدى العامة، حيث إنهم يعتبرون الحسن إماما خامسا لكنه تنازل إلى معاوية وانقطعت إمامته . إذن سيكون ذلك إقرارا للمسلك العام للخلافة المدعاة لمعاوية وأمثاله، أو قل إقرارا لخلافة الأمويين عموما، وان لم يكن ذلك مقصودا حقيقة. فحصلت المصلحة لثورة الحسين في أن يبرهن عمليا على شجب ذلك وإنكاره في المذهب.
    رابعا: إن صلح الحسن ربما أوجب ظاهرا إن الموالين للائمة ضعفاء ومتخاذلين، إلى حد يكونون على استعداد للمصالحة مع عدوهم بالرغم من كونهم يعتقدون به معتديا ظالما، فاقتضت المصلحة للحسين إثبات التجربة بخلاف ذلك يقينا.
    والى هنا يمكن أن نكتفي بهذا المقدار من الحديث عن علاقة الحسين بأخيه الحسن  وينتهي الحديث عن ذلك العنوان وهو علاقة الحسين بمن قبله.



    علاقة الحسين  بمن معه

    وهنا نعرض سؤالا مشهورا وهو إن هناك أناسا صالحين مشهود لهم بالوثاقة، كانوا أحياء عند واقعة الطف، ومع ذلك لم يحضروها، ومقتضى القاعدة أن يكونوا مشمولين لقوله  من سمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار. مع إنهم لا يحتمل فيهم ذلك لمدى إيمانهم وإخلاصهم، ويسمي الفكر التقليدي بهذا الصدد (عبد الله بن جعفر) زوج زينب بنت علي على المشهور والمنقول، و (محمد بن الحنفية) و (ميثّم التمّار) و (المختار الثقفي) . فكلهم كانوا أحياء ولم يحضروا واقعة الطف مع العلم إنهم متدينون ومتشرعون ومتفقهون، فلماذا لم ينصروا الحسين في واقعة الطف؟.
    ويجيب الفكر التقليدي بأنهم جميعا كانوا معذورين عن الحضور. فأما عبد الله بن جعفر فكان أعمى، والأعمى يسقط عنه الجهاد. وأما محمد بن الحنفية فكان ضعيف الساعدين لا يستطيع أن يضرب بالسيف، وقد نقل انه كان قويا فأصابته عين فضعف عن القتال. وأما ميثّم التمّار والمختار فكانا مسجونين بسجن عبيد الله بن زياد في الكوفة حيث قام بحملة ضد مسلم بن عقيل وأصحابه .
    أقول: أما اصل العذر فهو محرز، ولا ينبغي المناقشة فيه، كما إن عدم مشاركتهم في واقعة الطف بالرغم من وجودهم في ذلك العصر فهو من القطعيات، ولا يحتمل إنهم شاركوا ولم يصل الخبر، لان خبرهم وصل بوجودهم بعد واقعة الطف كميثم الذي صلب في وقت متأخر عن ذلك الحين، والمختار الذي أخذ بثأر الحسين 
    ولكن مع ذلك يمكن المناقشة بالمبرر السابق التقليدي بعد الالتفات إلى أن هؤلاء الأربعة على قسمين: اثنين منهم بالمدينة: وهما عبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية، واثنين بالكوفة: وهما المختار وميثم. فلكل قسم حديثه الخاص به.
    أما الاثنين الذين في المدينة فلا يحتمل أنهما لم يعلما بحركة الحسين بل كانا معا ممن تحدث مع الحسين في عدم الخروج. إلا أن وجه العذر في عدم خروجهم معه احد أمور:
    الأول: العذر المذكور سابقا، وهو الذي عرضه الفكر التقليدي.
    الثاني: إن الحسين كلفهما بالبقاء بالمدينة بالوكالة عنه لقضاء حاجات المؤمنين ريثما يرجع، أو يرجع الإمام الذي بعده. وهذا وان لم يثبت بدليل معتبر إلا انه راجح، لأنهما كانا أكثر الموجودين من بني هاشم وجاهة وعمرا وتفقها.
    ثالثا: إنهما وان علما بخروج الحسين إلا إنهما لم يكونا يتوقعان ما حصل من نتائج، وهذا أمر مظنون وان لم يكن أكيداً. ولا اقل إنهما يسليان أنفسهما باحتمال نجاح الحسين في حركته دنيويا، وعدم مقتله، وخاصة وإنهم يحملون عزمه الأكيد على الذهاب على نحو من التخطيط للانتصار على الصعيد المادي والدنيوي.
    مضافا إلى نقطة أخرى، وهي انه ليس من المفروض أن يأخذ الحسين معه جميع المؤمنين على الإطلاق لمجرد حصول حاجته إليهم بعد ذلك.
    وأما حين تقوّى احتمال مقتله بعد حادثة الحر الرياحي، فلم يصل الخبر إلى المدينة، وكانوا جاهلين ومعذورين عن ذلك. وحتى لو فرضنا وصولهم فلم يكونوا يدركون الذهاب إليه مع صعوبة وسائط النقل، كما لم يكونوا يعلمون منطقة تواجده لكي يصلوا إليه.
    إلا إن هذا الوجه قابل للمناقشة من أكثر من نقطة واحدة:
    النقطة الأولى: إن هذا الذي قلناه وهو إنهما لم يكونا متوقعين النتائج التي حصلت ليس بصحيح. لأنه كان يصرح بحصول مقتله .
    النقطة الثانية: إن هذا الذي زعمناه وهو انه ليس المفروض خروج كل المؤمنين معه أيضاً ليس بصحيح، فان المفروض خروج جميع المؤمنين معه. ولذا نجده يقول: خط الموت على ولد ادم مخط القلادة على جيد الفتاة إلى أن قال: إلا من كان باذلا فينا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا. فاني راحل غدا مصبحا إن شاء اللــه .
    وقوله: فليرحل معنا أمر إلزامي عام لكل المؤمنين.
    والمفروض بهم الطاعة، كما إن المفروض بكل واحد منهم أن يكون باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه، إلا إن أمثال هؤلاء في الواقع قليلون. ومن هنا يجب على هذين الرجلين وغيرهما أن يخرجوا معه، فيسقط هذا الوجه للعذر ويبقى الوجهان السابقان.
    وأما المختار الثقفي فالظاهر إن العذر فيه صحيح، لمشاركته فعلا مع مسلم بن عقيل في حركته، ونحن نسمع من التاريخ إن مسلم بن عقيل نزل أولاً في دار المختار الثقفي، ثم انتقل إلى دار هاني بن عروة بعد مجيء عبيد الله بن زياد باعتباره أقوى عشيرة وأنصارا وسلاحا . فكان قبل ذلك في دار المختار وهو الذي يتولى شؤون مسلم بن عقيل 
    وعلى أي حال، فمن الطبيعي أن يسجن فيمن سجن بعد مقتل مسلم ، ولم تكتب الشهادة للمختار كما كتبت لهاني . لكونه اقل مشاركة منه. في حين إن لهاني اليد الطولى في الدفاع عنه وإخفائه في داره.
    وأما ميثم التمّار فمشاركته لحركة مسلم احتمالها ضعيف، باعتبار عدم وصول اسمه خلالها، مع وصول عدد معتد به من الأسماء من كلا المعسكرين، ومن ثم فالنتيجة المذكورة له تكون ضعيفة أيضاً، وهو كونه مسجونا في سجن ابن زياد بعد حركة مسلم  فما هو وجه سجنه إن لم يكن مشاركا؟. ومن ثم يكون التمسك بهذا العذر له ضعيفا .
    إلا إن هذا الرجل مما يتعين حمله على الصحة والتصرف المشروع، لما نعرف من إخلاصه وارتفاع شانه، وخاصة في المنقول من تصرفه خلال شهادته، فانه كان يروي فضائل أمير المؤمنين ويداه ورجلاه مقطوعتان إلى أن قطعوا لسانه . ومن ثم تكون لعذره أطروحات أخرى:
    الأطروحة الأولى: إن المشهور وان كان هو شهادة ميثم بعد واقعة الطف، إلا إن الخبر في ذلك ضعيف فلعله قتل قبل ذلك كما قتل جماعة من المؤمنين كحجر بن عدي وغيرهم . ومعه لم يكن حيا في واقعة الطف ليشارك فيها.
    الأطروحة الثانية: انه بالرغم من اشتهار حركة الحسين في المنطقة بين مكة والمدينة والكوفة والبصرة، إلا إن ميثم كان في الأعراب في منطقة نائية لا تصلها الأخبار، وهي أطروحة محتملة سمعتها من بعض الفضلاء السابقين. ولعل أفضل ما فيها إنها الوجه الرئيسي لإمكان حمله على الصحة، بعد سقوط الوجوه الأخرى. وعلى أي حال فهي تكفي للاحتمال المبطل للاستدلال ضده، وان لم نكن نستطيع أن نثبتها تاريخيا.
    الأطروحة الثالثة: إن ميثم كان ممن يعلم علم المنيا والبلايا، ولا اقل انه كان يعلم السبب في مقتل نفسه، ويرويه عن سيده وإمامه أمير المؤمنين ، وكان يسقي الشجرة التي أشار إليها بأنه يصلب عليها، وكان يقول لها: (ما غذيت إلا لي) .
    وعندئذ فهو يعلم انه في قضاء الله وقدره الحتمي أن يكون موته هنا في محله الموعود، ولا يحتمل أن يكون في كربلاء ولا في أي مكان آخر، وكأنه فهم أيضاً عن أمير المؤمنين إن المسالة غير قابلة للبداء، أو انه لم يكن ملتفتا إلى البداء.
    فكان طيب البال من هذه الناحية، معتمدا على بشارة أمير المؤمنين له بالشهادة، ولا تفرق الشهادة في نظره بين هذه أو هذه. وخاصة إذا التفتنا إلى احتمال انه لم يسمع قول الحسين : من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار، علما إن هذه الكلمة قالها الحسين في كربلاء أمام الجيش المعادي، فكيف تصل إلى مسامع ميثم وأضرابه في الكوفة، إلا بعد أن يكون الحسين قد قتل.
    الأطروحة الرابعة: إن عاطفته تجعله منشدا إلى ولاية أمير المؤمنين خاصة دون غيره من الناس، حتى أولاده. وربما يرى الفرق بينهم كبيرا فلا يرى لهم أهمية بإزاء عظمة الولاية العلوية، ولا يريد لها بديلا حتى لو كان هذا البديل هو الحسين .
    مضافا إلى انه إن حصل له أي ذنب في التخلف عن الحسين ، فقد غسله في شهادته. مضافا إلى ما يروى: حب علي شجرة من تمسك بغصن من أغصانها نجى . وقوله: حب علي حسنة لا تضر معها سيئة وقد كان ميثم أوضح مصاديق المحبين له .
    الأطروحة الخامسة: انه يعرف تكليفه الخاص بعدم الخروج لنصرة الحسين بالإلهام، كما قلنا: بان الخاصة من المؤمنين يأتيهم الإلهام من الله سبحانه. وهو تكليف خاص به وعذر خاص به شخصيا، ولعل المصلحة فيه هي نفوذ نبوءة أمير المؤمنين في شهادته، والاحتمال مُبطِل للاستدلال.



    علاقة الحسين  بمن بعده

    نتحدث الآن عن علاقة الحسين بمن بعده، أو قل علاقتهم به بعد أن يكون قد فارق الدنيا من الناحية العملية. غير إن العلاقة المعنوية والعاطفية تبقى موجودة، ومتأججة بالقلوب على مدى التاريخ. وهي إحدى المزايا العظيمة والعجيبة التي وهبها الله سبحانه للحسين لشهادته وصبره. واعتقد إنها موهوبة له بإرادة خاصة من قبل الله سبحانه وتعالى، يعني إنها نحو من أنحاء المعجزة. ويكفي أن نلتفت إلى إن سمعته الطيبة مما يشهد بها كل البشر على الإطلاق من مختلف أديانهم وثقافاتهم وطبقاتهم إلا من شذ وندر. أما الشيعة والموالون فلهم في ذلك خصوصية زائدة، كما نقل عن النبي  انه قال:  إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا 
    وهذه من النعم عليه وعلى شيعته وعلى كل فرد منهم، لأنها باب مهم يدخلون منه إلى طاعة الله سبحانه، وتنفيذ شعائر الدين. ولولا هذه الحرارة للشيعة لتسامحوا في أمر الحسين وتغافلوا عنه وتركوا شعائره، بصفتها احد المستحبات التي يجوز تركها.
    ولا اقل إن شانه في ذلك يكون كشأن غيره من الأئمة . في حين قلنا في الأضواء إن كل مجلس عزاء لأي إمام لا يكون جميلا وجامعا للشرائط ما لم يقترن بذكر الحسين  كما إنني قلت: إن الإحساس الخاص يؤيد ذلك، ولذا نجد العاطفة في العشرة الأولى من محرم تتصاعد فعلا في القلب ويميل الفرد إلى البكاء وإيجاد هذه الشعائر بشدة وهمة، وهو أمر عجيب ليس له تفسير إلا تأييد الله وعنايته.
    وعلى أي حال فالظاهر إن أول الحركات التي حصلت بعد ثورة الحسين وانتسبت إليه فعلا اثنتان: حركة التوابين وحركة المختار الثقفي. فلابد أن نحمل عنهما فيما يلي فكرة كافية.
    وحسب نقل التاريخ، فان حركة التوابين حصلت قبل حركة المختار، سنة خمسة وستين أي بعد واقعة الطف بأربعة سنوات، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي وكان هدفهم إزالة عبيد الله بن زياد عن الكوفة، وإسقاطها بأيديهم.
    إلا إن هدفهم المعنوي ارفع وهو نيل الشهادة للتكفير عن الذنب الذي يشعرون به من إنهم تركوا نصرة الحسين  ولم تبق حركة التوابين طويلا، واستطاع المعسكر المعادي، أو الدولة يومئذ من السيطرة على الحال والإجهاز على التوابين، وقتل سليمان بن صرد وأصحابه .
    وهذا المعنى ثابت تاريخيا، وإنهم اتفقوا فيما بينهم لأجل ذلك، جزاهم الله خيرا. وسليمان بن صرد من المخلصين والمتعاونين مع مسلم بن عقيل لكنه لم يوفق لان يكون مع الحسين ولا نعلم السبب فيه.
    والشيء الرئيسي الذي ينبغي الإشارة إليه إنهم لم يستأذنوا من احد في حركتهم في حين إن المختار أخذ هذا بنظر الاعتبار، وكان إخلاصهم واندفاعهم وعاطفتهم جعلتهم يقدمون من دون الالتفات إلى الاستئذان. وكأنهم استأذنوا من سليمان نفسه، وهو ليس بقاصر. فهو مؤمن ومتفقه ومتعاون مع أصحاب الأئمة كمسلم بن عقيل 
    وينبغي الالتفات أيضاً إلى هذه النقطة وذلك إنهم بعد أن ظهرت إمارات الفشل لحركتهم اجتمعوا وقالوا: بأننا نحارب لا لأجل حب الدنيا، والمهم أن نموت في سبيل الله تعالى، ولأجل التوبة من عدم الحضور في طف كربلاء .
    وأما حركة المختار فبدأت بعد حركة التوابين مباشرة، وهي أوسع وأقوى. وبدا في العام الذي يليه سنة ست وستين. حتى باشر المختار الحكم واستطاع أن يقاتل أهل الشام، وان يستدعي بقتلة الحسين فردا فردا ما استطاع إليه سبيلا ، ويقتلهم بنفس الطريقة التي فعلوا فيها. ومنهم عمر بن سعد وحرملة بن كاهل و عبيد الله بن زياد وغيرهم.
    وبحسب فهمي فان الحكمة تقتضي ذلك، يعني ضعف حركة التوابين لينالوا الشهادة كما طلبوها، ولو كانوا أقوياء لما استشهدوا. وقوة حركة المختار ليستطيع أن يباشر الانتقام الفعلي من قتله الحسين ، وإلا فمن الواضح إن جمعهم والبحث عنهم ومباشرة قتلهم مع كون الدولة الرئيسية إلى جانبهم وهي حكم الأمويين، ليس بالأمر السهل، ولا يستطيع ضعفاء الناس القيام به.




    إخلاص المختار الثقفي

    تبقى كلمة، فيما قد يثار من التشكيك في إخلاص المختار، وان حركته فيها إشكالان:
    أحدهما: انه اعتمد في أخذ الإذن من محمد بن الحنفية وليس من السجاد وبذلك اتهم انه من الكيسانية الذين يؤمنون بإمامة محمد بن الحنفية ومهدويته على ما في بعض النقول .
    ثانيهما: انه حاكم طالب للدنيا، بدليل انه لم يسلم حكمه لأهل الحق، بما فيهم زين العابدين .
    وهنا ينبغي النظر إلى عدة مستويات:
    المستوى الأول: انه لاشك انه مخلص بدرجة معتد بها، حيث شارك مسلم بن عقيل في حركته، وأعانه على أهدافه. وهو يعلم إن من نتائج ذلك السجن أو القتل. لان الحكم الحقيقي لم يكن بيدهم، بل بيد أعدائهم. وقد تحمل السجن ثم طالب بثأر الحسين ولم يكن ذلك شكليا، لأنه لو كان كذلك لما كانت هناك همة لقتل قتلة الحسين ، مع انه كان متحمسا إلى هذه الجهة ومهتما بها. مضافا إلى انه قتل في سبيل عمله، ولو كان طالبا للدنيا لكان الأولى له أن يصالح أو يهادن أو يتنازل أو يختفي على اقل تقدير، ولم يفعل.
    المستوى الثاني: إن الإمام السجاد كان بعد مقتل أبيه في تقية مكثفة، ووضع دنيوي لا يحسد عليه، ولم يكن في نظره من المصلحة أن يصرح بأي شيء سياسي أو اجتماعي طول حياته حفاظا على البقية الباقية من أهل البيت . وانه يكفي ما أريق من دماءهم في كربلاء، وإذا كان للحسين هذا المقدار من الأنصار والتابعين فلن يستطيع السجاد أن يجد مثل عددهم. وأمامه عمل الحسن مثالا، بحيث اضطر من الناحية الدنيوية أن يصالح معاوية. وهو إنما اضطر إلى ذلك بصفته قائدا لمعسكر ورئيسا لحركة. فالأفضل للسجاد أن لا يكون في مثل هذا الموقع حتى لا يضطر إلى إيجاد الصلح مع حاكم زمانه أيا كان. بل يستقر في بيته ويخدم دينه في حدود التقية المكثفة، ولم يقصر في ذلك.
    وهذا المعنى مانع أكيد وشديد عن أن يأذن للمختار بالحركة والانتقام من قتلة الحسين ، بحيث يقول ذلك للمختار علنا بين الناس. ولربما إن الاتصال بينهما قد حصل، وقد افهمه السجاد عدم وجود المصلحة في جوابه، وإعلان إذنه، أو انه إذن له وأمره بالكتمان، أو انه هو الذي وجهه إلى محمد بن الحنفية وإعلان رأيه.
    غير انه مما يبعد ذلك إنهما لم يلتقيا، لان المختار بالكوفة، والسجاد بالمدينة. ولم يرد إن المختار ذهب إلى المدينة. ولكن ينتفي ذلك بسؤال ابن الحنفية فانه أيضاً في المدينة، وقدتم الاتصال بالمراسلة حسب المنقول، فيمكن أن يكون كذلك للسجاد 
    وحيث انه يتعين اجتماعيا ودينيا في نظر المختار أن تكون حركته مستندة إلى واحد من العلويين، أو من أهل البيت فكان محمد بن الحنفية هو أوجه الناس عمرا وفقها وورعا في إعلان اسمه في الإذن بهذه الحركة، بدلا عن السجاد  وهذا هو التبرير التقليدي المعروف، وأنا اعتقد بصحته.
    نعم، لا يتعين على المختار استئذان احد أطلاقاً بعد عجزه عن أخذ الإذن من السجاد ، أو عجزه عن إعلان ذلك. إلا أن هذا تابع لقناعة المختار في ذلك الحين وما وجد من المصلحة في ذلك. فكأنه يرى إن أهمية حركته منوطة بأخذ الإذن من احد العلويين، وان أهمهم هو ابن الحنفية.
    وأما علاقته بابن الحنفية أكثر من ذلك، فلم تثبت أطلاقاً. بمعنى انه يعتبره إماما مفترض الطاعة، أو انه يعتبره هو المهدي الذي يملئ الأرض قسطا وعدلا. بل نحن نجله عن ذلك، ويكفي معاشرته للمخلصين السابقين عليه في وعيه وثقافته الدينية، كمسلم بن عقيل وغيره. ومن هنا فمن غير المحتمل أن يكون كيسانيا.
    على انه من المحتمل القول بان مذهب الكيسانية كذب، بمعنى انه لم يحصل لأحد أطلاقاً. وإنما هو نبز الأعداء ضد مذهب الإمامية، ولو حصل ذلك لوصل الخبر إلى محمد بن الحنفية. ولو وصل الخبر إليه لكذبه بنفسه وانتهى الحال. وأما رضاه بالإمامة فهو بعيد جدا، مع انه من تربية المعصومين ويعلم إن الإمامة منوطة بشروط عظيمة في عللها ومعلولاتها، لا تتوفر به.
    مضافا إلى انه مسبوق لا محالة بالأخبار الدالة على وجود اثني عشر إماما، بعددهم وأسماءهم وهو ليس منهم. كما انه مسبوق بنص الحسين على ولده السجاد بالإمامة، وكل ذلك يمنع الظن برضاه بذلك.
    ثم انه قد ورد خبر عن تحكيم الحجر الأسود في إمامته وإمامة السجاد ، وان الحجر شهد للإمام السجاد  ، وهذا أمر معقول ولا يدل على اعتقاد ابن الحنفية بذلك، بل هو لمجرد الإعلام لإمامة السجاد لكي لا يتخيل احد إن محمد بن الحنفية وهو اكبر عمرا من السجاد فهو مستحق للإمامة. مضافا إلى ما ورد من القاعدة العامة القطعية عند الإمامية وهي امـتناع أن تكون الإمامة في اخوين بعد الحسن والحسين (عـليهما السلام) . وهي تشمل عدة موارد منها محل الكلام. اعني تكون سببا لنفي امة محمد بن الحنفية.
    إذن فلم يثبت إن أحدا من المسلمين أو من الشيعة كان كيسانيا أطلاقاً. نعم، ينسب شعر إلى السيد الحميري بمضمون اعتقاده:

    إلا إن الأئمة مـن قريش ولاة الحق أربعة ســــــــواء
    علي والثلاثة مـن بنـــــــيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
    فسبط سبط إيمان وبـــــــر وسـبط غيـبـــــــــــته كـربلاء
    وسبط لا تراه العين حتى يقـود الخيــــل يقدمه اللواء
    تغيب لا يرى عنهم زمان برضوى عنده عسل وماء
    وهذا مضافا إلى احتمال الوضع والدس فيه، بل لعل السيد قاله لأجل الدس. فانه ليس فيه إن هذا الرابع المشار إليه هو محمد بن الحنفية. بل هو المهدي صاحب الزمان وليس في الكلام ما يدل عليه إلا قوله: (علي والثلاثة من بنيه) يعني الصلبيين. إلا إن ذلك غير متعين كما هو واضح. فان الإمام المهدي أيضاً هو من أولاد علي وفاطمة وان محمد بن الحنفية ليس بسبط رسول الله  فتعين في صاحب الزمان.
    وهكذا يتضح إن الاعتقاد بمهدوية محمد بن الحنفية أيضاً من الدس والمجعولات لا أكثر ولا اقل.
    ولو فرض إن أحدا كان معتقدا بها فقد اندثرت في مهدها، بتكذيب محمد بن الحنفية نفسه، أو عدم انصياعه لهم .
    وكذلك للعلم والفضائل التي كانت تنتشر عن المعصومين كالسجاد والباقر مما يجعل عدول الشيعة إليهم لا عنهم. وربما كانت مثل هذه الأفكار خطرت في ذهن البعض ثم تاب عنها. لا إننا نقول إنها فرقة كانت موجودة، وإنما انقرضت بموت صاحبها، فان ذلك خرافة ودس في التاريخ لا أكثر.
    فإذا لم يكن للفرقة الكيسانية وجود حقيقي في التاريخ، أوقـَّل وجودهم على أقل تقدير لو كان لها وجود ضعيف . فمن غير المحتمل انتساب المختار إليها.
    على انه ليس من مصلحته إعلان ذلك، أي إعلان إمامة ابن الحنفية دون السجاد. وإنما هو فقط اعتمد على إذن ابن الحنفية في حركته. وهذا ثابت تاريخيا في الجملة.
    فإن قلت: انه لماذا لم يتخذ محمد ابن الحنفية مسلك التقية؟.
    قلنا: إن هذا جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: لعل الإمام أمره بذلك إلزاما خفيا، لحكمة هو يراها. فإذا صح ذلك يكون مخصصا لأمر التقية. فكل تقية واجبة إلا ما خرج بدليل.
    ثانيا: انه رأى مصلحة عامة كبيرة فيما يريد المختار أن يفعله، مقدمة على مصلحة التقية، وخاصة إذا التفتنا إلى عظم مصيبة الحسين .
    ثالثا: انه في نقطة قوة دنيوية أكثر من السجاد، فانه من الناحية العملية لم يحارب الأمويين، ولم يحضر كربلاء، ولم يعلن العداء لهم بشكل إعلامي واضح. فمن الراجح أن لا يثير حفيظة الدولة ضده.
    رابعا: انه بعد مضي هذا العدد من السنين كخمسة سنين أو ستة، وتبدل الخليفة الأموي الذي أمر بقتل الحسين  لم تَعُد محاربة قتلة الحسين مجابهة صريحة للدولة. وهي مجابهة ولكنها ليست بهذه الأهمية والوضوح. وكأنما يراد مطاردتهم كأشخاص والانتقام منهم.
    وهذه نقطة قوة كانت لمحمد بن الحنفية، في حين كان السجاد يحترس منها بعنوان إن هؤلاء وان لاحظناهم كأشخاص، إلا إنهم أصدقاء الدولة وموالوها من ناحية، وكانوا منفذين لأمرها ورغبتها في قتالهم للحسين من ناحية أخرى. إذن فمجابهتهم هي مجابهة للدولة ولو ضمنا، وهذا ما ينبغي السكوت عنه.
    بخلاف محمد بن الحنفية الذي لم يعلن الحرب ضد الدولة أطلاقاً لا سابقا ولا لاحقا. فقد يكون معذورا من جهة الدولة أن يدافع عن حق أخيه الحسين وليس هو عن الحسين ببعيد.
    المستوى الثالث: عن قضية طلبه للدنيا، وعدم تسليم الحكم للإمام  فهذا يمكن أن يكون جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إن كل منصب ديني فهو محتمل للدنيا ومحتمل للآخرة. بل الأمر هكذا في كل أمور الدنيا مما يمكن قصد القربة فيه. فيمكن للنفس الأمارة بالسوء أن تدخل شهواتها. كما يمكن للأعداء أن يطعنوا ويناقشوا. وهم طبعا يريدون إفشال كل قادة الشيعة، من معصومين وغيرهم، والإعلام ضدهم. ونحن إذا طعنا بالمختار فقد أعنا أعداءنا على أنفسنا.
    ثانيا: إن الإخلاص الذي وصفناه للمختار يتعين معه طلب الآخرة دون طلب الدنيا، فهدفه اعم من الدنيا وأوسع.
    ثالثا: انه ضحى بدنياه في سبيل آخرته، وقد روى عن أهل البيت : رحم الله عمنا المختار . فهم راضون عنه، وهم لا يرضون إلا عمن رضي الله عنه.

    حول ثورات العلويين

    والآن ينبغي أن نبدأ بإعطاء الفكرة العامة بعلاقة حركة الحسين بالتحركات ضد الظلم عموما، وخاصة التحركات التي حصلت من أولاده وأولاد عمه (الحسنيين والحسينيين)، فإنها علاقة وشيجة بلا شك، واشهرهم زيد بن علي وهو ابن السجاد الإمام العامل بالتقية.
    وخاصة حينما يسمعون قول الحسين : ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله  آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر أو يسمعون قوله :  والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر لكم إقرار العبيد . وغير ذلك من الكلمات التي تلهب الحماسة فـي نفوسهم، لتحمل الأذى والموت والشهادة في سبيل رفع الظلم عن المجتمع، أو التقليل منه حسب الإمكان، وقد أعطى مثالا واضحا وواسعا وعظيما للتضحية في سبيل الدين والحق.
    وأنا الآن لست كفيلا بنفس التاريخ فهم عديدون بالعشرات مذكورون في (مقاتل الطالبين) وغيره. فلابد من الكلام أولاً في موقفهم من التقية وثانيا في موقفهم من العنوان الذي كانوا يعلنونه يومئذٍ وهو (الرضا من آل محمد).
    ويمكن النظر في هذه الحركات عموما في عدة مستويات:
    المستوى الأول: انه يندر من العلويين من يكون مواليا للدولة يومئذٍ، الأموية والعباسية. فان العاطفة من الجهتين كانت منافية لذلك، وكانت الدولة تتعمد إبعادهم عن كراسي الحكم من وزارة وقضاء وبيت مال وغير ذلك، وهذا معناه إن نحوا من المقاطعة كان موجوداً.
    وهم لا يشعرون بأهمية الاشتراك في مثل هذا الكيان القائم، لأنهم يعلمون إن الدولة غير شرعية، والظلم موجود. فهم إن شاركوا في الدولة، فسوف يشاركون في الظلم. ولكن مع ذلك وجد من أتهم تاريخيا بذلك، وهم قليلون جدا، كابي السرايا ، فلعله أعان بعض القواد في زمن بني العباس طلبا للدنيا، وكذلك جعفر الكذاب أو التواب فانه ذهب إلى المعتمد العباسي وقال له: اجعلني إماما بعد أخي !.
    المستوى الثاني: انه من الممكن القول إن ظاهر أكثر الحركات العلوية ليس هو إقامة الحق والعدل، بل هو القيام ضد الظلم، ومحاولة تقليله والكفكفة منه وشجبه، وذلك لأمرين:
    أولهما: عدم تجاوب المعصومين معهم، وليس من المستطاع إعلانهم موافقة أي واحد من المعصومين، فكان الذي يتحرك إنما يتحرك وحده. وطبعا سوف لا يكون له نفس الانطباع فيما إذ أعلن كونه مندوبا أو ممثلا أو مجازا من قبل احد المعصومين .
    وثانيهما: إن كل واحد منهم يشعر إن حركته مهما كانت واسعة أو قليلة، فإنها لا تستطيع إسقاط الدولة ككل حتى لو قتل الخليفة نفسه، فإنهم يأتون بخليفة بعده. وبمعنى من المعاني انه حتى الحسين نفسه لم يستطع إسقاط الدولة على عظمته، فكيف بغيره. إذن فهم مجرد تظاهره بسيطة، ونيل للشهادة ليس أكثر من ذلك.
    المستوى الثالث: إننا قلنا في (تاريخ الغيبة الصغرى) . انه من الممكن كأطروحة، فيما إذا لم نعرف أو شككنا بمعنى من المعاني في نوايا العشرات من المتحركين والثوار بعد الحسين إلى زمن الغيبة الصغرى، فلا نعلم إنهم هل كانوا مخلصين أم لا.
    فما هو المحك في معرفة إخلاصهم؟ فيمكن أن نقيم قرائن خارجية كمدح التاريخ له مثل إن يكون زاهدا أو كان ورعا أو عادلا، فلا باس بذلك
    ولكن يوجد هناك محك مختصر ومفيد، وحاصله:
    إن جملة من الثورات والدعوات دعت إلى الرضا من آل محمد. فانه لا يدعو إلى نفسه، وإنما يرمز بذلك إلى الإمام الذي في عصره، فهو لا يريد أن يحرجه.
    فإذا شاء الله تعالى له التوسع فلربما يتصل بالإمام ، وأما إذا قتل فينال الشهادة وينتهي الحال، فلا يصل السوء إلى المعصوم  فمن دعا أو أعلن هذا الشعار أو هذا الهدف فهو مخلص، وأما من لم يعلن هذا الشعار وهذا الهدف فتبقى المسالة فيه مشكوكة.
    المستوى الرابع: إن بعض هؤلاء الثوار المتحركين من العلويين مارسوا الحكم فعلاً من قبيل صاحب طبرستان وغيره. فجملة منهم ليسوا على تربية المعصومين . فإنهم مارسوا الحكم والفتوى وصلاة الجماعة وإقامة الحدود والقضاء بدون إذن المعصوم ، فمن الذي إذن لهم بالولاية العامة؟. فهل له ولاية عامة بصفته مجتهدا مثلا أو ربما بالعنوان الثانوي فانه يرى انه لو لم يمارس الحكم أو الولاية لتسيب المجتمع، واضطر إلى التنازل عن الحكم، فيمارس الحكم شكليا. فيغلب على الظن إن جملة منهم فيهم هذا النحو من قلة التفقه، وهم قلة.
    اللهم إلا أن يكونوا قد اتصلوا بشكل غير منقول تاريخيا، أو بشكل سري بالأئمة . فلا باس بها كأطروحة، وخاصة إن هذا الاحتمال نفسه ينطبق على كثير من المتحركين سواء حكموا أم لم يحكموا. فانه حتى لو لم يحكم، فماذا كان يفعل لو حكم؟. فهو عازم على ممارسة الولاية، فيكون الحال إن الإشكال سار إلى عدد معتد منهم.
    ولكن في الإمكان أن يدفع الإشكال بان نقول: إن أولئك الذين أعلنوا الرضا من آل محمد، قد اتصلوا بالإمام بشكل غير منقول تاريخيا. وأما بالنسبة إلى من لم يعلن هذا الشعار فتبقى في شرعيته مساحة فارغة لا نستطيع أن نملأها.
    المستوى الخامس: أما إن بعض الثوار كان فعلا على اتـصال بالمعصومين ، ولعلهم أذنوا لأمثال هؤلاء سرا لأجل وجود مصلحة أكيدة في التحرك الشيعي ضد الظلم من حيث لا يكون انتسابه إلى المعصومين موجودا. ومن أوضح مصاديقه زيد بن علي فانه ابن إمام واخو إمام. وكذلك صاحب فخ الذي كان في غاية القدس والتقوى، وتمثل واقعته بطف كربلاء، لا يفرق عنها إلا بشخص الحسين .
    المستوى السادس: روي عن يحيى بن زيد بن علي: انه سئل عن الأعلم هو أو محمد بن علي الباقر فأجاب: ( كلنا له علم غير أنهم يعلمون كلما نعلم، ولا نعلم كلما يعلمون) أو نحو ذلك. وهو وان كان شهادة له بالأعلمية، إلا انه جواب فيه التفاف وتعمد بعدم التصريح. فما السبب في ذلك؟ وإذا كان يحيى بن زيد نفسه هكذا وهو المعاصر والمعاشر للمعصومين فكيف بغيره؟ وليس من العيب عليهم أن يكونوا دون المعصومين حتى لو عرف الناس ذلك.
    وعلى كل حال فلو صحت الرواية وأمثالها، فإنما يراد بها الإعلام، أي حفظ السمعة العالية للفرد القائد لهذه الحركة أو تلك.وهو بالعنوان الثانوي وان كان معقولا وذا مصلحة وقتية، إلا انه بالعنوان الأولي يصعب استساغته شرعا.
    المستوى السابع: انه يمكن القول إن الإمام زين العابدين بالرغم من سلوكه مسلك التقية المكثفة وعدم التعرض للجهاز الحاكم لا بالقليل ولا بالكثير. إلا إن عاطفته بينه وبين الله تعالى لم تكن كذلك بطبيعة الحال، فهو الموتور بابيه وبأهله ونحو ذلك من الأمور. فكيف يستطيع أن يرضى عن الناس الذين قتلوا أهله؟ فيمكن انه قدم ولده الذي هو زيد كثائر ضد الأمويين، ورفع الصوت بمناوئتها وشجبها. ومع ذلك فهو لم يتخل عن مسلكه ذاك، ولم يدعه بصراحة. إلا انه كان يستطيع أن ينهاه، ولو نهاه لانتهى. ولكنه سكت عنه على اقل تقدير.
    بقي الإلماع إلى شيء بالنسبة إلى هؤلاء العلويين، عن إلقاء أنفسهم بالتهلكة وعدم عملهم بالتقية. مع إن جلهم بل كلهم لا يأتي فيهم الجواب الذي ذكرناه في كتاب (أضواء على ثورة الحسين) من انه تلقى الأمر بذلك من جده ، أو من الإلهام. وأصحابه تلقوا الأمر منه وهذا يكفي. وبالرغم من إننا قلنا هناك إن خاصة الأئمة عليهم السلام كان لهم الإلهام كمسلم بن عقيل والعباس ، إلا إن هؤلاء جلهم بل كلهم ليسوا كذلك. إلا انه من الممكن أن يقال عنهم عدة أمور:
    أولاً: إن دليل التقية الآن مشتهر، وأما في ذلك الحين فلم يكن معروفا. وحتى لو صدر في زمان الصادقين ، فإنما هي تعاليم انتشرت في حدود ضيقة، فليس بالضرورة أن تصل إلى أنحاء العالم الإسلامي أو كل الشيعة. فإذا لم يكونوا مسبوقين بالتشريع بالتقية فهم معذورون. فمن هذه الناحية يتصرفون على حريتهم.
    ثانيا: أن يقال: إن حكم التقية في الشريعة مخير بين التقية والتضحية، وليس التقية بعنوانها واجبة. بل في الإمكان أن يضحي الإنسان وفي الإمكان أن يتقي. كما ورد انه قبض على اثنين وطلب منهما البراءة من أمير المؤمنين ، فبريء أحدهما وسلم من القتل، ولم يبرئ الآخر فقتل. فلما وصل خبرهما إلى الإمام قال: ) أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرئ فرجل تعجل إلى الجنة ( . فانه مدح كلا الرجلين، وهذا معناه إن كلا العملين مشروع في الدين.
    ولكن هذا الوجه قابل للمناقشة، فان هذا المورد لا ينطبق على حال هؤلاء. لأنه خاص بمن دخل تحت البلاء والضغط، لا من يسير في هذا الطريق باختيار نفسه.
    ثالثا: إن هذه الحركات والثورات مهما اتسعت أو ضاقت فإنها مُقرّة من قِبل المعصومين ، وإقرارهم حجة. وذلك لوضوح إنهم لم يكونوا ينهون عنها.
    وسكوتهم فيه عدة مبررات:
    منها: إن الفرد في الدنيا ينبغي أن يوكل إلى أعماله والى قناعاته حتى يصل إلى جزائه الذي يريده الله تعالى له. فهو ضروري لأجل وصولهم إلى النتائج التي ينبغي في علم الله تعالى الوصول إليها. وهذا مبرر كاف لسكوت الأئمة عن هؤلاء. وكل واحد يحشر على نيته وعمله.
    ومنها: انه لعل في رضاهم النفسي أن يتصدى جماعة إلى شجب الظلم، والحركة ضده، ومقارعته. بشرط أن لا يكون من تكليفهم. فهم راضون لوجود هذا الشيء تكوينا.
    ومنها: إنهم لو كانوا نهوهم لكان هذا تأييداً لدولة الأمويين والعباسيين. وهو مما لا يرضون بحصوله منهم.
    رابعا: إن الفرد منهم كان يستعظم الهدف الذي يريده ويقدمه في التزاحم على حكم التقية. مثل التوابين والمختار. ويمكن أن نفهم ذلك لكل من دعا إلى الرضا من آل محمد، بعنوان انه يعتقد أن هدفه هو إرجاع الحق إلى أهله لو وفق إلى النجاح . وهذا هدف جليل جدا، فمن هذه الناحية يقدمه على التقية في مقام التزاحم والتعارض.



    علاقة الحسين  بالسجاد وزينب 
    أما الآن فينبغي أن نتحدث عن علاقة الحسين بزين العابدين ، وزينب بنت علي  وهذا شامل لحال حياته اعني في واقعة الطف، وبعد شهادته اعني الدور الذي أدياه بعد ذلك.
    ونبدأ بالإمام زين العابدين  فالأسئلة التي ترتبط ببحثنا هذا كما يلي:
    السؤال الأول: لماذا حضر واقعة الطف مع العلم انه كان مريضا لا يجب عليه الجهاد؟. فمن المعقول أن يترك في المدينة المنورة كما بقي محمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر وغيرهما.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    أولاً: انه ربما تمرض خلال السفر، ولم يحملوه مريضا من المدينة. وليس له فرصة الرجوع بطبيعة الحال.
    ثانيا: انه صحبهم ليحصل على ثواب المؤازرة لأبيه وإمامه في مصاعبه وبلائه، وان لم يشاركه في شهادته.
    ثالثا: إن النتيجة كانت معلومة للحسين فقد أخذه ليكون الرجل الوحيد في الركب بعد الشهادة ويمارس الإشراف والولاية عليهم.
    رابعا: إن النتيجة كانت معلومة للحسين فقد أخذه ليكون اللسان الناطق بعده، ويمارس الدور الإعلامي المكثف الذي مارسه فعلا، ولولا هذا الدور الإعلامي لانطمست ونسيت قضية الحسين ، وكان المخطط لها أن تبقى ولا تُنسى. وقد تكفل لها اثنان رئيسيان هما السجاد وزينب سلام الله عليهما.
    السؤال الآخر: ورد إن الإمام زين العابدين طلب من عمته سيفا ليقاتل مع أبيه الحسين  فقال الحسين لأخته: (أرجعيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد ) ويراد بهم المعصومين ، وإلا فنسل آل محمد حفظ في الأطفال الذين تفرقوا في البلاد. ولكن المفروض إن السجاد إذا خرج للقتال فانه يقتل لا محالة، وإذا قتل انقطع نسل المعصومين ، في حين انه في علم الله تعالى أن يولى اثني عشر إماما معصوما عقبا بعد عقب. ولا يمكن انقطاع الأبوة منهم ولذا أمر الحسين بذلك.
    ويرد عليه: إن المروي إن الإمام الباقر كان في واقعة الطف موجودا. بمعنى إن الإمام السجاد كان متزوجا، وله ولده الأكبر وهو محمد الباقر  إذن فإذا قتل الإمام زين العابدين لم تنقطع سلسلة المعصومين لوجود الإمام الباقر على وجه الأرض .
    وجوابه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: الطعن بالخبر الثاني سندا وهو وجود الإمام الباقر في كربلاء. فنقول انه لم يكن مولودا، فان الخبر ضعيف وشهرته المتأخرة لا تقتضي مطابقته للواقع. وعلى أي حال فهذا يحتاج إلى بحث تاريخي لا يدخل ضمن منهجنا.
    الوجه الثاني: إن المراد إبقاء الإمام السجاد ليمارس الإمامة بعد أبيه الحسين ، فإننا وان كنا نعلم انه لا فرق في أهل البيت بين الصغير والكبير. إلا انه من الصعب تحمل الشيعة يومئذ وقبولهم بإمامة الباقر وهو ابن ثلاث سنوات تقريبا، فلابد من بقاء السجاد كشخص كبير يمكن الاعتراف به اجتماعيا.
    فإن قلت: انه يمكن للإمام تأجيل الإعلان عن إمامته إلى أن يكبر بالسن ثم يعلن إمامته.
    قلنا: إن المجتمع عامة والشيعة خاصة بحاجة إلى الإمام دائما. كما يمكن أن نلتفت إلى انه لو حصل ذلك لم يبق احد يشير إليه أو يدعوا له بعد موت جده وأبيه، فان كل إمام قد نص عليه الإمام الذي قبله. وأما في هذه الصورة فسوف ينقطع النص، وهي مسالة خطرة ينبغي التخطيط لإزالتها كما حصل. وهو أمر سهل لم يكن يحتاج أكثر من المحافظة على حياة الإمام زين العابدين ، ليمارس نشاطه ويشير إلى إمامة ولده الباقر بعد حين.
    الوجه الثالث: أن يراد الحفاظ على حياة الإمام السجاد لكي يمارس الدور الذي مارسه بعد شهادة أبيه الحسين . ولن تستطيع زينب ولا الباقر الصغير أن يقوما بما قام به الإمام السجاد .
    فإن قلت: إن هذا لا يبرر عبارة الحسين بتلك الرواية، لأنه بقي ليس لأجل حفظ النسل، وإنما للأداء الإعلامي. والمفروض إن الباقر موجود.
    قلنا: إن هذا يجاب بأحد وجهين:
    الوجه الأول: الطعن بسند الرواية التي أثارت الإشكال، ونقول بان السجاد لم يحاول الخروج أطلاقاً لكونه معذورا،ولم ينهه أبوه عن ذلك، ويكفي أن نلتفت إلى إن الخطاب فيها موجه إلى أم كلثوم وليس إلى السجاد مع إن مقتضى القاعدة العكس، فهو الذي ينبغي أن يتصدى للكلام مع ولده .
    الوجه الثاني: أن نؤول هذه الرواية، فانقطاع النسل ليس انقطاعا ماديا أو نسبيا، بل الانقطاع المعنوي بأحد الأشكال التي ذكرناها فيما سبق، من حيث إن استمرار وجود الإمام السجاد كان ضروريا لممارسة الإعلام بعد الحسين ، وممارسة الإمام بعده مادام ولده صغيرا وممارسة الإشارة إلى ولده بعده. وكل ذلك سوف ينقطع تماما لو قتل السجاد ، ويُنسى الحسين ويُنسى الإمام الباقر نفسه. إذن، فالمراد من الحفظ :الحفظ المعنوي وليس المادي.
    وفي حدود فهمي إن السجاد يفهم هذا المعنى، والحسين أيضاً يفهم هذا المعنى. فلو كان هذا الموقف أمام الناس يمكن أن نقول بأنه يعطي مثالا للآخرين في نصرة الحسين ويسقط ما في ذمته بان ينهاه الحسين  ولكن هذا قد حصل بين خاصة الخاصة، فقيامه ليس فيه جانب إعلامي، وهذا في نفسه استبعاد لصحة الرواية.
    السؤال الآخر: قد يرد إلى الذهن في تفسير ما روي من انه كان كثير البكاء بعد واقعة الطف، حتى كان يمزج طعامه وشرابه بالدموع، ويذكر أباه وشهادة من معه بكل مناسبة ونحو ذلك .
    مع العلم إننا يمكن أن نلتفت إلى أمرين:
    الأمرالأول: إن المعصومين ليس لهم عواطف دنيوية، لان اهتمامهم بالدنيا ساقط بالمرة. ولا معنى للبكاء بدون عاطفة.
    الأمرالثاني: البكاء لا معنى له، لان ثورة الحسين موجبة للاستبشار. فالحسين وفق إلى توفيق عظيم، ورزق مثل هذه الشهادة. فينبغي أن نفرح للحسين  وكذلك أصحابه نالوا الشهادة والسعادة أيضاً. فإننا نسعد بسعادتهم، ونرضى لهم هذا المقام الكبير، فلا تحتاج المسالة إلى بكاء.
    نعم، إن الاستبشار الذي قلناه للحسين وأصحابه لا يعني إن يزيد قد فعل فعلا حسنا، وإنما يعني إن الله تعالى فعل الفعل الحسن. فالله تعالى حكيم ومدبر وهذا من حسن تدبيره. وهذا لا ينافي إن المخلوق معاتب على جرائمه وأعماله.
    جوابه: لو لاحظنا هدف الحسين الشخصي الذي يرتبط بمصلحته الـشخصية، فهو ليس شيئاً إلا طاعة الله سبحانه. وأما إصلاح المجتمع وهداية الناس فان الحسين يعلم بها ويريدها، لكنه لا ينبغي أن نقول انه يهتم بها، فان الله تعالى هو الذي يهتم بالمجتمع. فهو يريد أن يهدينا عن طريق قتل الحسين  فإذا نظرنا إلى هدف الحسين الشخصي، فينبغي أن نستبشر لأنه وصل إلى هدفه. ولكنه إذا نظرنا إلى هدف الله تعالى في حركة الحسين ، أو قل من توجيه الأمر إليه بالقيام بهذه الحركة. فانه بحسب ما نعرف فان ذلك مربوط بمصلحة الأجيال الآتية من المسلمين بعد واقعة الطف. يعني انه قتل من اجل هدايتنا ومصلحتنا.
    وهذه الهداية تتوقف على جانبين:
    أولا: جانب عقلي.
    ثانيا: جانب نفسي.
    فإذا تمت السيطرة عليهما بعون الله تعالى، فقد تم الأمر وأصبح الفرد من المهتدين.
    ولا يمكن الاكتفاء بأحد الجهتين دون الأخرى، لان ذلك يستلزم نقصا كبيرا جدا، ومن ثم لا يترتب ما هو المطلوب من الهداية للفرد والمجتمع والأجيال.
    أما الجهة العقلية، فقد مارسها وغذاها السجاد بخطبه في الكوفة والشام، وتعاهدها بعده المعصومون بكثير من الأقوال والتوجيهات.
    وأما الجهة النفسية، فهي لا تكون إلا بالبكاء. فالأمر الرئيسي والأفضل هو توجيه المجتمع إلى البكاء. والنفس هي مركز العواطف، والعواطف مشروعة ومفهومة اجتماعيا لدى الجميع. والعواطف الصعبة أكثر تأثيرا في التربية من العواطف السهلة أو المفرحة. وأول من نفذ البكاء هو السجاد ، فهو يعلم بهذه المصلحة وهذه التربية وهذه الهداية الناتجة عن البكاء.
    وقد كان أولى من يقوم بذلك وان يبدأه هو الإمام السجاد ، وليس النساء، لان بكاء النساء في نظر المجتمع أمر متدني ومؤقت ومفروض. وإنما لا بد أن يقوم بذلك الرجال، وان يتصدى له شخص عظيم وزعيم مثل السجاد ليشتهر بالتدريج بين الناس فيكون سببا للتربية والتكامل في الأجيال.
    مضافا إلى إن السجاد لم يكن قادرا على أن يعارض الدولة لأنه في تقية مكثفة، ولكن هناك مستمسك يمكن التركيز عليه ضد الجهاز الحاكم، من دون أن يكون غير مشروع في نظرهم. فهو يبكي على أهله، وهذا جعله من نقطة قوة من هذه الناحية، لأنه من الطبيعي اجتماعيا أن يبكي كل احد على أهله. فهذا نحو من الطعن فيهم من حيث لا يستطيعون النقاش، وهو يدرك هذا المعنى بكل تأكيد.
    وهذا لا يحصل ببكاء يوم أو يومين، بل بممارسة ذلك طول عمره. ولم يقصر في ذلك ، بحيث يعرفه كل الناس بهذه الصفة. حتى عد من البكّائين الخمسة من البشر كلهم . وهو لا يبكي على رجل اعتيادي، أو على حركة أو شهادة طارئة، وإنما يقض بكل دمعه مضاجع الأمويين وعروشهم، وبالتالي كل المظالم التي خرج الحسين لقمعها وشجبها وإصلاحها إلى يوم القيامة.
    السؤال الآخر: إن هذا البكاء صوري مجرد لإطاعة الله تعالى. فكيف يستطاع البكاء الصوري، لأنه خارج عن القدرة البشرية؟. أو بتعبير آخر: انه من أين يأتي بالبكاء وسبب البكاء، إذا كان لمجرد المصلحة العامة؟.
    جوابه: إن الله عنده أمر تشريعي، وأمر تكويني. فالأمر التشريعي هو أن يأمر الإمام بالبكاء. وأما الأمر التكويني فهو أن يعطيه التوفيق والعاطفة الكاملة لتنفيذ أمره التشريعي، وإقداره على البكاء. فهدف الله من وراء كل ذلك هو هدايتنا وتربيتنا.
    السؤال الآخر: إن الأئمة ، قد تعلقت قلوبهم بالملأ الأعلى كما يعبرون. وحينئذٍ إذا انشغل الإنسان بالبكاء فهل ينسى الله تعالى؟. فان هذا قد يكون حجابا بينهم وبين الله تعالى.
    وهذا السؤال بعينه وبفكرته فيه سؤال مشهور عن عمل أمير المؤمنين  كيف تصّدق  في الصلاة بخاتمه؟. وهل هذا إلا حجاب وإلتفات دنيوي؟. والمفروض انه متوجه بكل وجهته في الصلاة إلى الله تعالى.
    فإذا علمنا إن الأئمة دائما في صلاة، ودائما في ذكر، ودائما في عبادة. فأي إلتفات عن ذلك الموقف يضرهم ويكون حجابا بينهم وبين الله تعالى.
    ويمكن الجواب على ذلك بجوابين، أحدهما نقضي والآخر حلي.
    أما الجواب النقضي: فبان نقدم أمثلة مشابهة ونسأله بماذا تجيب؟. فكما تجيب هناك نجيب هنا. فنقول إن فكل الأنبياء كانوا كذلك.
    أوليس قد فكر رسول الله  بالأصنام فكسرها؟. أوليس فكر بعشيرته الأقربين ودعاهم؟. أوليس قد حارب أعداء الإسلام؟. أوليس قد جعل حياته في مصلحة المجتمع؟.
    فهل هذا حجاب؟. كلا بكل تأكيد، فلا نستطيع أن نعترض على رسول الله، وما تقوله هنا نقوله هناك.
    بل كل الأنبياء قد فعلوا كذلك.
    فإبراهيم بنى الكعبة، ودعا أن تكون له ذرية، وقد بشرته الملائكة بالذرية، وأراد أن يذبح ولده، ونحو ذلك من الأمور. فهل هذه حجب؟.
    وأما الجواب الحلي الذي يشمل كل هذه الأمور فيكون على عدة مستويات:
    المستوى الأول: إنها إطاعة لله تعالى. وأما في المورد الذي لا يكون فيه إطاعة لله تعالى فانه يكون حجابا. ولكن إذا كان هناك أمر وتوجيه ودفع من الله تعالى إلى شيء ما فلا يكون حجابا. فانه يضحي في سبيل الله تعالى بنفسه وبارتفاعه فينزل ويتدنى في سبيل طاعة الله تعالى.
    المستوى الثاني: إن السائل يفترض إن هذه الأمور تضرهم بالاصطلاح الباطني. فنقول إن هذه الأمور لا تضرهم أطلاقاً. وذلك لأنهم أعلى مستوى من أن تضرهم. فالدنيا بالنسبة لهم بمنزلة الصفر لا تنفعهم ولا تضرهم. كما قال الشاعر:
    يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته عن الشراب ولا يلهو عن الكأس
    المستوى الثالث: إن السجاد أدنى مستوى من أمير المؤمنين ، لان أمير المؤمنين إمام الأئمة، وخير الأئمة، وليس غيره من قد نزلت فيه: ] وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ[ وقد ورد عن الإمام السجاد نفسه قوله: ) من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب( . فمن الممكن أن يقال: إن تكليف السجاد أدنى من تكليف أمير المؤمنين إذن، فمن الممكن القول: بان أمير المؤمنين يعاتب على هذا المقدار من الحجاب لو كان حجابا، وأما السجاد فلا. وإذا لم يكن معاتبا عليه، إذن فهو محض الطاعة والثواب لأنه احد الطاعات الظاهرية العظيمة بكل تأكيد.
    المستوى الرابع: إن الأئمة عموما كانوا مبتلين بحفظ الظاهر ومعاشرة الناس، وكان واجبهم ذلك. فاللازم لهم تحمل الحجاب لو كان حجابا. أو قل هو من الذنوب الدقية الواجبة عليهم بحسب تكليفهم الدقي الخاص بهم أيضاً. كل ذلك تضحية منهم في سبيل الآخرين من هدايتهم، وقضاء حوائجهم وضمان طاعتهم لله عزوجل. والله سبحانه أمر الأئمة بذلك لأجل ذلك وعليهم التنفيذ كما أمر رسول الله  بالرسالة والتبليغ.
    وعلى أي حال، فالمتشرعة الذين يسالون هذا السؤال بعنوان إن البكاء حجاب للسجاد ، عليهم أن يفسروا سائر تصرفاته، بل وتصرفات المعصومين ، بل وتصرفات رسول الله . وأما كلامه في التوجع والتفجع على واقعة الطف، فهي للجانب الإعلامي المستمر، والذي فيه كلا الهدفين أيضاً.
    وقد وجدت في بعض كتب التراجم من العامة في ذكر السجاد ومناقبه: انه كان حافظا لأسرار الله تعالى، ويستدل على ذلك بقوله :
    إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يضل اخو جهل فيفتتنا
    يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثـنا
    ولأستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حســــــنا
    فالناس غير مؤهلين لتحمل السر، وسوف يكون رد فعلهم ضد السر وضد صاحب السر.


    العقيلة زينب بنت علي 

    الأمر الآخر الذي أريد الدخول به هو التعرض إلى الأمور المربوطة بأخته العقيلة زينب بنت علي . فان عددا من الأسئلة تخامر الذهن بالنسبة إليها، يحسن عرضها ومحاولة الجواب عليها.
    وأول سؤال يواجهنا في هذا الصدد عن اصل وجودها فانه قد يشكك حتى من هذه الجهة. ويقول المستشكل: بأنها لم يوجد لها ذكر قبل واقعة كربلاء. ومن هنا فمن الراجح أن تكون شخصية وهمية، وان الحوادث المنسوبة إليها إما مكذوبة، أو حاصلة من نساء عديدات ونحو ذلك. وقد حصرت في شخصية نسوية واحدة من قبل بعض المفكرين الشيعة القدماء، لزيادة المصاب تطبيقا لما ورد: ) من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة ( .. يعني حتى بالسبب الكاذب ـ حسب ما يفهمون من إطلاق هذه العبارة ـ أو باختلاق شخصيات وهمية.
    ويدعم السائل سؤاله بعدة أمور:
    أولاً: انه لم يردنا تاريخ ولادتها، ولا حوادث الولادة، بينما وردت بالنسبة إلى الحسن والحسين شقيقيها مفصلا. فتوجد فيها روايات مطولة ومختصرة، في حين إنها لم توجد لولادتها ولا لتربيتها ولا لطفولتها أخبارا.
    ثانيا: لم يرد ذكر لها في عائلة علي وفاطمة  خلال وجودهم في المدينة المنورة. فمن جملة الروايات التي تدل على ذلك، رواية التصدق وإطعام الطعام. فلا يوجد في هذه الرواية ذكر لزينب ، ولو كانت لبانت.
    ثالثا: لم يرد لها ذكر في وفاة أمها الزهراء . فتوجد عدة روايات بألسنة مختلفة، تصف وفاة الزهراء . فكانت أسماء بنت عميس موجودة إلى جانبها، فقالت لها الزهراء : سوف ادخل فأبدا الصلاة. ومتى انقطع صوتي فناديني، فإذا أجبتك وإلا فاعلمي إنني لحقت بربي. ثم جاء الحسنان ووجدا إن أمهما قد ماتت. ثم خرجا يبكيان، فسألهم الناس: ما لكم تبكون؟. فأجابا: أو ليست ماتت أمنا فاطمة؟
    فأين زينب من هذه الروايات؟. فلا يناسب أن تكون موجودة؟.
    رابعا: لم يرد نقلها من المدينة إلى الكوفة حينما خرج أمير المؤمنين بعائلته إلى الكوفة، بينما كان الحسنان معه أكيداً، وقد ذكرا.
    خامسا: لم يرد ذكرها خلال معيشتهم في الكوفة.
    سادسا: لم يرد ذكرها عند وفاة أبيها وبعدها، مع إن الروايات متوفرة في نقل تاريخ الوفاة وتذكر التفاصيل جميعا.
    سابعا: لم يرد ذكرها في زمن إمامة أخيها الحسن إلى حين وفاته وبعد وفاته.
    ثامنا: لم يرد ذكرها في عصر إمامة الحسين وجميع إرهاصات ومقدمات واقعة الطف. وان كان الشعراء في مثل ذلك يتعرضون لها، إلا إن المهم ليس هو الشعر بل النقل والرواية التاريخية.
    تاسعا: لم يذكر لها شخص حين سفر الحسين إلى كربلاء إلى حين وصوله، بل حتى من قبل البدء بالحرب. وإنما ذكرت خلال الحرب وما بعدها.
    عاشرا: تحدث التاريخ أجمالا واحتمالا عن زواجها بعبد الله بن جعفر، وذريتها الذين قتلوا في الطف، ولم يرد من ذلك خبر أكيد.
    حادي عشر: من الواضح لدى الأجيال المتأخرة إنها مدفونة في الشام، إلا إن هذا ليس أكيداً أيضاً، اعني في حدود هذا السؤال. فنحن لا نعلم بحجة شرعية تاريخ وفاتها ولا محلها، ولا موقع قبرها.
    لم يرد عنها في المدينة إلا خبرين، احدهما: وهو وصية الزهراء لها في أن تقبل الحسين في صدره، وتشمه في نحره، إذ رأته وحيدا فريدا. وهو نحو من تأييد الزهراء لموقف ولدها الحسين أرسلته باليد الأمينة .
    والثاني: إن أمير المؤمنين كان يذهب بها إلى المسجد ليلا، ويخفت القناديل لكي لا يرى الرجال خيالها.
    فما هو الرأي الحاسم بعد كل هذه التفاصيل؟. فعلينا أولاً أن نثبت وجودها بأدلة، ثم نبين السبب الذي جعل ذكرها لم يرد.
    وجواب ذلك من عدة مستويات:
    المستوى الأول: نصوص التاريخ بوجودها أصلاً، وهي مذكورة في المصادر القديمة. وقد جرت العادة في مثل هذه المصادر انه إذا انتهى الكلام عن أي إمام من الأئمة ، أن يقال: انه توفي في يوم كذا، ودفن في مكان كذا، وله من الأولاد كذا وكذا. فالشيخ المفيد له عبارة مطولة عن ذرية أمير المؤمنين ، والظاهر إنها هي نفسها التي نقلها الاربلي في كشف الغمة، في نهاية التعرض إلى مناقب أمير المؤمنين .
    قال المفيد (رحمه الله): أولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولدا ذكرا وأنثى. الحسن والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم، أمهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين محمد خاتم النبيين . إلى آخر ما قال. ومعنى ذلك انه اثبت اثنين ذكور للزهراء واثنين إناث. وخبره حجة.
    قال الاربلي في كشف الغمة: وقال كمال الدين بن طلحة (الفصل الحادي عشر) في ذكر أولاده، إلى إن قال: الإناث: زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى وأم الحسن ورملة الكبرى أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى ورقية وفاطمة.
    وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك، وذكروا فيهم محسنا شقيقا للحسن والحسين ، كان سقطا. فالحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم، هؤلاء الأربعة من الطهر البتول فاطمة بنت رسول الله . إلى آخر ما قال.
    وقد وجدت ما ينقله عن المفيد في الإرشاد ولعله أقدم نص تاريخي شيعي مضبوط واصل إلينا .
    ويقول عمر رضا كحالة في إعلام النساء: زينب بنت علي بن أبي طالب. (وفي الهامش) شقيقة الحسن والحسين. سيدة جليلة ذات عقل راجح ورأي وفصاحة وبلاغة. ولدت قبل وفاة جدها بخمس سنين. ثم يقول: (السيدة زينب) لمحمود الببلاوي. وفي الإصابة رواية عن ابن الأثير، إنها ولدت في حياة النبي  ولم يذكر سنة ولادتها.
    وتزوجت بابن عمها عبد الله بن جعفر، فولدت محمدا وعليا وعباسا وأم كلثوم وعونا الأكبر. وحدثت عن أمها فاطمة بنت محمد، وأسماء بنت عميس. وروى عنها محمد بن عمرو وعطاء ابن السايب وفاطمة بنت الحسين بن علي. وصحبت زينب أخاها الحسين لما التقى بجيش عبيد الله بن زياد. فأظهرت من الجزع وشدة الألم ما يفتت الأكباد .
    ثم يذكر كثيرا من حوادث الطف، وما بعده عدة صفحات مما يرتبط بها بصلة .
    ثم قال في آخر كلامه: وينسب إليها في مصر مسجدها، وفي سنة 1173 جدد بناؤه. وتوفيت نحو سنة 65 هـ، ودفنت بقناطر السباع بمصر ويزار ويتبرك به. ومصادره: تاريخ الطبري، بلاغات النساء لطيفور، الكامل للمبرد، الإصابة لابن حجر، إسعاف الراغبين لمحمد الصبان، تاريخ ابن عساكر. مضافا إلى مصدرين حديثين ذكرهما في الهامش هما السيدة زينب لمحمود الببلاوي والإعلام للزركلي.
    وقال خير الدين الزركلي في الإعلام: زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب شقيقة الحسن والحسين. تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. فولدت له بنتا تزوجها الحجاج بن يوسف. وحضرت زينب مع أخيها الحسين وقعة كربلاء، وحملت مع السبايا إلى الكوفة ثم إلى الشام. وكانت ثابتة الجنان، رفيعة القدر، خطيبة، فصيحة لها أخبار.
    ويقول في الهامش عن مصادره: الإصابة، ونسب قريش، وطبقات بن سعد، والدر المنثور، وجمهرة الأنساب. وليس في هذه المصادر ما يشير إلى مكان وفاتها أو دفنها.
    ويقول علي مبارك في الخطط التوفيقية: تعليقا على المتداول من إن صاحبة الترجمة هي المدفونة في الحي المعروف الآن باسمها في القاهرة، ولم أرَ في كتب التاريخ إن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات.
    أقول: وأيضا لا تذكر هذه المصادر دفنها في الشام.
    وقال ابن الأثير في الكامل: ذكر نسبه (يعني أمير المؤمنين ) وصفته ونساءه وأولاده. كان ادم شديد الأدمة ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، عظيم اللحية كثير شعر الصدر، إلى القصر اقرب. وقيل: كان فوق الربعة، وكان ضخم عضلة الذراع دقيق مستدقها. وكان من أحسن الناس وجها، ولا يغير شيبه، كثير التبسم. وأما نسبه فهو علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
    أقول: انه بوجود احتمال معتد به إن اسم أبي طالب هو (عمران)، وذلك لأمرين:
    أحدهما: التزام هذا النسل بما فيهم عبد المطلب نفسه بالحنيفية، وهو لا يُعبّد أولاده لغير الله تعالى، فلا يسمي ابنه عبد مناف الذي هو اسم صنم.
    ثانيهما: إن أولاده يكونون مصداقا للعنوان الوارد في القرآن الكريم: ]وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [ فيكونون هم الأفضل حقيقة.
    ثم يقول ابن الأثير: وهو أول خليفة أبواه هاشميان، ولم يل الخلافة إلى وقتنا هذا من أبواه هاشميان غيره وغير الحسن ولده، ومحمد الأمين فان أباه هارون الرشيد، وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور.
    وأما زواجه، فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده. وكان له منها الحسن والحسين. وقد ذكر انه له منها ابن آخر يقال له: محسن، وانه توفي صغيرا، وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى. ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حزام الكلابية، فولدت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان، قتلوا مع الحسين بالطف، ولا بقية لهم غير العباس.
    ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف: هي زينب بنت علي بن أبي طالب. كانت من فضليات النساء وجليلات العقائل. كانت مع أخيها الحسين في وقعة كربلاء، فلما قتل الحسين وكثير من أهل بيته وسلم الباقون، أخذهم قائد يزيد، عمرو بن سعيد (ونحن نسميه عمر بن سعد) إلى ابن زياد والي العراق، وهذا وجههم إلى يزيد. فلما مثلوا بين يديه أمر براس الحسين، فابرز في طست، فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده وهو يقول:
    يا غراب البين أسمعت فقـل إنما تذكر شيئاً قـد فعل
    ليت أشياخي ببدر شـهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل
    حين حكــت بقبـاء بركها واستحرّ القتل في عبد الاشل
    لأهلوا واستـهلوا فرحـا ثم قـالوا يا يزيـد لا تشـل
    فجزيناهـم ببـدر مثـلها وأقمنا ميل بـدر فاعـتدل
    لست للشيـخين إن لم اثـأر لبني احمـد مـا كـان فعل
    فانبرت له زينب بنت علي وكانت في الأسرى، فقالت له: صدق الله ورسوله حيث يقول: ] ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ[ . ثم يذكر كلامها وخطبتها كاملة، ثم يذكر خطبة أم كلثوم.
    ثم يقول بعد ذلك: زينب، هي السيدة زينب بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، كانت من كرائم العقائل، وشريفات الكرائم، ذات تقى وطهر هاجرت إلى مصر وتوفيت بها. ولها قبر يزار في القاهرة.
    أقول: أريد أن اعلق على هذه الأبيات بعض التعليقات:
    أما قوله: (ليت أشياخي) وأشياخه هم الذين قتلهم رسول الله  وأمير المؤمنين ببدر.
    ويقول: (حين حكت بقباء بركها) البرك هو الصدر، لان الناقة تبرك على صدرها. فكأنه يسخر باعداءه الذين هم معسكر الحسين ، لان الشخص الخائف والجبان يحك بقباءه صدره.
    وأما قوله: (جزع الخزرج من وقع الاسل) الخزرج قبيلة في المدينة. والحسين ليس من الخزرج، لكنه مدني فيريد أن ينسبه إلى المدينة المنورة.
    وقوله: (من وقع الاسل) هو السلاح.
    وقوله: (واستحّر القتل) زاد وتضاعف وتأكد.
    وقوله: (لا تشل) أي يدعون له بان لا تشل يده. ولا يحصل له الشلل.
    وقوله: (وأقمنا ميل بدر فاعتدل) أي كما إنهم قتلونا في بدر، كذلك نحن قتلناهم في كربلاء.
    وينبغي الالتفات إلى إن هناك اختلافا في النقل، فانه لم يرو المصدر السابق البيت المشهور، وهو قوله:
    لعبت هاشـم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
    وكذلك قد ورد في الإرشاد هذا البيت، وهو قوله:
    قد قتلنا القوم من أسيادهم وعدلنـاه ببدر فأعتـدل
    ويمكن أن يقرا (القرم) الذي هو السيد العالي الجليل.
    وأما البيت الأخير وهو قوله: (لست للشيخين). فان المشهور هو:
    لست من خندف إن لم انتقم من بني احمد ما كان فعل
    فانه لم يقل: (لبني احمد) لان هذا معناه انه ينتقم لأجل بني احمد، وهو بعيد لأنه لا يدافع عن بني احمد.
    وأما تفسير (خندف) فمتعذر على ما يبدو. فإما أن نقول: إن هذا البيت مزاد في الشعر، وإما أن نقول كأطروحة: إن خندف واحدة من جداته، فهو لا يفتخر بأجداده. وكأنه لا شعوريا يعلم انه ليس من أجداده وإنما هو من جداته يقينا. ويقال: انه اسم هند آكلة الأكباد أو إن اصل البيت (لست من هند إذا لم انتقم).

    الشيء الآخر الذي لا يخلو من أهمية، هو إن بعض المصادر ومنها مصادر قديمة ومعتمده، تصرح بان هذه الأبيات لابن الزبعرى. وهذا الانتساب غير مستقيم معنويا، لأنه لا يوجد أي ارتباط لابن الزبعرى ببدر والانتقام من البدريين. وإنما ينطبق الشعـر فقط على مراد يزيد في واقعة الطف. وكان يزيد شاعرا، له شعر غير هذا أيضاً، فلا يبعد أن تكون الأبيات له قالها بنفس المناسبة.
    ويمكن أن يقال إن نسبة الأبيات إلى ابن الزبعرى من الزور، بقصد إخراج يزيد عن الشهادة بالكفر مع كونه خليفة المسلمين في نظرهم. إلا إننا نلاحظ إن المصادر الإمامية نسبته أيضاً إلى ابن الزبعرى كالإرشاد وغيره.
    فإن قلت: إنهم نقلوا ذلك من مصادر العامة من دون تأمل.
    قلنا: نعم، إذا وصل بهم عدم التأمل إلى هذه الدرجة التي لا يلتفتون بها إلى القرائن المتصلة كقوله: (ليت أشياخي ببدر) فهل هم أشياخ ابن الزبعرى، أم أشياخ يزيد؟. وقوله: (ثم قالوا يا يزيد لا تشل) فلماذا لم يقل يا ابن الزبعرى لا تشل، وكذلك قوله: (ببدر) فمن الذي حارب في بدر؟. هل هم أجداد يزيد أم أجداد ابن الزبعرى؟. ونحن نجل الشيخ المفيد عن ذلك. إلا أن يكون نقله من باب التقية، وهو يعلم عدم إمكان النسبة.

    * * *
    نعود الآن إلى المصادر التي ذكرت زينب ، فقد ورد في هامش مقتل الحسين للمقرم وصفها بذلك عن الطبري في تاريخه (ج6 ص89)، وابن الأثير في الكامل (ج3 ص158)، وفي المعارف لابن قتيبة: أما زينب الكبرى بنت فاطمة كانت عند عبد الله بن جعفر فولدت له أولادا.
    وللكاتبة المصرية الملقبة ببنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) كتاب كامل في ترجمتها يسمى (بطلة كربلاء). وبنفس الاسم للكاتب المصري المسيحي (جرجي زيدان) في ضمن مجموعة قصصه المعروفة: (روايات التاريخ الإسلامي) التي مزج فيها بين الواقع والخيال.
    والظاهر انه جاء ذكرها الحسن وبعض تفاصيل أمرها في عدد لا يستهان به في كتب العامة والخاصة، بغض النظر عن واقعة الطف. كالعقد الفريد لابن عبد ربه، ومقاتل الطالبيين ، ومعالي السبطين ، والمعارف لابن قتيبة، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها. وهو عدد كاف جدا لإثبات التواتر بوجودها.
    المستوى الثاني: المصادر التي ذكرتها في واقعة الطف وقد اشرنا إلى بعضها فيما سبق من كتب العامة، ونذكر الآن قائمة أخرى وهي كل الكتب التي تعرضت إلى شرح واقعة كربلاء أو بعضها أو ما بعدها كنقل تاريخي. كمثير الأحزان لابن نما ، ومقتل الحسين للخوارزمي، والإرشاد للمفيد ، وتذكرة الخواص لابن الجوزي، ورياض الأحزان للقزويني، وينابيع المودة للقندوزي ، ومروج الذهب للمسعودي، ومدينة المعاجز للبحراني ، ومقتل العوالم للبحراني أيضاً ، والمنتخب للطريحي، ومقتل أبي مخنف ، والمناقب لابن شهرآشوب ، والمناقب للخوارزمي ، ونور الأبصار للشبلنجي، ووفيات الأعيان لابن خلكان.
    المستوى الثالث: التلقي جيلا بعد جيل لذكرها وذكر مواقفها، بحيث تتصل الأجيال بجيل الأئمة ، ويتصل بجيلها التي كانت فيه من دون منكر أو مشكك أو غامز أو لامز، وإنما كل من يسمع يذعن بذلك من الخاصة والعامة، ومن العلماء والجهلاء، ومن المفكرين والبسطاء، ومن كل فئات الناس بمختلف مذاهبهم ومختلف مشاربهم ومختلف ثقافاتهم.
    المستوى الرابع: إننا زعمنا في السؤال السابق إن ذكرها لم يرد في ما قبل حادثة الطف. لكن هذا قابل للمناقشة، فقد ورد ذكرها متعددا قبل واقعة الطف كما سوف يأتي.




    الوجه في خلو بعض الروايات
    عن ذكر زينب 

    بقي الكلام في الأمر الآخر، وهو خلو بعض الحوادث، أو الروايات التاريخية الواصلة إلينا من ذكر اسمها ووجودها. مع العلم انه كان من المناسب ذكرها حتما.
    وهذا يمكن جوابه على عدة مستويات:
    المستوى الأول: إن مقتضى التعارف الاجتماعي الدنيوي والديني لمجتمعات الشرق، وخاصة المتقدمة منها في صدر الإسلام، وخاصة لدى المتشرعين والمتورعين فضلا عن المعصومين أنفسهم. إن ظاهر المجتمع بيد الرجال، وليس للنساء فيه نصيب. وإنما لهن مجتمعهن وعلاقاتهن الخاصة.
    والمهم في ذلك إن المرأة ينبغي أن تنفصل تماما عن مجتمع الرجال، ولا تكون تحت الأضواء ولا النقول التاريخية. فمن ناحية وصول النقل والخبر يكون وجودها كعدمها، لا يعرف احد عنها شيئاً إلا خاصّتها الذين يعيشون في بيتها وأسرتها. وأما الآخرون فينبغي أن يكونوا جاهلين بها، حتى بولادتها وطفولتها وشبابها، ما لم تقتض المصلحة أو الحاجة الماسة أو الضرورة الدينية أو الدنيوية ذلك. وإلا فالأصل هو الخفاء التام لجنس النساء.
    ومن الواضح إن النقل التاريخي إنما يحصل في مجتمع الرجال. فمن الطبيعي أن يكون خاليا عن ذكر النساء كائنة من كانت إلا اقل القليل. ولم يكن الحال على ما هو عليه الآن من بروز النساء، واختلاطهن بالرجال، وتجولهن في الشوارع والمشارع والأسواق، فضلا عما هو أكثر من ذلك، أعاذنا الله من كل سوء.
    فبطبيعة الحال ينتج من ذلك الكتّم والتعتيم على كل أخبار النساء من قبل المعصومين إلا في حدود ما اقتضت المصلحة نشره.
    ومما يشير إلى ذلك قول من يقول: إني جاورتهم عشرين سنة، فلم اسمع لزينب صوتا، ولم أرً لها شخصا. الذي يقول أيضا: إن أباها أمير المؤمنين كان يخرجها إلى المسجد في الليل فيخفت القناديل لكي لا يراها الرجال . وكذلك الرواية التي تقول: إن النبي  سأل الزهراء قائلا: ما يزين المرأة؟. فقالت: أن لا ترى رجلا ولا يراها . فالمعصومون ملتزمون في جانب نسائهم بذلك.
    فإن قلت: إن الأمر في الدين ليس كذلك، بل الدين فتح للمرأة فرص العمل ومشاركة الرجل في العمل وفي الحياة وفي الدوائر وفي المحافل. وبدون ذلك تكون المرأة عضواً أشل غير منتج وغير كافل لمصلحة المجتمع.
    قلنا: إن مسلك الصيانة والخدر مسلك استحبابي أخلاقي، وليس لزومياً، وحاشا للدين أن يعاتب أي شخص اتخذ هذا المـسلك له ولأهله. ولا يقول احد بان من يفعل ذلك لنساءه يكون فعله حراما في نظر الدين وجانيا على المجتمع. وإنما عامل بالنصيحة الاستحبابية الأخلاقية والرجحان الذي عليه مسلك المعصومين والمتدينين.
    وأدل دليل على ذلك ما روي عن الزهراء حين سألها أبوها عن أفضل صفة للمرأة، فقالت: أن لا ترى رجلا ولا يراها. أي حتى ولو كان من المحارم. وهذا زيادة في الزهد، وهو جانب أخلاقي عالي بالنسبة إلى المرأة، وليس كل امرأة تستطيع أن تكون كذلك. لان فيه رياضة نفسية، وإعراض عن الدنيا. وليس مطلوبا من كل النساء عمليا، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واغلب النساء الآن لا يتحملن هذه الدرجة من الصيانة والخدر.
    وقد ذكرنا في موسوعة الإمام المهدي  إن الإرادة الإلهية ماشية نحو اتجاه إيجاد المجتمع المعصوم، فسوف يكون المجتمع إما معصوم، وإما بالتربية التي توصله إلى العصمة، فكيف تكون نساء ذلك المجتمع؟. فلا بد أن يلتزم ذلك المجتمع بهذه الدرجة من الصيانة.
    نعم، إذا تصورنا المجتمع بأنه مجتمع مسلم، ومطبق للواجبات فقط، ومبتعد عن المحرمات فقط، وأما الباقي فقد أطلق لنفسه العنان فيه، فلا باس أن تعمل المرأة عملا مناسبا مع وضعها الديني والاجتماعي. فكلا المستويين صحيح، وكلاهما مأجور عليه صاحبه. ولكن المسلك الأول هو الأعلى والأكثر أجرا.
    ولا شك إن مجتمع الأئمة والمعصومين الذين عاشوا في صدر الإسلام، اعني المجتمع الخاص بهم وبعوائلهم كانوا يحاولون فيه تطبيق المسلك الأول للدين على أنفسهم رجالا ونساءً، كل واحد منهم حسب ما يرى المصلحة لنفسه وعائلته.
    وهذا هو السر الذي ندركه للصيانة المكثفة التي أرادها الأئمة لنسائهم. وقد طبقوا ذلك على كل نساءهم واحدة واحدة، وجيلا بعد جيل، إلا ما اقتضت المصلحة بخلافه.
    ومن هنا يكون من الطبيعي أن لا يوجد ذكر معتد به لولادة أي واحدة من النساء أو طفولتها أو شبابها أو شيبها وحتى وفاتها ما لم يتسرب الخبر على نحو الصدفة، أو تكون هناك مصلحة لاتصال المرأة بالناس، اعني مجتمع الرجال، كاتصال الزهراء بهم في فترة من حياتها، واتصال زينب لفترة من حياتها.
    ولا ينبغي أن يقول المجتمع: إنكم تطبقون علينا الدرجة الأدنى من الدين. فإننا نقول: إن هذا هو استحقاقكم وتحملكم، بدليل إنكم ترفضون ما نصفه لكم ولا تعتبرونه من الدين، وترغبون ممارسة الدنيا بكل جوانبها. فإذا قبلتم منا ما نقول فابدؤوا العمل على بركة الله سبحانه.
    فإن قلت: فان الزهراء تختلف عن سائر نساء الأئمة حيث نجد إن الإعلام عليها كثير، والأضواء عليها مسلطة ومركزة. وهو على خلاف القاعدة المذكورة.
    قلنا: أولاً: إن القاعدة المذكورة تقول (لا ترى رجلا ولا يراها) وهذا لا ينافي الجانب الإثباتي أو الإعلامي. فإنها لم تقل: أن لا يعرف خبرها رجل. نعم هذا هو اللازم الغالب لذلك، وليس الدائم.
    ثانيا: إن من المصلحة التركيز على شخصية الزهراء وليست شخصيتها كسائر الشخصيات أطلاقاً. لأنها سيدة نساء العالمين على الإطلاق. ومن هنا كانت خارجة عن هذه القاعدة أساسا طوال حياتها تقريبا. بالرغم من إنها هي التي قالت: أن لا ترى رجلا ولا يراها. إلا انه (ما من عام إلا وقد خص) ، وقد خرجت غالب حياتها بالتخصيص.
    ويبدو من سياق جملة من الروايات إنها إذا دقت الباب في بيتها تذهب هي للباب وليس غيرها ، ويمكن أن نقول إن ذلك أضرها دنيويا إن صح التعبير، فسبب في كسر ضلعها وسقوط جنينـها، فمن ذلك حين رأى أبو الدرداء أمير المؤمنينمغشيا عليه واقبل إلى داره وطرق الباب، فكلمته الزهراء ، فقال لها: لقد مات علي بن أبي طالب. فقالت: تلك الغشية التي تأتيه من خشية الله . وكذلك عندما أرسل النبي  بلالاً إلى دار الزهراء ليأتي بالقضيب الممشوق وطرق الباب، فخرجت إليه الزهراء وأعطته إياه .
    وهذا له عدة تفسيرات عديدة: منها: اقتضاء حالها المعنوي ذلك، وهو القيام بما تكره من باب جهاد النفس. أو قل: التضحية بهذه المرتبة من الصون المركز وهبته لله سبحانه كمن يضحي بالعزلة في سبيل الله سبحانه.
    ونلاحظ انه ليس غير الزهراء بهذه المثابة، حتى زينب إلا في وقت سبيها ووجودها في الكوفة وفي الشام. وإلا فهي قبل ذلك وبعد ذلك أيضاً اتخذت مسلك الصون المركز. وأما في تلك الفترة فهي قد أدت مسؤوليتها أمام الله سبحانه باعتبار اقتضاء المصلحة والضرورة لذلك.
    المستوى الثاني: لتفسير قلة ورود اسم زينب قبل واقعة الطف: إن ذلك حصل على سبيل الصدفة، فان الأئمة كانوا يجيبون بمقدار السؤال، فإذا لم يقع السؤال عن شيء لم يحصل الجواب. وإنما يقضون حاجات الناس بمقدار أسئلتهم. كما إن المؤرخين كانوا يتفحصون بمقدار إمكانهم ويكتبون، فإذا لم يعرفوا الخبر لم يرووه بالتاريخ.
    وهذا أكيد، إلا انه راجع في الواقع إلى المستوى الأول. إذ لولا وجود تعمد الكتمان والابتعاد عن المجتمع لما حصل ذلك. ولو فرضـنا إن نساء المعصومين نازلات إلى السوق مثلا والمسجد وغيره، لحصل الاتصال بهن كثيرا. كما انه لو كان ديدن المعصومين النقل عن نسائهم الحوادث والملابسات لحصل النقل كثيرا، إلا انه لم يحصل. لان كل هذا متعمد الترك، ومتعمد الفصل بين المجتمع وما بين النساء.
    المستوى الثالث: انه لم يحصل في حياة المرأة ما يكون ملفتا للنظر ومستحقا للنقل إلا قليل. وهذا ثابت لنوع النساء عموما. بخلاف الرجال، فان أكثر ما يقومون به يستحق النقل حسنا كان أم سيئا. وعلى أي حال فما لا يستحق النقل من الحياة الاعتيادية لا ينقل من رجل كان أم امرأة.
    ونساء المعصومين كن يعشن حياة فردية تقريبا من أمور العائلة والتزوج والأولاد والعبادة. مضافا إلى إن الكثير منهن كن متعبدات بشكل مكثف، مما يستلزم انصرافهن عن الناس، أو إنهن يعتبرن الانصراف عن الناس عبادة.
    ومن شواهد ذلك ما ورد من إن شخصا خطب سكينة بنت الحسين من أبيها فقال له ما مضمونه: إنها لا تنفعك لأنها مستغرقة في الله تعالى . ولعلهن يلتقين قليلا حتى بالنساء فضلا عن الرجال، وليس هناك وضوح تاريخي بكثرة التقائهن بالنساء، إلا بالتقاء الزهراء بنساء المهاجرين والأنصار مرة، وقد ألقت عليهن خطبتها الثانية.
    وأما ما قد يتخيله أنصار الوعي الإسلامي من إن هداية الرجال على الرجال وهم المعصومون وأصحابهم في ذلك الحين. وهداية النساء على النساء وهن نساء المعصومين . وهذا يستلزم كثرة ورود النساء على النساء ككثرة ورود الرجال على الرجال.
    إلا إن هذا مما لم يثبت كبرى وصغرى. ونريد بالكبرى إن الأئمة لم يكونوا مطبقين لهذه الفكرة ولا مؤمنين بها، وهي إن هداية النساء للنساء. ونقصد بالصغرى إنهم لم يكونوا يسمحون لنساءهم بذلك.
    وإنما كان النساء في مسائلهم ومشاكلهم يرجعون إلى الرجال لكي يسالوا المعصومين أو يذهبن إلى المعصومين أنفسهم. ولا أقول إنهم لا يذهبون إلى نساءهم أحيانا، إلا إن هذا قليل على أي حال وليس بالسعة المطلوبة.
    ويكفينا إن في الدين قرائنا ضد هذه الفكرة، من قبيل منع المرأة من القضاء، ومن إمامة الجماعة للرجال، ومن الشهادة لرؤية الهلال وغير ذلك من الأمور. فالواضح إنه يراد منها الانسحاب عن مجتمع الرجال تماما.




    سكينة بنت الحسين 

    بقي أن نشير إلى نقض واحد مؤسف جدا ذكرته مصادر العامة. والظاهر إن أول من تورط به هو أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني، وتابعه الكثيرون ومنهم كحالة في أعلام النساء وغيره. وهو إنهم يدعون ويروون بتفصيل: إن سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب كانت تجتمع مع الشعراء، وتحضر مجالس الغناء والطرب والشعر، وتحكم وتفاضل بين شاعر وآخر، ونحو ذلك من الأمور، مما هو دس قطعي ضد المعصومين وذريتهم وشيعتهم.
    وأنا اعتقد إن اسمها ليس مصغرا (سُكَينَة) كما يلفظه العامة والمشهور. وإنما هو مكبر (سَكِينَة) مأخوذاً من القرآن الكريم ] أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [ يعني هي السكينة النازلة تشبيها. وأما المصغر فهو أنثى الحمار بنص اللغويين ومنهم ابن منظور في لسان العرب. وهذا مما يجهله المثقفون والمتفقهون من الناس مع الأسف، ولا يحتمل إن الحسين يجهله .
    ونحن نجد إن أبا الفرج الأصفهاني الذي هو أول من كتب هذه القضية يمثل شخصيتين متهافتتين، لأنه صاحب مقاتل الطالبيين، وصاحب الأغاني. فهو في مقاتل الطالبيين يكون اقرب إلى الدين من ناحية، واقرب إلى المذهب من ناحية أخرى، واقرب إلى حب أهل البيت من ناحية ثالثة. في حين انه في الأغاني برئ من كل ذلك.
    فأما مقاتل الطالبيين فهو مصدر رئيسي في التاريخ بالنسبة إلى كل المذاهب. وهو من أقدم الكتب التي وصلت إلينا بعد تلف الكتب الأخرى. فان هذا الكتاب وُفِق وأصبح مصدرا لجميع المسلمين.
    وأما الأغاني فقد فشل ولم يكن مصدرا لجميع المسلمين حتى باقي المذاهب، وذلك لان نسبة المحرمات لقادتهم وسادتهم وخلفائهم فيه كثيرة. فوجدوا إن أحسن حل لذلك أن يهملوه ويتناسوه ولا يعتبرونه مصدرا أطلاقاً، حتى لا يفتضحوا. ولكن حينما يذكر فيه شيء ينفعهم، فانه يكون مصدرا تاريخيا مقدسا. فإذا كانوا يعتمدون عليه فانه يضرهم، وإذا لم يكونوا يعتمدون عليه فلا بد أن يكفوا عنه بمجموعه، فهو كاذب من جميع الجهات.
    قال كحالة في أعلام النساء: سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب سيدة جليلة ذات نبل ومقام رفيع، كانت تجالس الأجلة من قريش، وتجتمع إليها الشعراء والأدباء والمغنون فيحتكمون إليها فيما أنتجته قرائحهم، فتبين لهم الغث من السمين، وتناقش المخطئ مناقشة علمية، فيقتنع بخطاه ويقر لها بالفضل وقوة الحجة وسعة الإطلاع. فمن ذلك انه اجتمع بالمدينة راوية جرير، وراوية كثيرة، وراوية نصيب، وراوية جميل، وراوية الأحوص.فادعى كل رجل منهم إن صاحبه اشعر. ثم تراضوا بسكينة بنت الحسين فأتوها فاخبروها فقالت لصاحب جرير… إلى آخر القصة.
    قال: وفي رواية انه اجتمع في خباء سكينة بنت الحسين، جرير، والفرزدق، وجميل، والنصيب. فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم فدخلوا، فقعدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم. فأخرجت إليهم جارية وضيئة وقد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟. فقال الفرزدق: ها أنا ذا. فقالت: أنت القائل… إلى آخر القصة.
    ثم يذكر قصصا كثيرة باجتماعها بعمر بن أبي ربيعة، وابن سريج، والغريض، وكثير آخرين. ويذكر إنها تزوجت بعدة أزواج.
    ويقول: وكانت سكينة عفيفة، سلمة، برزة من النساء (أي تخرج إلى الرجال) ظريفة، مزاحة. قيل لها: أمك فاطمة يا سكينة وأنت تمزحين كثيرا وأختك لا تمزح. فقالت: لأنكم سميتموها باسم جدتها المؤمنة فاطمة، وسميتموني باسم جدتي التي لم تدرك الإسلام تعني آمنة بنت وهب أم رسول الله .
    وهذا دس واضح وذلك لعدة أمور:
    الأمر الأول: إن آمنة لم يكن اسمها سكينة.
    الأمر الثاني: ثبت عندنا إن أهل البيت من أرحام طاهرة وأصلاب مطهرة، ولا يحتمل أن تكون آمنة بنت وهب كافرة وان كانت قبل الإسلام.
    الأمر الثالث: التسمية وحدها لا دخل لها في التربية.
    وقد اكتفى السيد المقرم في مقتل الحسين بان أجاب بالرواية المنقولة: إنها مستغرقة في الله تعالى. فإذا كانت مستغرقة في الله سبحانه فكيف تصدر منها هذه الأمور، فإنها تنافي الاستغراق أكيداً. وإذا كانت لا تنفع رجلا واحدا الذي هو زوجها واخص الناس بها، فكيف تنفع الكثيرين من الرجال؟
    إلا إن نقطة الضعف في ذلك هو ضعف الرواية بإزاء استفاضة النقل من ذلك الطرف. فان كحالة يذكر بعد كل ترجمة مصادرها، ويذكر بعد ترجمة سكينة بنت الحسينحوالي عشرين مصدرا. وهذا يكفي في الاستفاضة، فلا تقاومه تلك الرواية.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    الوجه الأول: أن يقال بان رواياتهم عندنا ليست بحجة، كما إن رواياتنا عندهم ليست بحجة. فلو كانت روايات فقهية ويترتب عليها اثر فقهي من وجوب أو حرمة أو استحباب أو غير ذلك من الأحكام الشرعية، لما عمل بها المذهب الآخر. وهذا ينبغي أن يكون أكيداً. فكل تلك الروايات التي تحدثت عن سكينة بذلك النحو ليست من أخبارنا، إذن، فهي ليست علينا بحجة. وكل تلك الروايات من المراسيل وليست لها أسانيد أطلاقاً. فمن هذه الناحية كيف نستطيع أن نأخذ بها حتى لو كانت من الخاصة فضلا عما لو كانت من العامة.
    الوجه الثاني: إننا قلنا بدرجة من درجات التفكير إن القضية مستفيضة، ولعلهم يدعون إنها متواترة. ولكن هذا يمكن أن يجاب عليه بجوابين:
    الجواب الأول: إن التواتر هو اجتماع جماعة لا يحتمل تطابقهم واتفاقـهم على الكذب. وهذا شرط غير متوفر هنا وإذا كان كذلك فهو ساقط عن الحجية. فان الملايين من المسيحيين مثلا أو من اليهود أو من البوذيين أو غيرهم، يشهدون بصحة بعض المرتكزات عندهم مما يخالف الإسلام، فهل إن هذا التواتر حجة؟. طبعا لا. فانه يوجد اتفاق على أن يغالطوا أنفسهم، وان يسيروا في الطريق المعوج.
    الجواب الثاني: التواتر هو اجتماع عدد كبير من الناس بحيث يحصل الاطمئنان بصحة كلامهم. فهل إن هذا العدد متوفر هنا أم لا؟. فلو فرضنا إن هذه الروايات متواترة لان الكثير من المؤرخين يروونها. ولكن الذي ذكرها من المصادر القديمة هو واحد، وهو أبو فرج الأصفهاني في كتابه الأغاني، إذن، فينقطع التواتر بالأغاني، وحمله على الصحة بلا موجب، فلا تحصل الاستفاضة بواحد فضلا عن التواتر.
    الوجه الثالث: إن الدس المتعمد الذي كان مدعوما من قبل الدولة في القرون الأولى كان كثيرا. فكان هناك مجموعة من القصـاصين يروون الروايات مقابل الأموال، وما أسهل أن تشترى بعض الضمائر. فليس من الغريب أن يقولوا هذا، لأجل أن يفضحـوا المعصومين حسب اعتقادهم. فقد سب علي بن أبي طالب وشتم على المنابر سنين طويلة، فليس من العجيب أن يهتكوا ابنه أو ابنته. فمادام سبب الكذب المتعمد موجـودا، فحتى لو كان هناك ملايين المجلدات فلا قيمة لها لأنها مشتراة بالمال.
    الوجه الرابع: إن كحالة يريد أن يوهم إن كل مصادره تعرضت لهذه الأمور التي ذكرها، بينما إن الأمر يختلف جدا. والأمر يحتاج إلى فحص في كل تلك المصادر على أي حال، ولا يتيسر ذلك بسهولة.
    الوجه الخامس: انه في الإمكان أن يقال: إن نطفة الإمام المعصوم طاهرة ومطهرة معنوياً. لا اقل إن أولادهم الصلبيين يكونون أطهار لأنهم منعقدون مباشرة من نطفة الإمام  إذن، فلا يمكن أن يصدق فيهم مثل هذه الأمور التي تنسب إليهم.
    فإن قلت: فكيف بابي السرايا وجعفر الكذاب وغيرهم من القلائل المنحرفين؟.
    قلنا فيه أكثر من جواب:
    الجواب الأول: هذا مما دل الدليل على خبث نفسه ووجود المانع من قبول التربية. على إن جعفر الكذاب وردت توبته وورد النص على قبولها، ولذا يسمى بجعفر التواب بدل الكذاب.
    الجواب الثاني: إننا لو تنزلنا عن سائر الأئمة لا نستطيع أن نتنزل عن الحسن والحسين اللذين هما خير من الباقين. فهما من أهل الكساء الذين هم خاصة الخلق وأئمة الأئمة. فان تصورنا إن النطف ليست طاهرة من غيرهم، فيتعين أن تكون طاهرة منهم. وان تصورنا إن بعضهم فشلت تربيتهم وحاشاهم، فإننا لا نستطيع أن نتصور ذلك في أهل الكساء عليهم السلام.
    الجواب الثالث: إننا سمعنا ما سبق من مسلكهم في الصيانة المكثفة لنسائهم. فكيف تستطيع بعض النساء أن تكون كذلك يعني ضد هذه الصيانة، إلا أن تبيع دينها وشرفها بأبخس الأثمان وتفتضح، ولوصل خبرها إلى مصادر الشيعة فضلا عن مصادر السنة، مع انه لم يصل.
    الوجه السادس: إننا نتساءل إن هذا المسلك الذي ينسب إلى هذه السيدة الجليلة هل كان في زمن أبيها، أم كان بعده؟. فان كان في زمن أبيها فهو مشرف عليها ومراقب لها، وبالتأكيد انه يطبق القانون العام عليها كما طبقه على غيرها من سائر بناته وزوجاته، فلو فرضنا حصول شيء من ذلك، فسوف تواجه بمنع صارم لا محالة.
    وأما بعده، فالنساء قضت كل أعمارهن تقريبا بل تحقيقا بالبكاء والنوح على واقعة الطف وشهدائها. فالسيدة سكينة هل كانت مع الباكيات أو بدونهن؟. فان كانت مع الباكيات كما هو الأمر الواقع، فلا معنى لان تكون باكية ومَزّاحة في عين الوقت. وان لم تكن معهن يعني كانت هي مَزّاحة، وأخواتها وعماتها وغيرهن باكيات، فهذا هو العار نفسه، وإسقاط المصلحة الدينية الخاصة والعامة التي كان يعرفها الجميع من أسرتها في وجوب إعلان مصيبة الحسين ومظلوميته في المجتمع، ومعارضة الدولة القاتلة له بذلك.
    الوجه السابع: إن الأئمة كانوا معها طول حياتها الحسن والحسين وزين العابدين والباقر  وربما طال بها العمر إلى زمن الإمام الصادق ولا شك إن الأئمة كلهم كان لهم اهتمام خاص بصيانة أسرهم وكثافة الستر في نساءهم. فلا يحتمل أن يكون شيئاً ما يفلت بهذه السعة والوضوح وهم لا يعلمونه، أو إنهم يعلمونه ويسكتون عنه، أو إنهم يعلمونه ولا يستطيعون تغييره، فكل ذلك غير محتمل، لان الضغط على امرأة منهم ليس مخالفا للتقية لكي يتركونه.
    الوجه الثامن: في حدود المصادر المتوفرة من الجماعة لم استطع أن أجد ذكرا لما إذا كانت سكينة حاضرة واقعة الطف أو في السبايا، ليكون ذلك قرينة أخرى على نفي الحال المنسوب إليها دنيويا، لأنها إذا كانت من السبايا الباكيات فلا معنى للجمع بين المزاح والبكاء.
    إلا إن ابن الجوزي في تذكرة الخواص يقول: وكانت في السبايا الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين وهي أم سكينة بنت الحسين . وكان الحسين ، يحبها حبا شديدا، وله فيها أشعار منها:
    لعـمرك إنني لأحـــــــب دارا تحل بـها سكــــينة والـرباب
    أحبهما وابذل فـوق جهـدي وليـس لعاذل عندي عتـاب
    ولست لهم وان عتبوا مطيعا حيــــاتي أو يُغيـبني التراب
    فخطبها يزيد والأشراف من قريش، فقالت: والله لا كان لي حموا آخر بعد ابن رسول الله ، فعاشت بعد الحسين سنة ثم ماتت كمدا، ولم تستظل بسقف .
    فإذا كانت الأم كذلك، فكيف يصح أن نتصور إن البنت كانت متطرفة إلى الجانب الآخر لو صح التعبير. وخاصة بعد إن اعتبرت عبرة عظيمة جدا من مقتل أبيها وموت أمها وجميع ما حصل بالطف من رزايا.
    الوجه التاسع: وهو يخص مذهبنا، فقد ورد في الزيارة الجامعة: )السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة وخزان العلم ومنتهى الحلم وأصول الكرم وقادة الأمم وأولياء النعم وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار وساسة العباد وأركان البلاد وأبواب الإيمان وأمناء الرحمن وسلالة النبيين وصفوة المرسلين وعترة خيرة رب العالمين ورحمة الله وبركاته.
    السلام على أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام التقى وذوي النهى وأولي الحجى وكهف الورى وورثة الأنبياء والمثل الأعلى والدعوة الحسنى وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى ورحمة الله وبركاته.
    السلام على محال معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحفظة سر الله وحملة كتاب الله وأوصياء نبي الله وذرية رسول الله ورحمة الله وبركاته. السلام على الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله والمستقرين في أمر الله والتامين في محبة الله والمخلصين في توحيد الله والمظهرين لأمر الله ونهيه وعباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ورحمة الله وبركاته. (
    ومن يكونون هكذا، لا يحتمل فيهم أن تكون بعض نسائهم هكذا.
    الوجه العاشر: إننا نعتبر بقصة ترويها المصادر القديمة عندهم وعندنا والرواية تقول: (كنت في سفر فرأيت امرأة وسألتها: من أنت، فكانت لا تجيب إلا بالقرآن، فسألتهم عنها، فقيل: هي فضة خادمة الزهراء ) .
    فهي تستشكل من الكلام الاعتيادي، فوجدت خير كلام هو كلام الله سبحانه وتعالى، وهي حافظة للقرآن كله، وذكية في اختيار آياته. وقد تطرق القرآن لمواضيع كثيرة جدا بحيث تستوفي الحياة الاعتيادية وأكثر من الحياة الاعتيادية، قال تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ  ، فقد فضلت أن تحتاط لنفسها أمام الله سبحانه ولا تتحدث إلا بالقرآن.
    وهي إنما كانت هكذا لأنها مرباة في دار الإمام أمير المؤمنين ، فقد عاشرتهم فترة من الزمن وعرفت مقاصدهم وحقيقة عقائدهم وحقيقة عملهم بمقدار ما تستحق.
    فإذا كانت خادمة غريبة ومع ذلك تصبح من الورع والتقوى إلى هذه الدرجة، فكيف ببنات الأئمة ؟. فهن أولى بذلك بكثير.
    والفكرة الأخرى بهذا الصدد انه روي عن الإمام زين العابدين انه كانت له عدة مناهج في نفع المجتمع، فمنها: انه كان يشتري العبيد ويستخدمهم لمدة سنة، ثم يتخذ ثلاث خطوات:
    الأولى: يبرئ ذممهم ويبرؤن ذمته.
    الثانية: أن يعطيهم مالا.
    والثالثة: أن يعتقهم.
    فإذا كان الأمر لمجرد العتق فلماذا يبقيه عنده سنة كاملة؟. في حين انه يمكنه أن يعتقه بمجرد أن يشتريه. وإنما الشيء الرئيسي الذي يريده الإمام هو أن يتربى الفرد في خلال هذه السنة.فيحملون من الفقه والورع من الإمام وأسرته الشيء الكثير. فيكونون ألسنة ورع ، وألسنة ثناء، وألسنة طاعة لله ولرسوله ولأمير المؤمنين ولكل المعصومين  . فهل من المعقول أن تكون بنات الأئمة ليس على هذا المستوى وهم في تربية كاملة تستوعب العمر كله وليس لسنة واحدة؟.
    وكذلك ما ورد: إن السجانين في السجن الذي كان فيه الإمام الكاظم ، كان الفرد منهم يعاشر الإمام أياما قليلة فيصبح متهجدا عابدا زاهدا. حتى إنهم أرسلوا له امرأة خليعة لكي تخدمه وتغريه، فأصبحت أيضاً زاهدة وعابدة.
    فإذا كان الحال في الأفراد الاعتياديين أن تحصل لهم الهداية شيئاً قليلا من معاشرة الأئمة ، فكيف برجالهم ونساءهم وأطفالهم الذين يعيشون تحت تربيتهم وتركيزهم.
    الوجه الحادي عشر: إن الشعر المنسوب إلى الحسين والموجود في مصادرهم، يمكن أن نفهم منه فهما معنويا. وإننا نجل الحسين عن العاطفة الدنيوية الأسرية. وان كل مؤمن وخاصة المعصوم إنما يحب في الله ويبغض في الله. فان الحسين يقول:
    أحبهم وابذل فوق جهدي وليس لعاتب عندي عتاب
    فانه حينما يقول: (لعمرك إنني لأحب دارا) أي المقام الذي وصلوا إليه عند الله تعالى. وقوله : (وابذل فوق جهدي) من قبيل قوله تعالى:  قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  . وقوله : (وليس لعاذل عندي عتاب) فهو يريد أن يخص أسرته بشيء من التربية المركزة. فلا إشكال انه يحبها في الله كما يحب أي شخص آخر في الله. وقوله : (وليس لهم وان عتبوا مطيعا) فان الطاعة لله عزوجل وليس للخلق بطبيعة الحال. وقوله : (حياتي أو يغيبني التراب) أي إن طاعة الله تعالى في حياتي وبعد مماتي.
    ولا يحتمل انه سلام الله عليه أن يحب في الله امرأة تعمل المحرمات وتعاشر الرجال المغنين وتكون مزاحة، غير شاعرة بمصالح المجتمع ومصالح أهل البيت ، وهي مصلحة أبيها وذويها وهي ليست بعيدة عنها.
    الوجه الثاني عشر: قد يقال: إن زين العابدين في تقية مكثفة ومنعزل في بيته للعبادة والزهد وهو منصرف عن المجتمع. وان الإمام الباقر صغير السن ولا يستطيع منع عمته من فعلها. ولكننا نقول هنا: إن المتوقع أن يكون هناك رد فعل من الأئمة ، وان يصرحوا بأنهم بريئون من تصرفاتها، لو كانت.
    فإننا لو تنزلنا عن كل الوجوه السابقة، وفرضنا هذه السيدة العظيمة حرة في تصرفها، وغير منصاعة لتعاليم أبيها وتقاليد أسرتها ومن الصعب السيطرة عليها، وقد مارست هذه الأمور المنسوبة إليها فعلا.
    إذن، سنتوقع بكل تأكيد وجود رد فعل مضاد لها، وإعلام للناس بان هذه المرأة عاصية ومنحرفة. لا إنهم يسكتون عنها بالرغم من تصرفها الفاضح وفعلها الشائن وارتكابها للمحرمات على ما هو المروي. فان سكوتهم غير محتمل، فانه ليس موافقا للتقية، وليس فيه مصلحة ثانوية، وخاصة إنها من أسرتهم، ولا يخاف جانبها عليهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
    مع العلم إن رد الفعل بالنسبة إلى كثير من حوادث المجتمع موجود خلال تاريخ المعصومين ، فكيف لا يكون رد الفعل موجودا بالنسبة إلى هذه السيدة لو كانت قد صدرت منها هذه الأعمال والأقوال.
    وحيث إن رد الفعل غير موجود قطعا، ولم يرد إلينا ولا في مصدر ضعيف من مصادر المسلمين. إذن، يتعين أن تكون هذه الأمور غير صادرة عنها، وإنها مكذوبة عليها.
    الوجه الثالث عشر: إننا لو تنزلنا عن كل الوجوه السابقة ـ ولن نتنزل ـ فنسلم إن شيء ما من هذا الاتجاه قد حصل ولكن في حدود الشريعة، فلا ننسب إليها شيئاً من المحرمات.
    مضافا إلى إننا نستطيع أن نعطي عناويناً ثانوية لتبرير عملها. وذلك على عدة مستويات:
    المستوى الأول: مسالة الحجاب وان لا يراها الرجال وان سمعوا صوتها. وهذا منصوص في بعض الكتب، كالذي سمعناه عن كحالة: بأنها جلست حيث تراهم ولا يرونها.
    وكذلك نعلم إن صوت المرأة إذا لم يكن فيه إثارة نوعية فانه يجوز سماعه. كما سمعوا صوت الزهراء وصوت زينب وغيرهن من النساء.
    ولكن يخالفه ما روي في بعض كتبهم من إنها كانت تصفف شعرها بشكل معين حتى قيل: (الطرّة السكينية) وظاهر السياق إنها كانت تبرز أمام الرجال سافرة بهذا الشكل. وهذا بمنزلة المستحيل، فان روايتها في غاية الضعف، ولا يحتمل أن يصدر من بنت الحسين ذلك أطلاقاً.
    إلا أن يقال إن الطرّة السكينية لم يرها الرجال وإنما رأتها النساء.
    المستوى الثاني: إن الغناء حرام، ونسبة الحرام إلى هذه السيدة الجليلة منسد تماما. فلن نستطيع أن نقبل برغبتها بالغناء، فانه محرم في الشريعة عند كل أهل المذاهب وخاصة ما يميل إلى الجنس والمجون.
    ولكننا ينبغي أن نلتفت إلى إن الغناء إنما يكون غناء حقيقة وعرفا إذا قرئ أو أدي على طريقته الخاصة بالترجيع ونحوه. وأما وجوده اللفظي المكتوب أو المقروء بدون ترجيع فليس غناء. وإنما هو شعر اعتيادي، وخاصة وهم في ذلك العصر كانوا يلتزمون الغناء الفصيح، ولم يكن للغات الدارجة العامية اثر.
    وحسب فهمي إن الشعراء في ذلك الحين على قسمين:
    القسم الأول: شعراء غير غنائيين، أي لم تكن أشعارهم لأجل الغناء. كجرير والفرزدق.
    القسم الثاني: شعراء غنائيين، أي ينضمون الشعر لأجل الغناء ويرتزقون بذلك، كابن سريج والنصيب.
    إذن فمن الممكن كأطروحة إنهم حين قالوا: إنها تجتمع بالشعراء والمغنيين يريدون من المغنيين الشعراء الذين ينضمون الأشعار الغنائية. ويريدون من الشعراء من لا يكون في شعره ذلك. ولا يراد إنها كانت تحضر فعلا الأداء الغنائي فانه محرم في الشريعة ولا يحتمل صدوره منها.
    المستوى الثالث: إنها تجتمع بهذه الطبقة من الناس لأجل هدايتهم بشكل وآخر قليلا أو كثيرا. فلعل كلمة من الحكمة، أو بيتا فيه عبرة، أو موعظة فيها هداية، تؤثر في بعض القلوب الساهية وفي بعض الأذهان الخاوية والعقول الغافلة.
    وكلما كان الفرد أكثر غفلة واقل اهتماما بالدين كان أحوج إلى التنبيه والالتفات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخاصة إن هذه الطبقة من الناس ليسوا ملحدين، بل يدعون الإسلام والالتزام. ففي الإمكان أخذهم من حيث يدعون، وهدايتهم من حيث لا يشعرون.
    وهذا فيه نفع لكلا الطرفين، فأما نفعه لسكينة نفسها فانه أسلوب من أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فان أساليب الهداية تختلف، ولعل الأسلوب الرئيسي والاهم لهذه الطبقة من الناس هو ذلك، فتحصل على ثواب الأمر بالمعروف وثواب الجهاد بمعنى من المعاني، فيكون نفعا لها.
    وأما بالنسبة لهم فإنهم يستفيدون وذلك إن هؤلاء يكون أمرهم دائرا بين أن يتمحض اتصالهم بالفاسقين والمكّرة وأهل الدنيا ونحو ذلك. وبين أن لا يكونوا متمحضين في هذه الجهة فقط. فيكون لهم اتصال قل أم كثر بجهة حق. فبعضهم يتمنون هذا المعنى قليلا أو كثيرا.
    إن قلت: فلماذا يذهبون إلى السيدة سكينة ، ولا يذهبون إلى المعصومين مباشرة؟.
    قلنا: إن من الصعب أن نقترح عليهم الذهاب إلى المعصومين لعدة أمور:
    أولا: اختلاف المذهب.
    ثانيا: اختلاف المسلك.
    ثالثا: هيبة المعصومين عالية جدا، وهؤلاء يشعرون بذنوبهم أمامهم. فإذا شعروا بذنوبهم يقل شانهم في باطن أنفسهم مهما كانوا يتظاهرون بالرفعة والتكبر والحشمة. فلا يمكن أن يذهب أمام هذه العظمة العظيمة، فانه لا يتحملها.
    رابعا: ربما لا يجد هؤلاء رغبة من قبل المعصومين في زيارتهم.
    خامسا: إن المعصومين لم يكونوا يتجاوبون مع حال هؤلاء الغنائي والدنيوي، ولا ينبسطون معهم في الكلام مع إنهم يحتاجون إلى مثل ذلك. وقد وجدوا في هذه السيدة الجليلة المضحية المجاهدة ضالتهم المنشودة، بناءا على هذه الأطروحة.
    إن قلت: إن الإمام السجاد أوكل أمر هذه السيدة الجليلة إلى زوجها مصعب ابن الزبير أو غيره، ولم يناقش في تصرفاتها لأنها متزوجة، وزوجها أولى بها.
    قلنا: إن جوابه من عدة وجوه:
    الوجه الأول: أن ننفي هذه الروايات ونقول إنها كاذبة كلها. فسكوت الإمام من أهله وفي محله، لأنه لا يوجد منها شيء باطل حتى ينهى عنه الإمام  ولكننا إن تنزلنا عن ذلك حينئذ نأتي إلى الوجوه الآتية.
    الوجه الثاني: انه إذا كان قد بلغ الحال بها إلى حد الفضيحة كما هو مقتضى هذه الأمور المروية. كان لا بد للسجاد من منعها، وإلا سرى الأمر إليه نفسه ومن ثم إلى الدين.
    الوجه الثالث: انه إن لم يستطع أن يكفها عن عملها فلا اقل أن يعلن البراءة منها وعن عملها. لكي يبرئ ساحته وساحة مذهبه وساحة دينه، ونحو ذلك.
    الوجه الرابع: انه لم ير في عملها شيئاً شائنا ومخالفا لكي ينهى عنه.
    فإن قلت: إن هذه السيدة الجليلة متفقهة وفاهمة ومتورعة. أفلا يكون عملها هذا إعانة على الإثم لأنه تأييد لهم؟.
    وهذا إنما يصح بعد التنزل عن الجهات التي تقتضي نفي الأمر أصلاً. لكننا الآن ينبغي أن نتنزل ونقبل إنها حدثت، فإذا قبلنا ذلك صح الإشكال إجمالا.
    ويكون الجواب الرئيسي لذلك: انه إذا حصل التزاحم بين إنها تأثم لإعانتهم على الإثم، وبين أن تقوم بهدايتهم، وإسماعهم كلمة الحق، وربطهم ولو قليلا بالأسرة العلوية الشريفة. فيقدم الأهم وهو الذي فعلته من هدايتهم.
    فإن قلت: كيف تتصرف هذا التصرف وهي تعلم إنهم مغنون وإنهم فسقة؟.
    قلنا: نعم، وان كثيرا من أمور الدنيا، بل كلها قابلة للحمل على معنيين: الهي وشيطاني، وهذا منها. وكل واحد يحشر على نيته كما ورد . فإذا استطعنا أن نحمل هذه السيدة العظيمة على حسن النية واستهداف مرضاة الله تعالى كفى فيه أن لا يكون هدفها الإعانة على الإثم، بل تخليصهم من الإثم، وهذا يكفي.
    وبعد هذه الجولة نعود إلى السؤال الذي سبق أن طرحناه عن وجود زينب ، وقد أثبتنا وجودها أصلاً. وكذلك السبب عن قلة الأخبار الموجودة عنها قبل واقعة الطف.


    السبب المحتمل
    في تغيب زينب  عن بعض الحوادث
    بقي علينا الحديث عن سبب تغيبها عن هذه الحوادث التي حدثت في أسرتها خلال ذلك التاريخ، كموت أبيها وأمها وأخيها ونحو ذلك.
    وكذلك بعض الأجوبة العامة التي تعم غالب الحالات، وأجوبة خاصة ببعضها. فأما الأجوبة العامة فكما يلي:
    أولاً: في الإمكان كأطروحة إنها خلال بعض تلك الحوادث لم تكن ساعتها موجودة، لأنها كانت في سفر، أوفي بيت جدها رسول الله ، أو في بيت أخيها الحسن ، ونحو ذلك. ثم إنها أقبلت بعد حصول الوفاة.
    ثانيا: إن هذه المناسبات مظنة نوعية لحضور الرجال ومن ثم لم تخرج من غرفتها تحت أصعب الظروف.
    ثالثا: إنها قد تكون موجودة ولكنها لم تذكر في الروايات، كما لم يذكر غيرها من النساء احتراما لموقف أهل البيت . وإنما يذكر الأشخاص الرئيسيون اللذين ينبغي نقل كلامهم أو أفعالهم و نحو ذلك.
    رابعا: إن هذا الأسلوب موجود في الأساليب القصصية، فلربما مشى عليه الرواة عن عمد أو عن غير عمد. وهو حدوث شخصية مهمة في آخر الأمر لم تكن قد ذكرت قبل ذلك. وفي القرآن وغيره نماذج من هذا الأسلوب، كما في قوله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ  وقوله تعالى: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ  . ومساعدة الشيطان اليهود في قتل زكريا بعد أن دخل في جذع شجرة أجوف كما ورد ذلك في بعض الروايات ، ونحو ذلك من الأمور.
    والأمر هنا يمكن أن يكون كذلك. فان هذه الشخصية وهي زينب تذكر في مورد الأهمية والتركيز لا في غيره، احتراما لها وصونا لذكرها عن الابتذال.
    خامسا: إن المروي إنها ولدت للعام الخامس أو السادس للهجرة . إذن، فهي كانت طفلة عند وفاة جدها وعند وفاة أمها وإسقاط الجنين، وكذلك لدى التصدق على المسكين واليتم والأسير، والطفلة لا تذكر في التاريخ أكيداً.
    نعم، كانت عند وفاة أبيها وأخيها الحسن كبيرة، ونتوقع أن يكون لها دور قليل أو كثير. وسنجد بعد قليل انه قد روي وجودها في كل ذلك بالرغم من قلته. وتلك القلة ناتجة من الأسباب السابقة.
    وأما الأجوبة الخاصة في المورد:
    أولاً: ما ورد: إنها إذا أرادت أن تزور المسجد في المدينة، وفي رواية: إذا أرادت أن تزور قبر جدها، يذهب أبوها بنفسه ويخفت ضوء القناديل، لكي لا يراها احد من الرجال.
    ثانيا: ما نقل عن العقد الفريد في قصة طويلة، وفيها: إن رجل خطبها من أبيها، فزجره لوضاعته، ويبدو انه الأشعث بن قيس.
    ثالثا: ما نقل من زواجها بعبد الله بن جعفر، فانه زواج مبكر، والظاهر انه كان في حياة أبيها.
    رابعا: ما روي إنها كانت ضمن المشيعين في الليل لنعش أمها الزهراء ، وإذن أمير المؤمنين للمشيعين بالانصراف فانصرفوا. وألقت زينب بنفسها على قبر أمها، ولم تنصرف.
    خامسا: ما روي من إنها روت عن أمها بعض الروايات حتى عدت من رواة أمها .
    سادسا: ما روي عن دخولها على أخيها الحسن حال احتضاره. وفي رواية انه أمر برفع الطشت الذي كان فيه الدم لكي لا تراه زينب .
    سابعا: ما روي من وجودها عند خروج قافلة الحسين من المدينة متوجها إلى كربلاء. وقد قيل ما مضمونه: إن العباس هو كفيل هذه الحملة، ومع عدم وجوده فالكفيل هي زينب .
    إذن، فالنقل كثير لمن يبحث ويدقق. والظاهر انه إنما أصبح كأنه غير موجود، أمام الجاهلين والغافلين. بل يكفي هذا أيضاً لإثبات وجودها، فإنها مؤدية للاطمئنان مجموعا. وخاصة إننا إذا ضممناها إلى روايات الطف حصل التواتر بوجودها لو غضضنا النظر عن الأدلة السابقة.
    مضافا إلى إننا ينبغي أن نلتفت إلى كثرة الكتب التي أحرقت وأتلفت خلال التاريخ، عن عمد وغير عمد. فإنها تعدل مئات الألوف، ولعل فيها كثير من الأخبار والروايات التي ضاعت فعلا. ومن جملتها ما نتوخى الحصول عليه من بعض أخبار أهل البيت عموما، وزينب خصوصا.
    وأما عن قبرها فقد قال كحالة: وينسب إليها في مصر مسجدها، وفي سنة 1173 جدد بناءه، وتوفيت عام 65 للهجرة، ودفنت بقناطر السباع بمصر، ويزار ويتبرك به. وينسب إليها الشعر في رثاء أخيها الحسين وهو مشهور.
    ماذا تقولون لو قال النبي لكم ماذا فعلتم وانتم آخر الأمم
    بعتـرتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
    ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
    ويقول فريد وجدي: انه لزينب بنت الحسين.
    وقال كحالة: وحدثت عن أمها فاطمة بنت محمد وأسماء بنت عميس، وروى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السايب، وفاطمة بنت الحسين .
    واستمرت هذه العلاقة مع الحسين خلال عصر الأئمة كلهم. وكانت تنتج كلا الهدفين: البعد عن الظلم والظالمين، والقرب من رب العالمين. والروايات في ذلك ناطقة وطافحة. إذن، فالعلاقة مع الإمام الحسين استمرت في تلك الأجيال. أما المعصومون فتصرفوا باتجاهها بما يوافق التقية التي يؤمنون بها، وأما غيرهم فتصرفوا باتجاهها بدون تقية.


    علاقة الحسين  بعلماء عصر الغيبة

    نتعرض الآن إلى علاقة الفقهاء والعلماء بالحسين جيلا بعد جيل. ونتعرض تحت هذا العنوان إلى المفاهيم والأحكام التي يمكن أن تستنتج من حركة الحسين وثورته ومقتله في واقعة الطف.
    فان الحسين إمام مفترض الطاعة، وقوله وفعله وتقريره حجة. ولكن الملاحظ إن الروايات عنه في غير واقعة الطف قليلة نسبيا، ولكنها موجودة ومتبعة ومنفذة كغيره من الأئمة . وهذا واقع صحيح في نفسه أكيداً.
    فهل يمكن استنباط بعض الأحكام الشرعية الفقهية من واقعة الطف نفسها أم لا؟.
    جوابه: إن بالإمكان أن نذكر حكمين يمكن أن يستنتجا، بل يستنتجان بوضوح من واقعة الطف:
    أحدهما: عقائدي.
    ثانيهما: فقهي.
    أما الحكم العقائدي فيتكون من فقرتين:
    الأولى: ايجابية.
    الثانية: سلبية.
    أما الفقرة الايجابية : إن طاعة الله سبحانه تستحق أن يفدي لها الإنسان كل هذه الأمور مهما عظمت أهميتها وقدسيتها، اجتماعيا أو إلهيا، أو قل دينيا أو دنيويا. فكل شيء رخيص أمام الله تعالى من مال وجهد ونفس ونفيس ونساء وأطفال ورجال، شيبا وشبانا، مثلما حدث فعلا في واقعة الطف.
    فان عطفنا على ذلك ما روي عن زينب الكبرى إنها وضعت كفيها تحت الجثمان المقدس وقالت: (اللهم تقبل منا هذا القربان القليل) على ما في بعض الروايات من وجود صفة (القليل). ونحن نتكلم على كلا التقديرين.
    فعلى تقدير أن يكون (القليل) فيها فيبدو من الدلالة الالتزامية أو الدلالة السياقية لهذا الكلام، وهي دلالة أكيدة وواضحة. وهي إدراك زينب لحقيقة الموقف، أي إدراكها لنسبة شهادة الحسين إلى الله تعالى، والى عظمته وارتفاع شانه وكونه الوجود اللامتناهي. فإذا أدركت الجانب الرئيسي من العظمة الإلهية، والأهمية الإلهية، ستكون حادثة الطف بكل تفاصيلها بما فيها شهادة الحسين بصفته إماما مفترض الطاعة، ومعصوما، وابن رسول الله  أمرا يسيرا وهينا بإزاء العظمة اللامتناهية للخالق سبحانه وتعالى لان مصرع الحسين مهما كان عظيما فهو محدود، والمحدود إذا نسب إلى اللامحدود يكون صفرا.
    وأما على تقدير عدم وجود صفة (القليل) أمكن تفسيرها بتفسير آخر. وهو إنهم يدركون تدني شانهم عن عظمة الله عزوجل إلى حد من المحتمل أن لا يلتفت الله إليهم ـ لو صح التعبير ـ ولا يتقبل منهم أعمالهم ولا يهتم بشأنهم. فإنهم ـ حسب هذه الفكرة ـ من الضئالة بحيث لا يستحقون الالتفات والقبول. ولذا تضع زينب يديها تحت القربان المقدس لكي تقدمه تقديما حسيا أمام الله سبحانه طامعة برحمته الواسعة. في أن يتقبل هذا القربان برحمته لا بالاستحقاق، وتدعوا بذلك: (اللهم تقبل منا هذا القربان). كما ورد في بعض الأدعية: اللهم افعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله .
    وهذا معناه بوضوح انه ليس هناك أي إعجاب بالعمل أو أي شعور بأهميته بالرغم من أهميته. وإنما هو ـ حسب الفكرة ـ تقديم قليل وضئيل ومستحق للرفض من قبل عظمة الله اللامتناهية. وقد ورد: انه لا ينجي إلا عمل مع رحمة .
    أما العمل وحده من دون رحمة تجعله مقبولا مبرورا، فليس من المنجيات. وأما الرحمة بدون العمل فإنها لا تأتي، لان العمل يجعل للإنسان درجة من درجات الاستحقاق للرحمة. فالرحمة بدون عمل توقـّع للمستحيل.
    إلا إن الفكرة الأخرى أيضاً صحيحة، وهي فكرة مقابلة لهذه الفكرة، فان البشارة موجودة وان الله تعالى كريم لا بخل في ساحته، بل وسعت رحمته كل شيء حتى قال بعض أهل المعرفة: (انك لو نقلت هذه (القشة) من هنا إلى هنا من اجله تعالى لما نسيها الله تعالى لك، ولجزاك عليها خيرا). وذلك لمدى الرحمة الواسعة اللانهائية التي تجعل الأمر مع شيء من الإخلاص بمنزلة الضروري. واليأس من رحمة الله تعالى حرام حقيقي. فلذا يطمع برحمته أكثر العصاة والكفار، حتى إبليس. وباب التوبة مفتوح طول العمر، مهما كان الإنسان متطرفا في الكفر وفي الفسوق والفجور.
    فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يكون موقف زينب هكذا؟. كأنها تشك في قبول العمل مع إن الرحمة الشاملة توجب اليقين بالقبول.
    قلنا: هذا من توفيق الله سبحانه لها، حيث يجعل في ذهنها الحال الذي يقتضي ذلك. وذلك لنفي العجب بالعمل والاعتداد بالنفس. الأمر الذي يسقط به العمل حتما أمام الله سبحانه. فإذا انتفى العجب حقيقة حصل الشعور بالضالة حقيقة. وإذا حصل ذلك حصل الشعور بعدم الاستحقاق الذاتي للقبول.
    وبحسب النتيجة: إن هذا الكلام منها نفي للاستحقاق الذاتي للعمل لا للرحمة الواسعة، وليس نفيا لها. فالرحمة متوقعة وهي تدعو بالقبول ونزول الرحمة.
    فهذه فكرة عن الجانب الايجابي من حركة الحسين .
    وأما الجانب السلبي، فهو عدم إعطاء قيمة عليا لأي عمل يقوم به أي إنسان من المسلمين أو الشيعة أو المخلصين أو الموالين أو الأولياء ولأي عمل ديني أو دنيوي تجاه القياس بحركة الحسين ، مهما عظم سواء كان من سنخه أو من سنخ آخر، حتى لو كان في نفع الدين ومصلحته.
    لأننا إما أن ننسبه إلى عظمة الله تعالى فيكون صفرا. وإما أن ننسبه إلى شهادة الحسين فيكون بمنزلة الصفر.
    أو بتعبير آخر، انه إذا كان الاستحقاق الذاتي للعمل تجاه الله تعالى غير موجود أخلاقيا حتى في واقعة الطف، كما نفهمه من كلام زينب وتصورها الموقف أمام الله تعالى. فكيف يكون موجودا في ما هو أهون منه وأردأ. فهذا غير محتمل أطلاقاً.
    أو بتعبير ثالث، إن العجب حيث انه غير موجود وغير جائز حتى بهذا العمل الذي لعله أعظم أعمال المعصومين ، فكيف يحصل العجب، أو يجوز العجب بالنسبة إلى غيره مهما زادت أهميته.
    وقد قال بعض أهل المعرفة: إذا قال الخالق للمخلوق: اعطني شيئاً منك. فغاية ما يستطيع المخلوق أن يقول في الجواب: أعطيتك نفسي. فيجيب الخالق: نفسك أنا وهبتها لك فاعطني شيئاً آخر منك، بحيث لا يكون متعلقا بي ولا هبة مني. فينقطع كلام العبد.
    وهذا ينتج إن التضحيات مهما جلت ليست شيئاً معتداً به في مقابل عظمة الله تعالى، فضلا عن التضحيات البسيطة والاحتمالات الضعيفة مما قد يشعر به الفرد في حياته الاعتيادية من التضحية لله سبحانه وتعالى.
    ولذا قال الشاعر :
    أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الآتية
    مهما كانت التضحية عظيمة بالنفس والنفيس كشهادة الشهيد الأول والشهيد الثاني ، وهدم قبور المعصومين في البقيع وغير ذلك. فإنها لا تقاس بعظمة الحسين فضلا عن عظمة الله سبحانه. بل حتى عمل الإمام المهدي بعد ظهوره سوف لن يكتسب الأهمية ذاتها. وقد قال بعض أهل المعرفة: (إن أصحاب الحسين أفضل من أهل بدر وأصحاب المهدي، لان هؤلاء اقبلوا على الموت عالمين به يقينا. وغيرهم ليس كذلك، بل كان احتمال النجاة موجودا).
    فهذه فكرة كافية نسبيا عن الحكم العقائدي وهو الأول مما يمكن أن نستنتجه من واقعة الطف.



    في احتمال ارتفاع حكم التقية

    وأما الحكم الفقهي، فانه قد يقال: بأننا نستطيع أن نستنتج من حركة الحسين بصفته إماما مفترض الطاعة حكما عاما، وهو ارتفاع حكم التقية وجواز القيام بمثل ذلك لكل احد ممن يتيسر له ذلك. باعتبار إن عمل الحسين من السُنّة القطعية، وهي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، فيكون حجة على كل المسلمين، بل على البشر أجمعين.
    وإذا خطونا خطوة أخرى في اتجاه هذه الفكرة فقد نقول: إن المسالة غير خاصة بالحسين بل شاملة لكل المعصومين ، ونحن نعلم بطريقة موتهم، وإنهم ذهبوا إليها باختيارهم ومشوا إليها بأرجلهم وإرادتهم.
    فإذا طبقنا تلك القاعدة التي قلناها فعملهم أيضاً سُنة، وسُنة المعصوم حجة. إذن، يمكن لأي واحد منا ومن غيرنا أن يقبل على مثل ما أقبلوا عليه. فإذا دفع لي شخص سما على أن اشربه، يجوز لي ذلك، كما فعل الإمام الرضا أو غيره من المعصومين ، فهل يفتي احد بمثل هذه الفتوى؟.
    وجواب ذلك على عدة مستويات:
    المستوى الأول: إننا إنما نستطيع أن نعتبر العمل حجة عامة للجميع، وتكليف يمكن الالتزام به من قبل الجميع فيما إذا استطعنا أن نجرده عن الخصوصية الشخصية. أو قل أن نفهم إن الإمام إنما فعله أو قاله بصفته واحدا من المسلمين، أو لتعليم سائر المسلمين بالقيام به. فعندئذ يكون وظيفة عامة لهم جميعا. وأما مع الاختصاص به، أو قل احتمال الاختصاص به فليس الأمر كذلك. والاحتمال دافع للاستدلال، فلا نستطيع أن نستنتج عموم التكليف. فيبقى عمل غيرهم طبقا للقواعد العامة الأخرى، لأننا نحتمل إن بعض ما قاموا به من هذه الأمور إنما هو تكليف خاص بهم، أما لأنه يخص الإمام شخصيا أو يخص طبقة المعصومين بالذات، وليس منا من هو معصوم بالذات.
    المستوى الثاني: إننا لو تنزلنا عن المستوى الأول، فيمكن القول أيضاً بعدم إمكان التجريد عن الخصوصية وتعميم الحكم. باعتبار إن لأعمالهم مصالح معينة هم يعرفونها. فإذا تحقق ذلك الموضوع في أي مكان أو زمان أمكن الإقتداء بأعمالهم جوازا أو وجوبا. ولكن إحراز تحقق الموضوع أو المصلحة أمر مشكل، لأنهم مطلعون على واقعيات كثيرة نحن نجهلها بالتأكيد، وخاصة بعد الالتفات إلى احتمال إنهم يدركون من تفاصيل الموضوع ما لا ندركه. فيكون هذا الأمر ساقطاً عن ذممنا وموردا للقواعد العامة الشرعية والأصول العملية.
    المستوى الثالث: إننا نعرف اختلاف ردود الفعل من قبل الأئمة تجاه المظالم التي كانت تحصل في زمنهم، فالنبي  وأمير المؤمنين والحسين كانوا محاربين، وباقي المعصومين كانوا مسالمين، أو قل كانوا عاملين بالتقية والهدنة، ومنتظرين أمر الله سبحانه بالفرج.
    فمع وجود هذا الاختلاف في ردود الفعل تجاه المظالم، والمفروض إن كليهما حُجّة وسُنّة، فأي منهما نتبع ومنهج من نطبق؟. ولا يمكن تطبيق كلا المنهجين، لأننا سنقع عندئذ في تهافت، واجتماع الضدين مستحيل.
    إذن، فمثل هذه السُنّة ستتعارض من حيث دلالتها على العموم وتتساقط. وعندئذ تنتفي دلالتها على العموم، أي شمول التكليف للآخرين، ويبقى مورد التكليف مشمولا للقواعد العامة والأصول العملية.
    المستوى الرابع: إن مقتضى إطلاقات أدلة التقية هو وجوبها على كل حال مادام موضوعها باقيا، وهو قوة الظلم والظالمين في العالم.
    إما بعنوان جواز الفرار من الزحف إذا كان المعسكر المعادي أكثر من الضعف من جيش المسلمين. وإما بعنوان عدم احتمال التأثير احتمالا معتدا به، وإنما فقط نخسر شيئاً من النفوس والأموال بدون مقابل.
    مع الالتفات إلى إن المسلك العام للمعصومين كان على التقية بلا شك، سوى بعض الحوادث المستثناة. حتى إن أمير المؤمنين جلس في داره عشرين سنة تقريبا حتى قيل: (فأجريتهما على ما اجريا) .
    كما إن الحسين كان في تقية قبل واقعة الطف، ومن دلائل ذلك عدة أمور:
    الأول: إن والي المدينة (الوليد بن عتبة) حينما طلب منه البيعة ليزيد لم يرفض بصراحة، وإنما أجاب بقوله: (إنما نصبح وتصبحون) .
    الثاني: انتظاره إلى أن وصل إليه من الكوفيين اثنا عشر ألف كتاب ، وكان يمكنه الاكتفاء بأقل من هذا العدد، فان عشرة أو عشرين كاف في ذلك. ونحن نعلم إن خبر الثقة الواحد كاف في الشبهات الموضوعية، وهذا منها.
    الثالث: إرساله لمسلم بن عقيل للفحص في الكوفة، وعدم مبادرته للذهاب إليها بنفسه. مع علمه إنها كانت في ذلك الحين مخلصة له، ومتجهة إليه، وذلك قبل إن يصرفها عبيد الله بن زياد عن همتها، ويغير اتجاهها.
    الرابع: خطبته الأولى في الطف أمام معسكر الأعداء، وهو يعلم إنهم قاتلوه على كل حال، وذلك لأمرين: أحدهما مرتبط بهم، والآخر مرتبط به.
    أما الأمر المرتبط بهم، فهو حصول احد أمرين: إما هدايتهم إذا تابوا، أو إقامة الحجة عليهم إذا أصروا.
    وأما الأمر المربوط به، فهو ما اسميه بالتقية، أو درجة منها. يعني التجنب عن التورط في الدماء مهما أمكن.
    ولكنه حينما رأى منهم الإعراض عن الحق، والإصرار على الباطل، خطبهم خطبته الثانية. وهي تختلف اختلافا جذريا عن الأولى. فكان في الخطبة الأولى يبدو هادئا، ولكنه كان يبدو ثائرا في خطبته الثانية، وتعتبر بمنزلة إعلان الحرب أمامهم، لأنه يصفهم بها بكل عظيمة.
    يقول فيها:  ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبى، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها، فسحقا لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب ومحرفيه، وعصبة الإثم، ونفثة الشيطان، ومطعني السنن. ويحكم، أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون. اجل والله غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمرة، شجى للناظر، واكلة للغاصب. إلا وان الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة وهيهات من الذلة. يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .
    فهي خطبة حارة وثائرة، وتعتبر بمنزلة إقامة إعلان الحرب. فانه هنا قد بدل تكليفه من التقية إلى عدم التقية. فهو إلى تلك اللحظة كان في درجة من درجات التقية.



    علاقة الإمام المهدي بعد ظهوره بالحسين 

    وأما علاقة الإمام المهدي بعد ظهوره بالحسين ، وهما من الأئمة الأثني عشر المعصومين بالذات والمفترضي الطاعة، ومن أصحاب الولاية العامة التكوينية والتشريعية على الكون عامة وعلى البشر خاصة. ومنه ما ورد عن الإمام المهدي نفسه من إن نفعه حال غيبته كالشمس إذا حجبها السحاب . فهو يمثل نفسه بالشمس، ويمثل الغيبة بالسحاب. وهو سحاب متحرك سرعان ما يزول وتطلع الشمس ويعرفها الناس أجمعون.
    ويمثل نفعه وتأثيره في أداء مسؤوليته بتأثير الشمس في الأرض، ولولاها لما وجد نهار وليس هذا فقط، بل لما عاش إنسان ولا حيوان ولا نبات على وجه الأرض. فهي (مُعِد) في اصطلاح الفلسفة لابتداء وجود هذه الأمور ولاستمرارها. وكذلك هو (مُعِد) لأصل وجود ذواتهم بالولاية التكوينية، ولتدبير أمورهم بالولاية التشريعية. وكلاهما لديه كما هي لدى آبائه عليهم السلام.
    وقد ورد انه يطأ فُرُشَهم، ويحضر مواسمهم ، حتى ما إذا ظهر قال البعض: أني قد رايته قبلا. يعني رايته ولم اعرف انه المهدي ، ولو كان قد عرفه انه المهدي لما قال هذا الكلام.
    وظاهر بعض الروايات انه يزور قبور المعصومين ويحج في كل سنة بطي الأرض، ويحضر في مسجد السهلة والكوفة والقدس. كما انه يحضر المواسم، يعني المناسبات العامة لمواليد الأئمة ووفياتهم، وبعض المجالس التي تقام بذكر آبائه بما فيهم مجالس الحسين  ويستشهد لذلك برواية وردت عن الإمام الصادق يقول فيها ما مضمونه: إن هناك مجلس حضره جماعة من الشيعة. فخرج رجل منهم وقابل الإمام فروى له الأمر. فقال الإمام : (بلى، فقد كنت حاضرا). فقال الرجل: لم أرك يا سيدي. فقال الإمام : (انك حينما خرجت عثرت بثوب ابيض). فقال الرجل: نعم. فقال الإمام : (هذا الثوب ثوبي).
    وهذه الرواية وان كانت ليست عن المهدي ، لكنها إذا أمكنت للصادق أمكنت للمهدي للمماثلة، أو بطريق أولى.
    إذن، فحضوره بشكل غير دنيوي لو صح التعبير، وإنما هو مستوى من مستويات التجرد.
    إلا إن الذي ينبغي أن نلتفت إليه هو إن الارتكاز المتشرعي يقضي انه يحضر كل المجالس التي تقام للمناسبات الدينية.
    وأما أنا فأقول: (انه يحضر المجالس المخلصة فقط دون سواها). فما كان فيها من الشرك الخفي تركه لا محالة، كحب الدنيا والسمعة والمال ونحو ذلك من الأمور.
    كما انه لا ينقذ كل متورط، بل خصوص من يخلص في دعائه وندائه. وأما الذي لا يخلص أو الذي لا يدعو فلا إنقاذ له. ومن هنا نجد الروايات في إنقاذ المتورطين قليلة نسبيا، إلا إنها موجودة بالعشرات .
    وهذا الأمر لا زال وسيبقى موجودا، ولكن بشرطين:
    احدها: الإخلاص.
    ثانيهما: الطلب.
    فإذا لم يكن الإخلاص موجودا لا يأتي لإنقاذه. وإذا لم يحصل الطلب فلا إنقاذ. ولا يحصل الطلب لأحد سببين:
    الأول: التدني الشديد، بحيث لا يعتقد إن الإمام ينقذه، ونحو ذلك.
    الثاني: الارتفاع الكامل، وانه يقبل بكل ما قضى الله تعالى وقدر.
    والحضور المتصور له في المناسبات وغيرها يمكن أن يكون على ثلاثة أشكال غير متكاذبة، أي في الإمكان تحققها جميعا خلال الزمان، كل واحد حسب استحقاقه.
    الشكل الأول: الحضور الروحي فقط. ومحصله هو الحب القلبي والميل النفسي لما يقع. وبطبيعة الحال فهم يميلون إلى طاعة الله تعالى، وكل من يقوم بها. إذن، فهم يكونون معه بشكل وبآخر.
    وأنا سمعت عدة مرات من عدد من الخطباء يقسم إن الزهراء حاضرة في هذا المجلس، ويشير إلى المجلس الذي يتحدث فيه. أو يقول: أنا اعتقد إنها حاضرة. وأما أنا فاعتقد انه يتزلف بذلك إلى صاحب المجلس، وإلا فالمعصومون لا يحضرون إلا مع الإخلاص الكامل لدى صاحب المجلس.
    والمهم الآن أن نلتفت إلى إن الزهراء إنما تحضر بالحضور الروحي لا بالحضور الجسدي. ولذا يتصورها المتشرعة تنزل من علياءها من فوق، لا إنها تدخل من الباب كما يدخل الآخرون.
    فهنا قد يكون حضور المهدي روحيا كحضور الزهراء .
    وأما الشكليين التاليين فيحتاجان إلى مقدمة وحاصلهما. إننا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى إن الغيبة يمكن أن تكون على نوعين غير متنافيين، يعني يمكن الجمع بينهما، هما خفاء الشخص وخفاء العنوان. ونريد بخفاء الشخص انه يكون حاضرا غير مرئي، ونريد بخفاء العنوان أن يكون حاضراً مرئيا، ولكنه بصفة أخرى مثل الحاج سعيد الخياط مثلا، ولا نعلم انه المهدي .
    فالشكل الثاني: أن يكون حضوره بنحو أطروحة خفاء الشخص. يعني يدخل المجلس وهو غير مرئي. وهو غير الحضور الروحي الذي تحدثنا عنه.
    الشكل الثالث: أن يكون حضوره بنحو أطروحة خفاء العنوان. فأنت تقول: جاءني الحاج سعيد الخياط، الذي لا تعلم انه المهدي .
    وكذلك بإحدى هاتين الأطروحتين أو الأسلوبين يمكن أن يحضر سائر المناسبات، وزيارات قبور آبائه، والحج. وبهذا أيضاً يمكنه أن يقوم بسائر أعماله المتعلقة بمسؤوليته.
    وقد قلنا في المصدر المذكور: إن الأغلب من وضع الإمام حسب ما نفهمه هو أطروحة خفاء العنوان، يعني أن يعيش في المجتمع غير معروف الهوية والواقع، ما لم تقتض مصلحة غيبته أو ظهوره حصول خفاء الشخص، فيختفي لدفع ضرر عنه، ونحو ذلك. وذلك لأجل نظرية عامة قلناها هناك. وقد كتبت موسوعة الإمام المهدي طبقا لها. تقول: إن المعجزة لا تحصل إلا عندما تقتضي مصلحة الهداية ذلك بإذن الله سبحانه.
    فإذا لم تقتض المصلحة ذلك فلا حاجة إلى المعجزة. وهذا يترتب عليه نتائج كثيرة جدا. فالنبي  حارب بدون معجزة في انتصاره. وكذلك أمير المؤمنين وكذلك الحسين  وكذلك المهدي بعد ظهوره.
    ومنه أيضاً إن أطروحة خفاء الشخص لا تحدث إلا بالمعجزة، فإذا لم تكن هناك مصلحة للمعجزة لم تحدث تلك الأطروحة، وأمكن القول بان الإمام المهدي يعيش في المجتمع كفرد عادي. كل ما في الأمر انه مجهول العنوان.
    إلا إنني بعد ذلك حاولت إعادة النظر في هذه القاعدة العامة. لأنني إنما كنت اعتقد بها لأنني سمعتها من أسلافي، لا لقيام الـدليل عليها حقيقة. وهي لها منحى مادي إلى حد ما. وذلك لان فيه احتراما لما يسمى بالقانون المادي أو الطبيعي. وقد ذكرت في اليوم الموعود، إن القوانين الطبيعية ليست بصحيحة، فليس لها وجود خارجي . ومن العجيب إن الماديين يؤمنون بها على الرغم من إنهم يقولون: ما ليس بمحسوس ليس بموجود. فالقانون كقانون ليس بمحسوس بطبيعة الحال. فهم يعتقدون إن الإحساس بالمعلول إحساس بالعلة، ومع ذلك فإنهم يعتبون علينا حينما نؤمن بوجود الله تعالى بإحساسنا بمعلولاته.
    ففكرة القانون كلية، والخارج هو عالم الجزئيات. لان الذهن حينما يرى أفرادا كأفراد الإنسان، فانه يحمل عنها فكرة مشتركة ويسميها الإنسان.
    فالذهن ينتزع معنى عاما نسميه بقانون الجاذبية أو غيره، والصورة الذهنية يستحيل أن تؤثر في الخارج.
    الخطوة الأخرى بهذا الصدد: إننا تعبدنا بما علمنا به أئمتنا وهو إن الكون الخارجي محرك بأسباب خارجية، وعلل موجودة، هي بالدرجة الأولى الملائكة. وهم (قوانين القوانين) حسب ما عبر عنه السيد أبو جعفر (قدس) . وفي المرتبة التي فوقهم أرواح المعصومين وأنوارهم، فهم أبواب الله وأمناؤه.
    فالفكرة التي تقول: (إن المعجزة لا توجد إلا لضرورة) قد انتفت، فانه لا دليل عليها.
    فإذا كان المطلب كذلك، إذن لا يختلف ما يقع في الخارج بين أن يكون بإدراكنا طبيعيا أو معجزة في كونه بإرادة الله تعالى وتأثير العلل العليا. وقد كنت أقول لبعض طلابي إن كل شيء يحدث بمعجزة، إلا إننا اعتدنا على بعض الأشياء فحسبناها قوانين طبيعية، ولم نعتد على البعض الآخر فحسبناها خرقا للقوانين.
    نعم، الهداية من موارد إمكان المعجزة، ولعلها الطف مكان لها. ولذا يقوم الأنبياء والأوصياء بمعاجزهم لإثبات صدق مناصبهم، هداية للناس. إلا إن بين الهداية والمعجزة عموما من وجه. فقد يكون مورد الهداية بدون معجزة، وقد تحدث المعجزة لأمر آخر غير الهداية.
    إن قلت: فان اختفاء الإمام بعد لقاءه إنما هو معجزة للحماية لا للهداية.
    قلنا: بل للحماية والهداية معا. لان هذه الحماية لأجل بقائه إلى حين الظهور وحصول هداية الناس للحق. مضافا إلى هداية الشخص الذي يراه بنفسه. مضافا إلى كونها امتحانا للموالين، وقد ورد:  إن أولياءه لا يرتابون، ولو علم إنهم يرتابون، ما غيب حجته عنهم طرفة عين..
    فإن قلت: إذن لماذا لم يستعمل النبي  وأمير المؤمنين والحسين والمهدي المعجزة في قتال أعدائهم؟.
    قلنا: ذلك له نظام آخر داخل في نسق التدبير العادل الكامل الذي يدبر الله تعالى به خلقه وكونه، وكثير من فقراته مجهولة لدينا، أو هي من الأسرار التي لا يعرفها إلا خاصة الخلق والراسخون في العلم.
    والشيء المعروف لدى خاصة المتشرعة ما قاله في القرآن الكريم لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ  . لأجل ذلك لم يكثر وجود المعجزة، لكي يكون الإيمان ممحصا، ليصبح مخلصا. وإلا فالإيمان السهل الساذج لا يكون ممحصا فلا يكون مخلصا، فينسد باب التكامل الأعلى.
    ومن زاوية أخرى قريبة يمكن أن نقول: إن الأشياء تعرف بأضدادها. فإذا عاش الفرد الإيمان والعدل ورآه طبيعيا بدويا لم يعرف نعمة الله عليه. وإنما المهم أن يقارن حسيا بين العدل والظلم، والصلاح والفساد، ليستطيع أن يقول بإخلاص:  الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .
    إذن فمن الصحيح إن الأصل هو قلة المعجزة، وان الله تعالى يريد أن يري الناس الأشياء سائرة على الطريق الطبيعي الاعتيادي. فمثلا إذا أراد الله تعالى استجابة الدعاء أحدث له سببا لا انه يستجيب بالمعجزة. وبحسب تعبير السيد أبي جعفر (قدس): إنها تتميع في الطريق. وبحسب فهمي: انه يقصد إن الله تعالى يلبسها ثوب القانون الطبيعي وليس شيئاً خارقا للعادة.
    فإن قلت: انه يظهر من الكتاب والسنة إن المعجزات كانت تحصل فيما قبل الإسلام أكثر مما تحصل فيما بعد الإسلام. حتى في زمن الأئمة فإنهم قللوا المعجزات إلا بمقدار أقصى الضرورات. مع العلم إن المناسب هو العكس، لأننا نعرف ارتفاع شان قادة الإسلام عن القادة السابقين.
    وجوابه من عدة وجوه:
    أولاً: انه لا دليل على ذلك. كل ما في الأمر إن المعجزات منقولة عن العصور السابقة على الإسلام. وأما إذا لاحظنا نسبتها إلى الزمان والمكان الذي وقعت خلاله، وهو مكان واسع جدا، وزمان طويل جدا، لما وجدنا لها نسبة عالية أطلاقاً.
    ثانيا: إننا ندعي، لا اقل بنحو الأطروحة، إن هذا الذي قلناه بالجواب الأول ليس بصحيح، وكانت المعجزات كثيرة قبل الإسلام. لكننا نقول: إن المعجزات بعد الإسلام أيضاً كثيرة جدا بالمقدار المناسب لها، لكن الغافلين والسادرين بأمور الدنيا يّدعون إنها قليلة. نعم، المعاجز المعلنة في عصر الإسلام قليلة، إلا إن اصل وجود المعجزة بغض النظر عن إعلانها متوفرة.
    ثالثا: إن امة الإسلام هي الأمة المرحومة، يعني إن العقوبات الدنيوية المعجلة وان كانت تستحقها، إلا إنها لا تأتي. لان رسول الله  هو نبي الرحمة. فمن حين بعثته إلى يوم القيامة انقطع هذا الزخم من العقوبات الذي كان موجودا قبل ذلك، وبذلك انقطع عدد كبير من المعجزات. لان كثيرا من العقوبات السابقة إنما كانت تأتي على نحو المعجزة، فبانقطاعها انقطعت كثير من المعجزات.
    رابعا: إن هناك تعمداً في الحكمة الإلهية لتقليل المعجزة بعد الإسلام، لكي ينال كل شخص استحقاقه. فإذا كانت له قابلية الفسق أو الكفر أو نحو ذلك فلتأخذ طريقها تماما. فلعله إذا رأى معجزات كثيرة أن يتوب أو يؤمن، إلا إن المصلحة لا تقتضي ذلك. بل ينبغي أن يؤخذ الإيمان من أي فرد صعبا وببطء وليس سهلا. كما قال تعالى:  إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ، يعني ولكننا لا نفعل ذلك.
    فإن قلت: فان هذا بنفسه ينطبق على ما قبل الإسلام، أو قل ينطبق على البشر أجمعين. فلماذا كانت المعجزات قبل الإسلام أكثر؟. لو قبلنا ذلك وتنزلنا عن الوجوه السابقة.
    جوابه: انه يمكن القول: إن مستوى البشرية كان مختلفا جدا من حيث إن (الطبع العام) لو صح التعبير كان متدنيا. يندرج في ذلك تدني ذكائهم وثقافتهم وضعف نفوسهم ومستوياتهم الروحية والمعنوية. مضافا إلى تدني دعوة أنبيائهم عن دعوة الإسلام. وتكون النتيجة إنهم بمنزلة السفهاء لو حصل قياسهم إلى البشرية بعد الإسلام، فإنهم أكثر وعيا وعقلا وثقافة وصبرا، سواء كانوا مسلمين أم لم يكونوا.
    وهذا من أهم الأسباب التي ندركها لنسخ الشرائع السابقة، لأنها لا تصلح لتربية الأجيال الواعية المتأخرة. وخاصة بعد أن أدت تلك التعاليم وظيفتها في تربية البشرية وانتهت. وأما من بقي على تلك الأديان فهو جاهل من هذه الناحية، لأنه يتخذ الدين البسيط طريقا للتربية المعمقة وهو مستحيل، لان فاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون.
    وعندئذ يمكننا أن ندرك إن التبليغ للسفيه وأضرابه ينبغي أن يكون أوضح واشد تركيزا من التبليغ لغيره. ولذا اقتضى ذلك زيادة المعجزات.
    خذ إليك مثلا: إن إعلام الطفل أو الأطفال يحتاج إلى كلام أطول وأوضح، والى وسائل إيضاح ورسومات ونحو ذلك. في حين يكون الكبير مستغنيا عنها بوضوح.
    فمن الممكن القول إن عصور ما قبل الإسلام تمثل دور طفولة البشرية، في حين يمثل الإسلام زمان رشد البشرية ونضجها. ومن هنا احتاج العصر السابق إلى معجزات.
    فإن قلت: فهل يمكن أن تدخل البشرية رشدها ونضجها في زمن قصير نسبيا، وهو زمن البعثة؟.
    قلنا: كلا، لم يحصل ذلك. بل التكامل تدريجي وبطيء، حصل على أيدي الأنبياء السابقين جميعا، مضافاً إلى البلايا الدنيوية التي مرت بها البشرية وشاركت في التربية.
    غير إن الله تعالى يعلم إنها قد بلغت النضج الكامل عند بعثة الرسول . ومن نتائج ذلك في محل حديثنا: إنها كانت قريبة من النضج منذ زمن بعثة عيسى إلى زمان الإسلام. ومن هنا يمكن القول بقلة حصول المعجزات خلال هذه الفترة أيضاً.
    فهذا هو موجز عن علاقة الإمام المهدي بالحسين في عصر الغيبة، مع ما انجّر إليه الكلام من متعلقات وتفاصيل.
    * * *
    وأما علاقته بالحسين بعد ظهوره: فاهم ما يواجهنا من ذلك: انه موجود في الروايات إن من أهم شعاراته: (يا لثارات الحسين) فانه يظهر ويثار للحسين 
    فان هذا الجانب، وهو جانب الثأر للحسين له منشئان:
    أولا: منشأ ثبوتي: أي واقعي.
    ثانيا: منشأ إثباتي: أي إعلامي.
    أما المنشأ الثبوتي الواقعي، فان الدعوة المهدوية في حقيقتها عين دعوة الحسين ، وهدف المهدي في حركته هو نفس هدف الحسين  وهو إقامة الطاعة الكاملة لله عزوجل على وجه الأرض.
    فإن قلت: إن هدف المهدي يختلف عن هدف الحسين ، لان هدف المهدي هو إصلاح كل العالم، فانه ) يملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (.
    وأما هدف الحسين فانه يستفاد من كلامه : )ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا ظالما ولا مفسدا، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله (. فانه يحمل هم المجتمع الإسلامي وليس وجه الأرض كله.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إننا حينما قلنا: إن هدف المهدي وهدف الحسين واحد، كان النظر إلى الهدف المشترك بينهما، وهو إيجاد طاعة الله تعالى وإصلاح الناس بمقدار ما هو ممكن. فكل واحد منهما يبذل إمكانه في سبيل هذه النتيجة. وبهذا يفترق كل واحد منهما عن الآخر، فبحسب إمكانيات الحسين فانه يصلح المجتمع المسلم، وبحسب إمكانيات المهدي فانه يصلح العالم كله. وهذا لا ينفي أنهما مشتركان في الهدف، فكلاهما يريد أن يطبق طاعة الله تعالى.
    ثانيا: إن غرض الحسين وتصريحه إنما هو بمقدار (ثبوتي) وهو ما هو ممكن في ذلك الحين. وليس من المعقول أن يعرض هدفا خارج إمكانه، فالله تعالى لا يريده منه، والناس أيضاً لا يتوقعونه. وبمقدار (إثباتي) انه بمقدار ما يعقله الناس، وأما ما زاد على ذلك فهو غير مناسب مع عقولهم في ذلك الحين، لأنهم لم يكونوا يعرفون كل العالم عندئذ فضلا عن أن يتوقعوا هدايته.
    مضافا إلى إن الحسين لو كان قد انتصر انتصارا دنيويا، ووفق لسعة حركته وقوته وسيطرته على المجتمع، لتوسع إلى هداية كل الناس بالتأكيد.
    ثالثا: إننا نستطيع أن نفهم من الأمة: الأمة المدعوة، لا الأمة الداعية. فان الله تعالى أرسل رسوله  للبشر أجمعين. إذن فأمة محمد  هم كل البشر.
    فالأمة الداعية هم المسلمون. والأمة المدعوة هم باقي البشر، فهم امة محمد  وان أنكروا. إذن فالإصلاح الذي طلبه الحسين إنما هو في امة جده  الداعية منها والمدعوة أيضاً.
    وأما المنشأ الإثباتي الإعلامي، فهو الاستفادة الإعلامية لكسب الرأي العام إلى صالحه، من حيث إن الحسين هو أوضح أشكال الحق المهتضم والمظلوم. ولا يوجد في البشرية من ينتقده إلا النادر جدا، ولا يوجد من لا يأسف على مقتله إلا القليل القليل. ومن ثم فسوف تكون نصرة الحسين من أعظم الشعارات الإسلامية التي توجب له النصر والتقدم.
    ونحن نعلم أن أي حركة إذا أريد لها النجاح، أو قل إذا أرادت قناعة الناس بها، فإنها تحتاج إلى شعار مسلم الصحة جمهوريا أو شعبيا أو عند الأعم الأغلب من الناس.
    ومن أمثلة ذلك: إن أي اتجاه معاصر في البلاد الإسلامية سواء كان محقا أم مبطلا، ينبغي أن يعلن مناوئته لإسرائيل لكي يقبله الناس، ويكسب الرأي العام إلى جنبه. ولكن ماذا لو لم تكن إسرائيل موجودة؟. ماذا كان يقول الناس، وكيف تتكلم وسائل الإعلام؟. الله اعلم.
    وعلى أي حال فنصرة الحسين حق، وعداء اليهود حق، ومن المحتمل أيضاً، بل من المؤكد اتخاذ المهدي شعار عداء اليهود، بل مبادرته لقتالهم والقضاء عليهم. وهذا ما ورد في كتب الفريقين. وفي بعض الروايات انه يتتبعهم تحت كل حجر ومدر، حتى يقول الحجر: هذا تحتي يهودي فاقتله.
    * * *
    تبقى بعض الأسئلة حول نصرة الحسين  أو قل أخذ المهدي بثاراته.
    أولاً: أن يقال: كيف يحصل ذلك مع إن قتلة الحسين قد ماتوا قبل سنين طويلة، ولا وجود لهم على وجه الأرض لكي ينتقم منهم. مضافا إلى إن التوابين والمختار الثقفي قد بادروا إلى الانتقام منهم في ذلك الحين. فهل من العدل أن يحصل القصاص مرتين؟.
    جوابه من عدة وجوه:
    الأول: من زاوية الافتراض الأقرب إلى ارتكاز المتشرعة انه لا ينتقم من أشخاص المعسكر المعادي للحسين ، وإنما من بعض الناس الذين يعيشون في زمان المهدي  حينئذ نقول: بان هناك اتجاها فكريا لإعطاء وحدة لمجموعة من الناس بالرغم من عدم اجتماعهم بالزمان ولا بالمكان. وهذا الاتجاه موجود في القرآن الكريم، فمثلا في سورة البقرة حينما يقول:  يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ .. فانه يعتبر المجموع مجموعا واحدا. فيقول:  وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى .. ، في حين انه انزله على أجيالهم السابقة. ويقول: ] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا .. وإنما قتلها السابقون. ويقول: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ويقول:  وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ ... وغير ذلك، وإنما حصل كل ذلك في أجيال سابقة.
    وليس ذلك جزافا، لان القوم أنفسهم يشعرون بالوحدة فيما بينهم، فكان ما حصل في أي جيل قد حصل في كل جيل. وكأن المتأخرين كانوا حاضرين مع المتقدمين، وكلهم بنو إسرائيل كوحدة متكاملة. وكذلك كل قوم تجمعهم وحدة معينة مستمرة في أجيال عديدة مثل العشيرة أو الدين أو المذهب وغير ذلك.
    إذن، فقتلة الحسين بلحاظ هذه الوحدة موجودون، أما بعنوان العشيرة أي بنو أمية، أو بعنوان المذهب، أو بأي عنوان آخر.
    الثاني: الاتجاه القائل: (الراضي بفعل قوم أو شخص كفاعله) . ويراد بذلك الرضا بالسيئات، فمن رضي بالسيئة فهو كفاعلها، يعني مثله من جميع الجهات. وليس الراضي بالحسنة كفاعلها، وإنما يحصل على ثواب الرضا فقط. فقد يكون جالسا في بيته ويرضى عن ألف شخص يصلون صلاة الليل، فهل يكون له ثواب ألف صلاة؟. طبعا لا.
    فإذا كان الأمر كذلك فان كل من رضي بفعل قتلة الحسين فهو كمن قتل الحسين ، ويستحق القصاص برضاه بمقتل الحسين .
    الثالث: انه يوجد في كل جيل طبقة من الناس المتطرفين في الظلم، بحيث لو كان الحسين موجودا لقتلوه. وهم على استعداد فعلا أن يفعلوا شيئاً كواقعة الطف، يعني إن مستواهم النفسي والعقلي والاجتماعي والديني مناسب لذلك. إذن فالقصاص يأتي على هذه الجريمة، وهي الحفاظ على هذا المستوى المتدني وعدم التوبة منه.
    الرابع: إن كل ما مر من الأجوبة السابقة على اعتبار إن المهدي يقتل عددا من الناس بعنوان إنهم قتلة الحسين  وهذا لم يثبت وإنما المراد بتلك الشعارات مجرد الإشارة إلى اتحاد الطريق والهدف بينه وبين الحسين .
    الخامس: انه من المحتمل كأطروحة، انه يخرج قتلة الحسين من قبورهم ويحييهم ويقتلهم من جديد. وحينئذ يصدق شعاره فعلا. ومن المحتمل أيضاً ـ كما يحتمل ورود ذلك في بعض الروايات ـ إن الحسين إذا رجع يعطى هذه الصلاحية، فيستخرج قتلته ويقتلهم بنفسه . وان كانت هذه الرواية على تقدير وجودها ضعيفة، وقابلة للمناقشة دلالة. لان المنساق منها هو التشفي والانتقام، ونحن نجل المعصومين عن مثل هذا المستوى. إلا أن يراد به مصالح ثانوية مناسبة مع هداية أهل ذلك العصر الذي تحدث فيه هذه المعجزة وما بعده.
    السادس: انه وردت رواية معتبرة السند من روايات الرجعة، انه يرجع من محض الإيمان محضاً، ومن محض الكفر محضاً.
    والمفهوم متشرعيا إن الرجعة تكون في عصر ظهور المهدي ووجوده. فان حدثت بعده فلا كلام لنا الآن. ولكن إن صح هذا الفهم المتشرعي، فمعناه انه يعود أهل الإيمان العالي في عصره من اجل المشاركة والمعاونة في إحياء الحق وإماتة الباطل، وإقامة دولة الحق، ومباشرة تطبيق الإسلام على وجه الأرض كله.
    وفهم المتشرعة على إن الذي يرجع هم أهل الحق بعد الإسلام لا قبله، ومقتضى القاعدة ذلك، للنضج والرشد الذي يتصفون به مما لا يتصف به السابقون ولكن إطلاق الرواية يقتضي العموم والشمول. فلا يبعد أن يرجع أي شخص إذا كان في المصلحة والاستفادة أن يرجع إلى الدنيا.
    وعلى أي حال فقد وردت رواية كمصداق لهذه القاعدة، تقول بما مضمونه: انه يرجع سلمان وحذيفة وعمار وأبو ذر وأضرابهم، يعني ممن محض الإيمان محضاً .
    كما إن المفهوم متشرعيا أمران:
    الأول: انه يعود من محض الكفر محضاً ممن هم بعد الإسلام لا قبله.
    الثاني: إنهم يعودون ليس لأجل مباشرة الحياة الاعتيادية فعلا من ممارسة الحكم وغيرها، وإنما لأجل التنكيل بهم والانتقام منهم.
    وكلا الأمرين مناسبان مع الطبع، ولا حاجة إلى مناقشتهما. ويكفي أن نلتفت إلى إن المهدي في غنى عن إن يجمع حوله ألوفا من الكفار والمنحرفين الموجودين في طول البشرية. وإنما يخرج جماعة كنماذج مهمة، ويمارس قتلهم لأجل وجود الحكمة والمصلحة.
    وعلى أي حال فمن هذه القاعدة يمكن أن نفهم إمكان أن يرجع بعض شهداء كربلاء، باعتبارهم ممن محضوا الإيمان محضاً، ليمارسوا طاعة الله تعالى والإعانة عليها، وليخدموا المهدي كما خدموا الحسين .
    وفي المقابل يمكن أن نفهم انه يرجع إلى الدنيا بعض أعداء الحسين في واقعة الطف، يعني من المتحمسين والمتطرفين ضده، ولم يكونوا كلهم كذلك كما قلنا في (الأضواء). إذن، فقد توصلنا مرة أخرى لكونهم يعودون إلى الدنيا، ليمارس المؤمنون قتلهم والتنكيل بهم، من حيث إنه ليس لهم قوة الدفاع ولا حمل السلاح. وربما يمارس ذلك هؤلاء المؤمنين من أهل الطف أنفسهم.
    فإن قلت: فانه يلزم من ذلك أخذ القصاص أكثر من مرة من أي شخص منهم، وهو خلاف العدل الإلهي. وقد حصل من قبل المختار الثقفي ولا يمكن أن يتكرر.
    قلنا: هذا فيه عدة أجوبة:
    منها: إن القصاص يجب أن يكون من ولي الدم، أو من يأذن له ولي الدم. وولي دم الحسين بالأصل هو رسول الله ، وبالمرتبة الثانية المعصوم الذي يكون موجودا في عصره.
    ومن الواضح إن المختار كان متبرعا بعمله، ولم يأخذ إذنا بحسب الظاهر من ولي الدم الفعلي الذي هو الإمام السجاد  ومن هنا فان قصاصه ليس بحجة، وإنما كان مجرد انتقام الهي معجل لهؤلاء القوم المتطرفين الضالين.
    ومن هنا يتعين أن ينزل القصاص احد المعصومين ، وحيث لم ينزله احد من السابقين منهم، إذن فيتعين أن ينزله المهدي .
    ومنها: إن هناك أنواع من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة، تكون سببا لغفران الذنوب وستر العيوب. ومعنى ذلك إن الله تعالى برحمته الواسعة لا يريد أن يدخل الناس جهنم، ويتوصل بمختلف الأساليب لأجل هذه النتيجة. فبلاء الدنيا موجب لغفران الذنوب لدى البشر.
    ومن جملة البشر هم قتلة الحسين  فربما ـ كأطروحة ـ إننا نقول إن جملة منهم كما قربنا في (الأضواء) لم يكونوا معاندين بالشكل الذي يتصوره المتشرعة. فلربما إن جملة منهم من غير المعاندين يتسبب الله تعالى إلى تقليل ذنوبه. إذن فهي رحمة بهم ولو بدرجة ما، وذلك بشيء من بلاء الدنيا وشيء من بلاء الآخرة.


    حوادث الظهور

    الخطوة الأخرى، إن من جملة الأمور التي ينبغي أن تذكر بهذا الصدد التي لها ربط في علاقة المهدي بالحسين  انه ورد إن الله تعالى في ليلة واحدة يجمع ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من خاصة الخلق، يجمعون على غير ميعاد (أي بإذن الله تعالى وإرادته) في المسجد الحرام.
    وفي قصة أخرى: انه يقول لا صحابه الخاصة: إن أهل مكة خانوني وغدروني، فمن منكم يذهب ليلقي الحجة عليهم؟. فيقول محمد النفس الزكية: أنا. فيذهب ويخطب بين الركن والمقام، ويلقي الحجة عليهم. فيقومون ويثورون به فيقتلونه. فيصل الخبر إلى المهدي .
    فإذا قتلوه لا يبقى لهم في الأرض من عاذر ولا في السماء ناصر. ويشتد غضب الله تعالى لقتل هذا المؤمن في المسجد الحرام قرب الكعبة المشرفة. ويكون رد فعل الإمام أن يقول: إن أهل مكة غدروا بي، ولا يكون إلا أن اذهب إليهم واخطب بهم.
    فمن هذه النقطة يبدأ الظهور، وحسب الظاهر انه مساء عاشوراء بعد صلاة العشاء في سنة من السنين. وقد قربت في موسوعة الإمام المهدي إن أصحابه يذهبون بعنوان إنهم حجاج، ويبقون مقدارا من الزمن إلى أن يصبح محرم وتنتهي العشرة الأولى منه، فيظهر الإمام  ثم يخطب فإذا خطب ثاروا به يريدون أن يقتلوه. فيقوم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ممن جمعهم الله تعالى له، وهم المتربون خلال الغيبة الكبرى فيحمونه من القتل. فيبات وهو أخوف الناس ويصبح وهو آمن الناس، ينصره الله في ليلة. ثم يتوارد عليه بعد ذلك المؤمنون حتى يكون قوام جيشه مائة ألف. فيقول لهم: لا يحمل احد منكم ماءاً ولا طعاماً، فسنذهب إلى العراق.
    ومضمون خطبته هناك إن يقول: من حاجني بآدم فانا أولى بآدم، ومن حاجني بنوح فانا أولى بنوح، ومن حاجني بإبراهيم فانا أولى بإبراهيم، ومن حاجني بموسى فانا أولى بموسى، ومن حاجني بعيسى فانا أولى بعيسى، ومن حاجني بمحمد فأني أولى بمحمد، ومن حاجني بعلي فانا أولى بعلي. ثم يعدد الأئمة إلى أبيه  .
    فأما من كان خارج الأديان فلا كلام معه، فهو أحقر من أن نخاطبه أو من أن يخاطبه الإمام .
    وأما الأديان فمن هو تبع لإبراهيم فليس له أن يجيب انه أولى بإبراهيم. واليهود أيضاً تنقطع حجتهم فهو أولى بموسى ، والنصارى أيضاً تنقطع حجتهم فهو أولى بعيسى ، وكذلك المسلمون فهو أولى بمحمد  وأمير المؤمنين ، وهذا لا يستطيع أن يقوله احد إلا المؤيد بإرادة خاصة.
    والمهدي هو الولي الحقيقي الذي يجب التمسك به والانضواء تحت لوائه، وهو الوريث الحقيقي والكامل لما لديهم من علم ومواهب وكمال وأهداف.
    فهذه نتف من علاقة الإمام المهدي بالحسين .


    علاقة الحسين  بالرضا 

    ونتعرض من خلاله هذه العلاقة الآن إلى تأثير الحسين في الشعر عموما، بعد أن كانت الرواية الأشهر هي قصيدة دعبل التي ألقاها أمام الرضا 
    وللشعر الذي قالته الشيعة مكانة متميزة حتى نسب إلى الأديب المصري المعروف الدكتور طه حسين قوله: (لا زال الشعر رافضيا) . وبالتأكيد انه لولا ثورة الحسين لما كان كذلك.
    وفوق ذلك فإن أفضل الشعراء في اللغة العربية، هم الشعراء الإماميون الإثنا عشريون بتأثير مذهبهم في ذلك فعلا. فبالرغم إننا نجد فطاحل من الشعراء العرب من الأديان الأخرى والمـذاهب الأخرى، سواء في صدر الإسلام أو العصر الحديث، إلا إن الشعر الشيعي يتميز بمزايا لا يمكن للآخرين الاتصاف بها أو السير باتجاهها أو حتى نكرانها.

    دعبل الخزاعي

    ونتعرض الآن إلى أحدهم وهو دعبل الخزاعي . لقد رأيت لديوانه ثلاث تحقيقات أحدها بتحقيق عبد الصاحب الدجيلي وهو نجفي، وآخر بتحقيق د. عبد الكريم الأشتر وهو سني، والثالث بتحقيق د. محمد يوسف نجم. وقد وجدت (نجم) هذا يعتبر دعبل شاعر من شعراء البلاط ومن الهجائين وصاحب هزل ومجون. كما يعتبر إن شعره مقسم إلى ثلاثة أقسام: بعضه محرز الانتساب إليه، وبعضه مشكوك، وبعضه منتحل ـ يعني معلوم عدم الانتساب إليه. ويعتبر شعر الهجاء في ديوانه من قطعي الصدور في حين يعتبر قصيدته التائية المشهورة من المشكوك في نسبتها إليه، وإنها محاولة من الشيعة لاعتباره شيعيا، وإلا فالأمر مختلف في نظره كثيرا.
    كما انه يتورط بأحد الأبيات التي يتحدث فيها عن (نفس زكية) فقد تخيل جامع الديوان إن المعني بالبيت هو محمد بن عبد الله بن الحسن. وهو من السادة الحسينين.
    لكن المراد في البيت هو موسى بن جعفر وإنما عبر عنه بالنفس الزكية مدحا وليس اصطلاحا. ولا دليل على إن ابن الحسن هذا مدفون ببغداد.
    ومع العلم انه لم يكن في حياة الإمام الرضا قبر للعلويين هناك. ظل يشكك في البيت الذي يقول:
    وقبر بطوس يالها من مصيبة
    هل هذا البيت مدسوس في القصيدة؟. أم يدل على كذب القصيدة ككل؟. أم هناك قبر مجهول صاحبه؟. كل ذلك لنفي عقيدة الشيعة بعلم الإمام ، وانه من التنبؤ الصادق بالمستقبل. لأنه حتما قرأ الرواية، إلا انه أخذها مسلمة الكذب.
    أما عبد الكريم الأشتر فيقول: إن الشيعة تنسب البيت الخامس عشر والسابع عشر إلى الرضا  ويكتفي بهذا القدر من التعليق.
    وهما البيتين : الماضي ، والبيت الذي يذكر فيه الحجة القائم.
    وهي محاولة للطعن بالقمة التاريخية للاعتقاد بالمهدي السابق لتاريخ وجوده على الأرض.
    أقول: وهو قوله:
    إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج عن الهم والكربات
    إلا إن نسبة هذا البيت إلى الرضا نفسه من الدس. وإنما تنسب مصادر الشيعة البيت الخامس عشر فقط إليه، لأنه قائم على علم الغيب والتنبؤ بالمستقبل الذي يستحيل على دعبل العلم به. وأما قضية المهدي القائم فكان أمرا مشهورا في ذلك الحين لا يخفى على دعبل وغير دعبل. ونستطيع أن نتحدى القائل بالإثبات لنا بالمصدر الشيعي الذي ينسب هذا البيت إلى الرضا نفسه.
    وفي حدود فهمي، إن بعض الشيعة خلال الأجيال، كانوا يتقربون إلى الله تعالى بإيجاد إضافات إلى الأشعار المسموعة والموروثة أتباعا لنفس هدف الشاعر الذي هو نظيف وفيه هدى وموعظة. ولا يعلمون إن هذا من الكذب الحرام، لأنها تكون منسوبة إلى الشاعر نفسه، وهو خطا.
    وطبقا لذلك قد أزيد في عدة قصائد:
    منها: قصيدة الفرزدق في مدح الإمام السجاد  ومن علامات ذلك انه اختلف في أولها، هل هو قوله: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته)، أم قوله: (يا سائلي أين حل الجود والكرم). والمناسب مع قصتها هو الأول لا محالة لأنه جواب قوله: من هذا؟.
    ومنها: إنهم أزادوا أيضاً في القصيدة التي أولها: (شيعتي ما أن شربتم عذب ماء فاذكروني) . حتى ذكروا مقتل الحسين وحوادث الطف كلها فيها. مما يستحيل صدوره عادة عن الحسين .
    ومنها: إنهم أزادوا في القصيدة التي يرثى بها مسلم بن عقيل وهي الهائية التي يقول فيها:
    وسحبا تجر بأسواقهم السـت أميرهم البارحة
    ومنها: إنهم أزادوا في القصيدة المنسوبة إلى الإمام الهادي ، ولعلها لا تزيد أصلاً على عشرة أبيات في حين جعلوها طويلة، والتي أولها:
    باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
    ولا اعتقد إنها للإمام الهادي وإنما تنسب إلى شاعر من الشعراء . وقد استشهد بها الإمام الهادي في مجلس شراب المتوكل.
    وازادوا كذلك في قصيدة دعبل، وهي بالأصل طويلة، إلا إن أبياتها واضحة الاختلاف في الرصانة والركاكة. فمن الراجح أن نقول إن الركيك منها ليس لدعبل بل هو من المدسوس. ومن علامات ذلك إنها أيضاً اختلف في أولها في عدة احتمالات، والمشهور إن أولها:
    منازل آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
    فالمهم إننا نأخذ القصيدة إما من المصادر الموثوقة، أو نأخذها من تلك الأبيات التي تتواجد في كل المصادر دون تلك الأبيات التي تذكرها بعض المصادر دون بعض.
    وهذا نتيجة لان الطبع والنشر لم يكن موجودا فيما سبق، فقد أصبح الدس والزيادة فيها سهلا، والنسبة إلى الشاعر ميسورا.
    وأنا رأيت بعض كتب المشجرات والأنساب المخطوطة فيها إضافات بخط جديد ممن كان يرغب بإضافة نسبه إلى الكتاب، بعنوان إن المؤلف هو الذي ذكره. فيخيب الله ظنه لكونه معروفا باختلاف الخط.
    وعلى أي حال، فقصيدة دعبل قد شاركت فعلا في أهداف الحسين إعلاما وهداية ومعارضة. وتعرض دعبل إلى ظهور صاحب الأمر واقره الإمام الرضا وواضح من سياق الرواية إن دعبل لم يكن يحدد شخصه كما نحدده الآن، وإنما سمع به إجمالا.
    وحسب فهمي إن إعلان هذا الاتجاه بصراحة على المجتمع كان مخالفا للتقية. وإنما عرفنا ذلك بصراحة عند اكتمال الأئمة الأثني عشر كلهم. وأما خلال عصر الأئمة فقد كانت هناك محاولة لكتمه. ومن هنا كان الشيعة الذين يعيشون في البعد عن الإمام يجهلون ذلك، وقد كان دعبل على هذه الصفة. وقد كانت صفة الشيعي يومئذ انه يؤمن بإمامة أمير المؤمنين ودولة الإمام المعاصر له، يعني يؤمن بالولاية إجمالا لا تفصيلا.
    ومن ذلك ما ورد إن شخصا يقول للإمام الرضا : أنت القائم؟.. فيجيب ما مضمونه: كلنا قائم بأمر الله ولكن لست الذي يملؤها قسطا وعدلا.
    وقد كان الأئمة مضطرون تحت ظروف التقية المكثفة إلى بقاء هذا الجهل في أوساط شيعتهم، وإنما يقومون بتزريق الحقائق بالتدريج البطيء. فقد لا يتوفق العديدون إلى الحصول على بعض تلك الحقائق.
    وحسب فهمي فان قصيدة دعبل ليست على نفس المستوى من الجودة، بل فيها أكثر من مستوى. ويمكن أن نعزو ذلك إلى عدة أسباب:
    أولاً: الدس. فما كان ضعيفا فهو مدسوس، وما كان قويا فهو له. إلا إن هذا مما لا يمكن أخذه على إطلاقه، بمعنى أن نحكم على البيت بالدس لمجرد ضعفه.
    ثانيا: ضعفه الشعري نسبيا، إذ لا شك إن الكميت والفرزدق فضلا عن المتنبي والشريف الرضي خير منه. والشعر معلول للنفس ولا يمكن أن يزيد على مستوى الشاعر بحال. وأستطيع أن أشبهه بابي العتاهية من هذه الناحية فان شعره اغلبه سهل إلا انه ليس بممتنع. ويحضرني قوله:
    فاسمع لقول ناصح يـدعى أبا الـعتاهـية
    ثالثا: صعوبة القافية عنده مع إرادة التطويل بالقصيدة أو عدم تكرر الكلمات طبعا مع إرادة ضغط معاني معينة خلال السياق. فقد تبدو بعض الأبيات متكلفة، أو إن بعض الكلمات يصعب تخريجها لغويا. كل ذلك لحفظ الوزن والقافية، أو قل لضرورة الشعر كما يعبرون.
    وعلى أي حال نسمع في تلك الرواية لقصيدة دعبل إن الإمام الرضا كان قد جمع نساءه أيضاً وراء الستر للاستماع والبكاء، والرجل كان واسع النظر لم يقتصر على بعض تاريخ الأئمة ، بل ذكر مصائبهم ومقاتلهم حسب ما يفهمها كلها، كقوله:
    أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
    وقوله:
    ا فاطم لو خلت الحسين مجدلا وقد مات عطشانا بشط فرات
    وقوله:
    وقبر ببغـداد لنفس زكية تضمنها الرحمن بالبركات
    ولم يكن الإمام الجواد قد دفن في ذلك الحين إلى جنب جده الكاظم ليذكره.
    وقد تعرض دعبل في قصيدته إلى بعض الثوار العلويين، وقد اقره الإمام الرضا على ذلك. والظاهر انه تعرض إلى الأشخاص الذين يحرز إخلاصهم ووثاقتهم في حركتهم وشهادتهم. واغلب الذين ذكرهم هم من الشهداء الحسينيين ، أما باعتبار كون الرضا حسينيا، أو باعتبار زيادة الإخلاص فيهم كما سبق، حيث يقول:
    قبور بكوفـان وأخرى بطيبة وأخرى بفخ نـالها صلواتي
    وقبر بأرض الجوزجان محله وقبر بباخمرى لدى الغرفات
    وقـبر ببـغداد لنفس زكـية تضمنها الرحمن بالبركـات
    وإقرار المعصوم له حجة، مما يدلل على إن سبب اختيار دعبل كان معتمدا على الإخلاص في الثوار المذكورين.


    أبو الطيب المتنبي

    والمتنبي الذي شهد له الجميع انه اشعر العرب ، يمكن القول بأنه شيعي. وان كتاب الملاح (المتنبي يسترد أباه) وان كان فاشلا في هدفه الرئيسي وهو إثبات كونه ولد للمهدي محمد بن الحسن  إلا إن أدلته تثبت كونه شيعيا، ومن ذلك انه يقول: انه كان هناك مدرسة خاصة لا يدخلها إلا الشيعة أو الهاشميون قد درس فيها المتنبي في أول أمره فعلا. وكذلك جملة من أبيات الافتخار التي يقولها تعطي انتسابه إلى الدوحة الهاشمية، أما علويته فلم تثبت تفصيلا.
    إلا انه حتى وان كان شيعيا هاشميا، إلا انه رجل دنيوي ومتكبر ومرافق ملوك لأجل الحصول على السمعة والمال. ولا يشعر بدينه وتشيعه مع شديد الأسف، حتى لا تجد له أي بيت ينصر به الدين أو المذهب، أو يمدح شخصا لتدينه .
    ولعل أهم ما قاله في الافتخار قوله:
    أي عظيم اتقي أي مجـــــال ارتقي
    وكل ما قد خلق الله ومـا لم يخلق
    محتقر في همتي كشعرة في مفرقي
    وهو واضح في عدم خوفه من أي عظيم حتى من عظمة الله سبحانه. كما إنهم استشكلوا عليه فيها إن قوله: (وما لم يخلق) شامل لذات الله نفسه، فكأنه يرى نفسه أعلى من الله سبحانه، ويحتقره بقوله: (محتقر في همتي).
    فإن قلت: بأنه لا يقصد ذلك، وإنما يقصد العدم.
    قلنا: نعم، إلا إن قوله: (وكل ما قد خلق الله) يشمل الأنبياء والأولياء والعلماء وأضرابهم، فيكونون محتقرين في نظره. والشعر نص في ذلك ولا يمكن الاعتذار فيه.


    الشريف الرضي

    ولا باس إن نحمل فكرة بسيطة عن بعض هؤلاء الشعراء.
    فالشريف الرضي لا يخلو ديوانه من الافتخار والتكبر، حتى يقال انه كان يطمع بالخلافة. ويدل عليه قوله: للخليفة العباسي:
    مهلا أمير المؤمنين فإننا في دوحة العلـــــــياء لا نتفرق
    إلا الخلافة ميزتك فأنني أنا عاطل منها وأنت مطـوق
    فأجابه: على رغم انف الشريف.
    ومنه قوله:
    ما مقامي على الهوان وعندي مقول صارم وانف حمي
    أجرع الذل في بلاد الأعادي وبمصر الخليفة العلــــوي
    مما أثار غضب العباسي في بغداد، وإصر عليه والده في أن يقسم أمامه إن هذا الشعر ليس له.


    محمد مهدي الجواهري

    بالرغم من إن محمد مهدي الجواهري دنيوي أيضاً وفاسد في عقيدته وسلوكه، ومناصر للملحدين في شعره . وكذلك فان ديوانه يحتوي على كثير من الغزل لمعشوقات أوربيات أحبهن ونظم فيهن، كما إن فيه قصيدة صغيرة في ذم الحوزة العلمية، وينسب إليها الكبائر والفضائح.
    وبالرغم من كل ذلك فان قصيدته في الحسين و خاصة المقطع الأول منها: هي خير شعره، كما إنها خير ما قيل في الحسين على الطريقة الفكرية الحديثة.واعتقد إن فيها توفيقا إلهيا. مع الالتفات انه قالها منذ شبابه حين كان معمما في الحوزة ولم يكن متدنسا بالآثام التي طرأت عليه بعد ذلك. ولعل خير ما فيها قوله:
    كأن يداً من وراء الضريح حمراء مبتـــــورة الإصبع
    تمـد إلى عـــــــــالم بالخنوع والضيم ذي شرق مترع
    لتبدل منه جـديب الضمير بآخر معشــــــوشب ممرع
    والبيت الأول منها: يعطي صورة خيالية جبارة ليد الحسين اليمنى المبتورة الإصبع والمخضبة بالدماء.
    وواضح أيضاً من الأبيات انه يمجد الحسين باتجاه دنيوي، للإصلاح وإحياء الضمائر الميتة ورفع المظالم من المجتمع. وليس فيها نفس إلهي أو أخروي. كما انه ليس فيها اتجاه إلى البكاء والتفجع، إلا ما يأتي عرضا. ولكن جانب الإخلاص والعاطفة فيها موجود أكيداً، في مثل قوله:
    وماذا أأعظم من أن يكــــــــــــــــــــون لحمــك وقفـا على المبضـــــع
    وإن تطعم للمـوت خير البنين مـن الأكـهلين إلى الرضـــــع
    وعلى أي حال فمن الواضح إن الحسين يفهمه كل شخص بمقدار مستواه وثقافته وقناعته، وأي من ذلك حصل كان خيرا ونعمة. وكان مؤثرا في إيجاد الهمة نحو التمرد على الظلم والتضحية بالنفس والنفيس، في سبيل إيجاد العدل حسب اختلاف مستويات إدراك هذا العدل.
    حتى من الممكن القول إن كل الثورات والتمرد في التاريخ، حتى إلى العصر الحاضر، بل والمستقبل منتسبة بشكل واضح أو غامض إلى ثورة الحسين ، بعد أن أعطى الأمثولة العليا في ذلك.
    حتى من يكون على مستوى الدنيا أو على مستوى الإلحاد أو أديان أخرى. فانه لا اقل انه يعرف الحسين كقائد وكمصلح وكمضحي في سبيل إقامة الحق والعدل إجمالا، وهذا يكفي في التحريك نحو الهدف.


    أحمد شوقي

    كما انه من الممكن القول بان شوقي أمير الشعراء شيعي . وعلى أي حال فانه ليس مصري الأصل، ولا على مذهب الجماعة. ولا يوجد له نسب في مقدمة ديوانه، والظاهر انه هو الذي تعمد إخفاءه. والذي يقوله الثقاة انه تركي الأصل علوي المذهب، يعني ممن يعتقد بإلهية علي  فهو من هذه الجهة إن لم يكن شيعيا فهو يقدس ويحترم عليا ، إجمالا كما تحترمه الشيعة وتقدسه. أو قل: إن مذهبه اقرب إلى التشيع من هذه الناحية من التسنن، وان كان هو رجل دنيوي من شعره، وليس له إلا قصيدة واحدة في مدح النبي  وكل أشعاره الأخرى للدنيا والشيطان .
    يبقى عندنا مشاهير الشعراء غير المتنبي وشوقي، هم من الشيعة أكيداً وبضرورة التاريخ: كالكميت الأسدي والشريف الرضي والصاحب بن عباد والسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي والجواهري والفرطوسي والشيخ عبد المهدي مطر والسيد مصطفى جمال الدين، وعشرات غيرهم.

    مصطفى جمال الدين

    والسيد مصطفى جمال الدين، شعره جيد ينحو نحو الاتجاه الرمزي، كما هو الحال الغالب في الشعر الحر، أي ينظمون معاني مجملة وغائمة. وقد كان زميلي في نفس الصف في الدورة الأولى من كلية الفقه، وصورته مثبتة في العدد المطبوع من مجلة النجف بين المتخرجين من الدورة الأولى. وله قصيدة رنانة بمناسبة افتتاح جامعة النجف الدينية، ينحو بها المنحى الرمزي، والتي يقول في مطلعها:
    اصعدي لا يرعك درب عسير فجناحاك عزمة وشعور
    إلى أن يقول في نهاية المقطع الأول:
    واكتشاف النبع الغزيـر إذا أمحل صرح الآمال نبع غزير

    * * *
    لما وضعت الباب الذهبية لحضرة أمير المؤمنين أقيم احتفال وألقيت فيه القصائد، وكان جملة منهم شعراء فحول ومشهورون. وكان منهم بعض من سميناه كالشيخ الفرطوسي ، فقد شارك بقصيدة عينية رائعة لعلها خير شعره أطلاقاً. ومطلعها:
    نشيدي وأنت له مطلع من الشمس يعنو له مطلع
    وهي موجودة في ديوانه، وفيه ما يدل على انه يقدسها ويقدمها بصفتها أفضل حسناته. وله ملحمة أهل البيت، وهي حوالي خمسة وعشرون ألف بيت في تاريخ المعصومين . وأولها:
    هاك قلبي مضرجاً بدمائي قطعاً في سلاسل من ولائي
    وهي بوزن وقافية واحدة كلها.
    وكذلك شارك فيه الشيخ عبد المهدي مطر، وهو أستاذي في كلية الفقه في قواعد اللغة العربية ، فقد شارك بقصيدته الرائعة، ولعلها خير شعره والتي مطلعها:
    لعلع بباب علي أيهــــــــــــــا الذهب واخطف بأبصار من سروا ومن غضبوا




    من نصروا الإسلام من خارجه

    ويوجد هناك عدد لا يستهان به من الشعراء والمفكرين ممن نصروا الإسلام من خارجه. نصرا قليلا أو كثيرا. اخص منهم بالذكر: غاندي أو المهاتما غاندي، وليوبولد فايس الذي اسلم وسمى نفسه محمد أسد وهو نمساوي، وله عدة مؤلفات لنصرة الفكر الديني، اشهرها (الطريق إلى مكة)، وروجيه غارودي الشيوعي الفرنسي الذي اسلم وألف كتابه: البديل، يعني البديل عن الحضارة الأوربية.
    وكذلك (بولس سلامة) في ملحمته الشعرية المعروفة، ويصرح بها انه إنما نظمها رجاء الشفاء من مرضه المزمن، مستشفعا بالنبي واله.
    كذلك (انطون بارا) صاحب كتاب (الحسين في الفكر المسيحي)، فانه كاتب منصف، مجد الحسين ورثا له وقارنه بالمسيح كما يعتقد هو به، لأنه يرى مقتله وشهادته، فقد قارن بين الشهادتين. ولم يُنكر من تاريخنا شيئاً حتى مسالة تكلم الرأس الشريف الذي يعد من المعجزات، والمفروض بالماديين وغير المسلمين عموما أن يكذبوه دائما لاتجاههم النفسي والعقائدي.
    ولا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد الكاتب المسيحي اللبناني المشهور (جورج جرداق) في موسوعته الشهيرة (علي صوت العدالة الإنسانية) حتى قال بعض المفكرين من الشيعة: انه يفضل عليا على رسول الله ، في حين إن فخر علي هو إتباع الرسول .
    وأنا أقول انه لم يقل فيه إلا ما يعرف. وهو أعلى مما قال بكثير. وأقول: إننا نأخذ منه الحق وندع الباطل. وأقول: إننا نطبق القاعدة التي نعرفها (إن ما عند الأدنى عند الأعلى وزيادة) فما كان لعلي كان لمحمد، ولا اعتقد إن هذا يخفى على (جورج جرداق) ولو ارتكازا.
    كما لا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد الشاعر المعروف المعاصر (عبد الرزاق عبد الواحد) . فانه صابئي، بل يقال: انه رجل دين عظيم عندهم، ولعله شيخهم على الإطلاق. ومهما قلنا في جهته الدينية والدنيوية فان قلبه متجه حقيقة باتجاه الإسلام وأهل البيت، وله قصائد مشهورة في هذا الصدد قديما وحديثا. وهو ممن يعرف الإسلام بصفته شيعيا، أو قل انه لو اسلم لتشيع ولم يتبع أي مذهب آخر.
    وله قصيدة متأخرة ألقاها بمناسبة مولد الحسين  .
    وقبل إن اختم الحديث عن الذين نصروا الإسلام من خارجه، لا باس أن اذكر شيئاً يتعلق بغاندي، ومحمد أسد.
    أما غاندي، فقد كان يلقب بماهاتما ، وهو لقب ديني عندهم. وقد كان واضح الزهد، مشهورا بزيه غير المخيط. حتى قالوا له: هل تذهب بزيك هذا إلى قصر (برمنجهام) في بريطانيا؟. فقال: نعم. وهناك صورة لمخلفاته بعد وفاته، وهي أشياء قليلة تعد بالأصابع. ويقال: إن طرحه الرئيسي فيها هو أن يكون الإنتاج وطنيا لا أجنبيا. وينقض عليه ببعض ما استخدم من النتاج الأجنبي كعدسات نظارته. وهذا لا شك انه كان يقوله. إلا انه لا يمنعه من لبس المخيط، فاختياره لهذا الزي إنما هو للزهد فقط، أو قل للآخرة لا للدنيا. ثم هزاله وقلة طعامه، هل كان لدفع الاستعمار أيضاً؟. كلا. وكذلك كان يمشي حافيا، ودخل قصر (برمنجهام) حافيا.
    وهذه المقدمات لا تذهب سدى، وقد وجدت في الصفحتين الأخيرتين من كتابه: (تجاربي عن الحقيقة) انه يبشر بالحب الإلهي. وان الفرد غاية مناه أن يصل إلى الحب الإلهي. ولعله كان يحارب الإنكليز والاستعمار من وجهة نظر دينية وليس دنيوية فقط.
    ورأيه في الإسلام وقادته حسن، وان كان ذلك لا يصدق على التفاصيل. بدليل انه اجتمع مع (محمد علي جناح) وهو سياسي شيعي عندهم، فلم يتفق معه على نتيجة، وانقضى الاجتماع بدون اتفاق، لأنه ينصر طائفته طبعا.
    وهو بوذي، والبوذيون يقدسون البقر. وقد نقل عن غاندي انه قال: إن البقرة أحسن من أمي، لأني استفيد من حليبها ولحمها وجلدها وعظمها، وأما أمي فليست كذلك. وأنا اجله أن يقول ذلك، ولعله قاله لمجرد الإعلام. وإلا فمن يبشر بالحب الإلهي لا يمكن أن يبشر بحب البقر. ونحن نسمع قوله: تعالى: وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ فلا يجتمع حب العجل مع الحب الإلهي، وما دام الحب الإلهي موجودا، إذن، فحب العجل منتف.

    * * *

    وأما محمد أسد، فله أفكار طريفة وكثيرة، منها: ما ذكرناه في (ما وراء الفقه) ، من إن التوحيد اجل من أن يجعل له مثال زخرفي، وإنما المهم هو الهيبة والرصانة، فقمت أتأمل حكمة الصانع الذي اختار للتوحيد مكعب من حجر يقصد الكعبة المشرفة.
    ويقول: أني جلت في مختلف البلاد الإسلامية، فوجدت الآذان المعلن على المنائر بوتيرة واحدة وطريقة مشتركة. كأنه يجعل ذلك إشارة إلى وحدة المسلمين في الطريقة والهدف، مهما اختلفت مذاهبهم وتباعدت بلدانهم. إلا انه يذكر في الطريق إلى مكة (عبد العزيز آل سعود) ومقابلاته معه، ويذكره باحترام، ولا ينتقده بقليل ولا بكثير.
    وفي كتاب آخر له يتحدث عن إمكان جعل وزراء غير مسلمين في دولة إسلامية. لان مقتضى (الديمقراطية) عند تعدد الجاليات هو ذلك. ثم يستشكل: بان ولي الأمر يجب أن يكون مسلما، والوزير ولي أمر، فيجب أن يكون مسلما. ويجيب بان الأمر ليس بالضرورة كذلك، بل يمكن أن نعطيه صفة لا يكون فيها وليا للأمر.
    وقد يشفع له أن يقال: إن ولي الأمر الذي يجب أن يكون مسلما هو الحاكم الشرعي الأعلى. أما من دونه فليس بولي. ولولا آية في القرآن الكريم لقبلنا هذه النتيجة، وهي قوله: تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  . وتسلط الوزير على حصة من الحكم نحو من السبيل بلا شك. وتمام الكلام في محله.



    من نصروا المذهب من خارجه

    وأما الآن فنتحدث عمن نصروا المذهب من خارجه. فهذا تارة يكون من حيث لا يعلمون، فإذا قصدنا ذلك كان كلهم تقريبا كذلك، من القدماء والمحدثين (إلا النواصب والمتعصبين) فإنهم جميعا يحملون فكرة جيدة جدا عن المعصومين ولا يذكرونهم إلا بكل خير. بل حتى أمثال ابن حجر في (الصواعق المحرقة على أهل البدع والزندقة) ويقصد بهم الشيعة. فالأمر واضح انه ضد الشيعة، وليس ضد أئمتهم، ولا يذكرهم إلا بالإكبار والإجلال.
    ومن هنا تكون كثير من كتبهم حاوية على أصناف من الأخبار، يمكن الاستدلال بها لنصرة المذهب. وتكون حجة عليهم من حيث الاعتماد على هذه الكتب وهؤلاء الرواة من قبلهم في الأمور الأخرى كالفقه والتاريخ والعقائد وغيرها. ويكفينا مثالا: كـتاب (فضائل الخمسة في الصحاح الستة) . وأسلوبه وان لم يكـن منهجيا، ولكنه يعرفنا بالأخبار الواردة في الصحاح الستة، وهـن أعلى كتب الجماعة على الإطلاق، وفيها فضائل وكـرامات ومدح أصحاب الكساء الخمسة، وهم أعلى جماعة في نظرنا على الإطلاق.
    وكذلك صحيح البخاري فهو عدل القرآن عندهم، مع إنه لم يرو عن الإمام الصادق ولا حديث واحد. وروى عن الزهراء حديثين فقط أو نحو ذلك. ولكن فيه ما يكفي لفضائل المعصومين عـن رسول الله . وكذلك حادثة وفاته، وقولهم: إن النبي ليهـجر. وكذلك كثير من الأخبار الواردة في البشارة عن المهدي .

    وفي صحيح مسلم، يوجد كل ذلك أيضاً مع زيادة الأخبار عن الأئمة الإثنى عشر: يكون من بعدي إثنى عشر خليفة ثم قال كلمة لم اسمعها، فقلت لأبي ماذا قال؟. قال: كلهم من قريش ولها إسناد كثيرة في الكتاب إلى حد الاستفاضة ، وهي لا تنطبق إلا على المعصومين ، لان كل أطروحة أخرى تفشل. كالخلافة الأولى، أو الأموية، أو العباسية، أو الفاطمية، أو العثمانية. وهذا ما يعلمه مفكروهم، فلذا يجيبون بوجود خلفاء متفرقين بين هؤلاء. ويعدون جماعة كالأربعة، وعمر بن عبد العزيز، والمهتدي، وغيرهم حتى يصير العدد ثمانية أو تسعة. ثم يقولون إننا نضيف المهدي الذي يأتي في مستقبل الزمان، ومع ذلك قصر العدد عن المطلوب. فيقولون: بأنه ربما يأتي أناس صالحون يتولون الخلافة في المستقبل ونحن لا نعلم!!…
    إلا إن هذا الفهم أن قبلناه رغم عجزه، فانه خلاف ظاهر الحديث من جهتين:
    الأولى: إن ظاهره حصولهم بعد النبي  مباشرة، وليس بزمان بعيد.
    الثانية: إن ظاهره إن حصولهم بشكل متقارب فيما بينهم، وليسوا متباعدين إلى هذه الدرجة. فتبقى هذه الأطروحة وهما من الأوهام. مضافا إلى كونها غير ناجحة في نفسها. فينحصر الحال في المعصومين الذين نؤمن بإمامتهم.
    وصحيح مسلم عندهم يلي البخاري في الأهمية، وكل أخباره بل كل أخبار الكتب المسماة بالصحاح الستة حجة ومعتبرة. فهم من هذه الناحية ينحون منحى الإخباريين من الشيعة في الاعتقاد بصحة أخبار الكتب الأربعة جميعا.

    * * *

    وأما من نصروا المذهب من خارجه عن علم وعمد، فهم عديدون وان كانوا قليلين نسبيا. اخص منهم بالذكر الشيخ محمود أبو رية صاحب كتاب (شيخ المضيرة) . وكتاب ينقد به البخاري ويبين زيفه وهو كتاب ( أضواء على السنة المحمدية). وعبد الفتاح عبد المقصود صاحب كتاب (علي بن أبي طالب ) ، فانه وان كان به بعض الهفوات إلا إن نصرته للحق واضحة جزاه الله خيرا.

    * * *

    أما الذين أعلنوا تشيعهم فعديدون، وهناك كتاب عنوانه: (لماذا اخترت المذهب الإمامي) يسرد فيه أسماء جماعة من هؤلاء.
    ومن اشهر هذا الصنف: الأنطاكي، وله ملحمة شعرية مطولة في مدح أهل البيت وذكر تاريخهم.
    والدكتور محمد التيجاني السماوي اعزه الله، وواضح من كتابه: (ثم اهتديت) كيف مر بالمشكلة الدينية وكيف خرج منها: منتصرا للحق جزاه الله خيرا.
    وكنت أقول فيه ولا زلت أقول: انه خير من الذين كتبوا في نصرة المذهب من الشيعة، كالسيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ عبد الحسين الاميني وغيرهم، لأنه قد يقال: إن هذا الفرد أو ذاك إنما هو شيعي، ومن الطبيعي أن يدافع الفرد عن مذهبه.
    إلا إن التيجاني مر بالمشكلة حقيقة، وترك مذهبه وانتقل إلى مذهبنا وحسن تشيعه ودافع عنه. ولا زال يدافع ويعقد الندوات لذلك.
    وبهذا ينتهي الكلام عن العنوان الرئيسي، وهو علاقة الحسين بمن قبله وبمن معه وبمن بعده.




    طلب البيعة ليزيد

    السؤال الذي يمكن طرحه هنا بلحاظ حركة الحسين ما يقوله التاريخ، من طلب والي المدينة من الحسين البيعة ليزيد بعد موت معاوية. حيث أرسل على الحسين ليلا. وقد ورد إن الحسين جمع جماعة من أصحابه وأهل بيته مسلحين، وأوقفهم على الباب. فهو يعلم انه سوف يطلب منه طلبا على غير القواعد الشرعية، ومن المتيقن انه سوف يرفض. فإذا رفض ولم يتنازل فسوف يكون خطرا على حياته. فجمع هذه الجماعة لكي تدخل وتخرجه عندما يشتد الأمر.
    قال بعض المؤرخين: ولما استقر المجلس بابي عبد الله نعى الوليد إليه معاوية، ثم عرض عليه البيعة ليزيد. فقال الحسين مثلي لا يبايع سرا، فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا. فاقتنع الوليد منه.
    لكن مروان ابتدأ قائلا: إن فارقك الساعة ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتى يبايع أو تضرب عنقه. فقال الحسين : يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو، كذبت وأثمت.
    ثم اقبل على الوليد وقال: أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة، معلنا بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله. ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة.
    فأغلظ الوليد في كلامه وارتفعت الأصوات، فهجم تسعة عشر رجلا قد انتضوا خناجرهم، واخرجوا الحسين إلى منزله قهرا) أي قهرا على القوم.
    فمن جملة الأسئلة التي خطرت في ذهن السيد عبد الرزاق المقرم في (مقتل الحسين) انه لماذا قال: يا ابن الزرقاء؟. وهو على خلاف الأدب الإسلامي. رغم انه لم يصرح بالسؤال تحرزا من إثارة شبهة بل عرض الجواب رأسا فذكر السيد المقرم: ما ورد في تذكرة الخواص قال: انه كانت جدة مروان من البغايا . وفي كامل بن الأثير: كان الناس يعيرون ولد عبد الملك بن مروان بالزرقاء بنت وهب، لأنها من المومسات ومن ذوات الرايات، اللاتي أمتهنن الفاحشة وكن يعلقن الرايات على خيمهن ودورهن ليعرفن . وفي تاريخ بن عساكر: جرى كلام بين مروان وعبد الله بن الزبير، فقال له عبد الله: وانك لههنا يا ابن الزرقاء.
    وفي تاريخ الطبري: كان مروان بن محمد بن الأشعث يقول: لم يزل بنو مروان يعيرون بالزرقاء. وان بني العاص من أهل (صفورية).
    ثم يبدأ السيد المقرم بالاعتذار عن صدور مثل هذه الصفة عن الحسين وهو معصوم. مع انه خلاف الأدب الشرعي، كما أدعى السيد.
    ويجيب بعدة أجوبة تستفاد من كلامه بحسب المضمون، وهي بعرض مني وليست بلفظه:
    أولا: هو معصوم ولا بد من التسليم للمعصوم في كل ما يفعله ويقوله.
    ثانيا: إن مقتضيات أحوال ذلك الزمن كانت تقتضي ذلك. وقد ذكر ذلك أجمالا ولم يفصل في ذلك ـ.
    ثالثا: إن مثل هذا النبز صادر عن الجليل جل وعلا في كتابه الكريم. فإذا كان صادرا عن الله تعالى، فلا باس أن يصدر عن غيره. حيث يقول تعالى في سورة القلم: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ، والزنيم في اللغة الدعي في النسب اللصيق به.
    فإن قلت: ـ وهذا الإشكال موجه ضد استدلال السيد المقرم ـ فان الله تعالى قال ذلك بصفته الخاصة به ولا يشمل غيره.

    قلنا: (دفاعا عن السيد المقرم): كلا، بل قاله بصفته متكلما فقط، وذلك من عدة وجوه:
    أولاً: انه لابد من فهم العموم، فان هذا الكلام من قبل الله عزوجل دليل على الجواز لكل متكلم، ما لم يثبت الاختصاص به سبحانه وتعالى، وفي مورد كلامنا لم يثبت شيء من هذا القبيل.
    ثانيا: انه كما إن لنا أسوة حسنة برسول الله ، كذلك لنا أسوة حسنة بالله تعالى، فكل ما فعله أو قال فلنا أن نفعله أو نقوله إلا ما خرج بدليل. وقد ورد في الخبر:تخلقوا بأخلاق الله .
    فإن قلت: فان الله تعالى لا يجب عليه إطاعة الأحكام الشرعية، لأنه هو الأمر بها. وإنما امرنا لأجل مصلحتنا، وأما هو فليس مأموراً بشيء من ذلك أولاً، وليس له مصلحة في تطبيقها ثانيا. فالمصلحة الأساسية هي التكامل، والله تعالى هو عين الكمال المطلق.
    قلنا: إن الأمر ليس كذلك على مستوى علم الكلام والعقائد الإسلامية، فان كل ما هو مأمور به شرعا وجدناه حسنا عقلا. وكل ما هو منهي عنه شرعا وجدناه قبيحا عقلا. والله تعالى يضع كل شيء موضعه الصحيح المطابق للواقعيات التي هو اعلم بها من خلقه. ومقتضى ذلك انه لا يفعل القبيح، ويتعين عليه فعل الحسن. فيطبق هذه الأمور لا بصفتها أوامر شرعية، بل بصفتها عقائد عقلية وهذا يكفي، لأنه إذا لم يطبقها فهو نقص في ذاته وفي عدله، والله تعالى اجل من ذلك، فيطبقها لكونه كاملا لا لكونه محتاجا إليها، والعياذ بالله.
    ومنه أتضح إن مقتضى الأدب الشرعي الكف عمن لا يستحق الشتم، وأما من يستحقه فلا. وهذا معنى ثابت باستمرار ولا دخل لمقتضيات ذلك الزمن في ذلك، كما هو ظاهر عبارة السيد المقرم، بل هو من مقتضيات كل زمن.
    ثم إن السيد المقرم كان ينبغي أن يلاحظ ما هو أهم من ذلك، لان لهجة مروان لم تكن لهجة مجاملة، بل كانت لهجة تهديد، وقد سمعها الحسين  وقد كان مروان متطرفا في الضلال وهاويا لقتل الحسين ، ومن هنا كان أهلا لهذه الصفة.
    ومثله قالت السيدة زينب بنت عليليزيد بن معاوية: يا ابن الطلقاء، لان رسول الله  في فتح مكة كفَّ عن المنافقين ولم يقتلهم، وقال لهم: اذهبوا فانتم الطلقاء ، وكان فيهم أبو سفيان جد يزيد بن معاوية، ومن هنا صدق عليه انه ابن الطلقاء.

    * * *

    السؤال الثاني الذي يطرح بهذا الصدد: هو انه لماذا لم يصرح الحسين من أول الأمر بعدم المبايعة؟. وإنما رتب الأمر بالشكل الذي يوحي إلى الوليد انه من الممكن أن يبايع.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    الوجه الأول: انه ليس في كلام الحسين أي إشعار بوقوع المبايعة من قبله في الصباح علنا. كل ما في الأمر إن هناك توقع لعرض المبايعة عليه، وليس هناك ظهور في كلامه بأنه يوجد توقع لرد الفعل الايجابي بالنسبة إلى هذا العرض.
    الوجه الثاني: نعرضه كأطروحة، وذلك إن الحسين إلى هذا الحد، يريد إيجاد شيء من المجاملة والتقية أمام حاكم البلد، لأجل تجنب المواجهة والمشاكل، لو صح التعبير، واحتمال اتساع الضرر. ولكن لما سمع التهديد من مروان اعتبر إن المجابهة قد حصلت من طرف الخصم، فلابد من التصريح بما يكنه ويضمره في نفسه الشريفة من عدم المبايعة، فقال تلك الكلمة المشهورة، وفيها  ومثلي لا يبايع مثله.
    الوجه الثالث: نعرضه كأطروحة أيضاً فنقول: إن الحسين يكون في ذلك المكان المنعزل عن الناس أمام هذين الخصمين العنيدين اضعف موقفا دنيويا واجتماعيا، فإذا تأجل الأمر إلى الصباح وأمام جمهور الناس بما فيهم وجهاء المدينة وعلـماؤها كان هو في نقطة قوة لان العديد من الحاضرين عندئذ سيكونون إلى جهته ويقبلون منه التبرير الكامل لعدم مبايعة يزيد.
    وكذلك يستطيع أن يحذرهم علنا من مبايعة يزيد. لأنه إذا رفض أمام الناس فسوف يرفض كل الناس الموجودين في المجلس. فمن هذه الناحية كان التأجيل إلى الغد وانتظار اجتماع الناس فيه مصلحة كبيرة، لو كان الوليد قد اقتنع بذلك، ولكنه لم يحصل ولم يدعُ الناس بعد ذلك.
    الوجه الرابع: إن الحسين قد يكون اسر في نفسه انه: إذا اجتمع الناس غدا فسوف يصرح لهم بحرمة المبايعة وينهاهم عنها، وهذا ما لا يستطيعه في المجلس الليلي المنعزل.
    وعلى أي حال فمن المعلوم انه بعد أن صرح الحسين بعدم المبايعة في ذلك المجلس لم يكن للوليد أمل لمبايعته أمام الناس، فلم يحصل الاجتماع المقترح، وترتب على ذلك إن عموم أهل المدينة وآخرين كثيرين لم تؤخذ منهم البيعة ليزيد أطلاقاً.
    وذلك لأنهم ليس لهم خبر تفصيلي عن هذا المجلس الذي حصل وليس لهم خبر عن البيعة ليزيد، فالدولة أخذت المسالة ساذجة بالسيطرة القهرية وكأن الشعب كله قد أصبح شعبها.
    وترتب على ذلك إن الحسين حين أراد الخروج إلى الكوفة لم تكن قد أخذت البيعة من احد مباشرة، فيستطيع كل واحد من أهل المدينة أن يقول: إنني لا أبايع. فترتب على ذلك شيء في مصلحة الحسين وهو انه حينما قال: إلا فمن كان موطنا على لقاء الله نفسه إلى أن يقول: فليرحل معنا فاني راحل غدا مصبحا إنشاء الله، صحبه الكثيرون لأنهم لا يملكون عهدا وبيعة تجاه الحاكم الأموي، ولكن تفرقوا عنه بالتدريج في منازل السفر.
    وقوله: يبن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟. كذبت وأثمت. له ظهور بالاستشمام من ظهر الغيب، إن قاتله ليس هو هذا ولا هذا، بل غيرهما كما قد حصل فعلا.
    ومراده بقوله: كذبت هو ذلك بحسب فهمنا، وتدل عليه القرينة المتصلة وهي قوله: (أنت تقتلني أم هو) أي أنت لا تقتلني ولا هو. فان الاستفهام الاستنكاري مرده إلى النفي.
    ولا يراد من قوله:  كذبتَ وأثمت إرجاع الكذب لكلا الفقرتين اللتين قالهما مروان، فانه قال كلمة صادقة وكلمة كاذبة. بل إن المراد إرجاع الكذب إلى الفقرة الكاذبة فقط.
    أما الفقرة الصادقة فهي قوله: إذا خرج الآن فسوف لن تحصل منه على مبايعة، فقد كان صادقا في هذا الكلام. فقوله : أثمت فلأنه نصرة للظالم، وأما قوله: كذبت فهو راجع إلى فقرة التهديد وهي قوله: إما أن يبايع وإما أن تضرب عنقه لأنه في المستقبل لن يحصل ذلك، وإنما يحصل ـ في علم الله ـ ما حصل من مقتله في الطف.



    نصيحة عبد الله بن الزبير

    وقال المؤرخون خلال هذه الحادثة : ووضح لابن الزبير ما عزم عليه الحسين من ملاقاة الوالي في ذلك الوقت، فعبد الله بن الزبير كان موجودا في المدينة ومعارضا للأمويين.
    فجاء ابن الزبير لينصح الحسين أن لا يذهب ليواجه الوالي، فأجابه الحسين بما مضمونه: (أنا ممتنع بالجماعة التي آخذها معي) وقوله (ممتنع) أي انه قوي بهؤلاء الناس، وهو جواب من باب (كلم الناس على قدر عقولهم).
    وسيكون الزبير وعبد الله بن عمر من الذين ينصحون الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة، أو بعدم الخروج خوفا عليه. فماذا كانت وجهة نظرهم مع العلم إنهم لا يتخوفون عليه حقيقة بل يختلف مسلكهم عن مسلكه اجتماعيا واقتصاديا ومذهبيا.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    الوجه الأول: الحفاظ عليه لأجل الحفاظ على سعة المعارضة ضد الحكم الأموي، لان كليهما كان يمثل المعارضة ضد الحكم الأموي، فانه لو قتل الحسين ضعفت المعارضة في رأيهم، ويقل عدد المعارضين المشهورين، بزوال أو ذهاب الحسين عن الساحة.
    الوجه الثاني: انه لو حصل قتل الحسين بالرغم من قوته اجتماعيا ورسوخ حبه في الناس وانه ابن رسول الله ، ونحو ذلك من الأمور المعتد بها اجتماعيا ودينيا، فسوف يسري احتمال حصول ذلك بالنسبة إليهم، فالذي يتسلط على من هو أقوى وأهم ويقتله، فانه وبكل سهولة يقتل من هو دونه. فيريد الحفاظ على حياة الحسين للحفاظ على حياته.
    الوجه الثالث: إنهم وان لم يتفقوا معه في الكثير من القضايا إلا إنهم لعلهم يفكرون في إمكان الاستفادة منه ومن أصحابه في تدابير كثيرة محتملة ضد الحكم الأموي، سواء كان ذلك عند تمثيل دور المعارضة أو لدى الحصول على الهدف.
    ومن هنا كانت المصلحة الدنيوية بالنسبة إليهم، بقاء الحسين حيا وعدم تعريض نفسه للقتل في حين إن المصلحة التي كان يتوخاها الحسين كما نعلم أكيداً بوضوح إنها ليست مصلحة دنيوية، وإنما مصلحة أخروية صرفة، وان له (مقامات لا ينالها إلا بالشهادة).
    الوجه الرابع: إنهم خافوا من احتمال سيطرته على العراق. فكأنهم غير متوقعين قتله لأنهم لا يعلمون الغيب طبعا. فمن هذه الناحية لو ذهب وصار أمير الكوفة وتوسع حاله وتوسع أنصاره، فلا يجعل لهم مجالا، وربما يقتلهم.
    وقد ورد في التاريخ إن الحسين حينما ذهب إلى مكة كان صعبا على عبد الله بن الزبير وجوده، فان الناس يلتفون حول الحسين ولا يعتنون به. فكيف إذا سيطر الحسين على المنطقة كلها، فماذا يكون حالهم؟.
    ولكن هذا الوجه يتوقف على شيء وهو إن هؤلاء لم يكونوا يتوقعون مقتل الحسين ، مع العلم إن مقتل الحسين متوقع منذ تلك اللحظة لقوة الدولة وحقدها عليه آنئذ، وهو من الناحية الدنيوية ضعيف وليس عنده أتباع كثيرون. والناس هم كما وصفهم الحسين : فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون فلا يذهب معه إلا النادر، والنادر لا ينفع بالانتصار الفعلي الدنيوي.
    والذي له درجة من الذكاء الاجتماعي حتى في ذلك الحين يمكن أن يلتفت إلى ذلك. ولكن يبدو إن هؤلاء لا يفهمون ذلك!.
    وينبغي أن نلتفت إلى إن خطبته فيها أمران رئيسيان:
    أولاً: نبؤته بخروجه: (فاني خارج غدا مصبحا إنشاء الله).
    ثانياً: نبؤته بمقتله:  كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء.
    ولكن خطبته هذه كانت بعد هذه النصائح والكلمات، فمن حق الفرد الاعتيادي أن يتوقع أن يقتل الحسين بهذا الشكل.
    ويبدو إن الحر أيضاً حينما جعجع بالحسين وهو بعد ذلك بكثير، لم يكن يتوقع مقتل الحسين  فحينما وصل الحسين إلى كربلاء وبدأ القتال، قال بما مضمونه: لم أكن اعلم أو أتوقع وصول المسألة إلى هذه الدرجة، مع العلم انه قائد كتيبة وذو خبرة من الناحية الاجتماعية.
    إذن فهؤلاء أولى بهذا الاطمئنان وهو إن الحسين لا يقتل. فالأفضل لهم حسب ما يفكرون أن يبقى الحسين منعزلا بالمدينة ولا يذهب إلى هناك ليتلقى الانتصار والسمعة والملك.



    كتب أهل الكوفة

    قال المؤرخون : وفي مكة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة يسألونه القدوم عليهم لأنهم بغير إمام، ولم يجتمعوا مع النعمان بن بشير في جمعة ولا جماعة. وتكاثرت عليه الكتب حتى ورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب، واجتمع عنده من نوب متفرقة اثني عشر ألف كتاب. وفي كل ذلك يشددون الطلب وهو لا يجيبهم. وآخر كتاب ورد إليه من شبث بن ربعي وحجار بن ابجر ويزيد بن حارث وعزرا بن قيس وعمرو بن الحجاج ومحمد بن أمير بن عطارد.
    وفيه: إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وأنبتت الأرض، وأورقت الأشجار. فأقدم إذا شئت فإنما تقدم على جنود لك مجندة. ويقال إن بعده (والسلام). ولكن (المقرم) حذفها.
    وهذه العبارات التي وردت في الكتاب وهي قولهم: (فقد اخضر الجناب) إلى قولهم: (وأورقت الأشجار) لا يحتمل حملها على معناها المطابقي. وإنما تحمل على الرمز لأمور معينة اقتضت المصلحة عدم التصريح بها. أو إن معناها إن الأمور معدة ومتهيئة لاستقبالك. وأما إنها رموز منعت التقية عن التصريح بها.
    فإن قلت: إنهم لم يكونوا في ذلك الحين في تقية.
    قلنا: نعم، من حيث الهدف. وأما من حيث التفاصيل فلا.
    فإن قلت: فإنها تحتوي على مجابهة كاملة لقولهم: (جند لك) يعني محاربين للكيان القائم. وهو معنى إنهم ليسوا في تقية من أية جهة.
    قلنا: نعم كأطروحة، وحينئذ تسقط هذه الأطروحة فنتحول إلى أطروحات أخرى.
    ويمكن أن يكون حول ذلك بعض الأسئلة:
    السؤال الأول: انه لماذا لم تأت مثل هذه الكتب من غير الكوفة، كالبصرة والشام وغيرها؟. فان الوارد في التاريخ إنها جميعا جاءت من الكوفة، أو قل من منطقة الكوفة.
    جوابه: إن الكوفة كانت عاصمة الحكم العلوي ردحاً من السنين، وتربت على يد أمير المؤمنين وفيها مخلصين ومتحمسين له. كما إن فيها محبين له، وكل الشعب هناك يتذكر أيام السعادة التي عاشها بين يدي الإمام أمير المؤمنين  وهذه الصفة لم تكن موجودة في أي مكان في العالم حتى البصرة. فان البصرة مر فيها الإمام أياما خلال حرب الجمل، وصلى فيها جماعة، إلا إن مقامه غير طويل أولاً، ولم يعاشـر الناس ويقضي حاجة المحتاجين واحدا بعد واحد، ويجيب على الأسئلة واحداً بعد واحد، ويخطب كثيرا كما فعل في الكوفة، وإنما كان مشغولا بحرب الجمل. ولم يصادف هناك حالة استقرار وهدوء وفعالية اجتماعية. فلم يحمل الناس هناك عنه نفس الفكرة التي حملها عنه الكوفيون.
    وإذا لم يكن الحال في البصرة كذلك، ففي غيرها أولى.
    مضافا إلى إن البصرة كان واليها عبيد الله بن زياد، فكانت تخاف منه لأنه قاسٍ في حكمه، وواضح العداء والنصب لأهل البيت .
    فإن قلت: فانه إنما اشتدت قسوته في الكوفة تلافيا لما حصل من الحركة العلوية بقيادة مسلم بن عقيل من مصلحة الحسين ولم يكن مثل ذلك في البصرة. وليس من المعروف انه كان قاسيا في الحكم بالبصرة.
    قلنا: إنهم هناك كانوا يعرفون اتجاهه وذوقه وموقفه الاجتماعي. فلو كان قد حصل في البصرة من الحركة الإيمانية ما حصل في الكوفة لكان رد فعله اتجاهها هو نفسه الذي فعله في الكوفة.
    فإن قلت: فانه فعل ذلك في الكوفة لأنه مخول بذلك من قبل الحاكم الأموي، ولم يكن مخولا بذلك من قبله في البصرة.
    قلنا: نعم، إلا انه إنما خوله بذلك نتيجة للحركة الإيمانية، فإذا حصل مثلها في البصرة فاحسب إن التخويل موجود وما أسرع ما يصل إليه.
    السؤال الثاني: انه ما الذي حدث في الكوفة في ذلك الحين وقد بادرت بكل مفكريها ووجهائها وشعبها إلى دعوة الحسين  إليهم ولم تبادر قبل ذلك.
    جوابه: إن هذا يحتاج إلى مقدمتين: أحدهما محرزة، والأخرى محتملة تعرض كأطروحة.
    المقدمة الأولى: إنهم لم يكونوا يستطيعون ذلك خلال حكم معاوية لمدى سيطرته ومكره واستعداده للتنكيل بهم. كما فعل بخاصة أصحاب الإمام كحجر بن عدي وجماعة آخرين ممن قتلهم بعد واقعة صفين، فكانت قسوته في الحكم مسببة لدرجة مكثفة من التقية والحذر لدى الكوفيين وغير الكوفيين.
    وإنما انفتحت الفرصة بعد موته مباشرة، وكأنه كان حجرا ثقيلا أزيل عن صدور هذه الأمة، وقد اختلف وضع المجتمع بموته، وضعفت دولة الأمويين بحكم يزيد ولم يكن احد يحسن به الظـن أو يحبه. كما لم يكن (يزيد) إلى ذلك الحين قد مارس شيئاً من القسوة التي مارسها بعد ذلك. وإنما المعروف عنه انه مشغول بشهواته وخمره. ومثل هذا النموذج من الحكام لا يستطيع ممارسة الحكم القوي كما كان عليه معاوية.
    إذن، فمن المناسب جدا أن يبدأ من جديد وجود الحكم العادل المحبوب للناس وهو حكم أهل البيت متمثلا بشخص الحسين لأنه هو الإمام في ذلك الحين.
    المقدمة الثانية: كأطروحة، إن هذا الأمر وهو إيجاد همة عامة من الناس كلهم، يحتاج في المجتمع إلى تحريك لا انه يوجد في نفسه على سبيل الصدفة. ولم يرد في التاريخ انه من هو أول من حركه، ومن هنا كان الأمر مجهولا. غير إننا نعلم إن في الكوفة مخلصين ومتحمسين، واتجاها علويا قويا يعتبر أقوى الاتجاهات على الإطلاق في ذلك المجتمع. بالرغم من انه لا يخلو أي مجتمع من اتجاهات مختلفة ومستويات متباينة، إلا إن الاتجاه العلوي كان هو الأقوى حتما.
    ولم تخنس الكوفة إلا في عهد عبيد الله بن زياد ونراها بعد أن أنقذها الله منه احتضنت التوابين، بل أكثر التوابين هم منها فعلا. كما احتضنت المختار الثقفي للأخذ بالثأر، وكانت عاصمته إلى أن تسلطت عليها القسوة من جديد متمثلة بالحجاج الثقفي.
    وعلى أي حال فقد كانت هذه الكتب نتيجة طبيعية لهذا الاتجاه القوي بعد زوال المانع ووضوح ضعف الحكم المعادي آنئذ.
    السؤال الثالث: لماذا يتوقف أمر الحسين على الذهاب إلى الكوفة، بل كان يستطيع أن يعلن نفسه حاكما على المنطقة التي هو فيها، ثم يتصرف بعد ذلك من نقطة قوة ضد الحكم الأموي كما تقتضيه الأحوال.
    جواب ذلك من وجوه:
    الوجه الأول: انه لم يكن من المناسب جدا أن يبدأ الناس بذلك ويعلن نفسه أميرا، لان أسهل ما يقال ضده حينئذ كونه محبا للإمارة وطالبا للدنيا. فالأمر كان متوقعا على وجود المبادرة من غيره، والطلب إليه في ذلك. في حين لم يحدث من هذا القبيل في المدينة والحجاز.
    الوجه الثاني: إن المجتمع في الحجاز لم يكن كالمجتمع في الكـوفة أكيداً. فان الحجاز قد عاشت الخلافة الأولى على طولها، وعـاشرت العلماء والمفكرين والرواة والقصاصين المؤيدين لها. من طبقة الصحابة والتابعين. والمهم إن هذا الاتجاه كان قويا هناك شعبا وحكومة، لو صح التعبير.
    والناس وان حملوا فكرة طيبة عن أهل البيت وذرية رسول الله ، إلا أنهم لم يحدثوا أنفسهم بتمكينهم من الحكم عليهم، لما يعرفون منهم من تطبيق الحق والعدل. الأمر الذي يكسر بالتدريج مصالحهم الدنيوية ويؤدي إلى تشتيت شملهم وتصدع حالهم بخلاف الكوفة التي كانت علوية بطبعها.
    الوجه الثالث: إننا نعرف إن في الحجاز قادة مشاهير معارضين للحكم الأموي وللحسين أيضاً،واشهرهم عبد الله بن الزبير. وهذا معناه إن أي واحد منهم سواء كان على مستوى التأثير الفكري، أو التأثير العسكري، استطاع التغلغل في المجتمع واكتساب الثقة به والشهادة بمشروعية وجوده، بل وجود المتحمسين له والمدافعين عنه، قلّوا أو كثروا.
    وهذا معناه إن منطقة الحجاز مجتمع مختلط من هذه النواحي اختلاطا كبيرا وصعبا. ولا يمكن للحسين الانفراد به، أو السيطرة عليه سيطرة تامة، إلا بالمعجزة التي لم تكن مفروضة في نشر الحق وإقامة العدل.
    وخاصة بعد أن نلتفت إلى إن أسلوب الحكم يومئذ لم يكن على أسلوب الحكومات الحديثة من الأجهزة والأموال والمعداتّ، وأنحاء كثيرة لم يكن يعرفها الناس أطلاقاً.
    كما لا يستطيع الحسين حسب فهمي أن يتعامل مع أعدائه خصوصا ومع المجتمع عموما عن طريق القسوة والسيطرة المكثفة. وإنما عليه أن يتعامل معهم بالأخلاق والتواضع والرحمة. وهي صفات لا تفيد حقيقة في قيادة المجتمع المختلط وغير الكفوء. فانه يحتاج في قيادة إلى قسوة وحزم.
    فإذا كان يمثل جده رسول الله  في الرحمة فمن الصعب عليه أن يتقدم.
    ومن ثم سنجد إن الإمام المهدي لا يتعامل مع المجتمع بالمجاملة والرحمة، وإنما بالقسوة والشدة والتركيز، لكي يستطيع أن يكون جديا حقيقة في إقامة دعائم العدل والحق، وإقامة حكم الله في الأرض. وقد ورد عنه في بعض الروايات بما مضمونه: انه يقتل احد أصحابه وكان يقف إلى جانبه لأنه قد خطر في ذهنه انه يكون ضد الإمام .
    السؤال الرابع: انه لماذا استجاب لهم الحسين مع علمه بكذبهم وخداعهم ـ بغض النظر عن علم الإمامة الخاص ـ فان جملة منهم كان واضح النفاق يومئذ كشبث بن ربعي، وحجار بن ابجر، وعمرو بن الحجاج، وآخرين. ونحن نعلم إنهم أصبحوا في معسكر الأعداء ضده في واقعة الطف في المستقبل القريب.
    فكان مقتضى الفهم الاجتماعي المعمق الالتفات إلى ذلك، وعدم الاستجابة لهم إطلاقاً، وخاصة إذا ضممنا الفهم المتشرعي تاريخيا. فإنهم يفهمون إن هذا الكتاب الأخير هو العلة الأخيرة، أو جزء العلة النهائي لذهابه  مع العلم إن جزء العلة النهائي هـو فاشل في نفسه لأنه موقع من أناس منافقين لا أكثر ولا اقل. وقد يكون فيهم من هو يهودي الأصل كعزرا بن قيس، ومن الصعب أن نتصور إن اليهودي يحسن إسلامه!. فإنما كان ذلك مصيدة للحسين ليس إلا!.
    جوابه: إننا ينبغي سلفا أن لا نأخذ مسلما إن العلة الأخيرة لحركة الحسين هو هذا الكتاب، وإنما ذاك كان على سبيل الصدفة.
    نعم، اهتم به المؤرخون ونقلوا مضمونه. وهذا لا يعني انه أهم في نظر الحسين من الكتب الأخرى، ولا يعني اهتمامه بالموقعين فيه أكثر من اهتمامه بالكتب الأخرى. وإنما الاهتمام الحقيقي ـ حسب فهمنا ـ منصب على كثرة الكتب فقط. بحيث يصدق أكيداً إن الكوفة كلها كتبت إليه. وإذا دعته الكوفة كلها وأظهرت إسناده واستعدادها للدفاع عنه، كان ذلك موضوعا كافيا للحكم الشرعي بوجوب الحركة.
    فمن هنا يمكن القول إن الذي دعاه إلى الحركة احد أمور:
    أولاً: تمامية الحكم الشرعي في نظره بوجوب إقامة حكم الله في الأرض، ولو على منطقة محدودة بعد تحقق موضوعه وهو دعوة الكوفيين له.
    ثانيا: إن هناك رد فعل سيء سوف يحصل إذا لم يذهب، إما من الله سبحانه، وهو غضبه بصفته آمراً بهذا الحكم الشرعي. أو من الناس . وانه متقاعس وجبان والفرصة انفتحت له ولم يذهب. لان خبر هذه الكتب انتشر حتما في المجتمع، والذين يأتون بالكتب يذهبون ويتحدثون عنها في الكوفة وفي مكة وفي المدينة وفي أي مكان، وكذلك مرسلوها. ويكفينا وجود هذه الشائعة إذا وجدت في الكوفة نفسها.
    ونحن نعلم إنها إذا كانت ضد الحسين فستكون ضد الدين والمذهب. وهذا ما لا يريده الحسين بطبيعة الحال.
    ثالثا: انه ذهب ليجرب حاله ومباشرته للحكم، فان استتب له الأمر بتوفيق الله سبحانه فهو المطلوب. وإلا أمكن التفكير بأمر آخر، الله يعلم إنه ما سوف يكون عندئذ. ونحن نعلم من موقف الحسين انه سوف يختار اشد الاحتمالات من التصرف في رضا لله سبحانه.
    رابعا: انه وان كان المعلن ظاهرا هو ذهابه إلى الكوفة، إلا انه لم يكن قاصدا لها، ولم يكن له أمل بالوصول إليها، وإنما كان قاصدا إلى كربلاء. أي إلى موضع شهادته التي أمر أن يسير فيها ونحوها أمراً شرعيا. مضافا إلى انه قاصد للمقامات العالية التي لن ينالها إلا بالشهادة. وكل هذه الأمور لا ربط لها بالكوفة ولا بكتب الكوفيين.
    فإن قلت: فان الأئمة من ذريته أصبح لديهم وضوح بهذه الفكرة ـ كما نعبر عرفا ـ وهو ضرورة وجود أصحاب مخلصين كاملين لا تأخذهم في الله لومة لائم. وإلا فهم لا يتحركون ولا يشهرون السلاح.
    وعلى هذا المضمون عدة روايات:
    منها: قوله: : لو كان لي بعدد هذه الجداء رجال لقمت بالسيف.
    ومنها: قوله : لرسول الثورة الخراسانية: هل فيكم مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فانا ارفض الاستجابة لكم. ونحو ذلك.
    فهل كان يعلم الحسين ذلك أم لا ؟ فان لم يعلم كان على خلاف عصمته، وان كان يعلم كان على خلاف حركته، فلماذا تحرك ؟.
    جوابه:
    أولاً: إن هذا مبني على الوجوه الأخرى غير طلب الشهادة وأما إذا كان غرضه الشهادة انسد السؤال.
    ثانيا: بعد التنزل عن الوجه الأول، انه كان محرزا وجود عدد كاف من المدافعين المخلصين في الكوفة، وان كان فيهم غيرهم أيضاً. وهذا كاف لتحقيق موضوع الحكم الشرعي بوجوب الحركة. كهاني بن عروة وميثم التمّار والمختار الثقفي وحبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وآخرين. وكلهم ممن استشهد في سبيل الله بعد ذلك واثبت جدارته من هذه الناحية.
    وبتعبير آخر: انه كان في الكوفة بقدر هذه الغنيمات من الأصحاب المخلصين الكاملين!. إذن، فيجب القيام بالسيف، طبقاً للرواية التي قالها حفيده الصادق .
    ثالثا: انه يمكن القول بان موضوع الحكم الشرعي يتحقق بما دون ذلك. وقد تحقق له الموضوع وتنجز في ذمته الوجوب لان الكثرة لها دخل في الدفاع. فإذا كانت تحت قيادة رشيدة ومعصومة أمكن أن تؤتي أكلها وتنتج نتائجها.

    * * *

    قال المؤزخون : فقال مروان للوليد: عصيتني. فوالله لا يمكنك على مثلها. قال الولـيد: ويح غيرك يا مروان. اخترت لي ما فيه هلاك ديني. اقتل حسينا إن قال: لا أبايع؟. والله لا أظن أمرؤً يحاسب بدم الحسين إلا كان خفيف الميزان يوم القيامة، ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب اليم.
    وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام امرأة الوليد عليه لما جرى منه مع الحسين . فاعتذر بأنه بدأ بالسب. قالت: انسبه وانسب أباه إن سبك. فقال: لا افعل أبدا.
    وظاهر (لا افعل أبدا) انه لا يسبه أبدا، لا انه لا انسبه أبدا . بحيث يكون هذا تعنتا بموقفه والتزاما بشتمه.
    أقول: وهذه الفقرة وأمثالها مما لا ينقلها الخطباء على منابرهم لأجل إن فيها جنبة من الحق وقائلها من أهل الباطل. وهـم ـ اعني الخطباء ـ يريدون أن يبرزوا أعداء الحسين وأعداء المعصومين على إنهم باطل صرف، ليس لديهم أية جنبة من الحق مهما قلت. يبرزونهم شياطين خالصين في كل أقوالهم وأفعالهم .
    مع العلم إن هذا مخالف للواقع غالبا لأمرين:
    الأمر الأول: وجود ذلك في كثير من أهل الباطل.
    منها: هذه الرواية عن الوليد.
    ومنها: بكاء عمر بن سعد على الحسين  .
    ومنها: كتاب هؤلاء المنافقين إلى الحسين كحجار بن ابجر ورهطه وهو اشهر كتب الكوفة، مع إن حجار ابن ابجر أصبح قائد كتيبة ضد الحسين في كربلاء.
    ومنها: قول معاوية في بعض خطبه: (أني ما قاتلتكم لتصلوا أو تصوموا واني اعلم أنكم تفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم. واني عاهدت الحسن بأمور وها هي تحت قدمي).
    فهم يحذفون قوله: واني اعلم إنكم تفعلون ذلك، لان فيه نحوا من العذر لهذا الطاغية.
    الأمر الثاني: إن النفس الإنسانية خلقها الله تعالى تميل إلى الخير والشر معا، وكل مجموعة من سلوك الفرد إنما هو ناشئ من هذا ومن هذا معا، قال الله تعالى  وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . والناس مختلفون تماما في انصياعهم لهذا العامل أو ذاك. فمنهم من يكثر خيره ، ومنهم من يكثر شره، على درجات مختلفة ومتباينة تباينا شديدا.
    وليس أعداء الحسين في استثناء من ذلك. كما إنهم ليسوا على غرار واحد في التصرف تجاه الشر، وان وجد من يكون كذلك فعلا كيزيد بن معاوية وشمر بن ذي الجوشن. فان جانب الخير قد يموت في نفس الإنسان تماما إذا بلغ ذروته في درجات التكامل الأدنى. كما إن جانب الشر قد يموت تماما إذا بلغ الفرد ذروته في درجات التكامل الأعلى.
    فالمهم إن الدرجات الوسطى ذات التذبذب بين الخير والشر هم أكثر البشر، وهم موجودون في كلا المعسكرين: معسكر الحق ومعسكر الباطل. فبينما نجد الفرد أكثر تصرفه على الحق، نجد فيه شيئاً من الباطل وبينما نجد الفرد أكثر تصرفه على الباطل نجد فيه شيئاً من الحق. وهذا ضروري في أي فرد بصفته ناتجاً من رسوخ كلا الجانبين في نفسه.
    والمهم الآن: كمفكرين وباحثين ينبغي لنا أن نكون موضوعيين ومتجردين لدى البحث عن أي إنسان. فننسب له كل أفعاله وأقواله. ولا ننكر منها شيئاً لمجرد غرض في أنفسنا. فان ذلك من الكذب ولا يحسن أمام الله ولا أمام التاريخ والإنسانية.
    بل الأمر أكثر من ذلك، فقد نستفيد من كلمات الحق التي قالها الآخرون، فمثلا نقول: انه شهد بحرمة قتله الأعداء، كما قال الوليد. أو بكى عليه الأعداء كما بكى عمر بن سعد. أو أن نستشهد بفضائل أهل البيت الموجودة في كتب الجماعة وهكذا.
    نعم، غرض الخطباء في كتم ذلك هو تحصيل الدمعة عند العوام. وهذا هدف طيب في نفسه، باعتباره مصداقا لما ورد:  من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة  .. مع العلم إنهم لو نقلوا جوانب الإنصاف القليلة الموجودة لدى بعضهم لتعجب منها العوام وانقطع بكاؤهم.
    وأنا أقول: إن هذا صحيح، إلا انه لا ينافي إننا في الأبحاث الدقيقة والموضوعية، ينبغي أن نذكر كلا الجانبين ونعطي كلا الحقين . وإلا لم نكن نحن من المنصفين، وكان حذفه بمنزلة الشهادة بعدمه وهو كذب. ولا اقل إذا لم يكونوا هم من المنصفين فلابد أن نكون نحن من المنصفين.



    هدف يزيد في قتل الحسين 

    الآن نتكلم عن هدف يزيد في قتل الحسين وهو متحقق ومحتمل في عدة أمور:

    الأمر الأول: وهو اشهرها: إباء الحسين عن مبايعة يزيد، وهو الشعار الذي كان يرفعه الجيش المعادي في كربلاء، وانك لو بايعت يزيدا ووضعت يدك في يده كففنا عنك.
    الأمر الثاني: ما ذكره يزيد في شعره، وهو الانتقام لقتلى بدر وأحد أعداء رسول الله . كما أكلت جدته (هند) كبد حمزة سيد الشهداء . حيث يقول:
    قد قتلنا القرم من أشياخهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
    فهو حقد قديم نَفَس عنه في أول حصوله على الملك والخلافة.
    الأمر الثالث: إن هناك حركة علوية كانت منذرة بالاتساع والتغلغل في المجتمع. بدءاً بكتب الكوفيين ومروراً على سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة وانتهاء بتوجه الحسين إليها. وقد يكون إنها تنتهي بالحكم العلوي الحسيني الذي يجهلون حده وأمده من حيث النشاط والمكان والزمان. والذي سيكون معاديا لهم وقاضيا عليهم وقاسيا في معاملتهم. إذن، فيجب من وجهة نظرهم القضاء عليه في مهده واجتثاث أمره قبل حدوثه وصعوده، وهذا ما فعلوه.
    ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يعلنوا ذلك للمجتمع بصراحة، لان كل احد من حقه الطموح والسيطرة كما تشاء له رغباته. وليس من حق احد أن يمنعه إلا أن يكون مدافعا عن ملكه. واقل ما نقول في الحسين انه يريد الملك، وليس في هذا محذور دنيويا ولا قانونيا، بل ولا دينيا. وقد أراد الملك من هو مثله كمعاوية ويزيد نفسه. بل ونبي الإسلام أيضاً من وجهة نظر هؤلاء الساقطين، لأنه يقول:
    لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
    وهو يعني إن رسول الله  أراد بادعاء النبوة مجرد السيطرة وحب الملك والزعامة. وهو بذلك يمثل جده أبا سفيان حين قال: (تلقفوها يا بني أمية فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار).
    إذن، فإرادة السيطرة مهما كانت دوافعها مشروعة في نظرهم. فليكن الحسين كذلك على أسوأ تقدير. إذن، فعمله مشروع. فلماذا ينبغي قتاله والإجهاز عليه؟. ومن هنا لم يكونوا يستطيعون أن يعلنوا ذلك في المجتمع صراحة وإنهم يمنعون الحسين عن الملك والسيطرة، فجعلوا شعارهم أخذ البيعة ليزيد.
    ومن الواضح انه لو بايع ليزيد لم يستطع السيطرة على الكوفة أيضاً. فقد خيروه بين أمرين، كلاهما في مصلحتهم. أما القتل وأما البيعة  بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يعني البيعة.
    فان حصلت البيعة فبها ونعمت، من وجهة نظرهم، وقد خاب الحسين واستسلم وانطفئ نوره واندرس أثره. وان لم يبايع فلا ينبغي أن يمارس نشاطه المأمول ويصل إلى هدفه المنشود، وإنما لابد من قتله والإجهاز على حركته.
    ومن هنا نعرف انه لا تنافي بين تلك الأهداف الثلاثة لأعداء الحسين، بل كلها صحيحة في نظرهم، وكلها قد فكروا بها فعلا وابرزوها بوضوح. وكان مقتل الحسين سببا لتحققها جميعا في نظرهم، لولا إن الله سبحانه نصر الحق بعده بحركة التوابين وحركة المختار الثقفي.

    * * *

    والسؤال الآخر التابع لذلك: انه من الواضح إن الأمر يتم لأعداء الحسين بمقتله شخصيا ولا حاجة إلى قتل غيره، لأنه هو الذي يأبى أن يبايع، وهو الأمير المتوقع على الكوفة، وهو ابرز المعادين للحكم يومئذ. وهذا ما أدركه الحسين حين قال:  إنهم يطلبونني وحدي. ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري  .
    فلماذا فعلوا فعلتهم الشنعاء بكل قساوة في كربلاء؟. فزاد القتل واستفحل الظلم وتعددت المظالم والمصائب. فماذا كان غرضهم في ذلك؟.
    وهذا يمكن تفسيره في مرحلتين:
    المرحلة الأولى: في قتل الأصحاب وبني هاشم الذين قتلوا قبله.
    وهنا من الواضح إنهم لم يكونوا يمكنهم أن ينالوا الحسين بسوء ما دام واحد من هؤلاء موجودا. وخاصة مع نظام الحرب وتقاليدها الشائعة عندهم. ومن هنا كان لا بد ـ من وجهة نظرهم ـ قتل الجميع ليصلوا إلى قتل الحسين .
    المرحلة الثانية: ما حصل بعد مقتله ، لأنهم بمقتله بلغوا المراد الدنيوي. فلماذا فعلوا الأمور الأخرى؟. وهي فضائع وفضائح كثيرة كحرق الخباء وسرقة مال النساء وقطع الرؤوس ودوس جسد الحسين بحوافر الخيل. وكل واحد منها يملئ الكون مصائب وعجائب.
    وهذا لا تفسير له اجتماعيا وسياسيا، ولكنه ناشئ من الحقد الدفين والغل الأعمى، لكي يزيد العوض في نظرهم على المعوض.
    فليت شعري، فإن أشياخه في بدر قتلوا بدون عطش ولا دوس ولا حرق ولا نهب. ولكنهم بالمقابل فعلوا ذلك كله.
    ولكن هذا يتوقف على إن الموجودين في جيش يزيد من بني أمية يشعرون بشعور يزيد فوريا، بحيث يريدون الانتقام من قتلى بدر واحد كما يريد يزيد. أو إن الأمر أو الاتفاق قد حصل على ذلك مسبقا. وكلاهما بعيد.
    ومن الأكيد إننا لا نستطيع أن ننسبه إلى يزيد مباشرة، وهو جالس في الشام لا يعلم بالتحديد ما الذي يجري في الكوفة وكربلاء.
    نعم، يمكن نسبته إلى عبيد الله بن زياد. والظاهر إن عليه بعض الروايات. مع العلم انه لم يكن في طف كربلاء ليوجه إليهم الأوامر مباشرة بهذا الخصوص.
    فإما أن نقول: انه أمر مبيت ومتفق عليه سلفا بين عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وأضرابهم. وإما أن نقول: انه كتب إليه بذلك في وقت متأخر. وإما أن نقول: انه من عمر بن سعد نفسه الذي كان يعتبر هو قائد الجيش الأعلى المعادي للحسين ، فعله زيادة في النكاية أولاً، وزيادة في القرب من أعداء الله، عبيد الله بن زياد ويزيد. ولم يوفقه الله سبحانه إلى ذلك. وسلط عليه من يقتله على فراشه.



    تقديم النصيحة للحسين 

    توجد ظاهرة بالنسبة إلى المؤمنين الذين نصحوا الحسين بعدم التوجه إلى العراق. بل يمكن أن يقال إنها أكبر من ظاهرة. بما فيهم محمد بن الحنفية، وعمر الأطرف أبن أمير المؤمنين وأم سلمة.
    وهذا يواجه عدة إشكالات:
    منها: انه لا معنى لنصح الحسين وإعطائه الرأي، دون أن يسألهم ويطلب منهم المشورة. فانه من الممكن أن يقال: إن كل وجيه وعظيم في المجتمع لا معنى لنصيحته ما لم يأذن هو أو يطلب المشورة، والحسين  لم يأذن أو يطلب المشورة. فإنها سوء أدب من ناحية وحمل له على الغفلة وعدم التأمل في الأمور من ناحية ثانية. في حين انه من الواضح انه أرشدهم وأعلمهم وأبعدهم نظرا. فما قيمة الصغير تجاه الكبير، والسفيه تجاه الرشيد. ولعل من نتائج ذلك عدم أخذ الحسين برأي الناصحين على الإطلاق، لان المصلحة التي يعلمها مما لا يمكن التنازل عنها لأحد.
    ومنها: إن جملة من هؤلاء الناصحين يعلمون بحصول الشهادة في قضاء الله وقدره، وقد رووا أو سمعوا عن رسول الله  ذلك. فكيف يتصور إمكان الحيلولة دون حدوث ما قضى الله وقدره في علمه الأزلي الثابت؟. إن هذا مما لا يمكن.
    وجواب ذلك على أكثر من مستوى:
    الأول: إن الباعث لهم على النصيحة إنما هو الشفقة عليه والحب له من ناحية، وتصور المجتمع خاليا منه وما يحتمل أن تحصل من مفاسد ومظالم من ناحية أخرى.
    الثاني: إنهم لا يريدون الحيلولة دون قضاء الله وقدره، فإننا الآن بعد حصول الحادثة نعلم إنها كانت مقضية لابد منها في علـم الله تعالى. وأما قبلها فلم يكن هذا واضحا. كل ما في الأمر إنها كانت مسموعات عن رسـول الله  وأمير المؤمنين وهم صادقون بطبيعة الحال. إلا إن أمثال هذه الإخـبارات قد يدخل فيها البداء. فإذا كتب الله النجاة للحسين فقد حصل البداء ولا محذور من ذلك. وبذلك نعلم إن الحادثة لـم تكن في قضاء الله المحتوم، بل كانت في لوح المحو والإثبات الذي يمكن أن يطرأ عليه التغير والتبدل والبداء.
    فقبل وقوع الحادثة، لم يكونوا يعلمون إنها من القضاء المحتوم، ولعلها من لوح المحو والإثبات. فتحملهم الشفقة عليه علـى أن يبادروا للنصح على أمل ورجاء المطلوبية أن يكون في الإمكان رفع اليد عنها وحصول البداء فيها. وهذا موقف مشروع في نفسه، جزاهم الله خيرا.
    الثالث: إن الشيعة عموما لم يكونوا يحملون الفكرة التي نحملها الآن عن الأئمة المعصومين وان الواحد منهم إمام مفترض الطاعة ومعصوم عن الخطأ والنسيان. بل مجرد كونه مشار إليه من قبل رسول الله ، وممدوحا من قبله، وهو ابن رسول الله  وابن بنته، ونحو ذلك. وهذا عليه دلائل كثيرة من الروايات. ومعه يكون موضع النصيحة في نظرهم موجودا.
    الرابع: إن الحسين وان كان زعيما وعظيما في أسرته ومواليه، إلا انه لم يكن يرتب هذا الأثر على نفسه. بل كان متواضعا كجده رسول الله ، يخاطب الصغير والكبير، ويقضي حاجة القريب والبعيد، ولا يحتشمه احد. ولم يعاتب على فعل، ويتحمل كثيرا من أمثال هذه الكلمات بسعة صدر وصبر عظيمين. إلى حد أصبح لا يحتشمه الآخرون، وخاصة وهم يحسبون إنهم مقربون عنده ومن أقاربه. أو يحسبون إنهم مشاهير في المجتمع مثله كأعدائه الذين نصحوه.
    ومن المؤسف أن نرى كثيرا من الحوزة ليسوا على هذا المستوى، لأنهم لا يسيرون على سيرة علي بن أبي طالب، فأي منا يجلس جلسة العبد ويأكل أكل العبد، ويأكل مع العبيد، ويجلس على التراب، ويخصف نعله بيده. فهل نريد من الحسين أن يكون مثلنا؟
    إنما يسير الحسين بسيرة جده وأبيه، وهي التواضع. فانه لا يقول: أنا.. أنا. وان كان هو.. هو. ولكنه لا يرتب على ذلك أثرا. لأنه ترابي ومتواضع، وممثل لسيرة أبيه وأمه وجده. فكانت أمه تخرج ومقنعتها مخاطة باثني عشر خوصة من خوص النخيل. فهل إن ابسط النساء تعمل الآن هكذا.
    بحيث تقول الرواية إنها تمنت على أبيها رسول الله  خاتما من ذهب (وان كنا نجلها عن ذلك). فقال صلي، فستجدينه تحت مصلاك. فوجدته ولبسته. فرات في اليوم الثاني في المنام إنها داخلة إلى الجنة وإنها تتجول فيها. فرأت قصرا عظيما ولطيفا. فسالت الملائكة: قصر من هذا؟ فقالوا لها: انه قصر فاطمة بنت محمد. فتجولت فيه فرات رجلا لكرسي تنقصها قطعة ذهب صغيرة. فقالت: لماذا هذه النقص؟ فقالوا لها: لقد استدعت به إلى الدنيا.
    فجلست منزعجة، وشكت حالها إلى أبيها . فقال لها: صلي وضعيه تحت مصلاك فانه يذهب ويرجع إلى الجنة.
    فالحسين عندما يكون متواضعا، يتجرأ الناس عليه، فينصحونه. وهو يستمع إلى كلام الصغير والكبير. فكانوا يناقشونه بما يريدون. ولكنه يفعل ما يريد وكان له أن لا يأخذ بكلامهم.
    (قالت أم سلمة: لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق فاني سمعت جدك رسول الله  يقول: (يقتل ولدي الحسين بالعراق بأرض يقال لها كربلاء)، وعندي تربتك في قارورة دفعها إلي النبي .) .
    والى هنا يكون حصول البلاء محتملا، ولكن لننظر في الجواب:
    فقال الحسين : يا أماه وأنا اعلم أني مقتول مذبوح ظلما وعدوانا، وقد شاء عزوجل أن يرى حرمي ورهطي مشردين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيديين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا .
    وهذا معناه إن القضاء الحتمي نافذ في ذلك قطعا. ومع ذلك قالت أم سلمة: وأعجباه فأني تذهب وأنت مقتول؟. وكان ينبغي لها أن تقول: وا عجباه كيف لا تذهب!. فان ذهابك حتمي.
    فقال : يا أماه إن لم اذهب اليوم ذهبت غدا، وان لم اذهب في غد ذهبت بعد غد، وما من الموت والله بد. واني لأعرف اليوم الذي اقتل فيه، والساعة التي اقتل فيها، والحفرة التي ادفن فيها. كما أعرفك وانظر إليها كما انظر إليك. وان أحببت أن اريك مضجعي ومكان أصحابي.
    فطلبت ذلك، فأراها تربة أصحابه  المستقبلية  ثم أعطاها من تلك التربة وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة، فإذا رأتها تفور دما تيقنت مقتله. وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دما .
    أقول: لعل البعض يفهم من (أراها تربة أصحابه) انه أراها ارض كربلاء في ذلك الحين، مع العلم إن المقصود من ذلك انه أراها كربلاء بعد مقتلهم، أي أراها قبورهم. وكذلك فان الرواية تقول (تربة أصحابه) وليس تربته لأنها لا تطيق ذلك.
    والظاهر إن القارورة الأولى دفعها رسول الله  إليها وهي تربة الحسين ، والثانية دفعها الحسين وهي تربة أصحابه.
    وقد كان السيد أبو جعفر (قدس سره) ملتفتا إلى إن الحسين أجاب كل واحد من ناصحيه بما يناسب حاله وقناعاته، وهو اعلم بحال المخاطب له. فأم سلمة اعتذر إليها بوجود القضاء الحتمي، ومحمد بن الحنفية اعتذر له بأنه رأى جده رسول الله  في المنام فأمره بذلك، وأجاب عبد الله بن عمر قائلاً:  أما علمت إن بني إسرائيل كانـوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبيا، ثم يبيعون ويشترون كأنهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.
    والذي احسبه إن المحصل في كل الأجوبة واحد بالرغم من اختلافها بالدلالة المطابقية. وهو متكون من أمرين:
    الأول: الإشارة إلى إن ذلك من القضاء المحتوم.
    الثاني: انه عازم على عدم البيعة والخروج إلى العراق.
    مضافا إلى إننا ينبغي أن نلتفت إلى إن لقاءً قد حصل كل مرة مع واحد من هؤلاء. فهل من الممكن إنها اقتصر على هذه الكلمات القليلة التي نقلها المؤرخون، أو إن الحديث فيها قد طال فعلا؟. وماذا قال الحسين غير ذلك؟. الله العالم. إذن، فلا نستطيع أن نجزم بالفرق الجوهري بين أقواله.
    هذا، وفي التاريخ وضوح بعذر محمد بن الحنفية عن الخروج معه. منها: قول الحسين له:  وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم لا تخفى عني شيئاً من أمورهم . ولم ينقل التاريخ انه فعل ذلك، ولعله لم يتمكن منه.
    وكذلك وصيته إليه قبل خروجه من المدينة فإنها واضحة بالدلالة الالتزامية على وجوب بقائه وليس جوازه فقط .
    وعلى أي حال فما سمعته قبل عدة سنين من بعض الخطباء من انه كان معذورا لأنه كان قوي الساعدين فأصيب بالعين فضعفت ساعداه، لا حاجة إليه، مضافا إلى إنها رواية ضعيفة وبعيدة الصدق.




    كتاب الحسين  إلى البصرة

    قال التاريخ : وفي مكة كتب الحسين نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة، وهم مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر ابن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمرو بن عبيد، يدعوهم إلى نصرته وإمامته. وهي حركة معتد بها في مقام المعارضة واثبات الوجود. إلا انه لم يستجب احد منهم إلا واحد، وهو يزيد بن مسعود حيث جمع الجيش وسار بهم فلم يدرك النصرة.
    فسلم المنذر ابن الجارود العبدي رسول الحسين إلى ابن زياد فصلبه عشية الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة وأما الأحنف فانه كتب إلى الحسين : أما بعد (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) .
    وقد كتب يزيد بن مسعود جوابه إلى الحسين بالموافقة، فلما قرأ الحسين كتابه قال: مالك، آمنك الله من الخوف وأعزك وارواك يوم العطش الأكبر. ولما تجهز بن مسعود إلى المسير، بلغه قتل الحسين فاشتد جزعه، وكان أسفه لفوات الأمنية من السعادة بالشهادة.




    مهمة مسلم بن عقيل 

    ثم إن الحسين كتب كتاب الجواب إلى أهل الكوفة، وتجدونه بالمصادر . وأعطاه إلى مسلم بن عقيل ليحمله إلى الكوفـة، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف. فان رأى الناس مجتمعين له عجل له بذلك.
    فاقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله  وودع أهله واستأجر دليلين من قيس، فاقبلا به فضلا الطريق وعطشوا فمات الدليلان من العطش . وقالا له قبل موتهما: هذا الطريق إلى الماء. وفي مقتل المقرم : انه تركهما ومضى على الوصف ولم يسعه حملهما لأنهما على وشك الهلاك.
    فكتب مسلم إلى الحسين (وهذا ما حذفه المقرم): أني أقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلا الطريق، واشتد عليهما العطش فماتا. واقبلنا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا. وذلك المـاء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت. وقد تطيرت من وجهي هذا، فـان رأيت أعفيتني وبعثت غيري. فكتب إليه الحسين : أما بعد فقد خشيت إلا يكون حملك على الكتاب إليّ إلا الجبن، فامض لوجهك والسلام.
    فهنا إشكالان حول الدليلين اللذين ماتا وتركهما مسلم بن عقيل ، والرواية مجملة انه تركهما قبل موتهما أم بعده. وعلى كلا التقديرين لا يكون هذا جائزا. أما إذ كان قد تركهما في حياتهما فيجب عليه انقاذهما من العطش والهلاك. وأما إذا كان قد تركهما بعد موتهما فيجب عليه تجهيزهما ودفنهما.
    وجوابه: إن هذا سؤال من لا يعرف الحال في تلك الصحراء المترامية الأطراف، التي لا أول لها ولا آخر كما يقال. ولكلا الحالين جوابه:
    أما إذا كان قد تركهما قبل موتهما، فله أكثر من جواب:
    أولاً: ما ذكره المقرم حيث قال: وغاية ما وضح للدليلين العلائم المفضية إلى الطريق لا إلى الطريق نفسه. ولم تكن المسافة بينهم وبين المـاء معلومة، وليس لهما طاقة على الركوب بانفسهما، ولا مردفين مع آخر. وبقاء مسلم بن عقيل معهما إلى منتهى الأمر يفضي إلى هلاكه ومن معه. فكان الواجب الأهم التحفظ على النفوس المحترمة بالمسير لإدراك الماء، فلذلك تركهما بالمكان .
    ثانيا: عدم استطاعة جلب الماء إليهما لليقين أنهما لو رجع إليهما لوجدهما قد ماتا.
    ثالثا: إنهما رضيا بمغادرته، فقد سقط حقهما في ذلك وفدياه بانفسهما.
    غير إن ما ذكره المقرم من وجود آخرين معه خلاف الظاهر، بل الظاهر انه بقي وحده، وتوجه إلى الماء وحده.
    وأما إذا تركهما بعد موتهما، فتغسيلهما وتكفينهما ودفنهما متعذر تماما. ونقلهما إلى مكان آخر اشد تعذرا.
    فإن قلت: فانه يمكن أن يكون قد ييممهما ويدفنهما.
    قلنا: هذا يأخذ منه الجهد والوقت والعطش، وهو قد كان مشرفا على الهلاك من الحر والعطش مثلهما، إلا انه أقوى قليلا. فلم يكن من المعقول أن يمارس ذلك كله وهو مجهد جدا.
    مضافا، إلى إن الدفن لأجل حجب ضرر الجسدين عن الناس. ومعلوم إن الجسدين في هذه الصحراء الواسعة لا ضرر فيه على احد وسوف يسرع إليهما الجفاف تحت الشمس المحرقة أو تأكلهما الحيوانات. فلا يكون احد متضررا.
    والسيد المقرم وان لم ينقل التشاؤم من قبل مسلم بن عقيل كما نقله ابن الأثير، إلا انه نقل شيئاً يدعمه، ويدل على إن لمسلم مثل هذا الفهم والاتجاه، يعني يتفاءل ويتشاءم من بعض الأشياء. وقد لا يكون هذا اختياريا للفرد.
    قال المقرم: ولما قرأ مسلم الكتاب سار من وقته، ومرَّ بماء لطي فنزل عليه ثم ارتحل. فإذا رجل يرمي ظبيا حين اشرف له فصرعه فتفاءل بقتل عدوه.
    أقول: هذا من الصعب فهمه، وذلك لعدة أمور:
    أولا: انه لم يكن يعلم انه سيحصل بينه وبين عدوه قتال، وليس في الكتاب الذي يحمله إشارة إلى ذلك.
    ثانيا: إن العكس هو الصحيح. فان الغزال رمز للخير والعطاء، ويستفاد من لحمها وجلدها. إذن،، فمن الراجح أن تكون رمزا عنه هو. فيكون قتلها رمزا عن مقتله لا عن مقتل عدوه. وهذا بالنسبة إليه من التشاؤم لا من التفاؤل.
    وعلى أي حال فمن يتفاءل يمكن أن يتشاءم. فلا تكون تلك القصة ببعيدة من هذه الناحية، وان لم ينقلها المقرم، وبالتأكيد انه رآها في المصادر ولم ينقلها حفاظا على سمعة مسلم بن عقيل 
    والجواب على ذلك من وجوه:
    الأول: تكذيب هذه الحادثة والاستعفاء عن الذهاب نتيجة للتشاؤم. فانه موجود في مصادر العامة وغير موجود في المصادر الخاصة. فلعله من الدس الذي حصل ضد أهل البيت وتابعيهم .
    الثاني: إن النفس مركوز فيها من كلا الجانبين الهدى والضلال. فكما يوجد من أهل الضلال ما يكون من جانب الهدى فأيضاً قد يوجد من جانب أهل الهدى ما يكون إلى جانب الضلال. وهو ليس ضلالاً، وإنما هو من جنس حب الذات أو حب الدنيا وخوف الموت، وهو ارتكازي لدى الفرد. إلا انه قد يكون مضادا للهدف الحق كما في هذه الحالة.
    ومثلها قول مسلم بن عقيل في الكوفة حين قيل له: (إن من يطلب ما تطلب لا يبكي إذا نزل به ما نزل بك. قال: ما على نفسي بكيت، وان كنت لا أريد لها طرفة عين تلفا، ولكن ابكي على أهلي المقبلين من بعدي) . مما يدل على إن هذا الحال كان يستيقظ في نفس مسلم بن عقيل بين الحين والحين.
    الثالث: إن التشاؤم قد يُحصّل اليقين بالنتيجة وهما أو حقيقة، ولم يكن مسلم بن عقيل متوهما لان ما حصل بالنتيجة هو مقتله فعلا.
    ومعناه انه من هذا التشاؤم حصل له اليقين من فشله دنيويا، وعدم حصول الخير في وجهته تلك. الأمر الذي يؤدي إلى فشل مهمته التي أرسله الحسين لأجلها. وبالتالي سيعود الفشل إلى الحسين والى الدين في النتيجة. فيكون الأولى أن يبادر إلى الاستعفاء عن ذلك. ولا اقل من المبادرة إلى السؤال من الحسين عن الاستمرار في مهمته.
    وأما قوله: (أعفيتني وبعثت غيري)، فالشيء الذي افهمه إن التشاؤم يرتفع بالتبديل. أو قل إن التشاؤم إنما هو على خصوص مسلم ، فإرسال غيره يرفع التشاؤم. فمن المنطقي أن يرسل الحسين شخصا يخلو من احتمال الفشل الدنيوي، وهو خير للحسين وللدين أيضاً، لو أخذنا هذا التشاؤم بنظر الاعتبار. ولذا قال مسـلم بن عقيل بلسان الناصح المؤدب: (فان رأيت أعفيتني وبعثت غيري).
    ولم يكن لمسلم بن عقيل أن يسكت بعد أن حصل له الاطمئنان من الفشل الدنيوي.
    فإن قلت: فانه يعلم إن الحسين يعلم بذلك.
    قلنا: أولاً: لا دليل على انه يعلم به لان مستويات المعصومين لم تكن ظاهرة بين أجيال الشيعة إلى ذلك الحين.
    ثانيا: انه إن كان يعلم بذلك فهو يعلم إن ذلك العلم لا يستعمله في الظاهر، وإنما يتصرف بصفته جاهلا به. فلا بد أن يجعله عالما ظاهرا به.
    وأما جواب الحسين فهو لم يقل فيه (انك جبان) وإنما كلامك ذلك يمكن أن يحمل على الجبن، أو هو مظنة الجبن. أو قل: لو صدر من غيرك لكان محمولا عليه. فلذا يقول: خشيت أن لا يكون حملك على ذلك.
    وهذا معناه أمران:
    الأول: الظن المستفاد من خشيت، بل هو لا يدل على الظن الفعلي بل الاقتضائي، وهو المظنة كما يعبرون.
    الثاني: الانحصار ما حملك إلا.. فلو لم يكن منحصرا لما كان عيبا. ولربما يكون هو الجانب الأدنى والأضعف في نفسه، ويكون الجانب الأهم من الاستعفاء هو مصلحة الدين، ولكن لا باس أن تقتضي مصلحة الدين نجاته من المصاعب أو من القتل. نعم لو كان الجبن وحده حمله على ذلك لكان ضعفا شديدا أو عيبا.
    مضافا إلى إن الحسين يعلم بجهة التشاؤم، وإنها قد تأتي بغير اختيار، ولم يكذبه في ذلك. ولكن كان العتب عليه هو إن المتوقع منه تحمل التبعات وان حصل التشاؤم. وأما التوهـم بأنها ستكون ضد الدين فهو ليس بصحيح، لان الهدف الديني الحقيقي يتوقف على حصول مثل هذه الأمور لا على نفيها. نعم تأسيس الحكم الثابت ينافيه. ولم يكن الحسين مستهدفا ذلك، ولم يكن مسلم بن عقيل يعلم بذلك.
    وأريد هنا الإشارة إلى شيء، وهو إنني جعلت في حياتي فلسفة أطبقها. ومن جملة الأمور التي هي من فلسفتي: إن التشاؤم والتفاؤل لا مجال لها في حياتي ولكن قد حُّمّل عليّ التشاؤم في يوم ما تحميلا. فانه قد يكون اختياريا. وحينما لا يكون اختياريا لا يكلف الإنسان بتركه.
    فعندما مرضت والدتي رحمها الله مرض الوفاة، وقد نقلناها إلى المستشفى، وكان والدي هو المُرافق لها. وكنت اذهب إليهما بين الحين والآخر.
    وفي مرة من المرات، حينما كنت اذهب إلى المستشفى صادفت سيارة محطمة في الطريق، فتشاءمت من وجود هذه السيارة قهرا ومن دون اختيار، وأولت ذلك إن أمي ستتوفى. وكلما أردت التخلص من هذا التشاؤم لم استطع. ولعله لم يمر على والدتي إلا ساعة، وتوفيت، رحمها الله تعالى. فان التشاؤم قد يكون غير اختياري وقد يكون صادقا في بعض الأحيان.
    * * *
    وأريد هنا أن اعقد مقارنة بين موقف مسلم بن عقيل وموقف نبي الله يونس  فكلاهما أراد الانسحاب عن ساحة المعركة وعُوقب على انهزامه. ولكن موقف مسلم بن عقيل أفضل حالا من موقف يونس  .
    فعند المقارنة نجد في موقف مسلم بن عقيل نقطة ضعف ونقطة قوة. أما نقطة الضعف: فان يونس صبر حتى حصل له اليأس من هداية قومه. وقد حصل له اليأس بعد عدة سنين قضاها بينهم. وأما مسلم بن عقيل قد أراد الانسحاب والاستعفاء قبل إن يواجه قومه.
    وأما نقطة القوة في موقف مسلم بن عقيل  فان عقوبة يونس كانت أن يبتلعه الحوت. ولكن مسلم بن عقيل لم تعجل له العقوبة. وكان حوته من بعد ذلك هو عبيد الله بن زياد. لأنه المسيطر دنيويا كسيطرة الحوت.
    ويونس إنما دخل في البلاء الدنيوي رغما عليه. ولكن مسلم دخل باختياره. فانه أمر بالدخول فدخل. كالرجل الذي قال له الإمام الصادق :  الق نعلك من يدك وأجلس في التنور  فأطاعه وجلس في التنور.
    وهذا إنما يدل على علو مقام مسلم بن عقيل  وانه مصداق الرواية التي تقول: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. وفي رواية: أفضل من أنبياء بني إسرائيل . لان الاتجاه الإسلامي يجعل الإنسان في قالب جديد نفسيا وعقليا واجتماعيا وروحيا.
    والشيء الذي لا ينبغي أن يفوتنا بهذا الصدد: إن الحسين لم يعلق على قضية التشاؤم. فانه لم يؤيده ولم ينقده. فانه لا توجد مصحة في تأييده لكي لا تعتمد الناس عليه. ولا يمكن أن ينفيه، لأنه قد يصدق في بعض الأحيان. فكان من الأفضل أن يسكت عنه.


    دخول مسلم بن عقيل  في الكوفة

    قال المؤرخون: ولخمس خلون من شوال دخل الكوفة فنزل دار المختار ابن أبي عبيدة الثقفي ، وكان شريفا في قومه، كريما، عـالي الهمة، مقداما، محاربا، قوي النفس، شديدا على أعداء أهل البيت . له عقل وافر ورأي مصيب، خصوصا بقواعد الحرب والغلبة على العدو. فانه مارس التجارب فحنكته، ولبس الخطوب فهذبته. انقطع إلى آل الرسول الأقدس، فاستفاد منهم أدبا جما وأخلاقا فاضلة، وناصح لهم في السر والعلانية .
    قالوا: ولما بلغ مسلم بن عقيل خطبة بن زياد ووعيده وظهر له حال الناس، خاف أن يؤخذ غيلة، فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هاني بن عروة المذحجي. وكان شديد التشيع، ومن أشراف الكوفة وقرائها ، وشيخ مراد وزعيمها، يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألفا .
    وكان من خواص أمير المؤمنين على بن أبي طالب  ، حضر حروبه الثلاثة ، وأدرك النبي ، وتشرف بصحبته. وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة .
    وليس عشوائيا أن يختار مسلم أمثال هؤلاء لأنهم الأخلص والأقوى والأشهر، والاستناد إليهم قوة في وقت الحاجة، كما إن استنادهم إليه قوة له، لا اقل إثباتا، أي أمام المجتمع والناس.
    مضافا إلى جهة أخرى، وهي إن كل هذه الأمور تحتاج إلى تمويل لا يقوم بها مضيف فقير وان كان مؤمنا. وواضح إن مسلم بن عقيل لم يحمل معه من الحجاز لا زاد ولا راحلة ولا مال، وإنما وصل في غاية الصعوبة إلى العراق. فيحتاج إلى من يموله في مهمته وحركته. فكان له المختار وهاني وغيرهما خير عون في ذلك.
    هذا ومسلم بن عقيل لم يكن رأى الكوفة قبل ذلك. ولكنه حين دخلها لأول مرة لم يكن يتلدد في شوارعها كما تلدد فيها بعد أن تركه الناس. وإنما الذي حصل انه كان يعرف سماعا عن أناس معينين بما فيهم المختار الثقفي، فهو يسال عن داره ويقصده، وهذا يكفي.
    ونلاحظ إن الحسين ترك الإشارة له إلى ذلك، وانه ينزل في أي بيت وذلك لعدة مبررات يمكن أن تكون مجتمعة:
    أولاً: الاعتماد على خبرة مسلم الشخصية وهي كافية جدا في ذلك.
    ثانيا: انه يتعمد أن لا يذكر اسم شخص معين لكي لا تكون هناك نتائج محمودة أو غير محمودة بالنسبة إليه.
    فمثلا حين دخل النبي  المدينة لأول مرة لم يذكر اسم احد، وإنما حين دعي إلى البيوت ذكر إن ناقته مأمورة، فبركت إلى جنب بيت أبي أيوب الأنصاري ، والذي كان فقيرا لا يطيق شيئاً من المسؤوليات. فقد كان إخفاء اسمه متعمدا كما إن اختياره فقيرا متعمدا لإظهار المعجزة في تيسير الأمور. فتقول الرواية بما مضمونه: إن النبي  قال ائتني بفخذ شاة ورغيف خبز وبذلك أكل الناس كلهم ولربما لعدة أيام.
    فلو صرح النبي  بأنه سوف ينزل عند فلان لكان ذلك خلاف المصلحة، فلعل الآخرين يعتبون، فبدلا من المفاسد حصلت مصالح كثيرة.
    وأما في الكوفة فاختياره غنيا وقويا متعمد أيضاً. وفي كلا الحالين فدرجة من الإخلاص متعمدة ومخطط لها أيضاً، لوضوح انه لو نزل عند شخص غير مخلص لما استطاع التحرك على ما يرام. سواء قصدنا بذلك النبي  أو مسلم بن عقيل .
    ثالثا: إن المظنون أنهما ـ اعني الحسين ومسلم ـ اتفقا على العنوان الذي يسير فيه في الكوفة ويقصده، اعني دار المختار الثقفي إلا إن أحدا منهما لم يصرح بشيء حفظا للمصلحة العامة.
    قالوا : ووافت الشيعة مسلما في دار المختار بالترحيب، واظهروا له من الطاعة والانقياد ما زاد في سروره وابتهاجه. فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين ، قام عابس بن شبيب الشاكري (وهو ممن قتل مع الحسين في الطف) وقال: ( إنني لا أخبرك عن الناس ولا اعلم ما في نفوسهم ولا أغرك بهم، والله إني أحدثك عما أنا موطن عليه نفسي. والله لاجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، ولا أريد بذلك إلا ما عند الله. )
    وقال حبيب بن مظاهر (وهو ممن قتل في الطف أيضاً): (قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، وأنا والله الذي لا اله إلا هو على مثل ما أنت عليه). وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما.
    وأقبلت الشيعة يبايعونه حتى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفا. وقيل بلغ خمسا وعشرين ألفا. وفي حديث الشعبي بلغ من بايعه أربعون ألفا. فكتب مسلم بن عقيل مع عابس بن أبي شبيب الشاكري الى الحسين  يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته وانتظارهم لقدومه. وفيه يقول: (الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي.)
    وكان ذلك قبل مقتل مسلم بن عقيل بسبع وعشرين ليلة، وانضم إليه كتاب أهل الكوفة وفيه: (عجل القدوم يا ابن رسول الله فان لك في الكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر)

    البيـــعة
    وهنا فكرة البيعة وهي مسح اليد باليد، وهي طريقة ظاهرية تدعم الجهة الباطنية للإيمان. وكان العربي إذا أعطى عهدا وفى. حتى إنهم قالوا للزهراء لو كنا نعلم ما تقولين ما بايعناه، ولكننا بايعاناه ولا نستطيع أن نتراجع . فهو يعطي الوفاء لأية بيعة يكون قد أعطاها باختياره.
    وقد أخذها الإسلام ومشى عليها النبي  في بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً  .
    وواضح من الآية إن يد رسول الله  تكون هي العليا ويد الآخر هي السفلى، كما إن يد رسول الله  تكون ثابتة ويد الآخر تكون متحركة، إلا إن جهة الحركة تختلف. والظاهر إنها ينبغي أن تكون باتجاه جسم الولي وليس بالاتجاه المضاد كما تدل عليه الرواية لبيعة الرضا في زمن المأمون. وليست البيعة على شكل المصافحة على أي حال.
    وهي بالرغم من أهميتها الاجتماعية ونص القرآن عليها وفـعل المعصومين لها، بما فيهم النبي  وأمير المؤمنين بعد الخليفة الثالث والإمام الحسن بعد أبيه ومسلم بـن عقيـل والإمام الرضا ، وما ورد عن المهدي إلا إن الفقه والفقهاء لم يعتنوا بها كثيرا، وإنما بقيت لمجرد الإعلام.
    وذلك لعدة نقاط، منها: إن بين البيعة الظاهرية والبيعة الباطنية وهو الاعتقـاد بالولاء عموما من وجه. فقد يجتمعان كما في حبيب بن مظاهر الأسدي وعابس ابن شبيب المالكي. كذلك قد يفترقان، فيأتي المنافق فيبايع، فهل تقبل بيعته ثبوتا؟. وأما إثباتا فتكون مجرد تغرير وخدعة قد يترتب عليها نتائج غير محمودة.
    ومن ناحية أخرى: انه يمكن الاكتفاء بالبيعة الباطنية وهو الإخلاص والولاء. وهي العمدة، فمثلا إذا كان شخص بعيدا آلاف الأميال فهل يكلف أن يأتي إلى الإمام فيبايعه أو النساء مثلا وهكذا. وماذا يقول أبناء العامة في ذلك؟ جزما لا يجب!. وإنما سيصبح صاحبهم أيا كان خليفة لمجرد انه بايعه جماعة قد يكونون مئة أو ألف. فيكون حجة ووليا على عدة ملايين لم تبايعه ولم تعرفه.
    وعلى أي حال، فالبيعة وان اختصت الآن بمسلك أبناء العامة فإنهم أكثر اعتقادا بها منا. إلا إنها عندنا ممكنة وملزمة لصاحبها. نعم، عدمها لا يدل على عدم الولاء، كما إن وجودها لا يدل على الولاء. ولنا في وجودها أسوة حسنة برسول الله  والـمعصومين فليس لنا أن ننكرها أصلاً. وان كـان الصحيح هو النص، رغما على الناس ويفرض عليهم سواء بايعوه أم لا.
    وهو على أي حال مسلك إعلامي جيد جدا من الناحية الاجتماعية والدينية. وقد سار عليه مسلم بن عقيل بالرغم من إننا نلاحظ انه ليس في كتاب الحسين ذلك. وبالرغم من إن المبايعة له، فانه من الواضح أنها ليست له، وإنما يـنظرونه ممثلا للحسينفهي مبايعة للحسين عن طريقه. وأي منهما كان فهو المطلوب.

    شكل البيعة
    نستطيع أن نفهم من القرآن الكريم، ومن الرواية في أخذ البيعة للإمام الرضا التي سنذكرها بعد قليل إن شاء الله، إن الإمام المبايع ينصب يده، فيأتي الناس واحدا واحدا يمسحون أيديهم بيده. إذن، فالمبايعة ليست على طريقة المصافحة الحديثة.
    وقد يتصور البعض إن المبايعة أن ينصب المبايع يده بحيث يجعل باطن كفه إلى الأعلى وهم يمسحون على يده. ولكن هذا غير صحيح، بدليل الآية الكريمة  يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. فان الماسح سوف تكون يده أعلى من يد رسول الله ، في حين إن الآية تقول:  يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي يد رسول الله فوق أيديهم.
    وأما الرواية التي وردت في بيعة الناس للإمام الرضا فتقول انه جلس الإمام الرضا واقبل الناس يبايعون. وقد نصب الإمام يده فجعل ظاهرها إلى الأعلى وباطنها إلى الأسفل. فأخذ الناس يمسحون باطن أيديهم بباطن يده ابتداءً من جهة الزند إلى أطراف الأصابع. إلا إن واحدا من الناس مسح بالعكس أي ابتداءً من أطراف الأصابع إلى الزند. فالتفت الرضا إلى المأمون وقال: هذه هي البيعة الصحيحة، فكل أولئك مخطئون. فصاح المأمون ارجعوا وبايعوا الرضا مرة أخرى. فاقبلوا كلهم وبايعوا بالعكس .
    وحسب فهمي أن الحركة إذا كانت من الزند إلى أطراف الأصابع فكأنما يبتعد المبايع عن الإمام، وحينما تكون بالعكس فكأنه يعطي الإشارة إلى الاقتراب من الإمام.
    والرواية تعتبر المصدر الوحيد لشكل البيعة بعد ضمها إلى الآية الكريمة.
    إن قلت: كيف تكون يد الله تعالى عبارة عن يد رسول الله  مضافا إلى إننا يمكن أن نفهم من الآية (قوة الله فوق قواهم، وهو قادر ومسيطر عليهم).
    جوابه: انه في الإمكان أن يكون المراد لله سبحانه وتعالى عدة معاني في الآية الكريمة ولا تنحصر في معنى واحد.
    ويمكن أن تكون هناك عدة وجوه غير ما ذكر لحمل الآية على أن المراد يد رسول :
    الوجه الأول: إن الرسالة التي يتحملها رسول الله  نحو من العلقة بالله سبحانه وتعالى، مضافا إلى استحالة أن تكون يد الله فوق أيديهم، فليس له يد جارحة ولا يصدق عليها الفوقية من الناحية المادية. وكذلك الاتصال المادي بين الله وبين عالم الممكنات لا يصدق. وكذلك هم من الناحية العرفية لم يبايعوا الله وإنما بايعوا رسول الله ، إذن، فقرينة المجاز موجودة.
    الوجه الثاني: ما يسمى في علم الأصول بالتنزيل، فنقول هنا بتنزيل يد رسول الله  منزلة يد الله، وليس المقصود أن له يد جارحة، وإنما هو بهذا المعنى الروحي الذي لا نفهمه.
    الوجه الثالث: إننا نفهم من يد الله سبحانه القوى الكونية الفاعلة، فكل فاعل مؤثر، إنما يؤثر بمشيئة الله وبإرادة الله أما تشريعا كالهداية الإسلامية، أو تكوينا. فكل القوى الفاعلة هي أيدي لله سبحانه وتعالى، ومن جملة أيدي الله بهذا المعنى هو رسول الله، فهو يد الله، لأنه قوة فاعلة في الكون تكوينا وتشريعا.
    وحينما تكون يد رسول الله  جزءا منه، فكأنما هي رسول الله ، ورسول الله  يد الله بهذا المعنى. إذن، فيد الله فوق أيديهم.
    الوجه الرابع: وهو معنى باطني، فقد لوحظت يد رسول الله فانية في الله سبحانه وتعالى. وإذا لوحظت فانية في الله سبحانه فهي في عالم الفناء وفي طول لحاظ الفناء، تصبح يد الله سبحانه وتعالى وليست يد رسول الله . فهي في الدنيا يد رسول الله  ولكنها في عالم الفناء هي يد الله جل جلاله.

    * * *

    ثم إن في هذه الكتب الإشارة إلى استعجال حضور الحسين إلى الكوفة. وهي ضرورة واقعية أدركوها لأنهم يتحسبون بالظن ما حصل مستقبلا من استفحال أمر الظالمين. ولو كان الحسين قد دخل الكوفة في ذلك الحين لتم الأمر ولتغير تاريخ الإسلام إلى العصر الحاضر. ولكن  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ .
    والذي يظهر إن كل من بايع يسجل اسمه ويذهب. حتى أحصى ديوانه اثني عشر ألف رجل.
    إلا إن الذي يبدو بوضوح إن هؤلاء يفكرون بتفكير، والحسيـن يفكر بتفكير آخر. فهؤلاء يفكرون تفكيرا اجتماعيا والحسين يفكر بالشهادة. وما كان أسهل عليه أن يركب الفرس وحده، أو في نفر قليل ويصل إلى الكوفة بيومين أو ثلاث، ويدخلها قبل عبيد الله بن زياد. إلا انه أثقل رحله بالنساء والأطفال والرجال بعنوان انه يأخذ جيشا كبيرا من المدينة إلى الكوفة. فثقلت حركته ولم يستطع الوصول إلا بعد فوات الأوان. لان الجيش مهما كان فانه يحتاج إلى طعام وشراب ومنام وغير ذلك كثير. والمفروض إن كل هذه الأمور لا تكون إلا بالمعجزة.
    وهو لم يبطئ بالذهاب عبثا. إلا لأنه رأى إن نفعه ونفع الآخرين بشهادته أعظم من حكمه. وبيدنا أمران، أحدهما محسوس وهو النفع الذي حصل بشهادته في الدنيا والآخرة. والآخر محتمل كأطروحة، وهو إن الحكم الذي كان من الممكن إن يكون ليس في وقته ولا الناس مستحقون له ولا يتحملونه ولا يقومون بمسؤوليته. ومن أوضح نتائجه انه من الممكن أن ينقلب ويزول ويأخذه الظالمون من أيديهم.
    في حين إن المفروض بالحكم الحق إذا حصل أن لا يزول إلى يوم القيامة، بحيث يكون هو الوارث للأرض ومن عليها. ومن هنا ورد: ودولتنا في آخر الدهر تظهر . لان الله سبحانه يوفر لها علل البقاء والاستمرار، وتكون قد أخذت موقعها الحقيقي من الكون في حدود الحكمة الإلهية. أما التعجيل قبل ذلك فليس بمستحسن بالتأكيد.
    مضافا إلى إمكان القول بان البلاء الدنيوي يقل بذلك الحين، أو يكون من نوع آخر حين يكون البشر محتاجين إلى هذا النوع من البلايا التي نراها في عصورنا الحاضرة. وهو الموجب لكمالهم  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ فإذا تسبب الحسين أو غير الحسين إلى تغيير ذلك فقد تسبب إلى تغيير ما في الحكمة الإلهية من نفع البشر، وبالتالي فقد اضر بالبشر، وحاشاه.
    وكذلك إذا تصورنا إن هذه البلايا تكون إعدادا لظهور المهدي المخطط في قضاء الله وقدره، ووجود المؤمنين العاملين للمهدي ، فإذا تغير ذلك كان على خلاف مصلحة الظهور.
    وعلى أي حال فأية أطروحة ممكنة تكون مسقطة للاستدلال على خطأ الحسين حينما تباطأ عن الذهاب إلى الكوفة.
    وكذلك، كما برهنا في الأضواء على انه لم يرجع حين وصل إليه خبر مقتل مسلم بن عقيل وذلك قبل إن يجعجع به الحر الرياحي بعدة أيام.


    اختيار يزيد لعبيد الله بن زياد

    قال المؤرخون : فساء هذا جماعة ممن لهم هوى في بني أمية منهم: عمر بن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه، وان النعمان بن بشير لا طاقة له على المقاومة.
    أقول: وكان هذا الكتاب سريا لم يعلم به جماعة مسلم بن عقيل ، ولا مسلم نفسه والوقت عندهم متوفر، لأنه ليس المفروض انفضاض الجمع في أيام أو اشهر.
    قالوا : فلما وصل الكتاب إلى يزيد أرسل إلى سرجون مولاه يستشيره. وكان كاتبه وأنيسه. فقال له سرجون: عليك بعبيد الله بن زياد. قال: انه لا خير عنده. فقال سرجون: لو كان معاوية حيا وأشار عليك به أكنت توليه؟ فقال: نعم. فقال: هذا عهد معاوية إليك بخاتمه، ولـم يمنعني أن أعلمك به إلا علمي ببغضك له.
    أقول: إذا كان العهد هو أن يوليه الكوفة: فهذا يحتاج إلى علم الغيب، وهم ليس عندهم علم الغيب، وان كان في توليته البصرة فيزيد يعلمه. فلربما ـ كأطروحة ـ إن معاوية كان يرجح أن يكون لعبيد الله بن زياد العراقين: البصرة والكوفة، فكتب بذلك كتابا لعله ينفد ـ احتمالاـ في المستقبل. أو على ـ أطروحة أخرى ـ: أن يكون سرجون كاذبا، وإنما يريد أن يخـدع يزيد لأجل تنفيذ أغراضه التي يدركها إجمالا، بما فيها ما حصل في واقعة الطف. فان سرجون الذي هو مسيحي وليس مسلما مسؤول عنها.
    قالوا : فأنفذه إليه: وعزل النعمان بن بشير. وكتب إليه: أما بعد، فان الممدوح مسبوب يوما، وان المسبوب يوما ممدوح. وقد سما بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأول:
    رفعت وجاوزت السحاب وفوقه فمالك إلا مرقب الشمس مقعدا
    وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة، ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله أو ينفيه. وفي بعض الروايات: أني ضممت إليك العراقين. يعني ولاية الكوفة زيادة على ولاية البصرة.
    وهنا نرى إن الخلافة الظالمة كانت تعتمد على بعض اليهود أو النصارى. وليس في التاريخ إنهم دخلوا الإسلام، بل كانوا يعتمدون عليه حال كونهم يهود أو نصارى، وهم يعلمون إنهم يريدون السوء بالإسلام. بل كانت الخلافة عميلة إلى ملك الدولة البيزنطية بمقدار فهم الدول يومئذ.
    ومن الطريف إن أمثال هؤلاء كانوا يعملون عند هذه النماذج وينصرونهم وينصحونهم. وكانوا ضد الشيعة وضد ولاية أمير المؤمنين منذ ذلك الحين والى هذا الحين وكل حين، بصفتهم أعدى الأعداء لهم ولمخدوميهم. من حيث إنهم لا يتفقون معهم في دين ولا دنيا. في حين إن تلك النماذج تتفق معهم في الدنيا وان لم تتفق في الدين. وهم يعلمون إن هؤلاء قد اسقطوا الدين وأخذوا بالدنيا. والنصارى واليهود أيضاً قد اسقطوا الدين وأخذوا بالدنيا.
    فهل نحن نعرف العلاقة بين ما يسمى بالدولة الإسلامية وبين الدول البيزنطية. فانه لا يُرى منها في التاريخ إلا قليلا. وتحتاج المسالة إلى تدقيق والى جمع القرائن على ذلك وهي موجودة على أي حال.
    فان بعض الدول الآن توصف بأنها عميلة للاستعمار. ولكن الدول الآن اعقد وأكثر مالا وأكثر أجهزة وأكثر جيشا وسلاحا وأسهل اتصالا. فالعمالة تكون محرجة وشديدة الحرج. ولكنها في السابق ليست كذلك. فان الناس كانوا أنصاف جهلة بما فيهم شعب الدولة البيزنطية نفسها. فالعمالة آنذاك كانت أسهل حصولاً وأسهل إخفاءً.
    والعمالة بهذا المعنى كانت موجودة في المجتمع الإسلامي. وكانت هناك أياد عاملة في المجتمع، تدافع عن الدولة الأجنبية، ويأخذونهم بنظر الاعتبار. فهم رسلهم ونواظرهم، ونحو ذلك من الأمور.
    وليس تقرب هؤلاء، أي (سرجون) وأمثاله، لأجل المصلحة الشخصية، وإنما لأجل المصلحة العامة بنظرهم، أي خدمة الدولة الظالمة التي ينتمي إليها.
    إذن،، يمكن ان نقول بصراحة: ان من قتل الحسين إنما هو الدولة البيزنطية. وكذلك يمكن ان يقال: ان من قتل باقي الأئمة إنما هي الدولة البيزنطية، على أيدي عملائها من ملوك بني أمية وبني العباس. ولا يستبعد ان ينسب مقتل أمير المؤمنين إليهم. بل لا يستبعد ان ينسب مقتل النبي  إليهم .
    فهم يريدون بوسيلة وبأخرى الإطاحة بالشيعة وبقادتهم، لأنهم لا يتفقون معهم بدين ولا في دنيا.
    فان التركيز كان ولا يزال على الموالين لأمير المؤمنين  فالحسين إنما قتل لأنه من الموالين. وكذلك سائر الأئمة إنما قتلوا لأنهم زعماء الموالين.
    فإنهم يعلمون ان الإخلاص في قلوب الشيعة أكثر من الإخلاص عند غيرهم. وان همة الشيعة أكثر من همة غيرهم. وان أهداف الشيعة مختلفة عن أهداف غيرهم. فإنهم يخافون منها، ويحاولون السيطرة عليها. (وللبيت رب يحميه) على أي حال.
    ويوجد هناك مبرر آخر للسيطرة على الشيعة وهو إنهم يضرونهم في الدنيا وفي دولهم الرئيسية، مع احتمال توسع أمرهم. ويضرونهم في الدين أو يحاولون جادين إخراج النصارى واليهود عن دينهم وإدخالهم في الإسلام. مع شيء آخر، وهو إنهم يضرونهم بالهدف. واليهود والنصارى لهم هدف ديني وهو في ذهن اليهود أوضح، ومن هنا قد نجد إنهم اشد عملا له من النصارى. والتوراة ناطقة بذلك. وهي مفسرة بسيطرة أهل الحق. إلا إنهم يطمعون بها، وهم يعلمون إننا أيضاً نطمع بها. كما يعلمون ان الحـق معنا. فهم يريدون ان يدفعوا إرادة الله في مستقبلنا، وهو مستحيل.
    والدولة البيزنطية حسب ذاكرتي مؤسسة قبل ميلاد المسيح ولكنها دخلت في المسيحية بعد المسيح بحوالي ثلاثمائة سنة أي قبل الإسلام بحوالي ثلاثمائة سنة. فكانت في عصر صدر الإسلام موجودة وفي عصر الأمويين والعباسيين إلى عصر الحروب الصليبية. بل لعلها كانت مستمرة إلى زمان محمد الفاتح الذي سقطت القسطنطينية على يده .
    وهي في حينها أقوى دول العالم، وكان الخلفاء يخافون منها ويمتثلون لأوامرها. وكان هناك قيصر روسيا لا احد يشعر بأهميته، لأنه اقل حركة واضعف أمرا. ونلاحظ ان الجيوش الأموية والعباسية كانت تحارب الدولة البيزنطية في مستعمراتها وليس في داخل بلادها، كلبنان وقبرص وشمال أفريقيا. ولم يصدف ولا مرة ان حاولوا الدخول إلى اليونان أو ايطاليا أو رومانيا عن طريق البحر الأبيض المتوسط.
    يبقى موردان للنقض:
    أحدهما: دول أوربا الشرقية التي كانت ساقطة بيد المسلمين إلى عهد متأخر حين سقطت بيد الإفرنج في الحرب العالمية الأولى وتخلت عنها الخلافة العثمانية. فقد يقال: إنها أخذت من الدولة البيزنطية وهي مناطق رئيسية.
    قلنا: كلا، لأمرين:
    الأول: إنها كانت مستعمرة وليست رئيسية، وليس للدولة الأصلية جيوش كافية فيها.
    الثاني: إنها إنما أخذت من قيصر روسيا لا من قيصر روما. يندرج في ذلك ما كان في غرب موسكو مثل يوغسلافيا وجيكسلوفاكيا، وجنوبها كأذربيجان وداغستان وغيرها.
    الثاني: دخول الأندلس.
    وجوابه من عدة وجوه:
    الأول: انه لم يؤخذ من الدولة البيزنطية لان حكمها لم يكن واصلا إلى هناك .
    الثاني: لو سلمناه فانه أمر خاص بالقائد الذاهب إلى هناك.
    الثالث: إنهم كانوا يتوقعون نتائج طيبة جدا كما حصل فعلا.
    ثم ان الفتح الإسلامي كان في أكثر العصور المتأخرة تجارة محضة. فيقول: ذهب فلان فخرب وقتل وغنم ورجع. ثم يأخذ الأموال التي جلبها، ويترك الشعب الذي ضربه في مجاعة وعوز، بدون ان يفكر بان يحكم فيه بالعدل والإسلام. وهذا هو الديدن على مدى مئات السنين، وهو دليل واضح على طلب الدنيا وعدم الإخلاص في العمل.


    كتاب يزيد لابن زياد

    قال يزيد في كتابه لابن زياد: (أن يطلب ابن عقيل أو يقتله أو ينفيه) ، يعني ما يرى عبيد الله من المصلحة. فقد أهدر دمه إلا انه لم يعين قتله. فيكون تعيين قتله من عنديات ابن زياد. والسبب الرئيسي لذلك هو صمود مسلم بن عقيل  فلو كان قد تنازل لبقي حيا ذليلا، ولكنه مات عزيزا. ومن ذلك قـوله: (السلام على من اتبع الهدى. فقال له الحرسي: ويحك سلم على الأمير. قال: ما هو لي بأمير. قال له عبيد الله: سلمت أم لم تسلم فانك مقتول) . لأنه رأى في تلك اللحظة ومن لحن كلامه صلابته بالحق وعدم استعداده إلى التنازل.
    وحسب فهمي فان فكرته هو انه يجب ان يسير في الطريق الذي سار به إلى نهايته، ولا تجب عليه التقية التي يدفع بها عن نفسه الموت. أو قل لا يجب عليه ان يتحمل الذلة التي يدفع بها الموت عن نفسه.
    وذلك لأكثر من مصلحة:
    أولاً: المصلحة العامة للدين وللحسين إذ يقال: ان رسول الحسين قد خانه أو انه كان ضعيفا، قد تأخذه في الله لومة لائم. فلماذا أرسله الحسين وهو يعرفه على هذه الصفة. ولكنه لم يكن كذلك.
    ثانيا: مصلحته الخاصة بالشهادة ونيل المقامات العليا.
    وبذلك ينتفي في نظره حكم التقية لوجود الجهة الأهم أكيداً. وبذلك نستطيع ان نقارن بين حالة استعفائه السابقة وحالة صموده اللاحقة. فان حالة استعفائه السابقة ـ لو صحت ـ لم يكن فيها خطر على المصلحة العامة، لأنه لم يكن قد واجه المجتمع ولا أعداء الله سبحانه. أما حينما يكون هناك خطر على المجتمع وعلى الدين فلابد من الصمود.
    قالوا : فتعجل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمائة رجل انتخبهم من أهل البصرة.
    وهذا يدل على ان البصرة شاركت في قتل مسلم وقتل الحسين وليس الكوفة فقط. وقد شاركت قبل ذلك في قتال على يوم الجمل. ومن الصحيح ان الجيش المعادي كانوا كلهم عراقيين، إلا القواد فإنهم حجازيون. وأما من بني أمية فلم يكن احد على الإطلاق. نعم، إنما كان هو أمر من بني أمية. أو ما حدث خارجا من التخويف والترغيب ونحو ذلك.
    قالوا: فجد في السير وكان لا يلوي على احد يسقط من أصحابه، حتى ان شريك بن الأعور سقط في أثناء الطريق وسـقط عبد الله بن الحارث، رجاء ان يتأخر ابن زياد من اجلهم، فلم يلتفت ابن زياد إليهم مخافة ان يسبقه الحسين إلى الكوفة.
    ولما ورد القادسية سقط مولاه مهران. فقال له ابن زياد: ان أمسكت على هذه الحال فننظر القصر فلك مائة ألف. قال: والله لا أستطيع. فتركه عبيد الله. ولبس ثياب يمانية وعمامة سوداء وانحدر وحده . فكأنه ترك رجاله خارج الكوفة، وهذا من الغريب، إذ لعله يواجه السلاح فيكون مضطرا إلى المقابلة. فكان من الضروري ان يدخل مع أصحابه. إلا انه كأنه اكتفى بالتنكر، فان فيه سلامته. ومن المعلوم انه ليس احد من أهل الكوفة سيعرفه وخاصة في زيه التنكري.
    وأما دخوله مع رجاله فسيعرف البعض من أهل الكوفة بعض رجاله حتما. فلا يكون ذلك في مصلحته وهو لا زال في أول الطريق.
    وهو لا يريد ان يواجه أهل الكوفة بالقتال مباشرة لأنه سيكون فيه الطرف الأضعف فيفشل. وإنما لا بد من السيطرة على الوضع بالغيلة والمكر والتخويف ونحو ذلك مما صنع.


    دخول ابن زياد الكوفة

    قالوا : وانحدر وحده. وكلما مر بالمحارس ظنوا انه الحسين فقالوا: مرحبا يبن رسول الله وهو ساكت، فدخل الكوفة مما يلي النجف.
    أقول: توجد هنا عدة أسئلة:
    السؤال الأول: انه لماذا دخل وحده، إلا يمكن أن يدخل معه جماعة؟ .
    جوابه: حسب فهمي انه لا يريد أن يعرف، حتى لا تكون هناك مضاعفات محتملة في أول طريقه. فلذا اتخذ خطوتين:
    الأولى: انه تنكر من ناحية الزي حتى لا يعرف.
    الثانية: ترك أصحابه خارج المدينة فلعلهم يعرفون من بعض الكوفيين فيعلمون انه ابن زياد.
    السؤال الثاني: ما هي المحارس؟.
    جوابه: المحارس هي محال الحراسة، والظاهر إن مسلم بن عقيل وأصحابه قد أكثروا من نقاط الحراسة بحيث يمر الداخل إلى المدينة بعدة نقاط.
    السؤال الثالث: هل كان سبب سكوته هو انه لا يريد أن يسمعهم صوته لكي لا يعرفونه؟.
    جوابه: حسب فهمي انه كان ساكتا احتقاراً لهم. لان الحسين لم يكن في ذلك الحين معروفا لا بزيه ولا بوجهه ولا بصوته، لأنه قد فارقهم قبل خمسة عشر سنة.
    قالوا : واستقبله الناس بهتاف واحد مرحبا يا ابن رسول الله. فساءه هذا الحال. وانتهى إلى (قصر الإمارة) فلم يفتح النعمان باب القصر، واشرف عليه من أعلى القصر، يقول: ما أنا بمؤد إليك أمانتي يا ابن رسول الله. فقال له ابن زياد: افتح فقد طال ليلك. فسمعها رجل وعرفه للناس انه (ابن زياد ورب الكعبة). فتفرقوا إلى منازلهم.
    وعند الصباح جمع ابن زياد الناس في الجامع الأعظم وخطبهم وحذرهم ومناهم العطية وقال: أيما عريف وجد عنده احد من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صلب على باب داره. :
    أقول: ويقصد بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، ويقصد ببغية أمير المؤمنين مسلم بن عقيل ، ولكنه لم يذكر اسمه ليكون التهديد عاما. ومن الناحية العملية فانه لا يقصد بغية أميره حقيقة وإنما بغيته هو. وإنما ينتسب إلى ذاك باعتباره قد ولاه على البلد. فيكون التهديد عاما. وماذا يملك ملوك الدنيا إلا التطميع والتخويف، وإلا فإنهم لا يملكون القلوب حقيقة، ولكن يجب أن لا تأخذ الإنسان في الله لومة لائم. وإلا كان مظنة الانحراف والفساد من أي شيء، وخاصة في مثل الضغط الذي أوجده ملك عبيد الله بن زياد.
    ولم يكن في الكوفة إلا نفر قليل جدا ممن لا تأخذه في الله لومة لائم. وإنما اتبعوا مسلم في ظرف السلامة والحرية، وأما مع الضغط فمن الصعب البقاء على البيعة. فلو كان نقض البيعة عيبا عند العرب فهم الآن مستعدون أن يبيعوا هذا الشرف بأرخص الأثمان، لكي يحافظوا على حياتهم.
    قالوا : ولما وضح الأمر لابن زياد إن مسلما مختبئ في دار هاني بن عروة دعا أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وسألهم عن انقطاع هاني. قالوا: الشكوى تمنعه.
    أقول: يدل على إن هاني يلازم الذهاب ربما أسبوعيا إلى ابن زياد. ولا اعتقد إن لذلك خصوصية به وإنما بصفته أميراً على الكوفة وهو احد كبرائها. ويريد حفظ مصالحه ومصالح عشيرته اقتصاديا واجتماعيا. فكان يزور باستمرار من يكون والـيا على الكوفة سواء كان هو النعمان بن بشير أو عبيد الله أو غيرهما لأنه مضطر ان يجامل الدولة حفاظا على دنياه.
    إلا إن المسالة الآن اختلفت كثيرا وأصبح فيها هدف ديني جليل، وأصبح عبيد الله بن زياد عدو هذا الهدف، فيجب تركه مهما كانت النتائج. وذلك حينما انتقل مسلم إليه. فهل كان هاني يذهب إلى دار عبيد الله بن زياد حال كون مسلم في دار المختار؟. كلا، لان عبيد الله لم يكن أميرا على الكوفة يومئذ.
    ونحن نستطيع أن نتصور المدة، فان مسلم انتقل إلى دار هاني بعد ورود ابن زياد بأيام. فإذا كان هاني قد قطع الذهاب إلى قصر الإمارة عند ورود مسلم بن عقيل ، إذن، فهو لم يذهب إلا مرة واحدة أو لم يذهب أطلاقاً.
    وجواب ذلك من وجوه:
    أولا: أن نكذب رواية ( السبع وعشرين يوما) ونقول إن المسالة طالت عدة اشهر بحيث كانت له فرصة الزيارات. ولكن حتى لو قلنا إن هذه المدة مبالغ فيها فإننا غاية ما نستطيع أن نفرض ضعف هذه المدة، وهي أيضاً غير كافية لاعتياد ذهاب هاني إلى ابن زياد.
    ثانيا: أن نقول بتكذيب رواية (انقطاعه عنا)، وانه إنما قتله بحيلة أخرى.
    ثالثا: أن نعتبر الانقطاع اعتباريا أو اقتضائيا، يعني من حيث عادته الذهاب إلى الأمراء.
    رابعا: إن شريك الأعور كان صديقا لعبيد الله بن زياد، وعرف الأخير انه نازل في بيت هاني، وسمعنا عنه انه سقط لكي يتخلف عبيد الله بن زياد، وسمعنا عنه انه هو الذي حاول قتل ابن زياد غيلة. وقد كان مخلصا في تشيعه.
    إلا إن هذا الوجه لا يتم، لأنه ينبغي أن يدعو شريك الأعور وليس هاني، ولا اقل أن يدعوهما معا.
    قال المقرم عن تاريخ الطبري: ولبث شريك بعد ذلك ثلاثة أيام ومات، وصلى عليه أبن زياد ودفنه بالثوية، ولما وضح لابن زياد إن شريكا كان يحرض على قتله، قال: (والله لا اصلي على جنازة رجل من أهل العراق أبدا، ولولا إن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا) .
    خامسا: إنها مجرد حيلة لاستدعائه، فانه كلام فارغ يراد به الإعداد للشر لا أكثر ولا اقل. لأنه لم يكن قد ذهب هاني لكي ينقطع. ولا اقل انه لم يكن قد عوده الذهاب الكثير لكي يعتب عليه بالانقطاع.
    سادسا: إن ذلك باعتبار إننا نفهم من الانقطاع الاتصال السابق فإذا لم نفهم ذلك انسد السؤال، وبقي الفهم على الانقطاع الأزلي.
    سابعا: ن زياد ابن أبيه كان واليا على الكوفة حوالي ثلاث سنوات من سنة تسعة وأربعين إلى ثلاثة وخمسين. فمن المحتمل إن ابنه عبيد الله كان معه وكان متصلا بوجهاء الكوفة بما فيهم هاني نفسه. وهذا يفسر معرفته بطرق الكوفة.
    ويقول ابن الأثير انه خطب (زياد) فحصبوه، ومات في الكوفة سنة 53. وذهب عبيد الله إلى معاوية فأرسله واليا إلى خراسان . وهذا يفسر انه لماذا وعد عمر بن سعد ملك الري، لأنه مطلع عليه، وله فيه معرفة ومعارف.
    قالوا : فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه على باب داره كل عشية.
    أقول: وهي عادة موجودة عند كثير من الطبقات في كثير من المدن. ويستقبلون بعض أصدقائهم في الشارع، باعتبار إن داخل البيت لا يساعده على ذلك. فبالتأكيد إن هانيا ومسلما كانوا يستقبلون الناس في الفسحة التي أمام دار هاني. فانه بالتأكيد لا يجلس وحده وإنما مع مسلم وآخرين.
    واصلا إن عبارة (يجلس) يعني يجلس لاستقبال الناس، ولا يراد بها الجلوس كيف كان. نعم لو لم يكن للفرد أصدقاء أو ضيوف جلس وحده، ولم يكن هاني كذلك بصفته شيخ مراد ومضيف مسلم بن عقيل. فلا ينبغي أن نأخذ الأمر بسذاجة كما يأخذه بعض المتشرعة.
    وذكروا عن الإمام الحسن انه إذا جلس على باب داره أو في الطريق وقف كل المارة ولم يمشوا إجلالا له.


    اعتقال هاني

    قالوا : فركب هؤلاء الجماعة إليه، وسألوه المسير إلى السلطان فان الجفاء لا يحتمله والحّوا عليه. وهم لا يعلمون بل لا يظنون بظن معتد به النتيجة التي حصلت فورا وهي انه سجنه فورا ولم يعد إلى داره، وانه قتل على اثر ذلك. كما إن هانيا نفسه لم يكن يظن ذلك، وكان له ثقـة في عشيرته. فانه إذا صاح (وامذحجاه) ذهبت له الآلاف وأنقذته في أي موقف كان.
    وإذا كان هناك شيء ينبغي أن يفكر به ابن زياد من الشر، فليس في الزيارة الأولى وليس غيلة. كما إن هذه الزيارة للمجاملة وستقلل غضب الدولة وابن زياد عليه، وستفتح غض النظر وحرية التصرف لديه. ومن ثم سيكون هذا في مصلحته ومصلحة مسلم بن عقيل أيضاً. ومن ثم في مصلحة الدين والمذهب. إلا إن ابن زياد كان أذكى من ذلك وأقسى من كل ذلك، وقد غدر به من أول مرة.
    قالوا: فركب بغلته، ولما طلع عليه قال ابن زياد: أتتك بحائن رجلاه.
    و(حائن) يعني من حان حينه وقرب موته وهو دال على عزمه على قتله.
    والتفت إلى شريح القاضي وهو منصوب من قبل الدولة للقضاء في الكوفة وقال:
    أريد حبائه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
    وهو البيت الذي تمثل به أمير المؤمنين تجاه ابن ملجم. وكلاهما من مراد، فوقع في محله.
    والبيت ينسب لعمرو بن معد يكرب قاله في ابن أخته . ولا نعلم صلته بقبيلة مراد. إلا أن نحمل (مراد) هنا على المعنى اللغوي. أو هو من مراد على أية حال.
    وأمير المؤمنين كان صادقا حينما قال ذلك، فقد كان يعتني بابن ملجم بصفته احد أصحابه، كما كان حاله قبل ذلك. إلا إن عبيد الله كان كاذبا في ذلك، فلم يكن قد اظهر الخير لهاني ولا طرفة عين. فقوله: أريد حبائه غلط أكيداً. وهو كاذب، وإنما هي مجرد دعوى ولقلقة باللسان.
    قالوا: ثم التفت إلى هاني وقال: أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له السلاح، فانكر عليه هانـي. وإذ كثر الجدال دعا ابن زياد معقلا. ففهم هانـي ان الخبر قد أتاه من جهته. فقال لابن زياد: ان لأبيك عندي بلاء حسنا وأنا أحب مكافئته. فهل لك فـي خير تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم، فانه جاء من هو أحق بالأمر منك ومن صاحبك.
    فقال بن زياد:والله لا تفارقني حتى تأتيني به. قال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. فأغلظ له ابن زياد وهدده بالقتل. فقال له هاني: إذن، تكثر البارقة حولك (يعني لمعان السيوف) وهو يظن ان مرادا تمنعه. فأخذ ابن زياد بظفيرته وقنع وجهه بالسيف حتى كسر انفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته، وحبسه عنده.
    فإن قلت: ان قوله: (والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه) عبارة عن احتقار فلماذا قالها هاني؟.
    قلنا: جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إنها قد تكون نقلاً بالمعنى والتغيير من الرواة.
    ثانيا: إنها لغة عامة تقال على كل احد وقد تستعمل للاحتقار، كقول معاوية عن العهود التي بينه وبين الإمام الحسـن (وهاهي تحت قدمي). ولكن الاحتقار يعرف من السياق.
    ثالثا: ان (لو) إمتناعية. فلم يقل إذا كان تحت قدمي لا ارفعها، وإنما قال (لو). وهذا يمكن استغلاله للجواب. فيكون المعنى انه لن يكون تحت قدمي، أو ممتنع ان يكون تحت قدمي لان شانه أعلى وأرقى.
    رابعا: ان تحت القدم يعتبر أقوى مناطق الفرد لثقل جسمه عليه. وهو عبارة عن حمايته الكاملة.
    خامسا: ان تحت القدم ـ بعكس السابق ـ يعتبر أسهل الأمور تسليما وذلك بخطوة واحدة عنه وهي سهلة. فهو بالرغم من ان التخلي سهل جدا إلا انه لا يسلمه له.
    قالوا: وبلغ عمرو بن الحجاج ان هانيا قتل وكانت أخته روعة (وفي رواية رويحة) تحت هاني يعني زوجته، وهي أم يحيى بن هاني. فاقبل في جمع من مذحج وأحاط بالقصر.
    فلما علم به ابن زياد أمر شريح القاضي ان يدخل على هاني ويعلمهم بحياته. قال شريح: لما راني هاني صاح بصوت رفيع: يا للمسلمين ان دخل علي عشرة أنقذوني. فلو لم يكن معي حميد بن أبي بكر الاحمري وهو شرطي، لأبلغت أصحابه بمقالته. ولكن قلت: انه حي. فحمد الله عمرو بن الحجاج وانصرف بقومه.

    * * *

    هاني بن عروة في نظر ابن الأثير

    يفهم بوضوح من الكامل لابن الأثير انه جعل هانياً رجل دنيا، وانه إنما قتل في سبيل تقاليده الاجتماعية والعشائرية. فلا يكون شهيدا، وإنما الشهيد هو الذي قتل لكي تكون كلمة لا إله إلا الله هي العليا.
    قال في الكامل: فدخل القوم على ابن زياد وهاني معهم، فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي: أتتك بحائن رجلاه. فلما دنى منه قال عبيد الله:
    أريد حياتـه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
    وكان ابن زياد مكرما له. فقال هاني: وما ذاك ؟. فقال: يا هاني ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين؟ جئت بمسلم وأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت إن ذلك يخفى علي؟. فقال: ما فعلته. فقال: بلى. وطال بينهما النزاع. فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين. فجاء حتى وقف بين يديه. فقال: أتعرف ذلك؟. قال: نعم، وعلم هاني عند ذلك انه كان عينا عليهم. فسقط في يده ساعة، ثم راجعته نفسه. قال: اسمع مني وصدقني، فوالله لا أكذبك. والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رايته جالسا على بابي يسألني النزول عليه، فاستحييت من رده، ولزمني من ذلك ذمام. فأدخلته داري وضيفته، وقد كان من أمره الذي بلغك. فان شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى انطلق وأخرجه من داري وأعود إليك.
    قال: لا والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به. قال: لا آتيك بضيفي تقتله أبدا.
    فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس في الكوفة شامي ولا بصري غيره. فقال: خلني وإياه حتى اكلمه لما رأى من لجاجه. وأخذ هانيا وخلا ناحية من ابن زياد بحيث يراهما. فقال له: يا هانـي أنشدك الله أن لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك. إن هذا الرجل ابن عم القوم، وليسوا بقاتليه ولا بضائريه، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان. قال: بلى إن علي في ذلك خزيا وعارا. لا ادفع ضيفي وأنا صحيح، شديد الساعد، كثير الأعوان. والله لو كنت واحدا ليس لي نـاصر لم ادفعه حتى أموت دونه. فسمع ابن زياد ذلك فقال: أدنوه مني. فأدنوه منه، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك. قال: إذن، والله تكثر البارقة حول دارك، وهو يرى إن عشيرته سوف تمنعه. فقال: ابالبارقة تخوفني.
    وقيل: إن هانيا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينا لعبيد الله علم انه قد اخبره الخبر، فقال: أيها الأمير، قد كان الذي بلغك، ولم أضيع يدك عندي، وأنت آمن واهلك فسر حيث شئت. فاطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة. فقال: وآ ذلاه هذا الحائك يؤمنك في سلطانك. فقال: خذه.
    وأخذ مهران ظفيرتي هاني، وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب انفه وجبينه وخده حتى كسر انفه، فسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب.
    فضرب هاني يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه. فقال له عبيد الله: احروري، أحللت بنفسك وحللت لنا قتلك. ثم أمر به والقي في بيت وأغلق عليه. فقام إليه أسماء بن خارجة وقال: أرسله يا غادر، أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دمائه وزعمت انك تقتله. فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك، فجلس. فأما ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى الأمير لنا كان أو علينا.
    فإذا كان الأمر كما يقال هنا، إذن، فلا نستطيع أن نقول: هو شهيد. فانه قتل في سبيل صيانة قانونه العشائري.
    وجواب ذلك من عدة وجوه:
    الوجه الأول: أن نطعن في سند هذه الروايات، فان هذا الكلام لا وجود له في المصادر الشيعية والإمامية والموالية، وإنما هو موجود فقط في المصادر العامة. فهم متعمدون هذا المعنى، لأنهم يريدون بوضوح فضح الشخصيات الإمامية والمجاهدة والضاربة بالسيف بين يدي المعصومين وأصحاب المعصومين  فأما أن نطعن بابن الأثير نفسه، وأما أن نطعن بالرواة السابقين عليه. وعلى كل تقدير فالمسالة ساقطة.
    فإن قلت: إذا كان ابن الأثير على هذا المستوى فلماذا لم يغض من شان مسلم بن عقيل ، مع العلم إن من كان اتجاهه هكذا فلابد أن يغض من شان كلا الشخصين.
    قلنا: انه فعل ذلك أحيانا إلا انه لم يستطع، لوضوح شان مسلم بن عقيل بشكل أجلى وأعلى من هاني بكثير كما هو واضح.
    الوجه الثاني: انه يمكن ـ بعد التسليم بصحة النقل ـ انه يحمل كله على الصحة.
    أما الكراهة في أن يكون مسلم بن عقيل عنده، فباعتبار الشعور بثقل المسؤولية الدينية الملقاة على عاتقه واعتبارها شديدة الصعوبة، ولعلها تؤدي إلى القتل. مع العلم انه كان في حل منها وبرئ منها لو لم يكن مسلم بن عقيل قد قصده. فهذا الكره تعبير آخر عن الهيبة لتلك المسؤولية.
    وأما قوله: ضيفي ونحو ذلك، فانه إنما يتكلم بلغة المجتمع لكي يلقي الحجة على ابن زياد أولاً،ولا يفهمه اتجاهه الديني ثانيا. ولو احتج بالجهة الحقيقية لما اقتنع ابن زياد.
    الوجه الثالث: إننا نعرف هاني رضوان الله عليه كان متقدما في السن، وقويا في الحق ومن صحابة النبي ، وقد شارك أمير المؤمنين في حروبه. ثم هو كان مستعدا للموت في سبيل أهل الحق. ويكفينا أن نلتفت إن ضيفه لو كان من أهل الباطل لكان يمكنه أن يجعل هناك مبررا للقبض عليه، بان يخدعه بالخروج من بيته أو يرسله لحاجة ونحو ذلك، فإذا خرج تم القبض عليه وبرئت الذمة منه. ولكنه لم يفعل ذلك اتجاه مسلم وفداه بحياته.



    تفرق أصحاب مسلم بن عقيل 

    يوجد هناك نفس المطلب في مقتل المقرم وفي تاريخ ابن الأثير وهو عبارة عن إعطاء السبب الذي جعل أصحاب مسلم بن عقيل يتفرقون بهذه السرعة. ولكنه يوجد فرق بين مقتل المقرم وتاريخ ابن الأثير أريد أن أبرزه.
    يقول المقرم: ولما بلغ مسلما خبر هاني خاف أن يؤخذ غيلة، فتعجل الخروج قبل الأجل، وأمر عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله. فاجتمع إليه أربعة آلاف ينادون بشعار المسلمين يوم بدر: (يا منصور أمت) (أي المنصورون بالله يميتون أعداء الله).
    ثم عقد لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال: سر أمامي على الخيل. وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل بالرجال. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان. وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة. واقبلوا نحو القصر، فتحرز ابن زياد فيه، وغلق الأبواب ولم يستطع المقاومة لأنه لم يكن معه إلا ثلاثون رجلا من الشرطة وعشرون رجلا من الأشراف ومواليه.
    لكن نفاق الكوفة وما جبلوا عليه من الغدر لم يدع لهم علما يخفق. فلم يبق من الأربعة آلاف إلا ثلاثمائة. وقد وصفهم الأحنف بن قيس بالمومسة تريد كل يوم بعلا.
    ولما صاح من في القصر: يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم وجربتموهم. فتفرق هؤلاء، حتى إن الرجـل يأتي أخاه وابنه وابن عمه، فيقول لـه: انصرف. والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به حتى يرجع. فصلى مسلم بن عقيل العشاء في المسجد ومعه ثلاثون رجلا، ثم انصرف نحو كندة ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلا وإذا لم يشاهد من يدله على الطريق. فنزل عن فرسه ومشى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجه.
    وأما ما جاء في الكامل لابن الأثير فانه قال: واتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه (يا منصور أمت) وكان شعارهم. وكان بايعه ثمانية عشر ألفا، وحوله في الدور أربعة آلاف. فاجتمع إليه ناس كثير فعقد مسلم لعبد الله الكندي على ربع كندة، وقال: سر أمامي. وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد. وعقد لأبي تمام الصائدي على ربع تميم وهمدان. وعقد لعباد بن جعدة الجدلي على ربع المدينة.
    واقبل نحو القصر، فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز القصر وأغلق الباب. وأحاط مسلم بالقصر وامتلأ المسجد والسوق من الناس. وما زالوا يتجمعون حتى المساء، وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرطة، وعشرون رجلا من الأشراف وأهل بيته ومواليه. واقبل أشراف الناس يأتون إلى ابن زياد من قبل الباب الذي يلي باب الروميين. والناس يسبون ابن زياد وأباه. فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج في من أطاعه من مذحج. فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس. وقال مثل ذلك للقعقاع بن ثور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار ابن ابجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي، وترك وجوه عنده استئناسا بهم لقلة عدد من معه.
    وخرج أولئك النفر يخذلون الناس، وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية ففعلوا. فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول: انصرف الناس يكفونك. ويفعل الرجل مثل ذلك. فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا.
    فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة، فلما خرج إلى الباب لم يبق معه احد. فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة.. الخ.
    وهذا الأسلوب من البيان أجود بكثير من أسلوب المقرم، ولكن مع ذلك تبقى فيه شائبة أسئلة وإشكالات يمكن توجيهها إليه.
    وهذه الإشكالات لا حاجة إلى بيانها، وإنما أبينها بالأجوبة والوجوه الآتية:
    الجواب الأول: إن هذا كله فرع صحة النقل التاريخي. وأما إذا كان فاسدا أو مزيدا فيه أو محرفا ونحو ذلك من الأمور، إذن، فنحن لا نعرف ما الذي وقع بالتحديد في الكوفة.
    الجواب الثاني: إن المؤرخين قالوا إن القصر ليس فيه تحصين كافـي. ولكننا ينبغي أن نلاحظ موقف هؤلاء المهاجمين، هل يعلمون عدد من كانوا في داخل القصر. فلربما تكون قوة لا قبل لهم بها. فمن الذكاء أن يأخذوا بنظر الاعتبار كل الاحتمالات، وليس إنهم يقومون بعملية أو هجوم غير معلوم النتائج.
    الجواب الثالث: ـ وهو وإن كان إلى حد ما خلاف ظاهر عبارة الكامل، ولكنه كأطروحة جيدة، وعليها بعض القرائن ـ فانه عقد لهؤلاء القواد الأربعة بعنوان: سر أمامي. وقد بقي هو يدبر اللمسات الأخيرة للأمر. ويحتاج إلى أن يبقى في مركزه، لا ان يكون في الخط الأول أو خط المواجهة. حينئذ نضم مقدمتين:
    المقدمة الأولى: إن المبادرة أصبحت لعبيد الله بن زياد، بالمكر الذي مكره. ومسلم كان لا يدري. فالتخذيل بدأ ومسلم لا يعرف، وتفرق الناس ومسلم لا يعلم.
    المقدمة الثانية: إن الجيش لا يتحرك إلا بأمر، والى تلك الساعة لا توجد أوامر. فانه لم يكن موجودا ليأمرهم. والجيش ليس له الحق بان يقوم بأي شيء ما لم يأخذ تخويلا من قائده الرئيسي. إلى أن حصلت الحركة المضادة، وانتهى الحال.
    الجواب الرابع: انه لم يكن المخطط في المهاجمة فورا. فكل ما في الأمر أن يجمعوا الجيش ويستقر الحال، وكل فرد يشعر بمسؤوليته ويشعر إن قائده فلان. فإذا أصبح الصباح فإنهم سوف يهجمون. فالوقت أضيق من أن تحصل فيه المهاجمة، وإنما هو وقت الراحـة. فالعسكر في مثل هذا الوقت لا يصلح أن يكون جيشا مرتبا. وأما الآن فإنهم يتفرقون إلى منازلهم للراحة، ثم يجتمعون صباحا لكي يبدءوا الحرب من جديد. وإنما يحاصر القصر بحراسة كاملة من قبل جماعة معتد بها. فلربما كان مسلم يخطط بهذا المعنى. فاستغل الفرصة ابن زياد ففعل ما فعل من الأشياء.
    الجواب الخامس: إن التحاق الفرد في أي جيش في الحروب السابقة يكون باختياره، فليس لهم أن يقتلوه أو يضروه إذا لم يخرج، ولا إنهم يمدوه بالسلاح. وإنما يخرج هو بقناعته فيقاتل. فهؤلاء الذين خرجوا مع مسلم إنما خرجوا بقناعتهم. ونحن نعلم إنهم ليسوا على مستوى واحد. فكثير منهم مذبذبون، ) خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ( . فبمجرد ان يروا الباب مغلقة يمكن ان ينسحبوا. فكل الأمور إنما هي اختيارية.
    الجواب السادس: تأثير مكر ابن زياد، وهو تأثير جيد دنيويا. وعبيد الله بن زياد يعرف نفوس أهل الكوفة وأشراف أهل الكوفة. ويعرف من يرسل ممن يستطيع ان يقنع قليلا أو كثيرا. فطمعهم وخوفهم وخذلهم، وكلها أكاذيب. ولكنهم لو كانوا سمعوها من ابن زياد نفسه لكذبوها. لكنهم سمعوها من أناس يحسنون بهم الظن. ففي الإمكان إضلال الناس عن طريق من يدعي لنفسه الوثاقة في كل جيل. ولما تضائل الجيش آيسوا من النصر، فخير لهم ان يتفرقوا.
    الجواب السابع: عدم التخطيط المسبق، فبمجرد ان وصلهم خبر اعتقال هاني انطلق شعار (يا منصور أمت)، فاجتمع الجيش. فكأن الجيش لا يحتاج إلا إلى أمر بالولايـة لكي يجتمع. وهذا في نفسه جيد ولكنه ينبغي ان يكون في مجتمع إما ساذج بحيث ليس فيه مكر وخداع، وأما في مجتمع عالي الإيمان أو الإخلاص بحيث لا يؤثر فيه المكر والخداع. ولم يكن مجتمع الكوفة من هذا الشكل ولا من هذا الشكل.
    والملحوظ بوضوح ان مسلم بن عقيل لم يتابعه عند انفراده، احد من أعدائه ولا احد من مواليه وأصدقائه.
    أما عدم متابعة أعدائه فينبغي ان يكون واضحا، حيث كانوا يخافون من بقاء الناس في المسجد، والدنيا كانت مظلمة فلا يتضح وجود شخص مسلم بن عقيل وربما لأجل ذلك تخلى مسلم بن عقيل عن فرسه ان صحت الرواية، لأنه لو كان راكبا لكان ملفتا للنظر.
    وأما عدم متابعة أصحابه له فلأجل سببين لا اقل:
    الأول: لكي لا تخلوا الساحة لابن زياد، فلابد من وجود بعض المؤمنين لأجل بث الفكرة الحقة في أذهان الناس.
    الثاني: إنهم يعلمون ان الحسين مقبل، فيحافظون عل أنفسهم لأجل خدمة الحسين .
    ومن الواضح حسب النقل التاريخي ان مسلم بن عقيل لم يطلب إجارته من احد من الناس. ويمكن إعطاء عدة أسباب لذلك فانه لا يريد امتنان احد منهم. مضافا إلى حصول الاطمئنان بالشهادة. مضافا إلى طلب الشهادة، مضافا إلى انه ربما تسبب إلى إنزال الشر عليه يعني على من يطلب منه، فيكون مسؤولا أمام الله سبحانه. مضافا إلى سقوط الأسباب والاتكال محضاً على الله سبحانه.



    استجارة مسلم بن عقيل  في دار طوعة

    وأما دار طوعة فيعتبره مسلم بن عقيل هبة من الله سبحانه لأنه جاء صدفة باللغة الدنيوية.
    واستجارته في بيتها له معناه لأنه يكون فيها بعيدا حسب الظاهر عن عيون القوم وبعيداً عن السياسة باللغة الحديثة، وهو لم يطلب منها إلا استجارة ليلة واحدة وفي الصباح يدبرها مدبر الأمور ويحمد القوم السرى.
    وطبعا كان مسلم بن عقيل لا يعلم ان ابنها عميل السلطة أو يمكن ان يبلغ عنه.
    فإن قلت: فلماذا لم يحسب مسلم حساب ذلك ولو احتمالا.
    قلنا: لم يكن له بديل غيره. وأما بيوت أصحابه فلم يكن يعرف الطريق إليها. مضافا إلى ما قلناه من إنهم لم يطلبوا منه ذلك فكيف يدخل عليهم.
    وأما خروجه إلى البرية ليلاً وحده فهو اشد خطرا ولا يعرف الطرقات والشوارع الرئيسية، وليس له مقصد معين يقصده. وليـس في الأطراف إلا الرعاة والفلاحين، ولا توجد مدينة كبيرة إلا البصرة وهي بعيدة جدا مضافا إلى كونها ليست اقل خطرا من الكوفة عليه.
    مضافا إلى إمكان التعرف عليه في المحارس، وان لم يكن قد أمروا فورا بالقبض عليه. إلا إنهم يعلمون ما يحدث في داخل الكوفة، فلربما منعوه عن الخروج أو قتلوه و نحو ذلك. وهذا احتمال وارد سواء عرفوه أم عرّفهم نفسه أو لم يكن ذلك.
    وهنا يحسن الالتفات إلى أني وجدت في كتاب أسد حيدر (مع الحسين في نهضته)، ما مؤداه: (وسواء صحت قصة طوعة أو لم تصح) .
    فكأنه يريد بصراحة أن يشكك فيها، وهو ليس بالفرد الاعتيادي بل هو مدقق وذكي.
    وما يمكن ان يكون سببا له في ذلك عدة أمور محتملة:
    أولاً: ضعف سند النقل التاريخي، فنستطيع ان نقول انه مرسل وليس له إسناد، وكل نقل مرسل فهو ليس بحجة، فهذا ليس بحجة.
    ولكن هذا يمكن أن يجاب بأكثر من جواب واحد حلا ونقضا:
    أولا: انه وارد في الكتب المعتمدة القديمة، كالكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير والإرشاد للمفيـد . وإذا كان على هذا المستوى فليس لنا أن نناقش فيه، وليس لنا في التاريخ ما هو أفضل من ذلك سندا إلا النادر.
    ثانيا: إننا لو ناقشنا بمثل هذه الحادثة فينبغي ان نناقش في كثير من الحوادث، لان عدداً معتدا به منها أيضاً متصف بنفس هذه الصفة. مع العلم ان المتشرعة يعترفون بها.
    ثالثا: إننا يمكن أن نجمع قرائن دالة على الصحة، لأنه توجد أشياء سابقة ولاحقة على هذه الرواية من أوضحها انه هوجم في بيت طوعة، وكذلك ذهاب ولدها لأخبار ابن زياد، وكذلك إرسال ابن زياد لمجموعة من أصحابه للقبض عليه أو لقتله. فهذه كلها أمور مربوطة ببيت طوعة، فتكون قرينة على صحة هذه الرواية إما بالدلالة المطابقية أو بالدلالة التضمنية. فإذا جعلت كقرائن فسوف يحصل نحو من الاستفاضة للرواية.
    ثانيا: لعله حمل أصحابه الخاصين على الصحة، وإنهم دعوه إلى بيوتهم وأخفوه عندهم كما هو واجبهم على ما نتصور ويتصور. وإذا كانوا فعلوا ذلك فلا تصل النوبة إلى بيت طوعة.
    إن قلت: انه حورب في اليوم الثاني، وهذا كله حصل أمام بيت طوعة.
    جوابه: انه حورب وأرسل له عدة دفعات من الجيش، ولكنه لا دليل على انه أمام باب طوعة، بل أمام باب الذي اعتصم به أيا كان صاحبه.
    ولكن مما يدفع هذا الاحتمال قضايا عديدة:
    منها: إن التاريخ ينسب ذلك إلى بيت طوعة وليس هذا من اختيارنا، وإنما باختيار المؤرخين وهذا يكفي.
    ومنها: إننا عرفنا إن مسلم بن عقيل حسب النقل التاريخي لم يطلب من احد استجارة، ولم يطلب احد منه أجارته. فلم يلجئ إلى أصحابه لأنه يتوقف على احد هاتين المقدمتين، فأما أن يقول لأحد وأما أن يقول له احد. إذن، كيف يلجأ إلى أصحابه؟.
    مضافا إلى قرينة أخرى محتملة وهي انه لو كان لجأ إلى أصحابه، أو نقله أصحابه إلى بيت كامل الأمان لما حصل هذا الذي حصل، أي لما دوهم في بيته وحورب وقتل، بل كان آمنا عدة أيام ولربما لعدة اشهر، ولربما كان من المنتظر أن يكرر الحركة والتوجه والتدخل بالأمور الاجتماعية مرة ثانية.
    ثالثا: لعله يدعي أن مسلم بن عقيل حين نادى بالجيش وجمعه، حارب وحورب وقتل كما يقتل أي واحد حامل السلاح ومعارض.
    جوابه: إن هذا غير محتمل وخلاف نص وتسالم التاريخ. فان الجيش الذي أعده مسلم بن عقيل في ذلك اليوم لم يحارب ولم يقتل منه ولا واحد، لا مسلم بن عقيل ولا غيره. ولم يكن لدى ابن زياد الجيش الكافي لمقابلة هؤلاء، وإنما تسلسلت الحوادث حسب النقل التاريخي.
    فالظاهر إن حادثة طوعة متحققة حسب الاطمئنان للنقل التاريخي.
    وقد يخطر في البال إنها كان يجب أن ترفض إجارته لأحد أسباب. فان تم سبب من هذه الأسباب فكان ينبغي إنها لا تجيره وكانت مقصرة في إجارته. وان لم يتم ولا سبب، إذن، فنعم ما فعلت.
    السبب الأول: إنها امرأة أجنبية عن مسلم بن عقيل لا يستطيع أن يراها أو أن يجلس معها فقهيا وشرعيا، فينبغي لها أن تحذر من كل رجل.
    جوابه: إنها لم تدخله إلى أن استوثقت من حقيقته. فهو عالي المقام وقد عرّفها نفسه، ولربما شرح لها باختصار قضية فشله في تأسيس الجيش ونحو ذلك من الأمور.
    السبب الثاني: إن انفراد الأجنبيين حرام في نفسه، وهذا ما حصل في دار طوعة ويقول السائل إن هذا حرام عليهما معا.
    جوابه من وجهين:
    أولاً: كأطروحة إنها لم تكن متفقهة بهذا الحكم الشرعي، وأما هو فلم يعلم بالصغرى. فلعل في البيت أطفال أو زوج فلا يحرم إن كان معهما ثالث.
    ثانيا: ما من شيء حرمه الله إلا وأحله في حال الضرورة. فانه وان كان محرزا انه سوف يجتمع في المنزل ولا ثالث معهما ولكن تلك الحرمة تسقط عند وجود العسر والحرج والضرورة.
    السبب الثالث: إنها كانت تعلم إن ولدها عميل قصر الأمارة، فكان عليها أن تعتذر من مسلم بن عقيل في ذلك، وان إدخاله في بيتها خطر عليه وليس فيه استجارة عمليا كما حصل فعلا.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إنها عامية وبسيطة ولا تدرك هذه الأمور الاجتماعية والسياسية، أو إنها يمكن أن تغفل عنها وتتساهل فيها وتتناساهـا، من أدنى ملابسة. ولعل ذهنها انشغل بشيء آخر وهو إنها عرفت إن شخص ما من أهل البيت واقف على بابها، فأخذتها الهيبة والتفكير في شان مسلم بن عقيل .
    ثانيا: لعلها لم تكن تعلم بعلاقة ولدها بقصر الإمارة، ولم يخبرها عن ذلك. فهي لا تعلم علاقاته الاجتماعية.
    فإن قلت: انه يبدو إنها شاكة به. لأنه عندما سألها: لماذا تكثرين الدخول والخروج إلى البيت؟ قالت: اله عن ذلك. فلماذا تلهيه إذا كانت واثقة منه.
    قلنا: إن هذا لا يدل على إنها مسبوقة بأي شيء عن علاقته بقصر الإمارة، وإنما كان ذلك زيادة في الحيطة والحذر. ففي الإمكان إن النفس الأمارة بالسوء أو جهة الخوف قد تدعوه إلى شيء.
    ثالثا: إنها لعلها كانت تعلم بعلاقته المشبوهة بالقصر، لكنها لا تعلم نوع العلاقـة ما هو؟. فهل هي من قبيل التجسس وإعطاء الأخبار أو شيء آخر له جهة اقتصادية أو جهة اجتماعية. فحينما تجهل عمله فإنها تجهل انه سوف يعطي خبر مسلم بن عقيل .
    رابعا: إنها ظنت إنها بالمواثيق والإيمان تسيطر على ولدها، وقد حملته على ذلك فعلا وأعطاها ما تريد فعلا. إلا إن ذلك لم يؤثر فيه.
    وإذا نظرنا إلى السبب النفسي الذي حمل ابن طوعة على نقل الخبر (وهو طبعا رجل لا دين له) برزت عدة أمور غير متنافية:
    الأول: خوفه سوء العاقبة الدنيوية التي حصلت من تهديد ابن زياد وهو: إن من عرف مسلم في بيته مستجيرا فانه سوف يقتل. فرأى أحسن طريقة في نظره أن يشي به حتى يكفى شر التهديد.
    الثاني: إننا نستطيع أن نلاحظ انه ليس هو الذي أجار مسلما، وإنما أجارته أمه. فهو من هذه الناحية يشعر انه غير مسؤول عنه من حيث الاستجارة. ومن هذه الناحية لا يكون موضوعا للحكم العشائري بالالتزام بالاستجارة. فانه يقول ويشي من دون رادع من دين ولا دنيا.
    الثالث: انه يدور أمره بين ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
    الاحتمال الأول: إبقاء مسلم بن عقيل في دارهم فيموت تحت تنفيذ تهديد ابن زياد.
    الاحتمال الثاني: إخراجه من البيت، وهذا ـ بعد التنزل عن الوجوه السابقة ـ يعتبر خيانة للقانون الاجتماعي والعشائري.
    الاحتمال الثالث: تسليمه إلى السلطة، وهذا أهون الشرور الدنيوية في نظره. فكأن التسليم إلى السلطة له جانب استثناء من القانون العشائري.
    الرابع: كأطروحة، انه كان عميلا فعلا وذا علاقة بالقصر، ومن هنا قام بوظيفته تلك، أو انه عميل لكنه لم يكن مأمورا بالتسليم وإنما أراد ان يتزلف إليهم.
    الخامس: انه سلمه طمعا بالجائزة، وهي موجودة في كل الأجيال. فالسيطرة إما خوفا وإما طمعا. حيث قال ابن زياد: ان من يأتي به فله ديته . وقد وجدنا في جيلنا وفي غير جيلنا من يتوصل إلى قتل ابنه أو أخيه أو أبيه في سبيل ان يطمع بالجائزة. فحين وجد مسلم عنده وفي داره اعتبر ذلك فرصة ذهبية له. وما قيمة مسلم وغير مسلم بإزاء الذهب الفتان، من وجهة نظره.
    إن قلت: انه أعطى عنه خبرا، وليس إعطاء الخبر عنه تغريرا بحياته، لأنه لا يعلم انه سوف يقتل. فلعله يسجن أو يعنف ثم يطلق سراحه. فلم يكن متسببا إلى قتله مباشرة.
    جوابه من أكثر من وجه:
    أولا: إننا نعلم بيننا وبين الله تعالى انه ليس له تسليمه على كل حال حتى لو تكلموا معه كلمة احتقار واحدة. فانه سوف تكون مسؤوليتها على هذا الرجل، فضلا عما إذا تكلموا أكثر من ذلك، فضلا عما إذا قتلوه، وهذا ينبغي ان يكون مسلما.
    ثانيا: ان ابن زياد كان قد خطب خطبته بالليل، وجمع الناس بعد خروج المعارضين، وهدد وتوعد وطمع الناس. فموقفه واضح. فانه إذا كان يهدد من يجير مسلم فكيف لا يهدد مسلم نفسه.
    ثالثا: إننا لو غضضنا النظر عن ذلك، فقد كان الموقف المتأزم ينذر بالخطر فعلا، وهذا ينبغي ان يكون واضحا. وخاصة بعد تأسيس الجيش من قبل مسلم بن عقيل فانه حمل السلاح بوجه عبيد الله بن زياد. فحينئذ ماذا يستحق من حمل السلاح بوجه السلطة إلا القتل باصطلاحهم؟.
    ومما قد يثار بهذا الصدد ان الحرب التي خاضها مسلم بن عقيل مع المهاجمين كانت حرب انفرادية فلم يعاونه فيها احد من خلق الله تعالى لا من الأشرار ولا من الأخيار. ويبدو انه قاتل راجلا بلا جواد. ويبدو من ارتكاز المتشرعة والمؤرخين ان هؤلاء المهاجمين كانوا فرسانا، فكيف حاربهم بدون فرس، فما أسهل ان يقتل؟.
    وهذا يمكن الجواب عليه من زاويتين لا اقل:
    الأولى: إننا نقول بوضوح إنهم لم يكونوا فرسانا وإنما أيضاً كانوا راجلين، لان مناسبات القضية تقتضي ذلك.
    الثانية: ان المسألة هي ان التعارف الاجتماعي يقتضي ذلك. فنستطيع ان نقول ان هناك ارتكازات عرفية وان كانت دنيوية لكنها موجودة. ومنها: مماثلة المتحاربين من ناحية كونهما راجلين أو فارسين. فمن واجب أحدهما ان يكون مثل الآخر.
    كما ينبغي بهذا الصدد ذكر السؤال التالي: وحاصله إننا قد نتوهم أو نتخيل انه يجب على مسلم بن عقيل شرعا التسليم للجيش المهاجم، حفاظا على نفسه.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: انه كان ذلك طلبا للشهادة، لأنه يعلم انه سوف يقتل بأيدي شرار خلق الله. فلا باس ان يحارب في سبيل الله ويقتل لكي يكون شهيدا. وهي فرصة طيبة من الناحية الأخروية سنحت له بهذا الصدد.
    ثانيا: انه من العار الدنيوي ـ إذا كنا ننظر نظرا دنيويا ـ ان يشتهر ان مسلما سلم سلميا لعدوه بعد ان كان قد اعد نفسه طيلة هذه المدة.
    ثالثا: انه علم انه مقتول على أي حال، سواء حارب أم سالم. لان القرائن الاجتماعية العامة ماشية بهذا الطريق. فإذا كان الأمر هكذا فعلام يجامل ويذل نفسه وهدفه ودينه. فخير له في الدنيا وفي الآخرة ان يموت شريفا من ان يموت ذليلا.
    رابعا: انه لو جامل وهادن فسوف يكون خلاف مصلحة الدين وخلاف مصلحة المذهب وخلاف مصلحة الحسين الذي يفترض به في ذلك الحين انه مستعد إلى المجيء إلى الكوفة، أو في طريقه إليها. وبمعنى من المعاني تكون فضيحة للحسين لأنه يمثل الحسين .
    وأما إلقاء القبض عليه فسببه واضح، لأنها كانت حرب انفرادية لم يشاركه احد فيها أطلاقاً، فمن الطبيعي ـ وان كانت هذه العبارة دنيوية ومؤسفة ـ فمن الطبيعي ان ينهار، مهما كان شجاعاً ومقداماً. لأنهم بالمئات وهو واحد، ولكن ذلك لم يحصل. مثله في ذلك كمثل الحسين لما قتل أصحابه وبقي منفردا أمام الجمع الغفير. وهو موقف يرسله الله ويرزقه لخاصة خلقه حين يريد ان يبتلي صبرهم وثباتهم. ومعنى ذلك ان الفرد الذي ابتلي بذلك على مستوى المسؤولية، وقد وفوا بموقفهم له أفضل الوفاء.




    وصية مسلم بن عقيل 

    قالوا: ثم طلب مسلم بن عقيل أن يوصي إلى بعض قومه، فإذن له. ونظر إلى الجلساء فرأى عمر بن سعد، فقال له: إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سر، فأبى أن يمكنه من ذكرها. فقال ابن زياد: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك. فقام عمر بن سعد بحيث يراهما ابن زياد، وأوصاه مسلم بن عقيل أن يقضي من ثمن سيفه ودرعه دينا استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمائة درهم، وان يستوهب جثته من ابن زياد ويدفنها، وان يكتب إلى الحسين بخبره. فقام عمر بن سعد إلى ابن زياد وأفشى كل ما أسره إليه. فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن.
    وفي ذلك بعض الأسئلة: لعل أوضحها على الإطلاق انه اختار عمر بن سعد لكي يكون وصيا له مع ما عليه من خبث وفسق، ويكفينا انه أصبح قائد الجيش المضاد للحسين في عرصة الطف. فكيف حصل ذلك ولماذا؟ .
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إمكان الطعن في سند الرواية، وهذا يكفي.
    ثانيا: إننا ينبغي أن نلتفت إلى هذه النكتة، فالمستقبل في ذلك الحين كان مجهولا، فواقعة الطف لم تكن موجودة، ولم يكن احد يعرف إن عمر بن سعد سوف يكون القائد للجيش المعادي للحسين  وإنما هو مجرد رجل من غير الموالين للحق ومن الموالين للسلطان. وبتعبير آخر هو أموي الولاء والهوى، فإلى تلك اللحظة لم يكن متطرفا في العناد.
    ثالثا: إن له معه قرابة، فكان أمل مسلم بن عقيل أن يصون له قرابته وان يحترمها.
    رابعا: لعله وجده بالسن أو في الرشد الاجتماعي قابلا لذلك، ويستطيع أن يتحمل هذه الوصية، ومن المحتمل راجحا انه ينفذها.
    خامسا: انه كان من المتعذر لمسلم أن يختار حقيقة أي فرد أو أن يدعو من خارج القصر أي شخص فانه يخاف عليهم، وإنما عليه أن يختار من الحاضرين فقط . فقد وجده أفضل من يحتمل فيه ذلك. وكل الباقين ليسوا حتى بهذه الدرجة من الاستحقاق.
    سادسا: ما ذكره السيد المقرم ، من انه أراد أن يكشف إلى الكوفيين سوء سريرة ابن سعد، ويظهر خيانته وانحطاطه، وعن هذا الطريق فانه لا يكشف عن حقيقته بما هو عمر بن سعد بل عن طبقة من الناس كلهم على هذا المستوى. وهذا ما حصل فورا حتى لابن زياد، حيث نسمعه يقول فيه بالرغم من انه من أصحابه: (ولكن قد يؤتمن الخائن).
    سابعا: إن وجهة الامتحان الإلهي فيها فقط كونها سرا. وإلا فهي ليست بسر، وإنما قال له بأنها سر امتحانا له، وقد فشل في الامتحان. ومن القرائن على إنها ليست سرا انه لم يحصل لها أي رد فعل سيئ لا عام ولا خاص يعني من قبل عبيد الله بن زياد.
    ومن المطمأن به انه لم يؤدِ ولا واحد من هذه الوصايا بالتأكيد.
    والسؤال الآخر حول ذلك:انه لماذا لم يؤد مسلم بن عقيل دينه قبل ذلك ؟.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: انه لم تحصل له هذه الفرصة، وفي المثل (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب) .
    ثانيا: إن دينه لم يكن قد حصل وقته، أو لم يكن مطالبا به.
    ويكفي الاحتمال لدفع الاستدلال، كما يكفي حمل مسلم بن عقيل على الصحة.
    والسؤال الآخر: إن مسلم بن عقيل لم يسم أسم الدائن لعمر بن سعد، فكيف يستطيع أن يؤدي دينه لو كانت عنده هذه الهمة ؟.
    جوابه من أكثر من وجه:
    أولاً: انه خاف على الدائن من ذكر اسمه في ذلك المجلس، فان وجده فبها ونعمت وإلا فهو معذور.
    ثانيا: إن الدائن يعرف نفسه، فان جاء وطالب وصي مسلم بن عقيل يعطى ماله، وإلا فجزاه الله خيرا.
    والسؤال الآخر: لماذا لم يحفظ تركته لورثته ؟ وهو يعلم بمجيء الحسين ، فيكفي أن تسلم التركة إلى الحسين ليقسمها بين الورثة، ونحن نعلم أن لـه زوجة وبنت وأولاداً قتلوا في الطف بدون عقب.
    جوابه: انه من الواضح فقهياً ومتشرعياً وجوب أداء الدين قبل تقسيم التركة.فكان من حق مسلم بن عقيل بل من واجبه ذلك. نعم لو بقيت من التركة بقية وجب دفعها إلى الورثة. لكن يـبدو إن المسالة كانت اطمئنانية له بأن لا يزيد منها مقدار مـعتدا به. كما له أن يسكت عن الزائد فيأكله عمر بن سعد مقابل جهده في أداء دينه.
    والسؤال الآخر: انه لماذا لم يوصل خبر فشله الدنيوي وسيطرة الظالمين عليه إلى الحسين قبل ذلك، يعني قبل تورطه وإلقاء القبض عليه.
    جوابه: إننا لو لاحظنا وجدان مسلم بن عقيل لوجدناه انه كان يأمل الفوز إلى حين القبض عليه. وما دام يأمل الفوز فلا معنى لان يخبر الحسين بفشله،لأنه لا يعتقد انه فاشل.ولعله كان يحتمل ذلك حتى بعد دخوله في دار طوعة.ونحن لا نعلم ماذا كان يفكر عن اتصاله بأصحابه من هناك لو سنحت الفرصة له أو انه يخرج من الكوفة ويجمع المال والرجال ويدخلها منتصرا.وعلى أي حال فوجود مثل هذا الأمل يمنع إخبار الحسين بخلافه، والاحتمال مبطل للاستدلال.
    والسؤال الآخر: انه هل كان من الممكن لعمر بن سعد أن يوصل الخبر إلى الحسين ، والحسين في ذلك الحين كان في طريق العراق ولم يكن في المدينة؟.
    جوابه: إن هذا كان مجهولا لمن كان في الكوفة حتى لمسلم بن عقيل نفسه، بحيث إن المفروض إن الحسين باق في المدينة إلى تلك الساعة وبعد ذلك. ولا يعلم احد هنا حدود تحركاته ولا رد فعله تجاه رسالة مسلم بن عقيل إليه.
    فإن قلت: فان مسلم بن عقيل قال ـ كما في بعض الروايات ـ: (لا ابكي لنفسي وان كنت لا أريد لها طرفة عين تلفا، وإنما ابكي لأهلي المقبلين ، ابكي حسيناً وآل حسين) . وهذا يدل على علم مسلم بن عقيل بإقبال الحسين نحو الكوفة ونحو العراق.
    قلنا: إن قوله: المقبلين، يعني اقتضاءً لا علية ولا فعلا . يعني من شأنهم الإقبال، لأنهم وصلهم كتاب مسلم بن عقيل يطلبهم ولم يعلم الرد بخلاف ذلك. فمن شأنهم أن يقبلوا بغض النظر عن زمان ومكان ذلك.
    فإن قلت: فان المفروض بالحسينالإسراع بالمجيء. ولو كان قد أسرع لكان الآن في الطريق. وقد طلبوا منه الإسراع فعلا. فقد يحصل الاطمئنان لمسلم بن عقيل في كون الحسين في الطريق وليس في المدينة.
    قلنا: إن كان ذلك كما هو المظنون،فالأمر بإيصال الخبر إليه، يعني انه يبحث عن محل وجوده على كل حال، ويحاول الوصول إليه بكل صورة وإخباره عن الحال. لعله يترك التوجه إلى العراق أو يمكن أن يتوجه إلى أي مكان آخر.
    وعلى أية حال استطاع مسلم بن عقيل في أقصى إمكانه المتوفر تلك الساعة أن يفرغ ذمته من حيث إيصال الخبر إلى الحسين  ولم يكن يستطيع أكثر من ذلك بالتأكيد.
    ولكن من الواضح تأريخياً إن عمر بن سعد لم يعمل ذلك. وإنما وصل الخبر إلى الحسين عن احد طريقين: أما بالمعجزة حين أجاب سلام مسلم بن عقيل قائلا: عليك السلام يا غريب كوفان. وأما بالسبب الطبيعي وهو الفرزدق ورفيقه، حيث قالا له: لم نخرج من الكوفة إلا ورأينا جثة مسلم وهاني تجران بالحبال في أزقة الكوفة. فبكى وترحم على مسلم، ولكنه لم يعزم على تغيير مقصده.
    قالوا: ثم التفت ابن زياد إلى مسلم وقال: إيهاً ابن عقيل، أتيت الناس وهم جمع ففرقتهم.
    أقول: بل الأمر بالعكس، لأنه جاءهم وهم متفرقون فجمعهم. فهو كذب صريح.
    فقال مسلم بن عقيل : كلا لست أتيت لذلك، ولكن أهل المصر زعموا إن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر. واتيناهم لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب.
    أقول: هذا الزعم بلسان حالهم لا فعالهم.
    قال ابن زياد: ما أنت وذاك؟. أولم نكن نعمل فيهم بالعدل.فقال مسلم بن عقيل : إن الله ليعلم انك غير صادق وانك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن.فشتمه ابن زياد وشتم علياً وعقيلاً والحسين .
    فقال مسلم بن عقيل :أنت وأبوك أحق بالشتم فاقض ما أنت قاض، يا عدو الله.
    وحيث إن مسلم بن عقيل لا سبيل له لدفع الشر عن نفسه فخير له أن يسلم لقضاء الله وقدره.



    مقتل مسلم بن عقيل 

    قالوا: فأمر ابن زياد رجلاً شامياً أن يصعد به إلى أعلى القصر . وفي مقاتل الطالبين انه طلب بكير بن حمران الذي ضربه مسلم بن عقيل على رأسه وعاتقه . فجاءه فأمره بذلك ليحقق فيه شفوته. في حين ذكر في المقرم في مقتله إن ذاك الرجل قد مات .
    وعلى أية حال فدعوته تدل على عدة أمور:
    أولا: انه حي إلى ذلك الحين.
    ثانيا: إن ضربته خفيفة بحيث لم تؤثر في نشاطه وقد كانت حدثت في نفس اليوم.
    ثالثا: يبدو من سياق الرواية انه الوحيد الذي ضربه مسلم بن عقيل إذ لو كان قد ضرب غيره لم يكن أي ترجيح بينهما أو بينهم، اللهم إلا أن يقال إن الباقي قتلى أو مجروحين جروحاً بالغة ، وهذا هو الوحيد الذي جروحه خفيفة. ولو كان أكثر من واحد جروحه خفيفة لكان التفضيل بينهم أيضاً صعباً من قبل ابن زياد، إلا أن نقوم بتكذيب الرواية والطعن في سندها. أو يُدّعى زيادة ولائه لبني أمية أو زيادة قوته في قطع الرقبة حيث فصل رأسه عن جسده.
    وحيث يدور الأمر بين الروايتين، فالظاهر إن بقاءه حياً هو الأوكد لوجوده في مقاتل الطالبين بخلاف مقتله بضربة مسلم بن عقيل فانه ينقلها المقرم عن الخوارزمي وهو اضعف.
    اللهم إلا أن نقول: إن اصل بكير بن حمران من الشام. ومهما يكن من أمر فالمسالة واضحة إذ يسلطون على الفرد من أضداده الدينيين أو الدنيويين.
    قالوا: أن يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه ويرمي برأ سه وجسده إلى الأرض.
    وكان غرضه بالأمر برميه عدة أمور:
    أولا: الزيادة في الكناية والانتقام، كأنه في نظرهم لم يكن القتل كافيا، بل لابد من إضافة شيء إليه.
    ثانيا: الزيادة بالفضيحة والبهذلة.
    ثالثا: الزيادة في الشعور بالانتصار والارتياح من التخلص من مسلم بن عقيل كما كان عندما قد ألقاه في الأزبال، وحاشاه.
    رابعا: الزيادة في الإعلان عن قتله وتسليمه إلى أصحابه مقتولا مهانا، في نظرهم.
    خامسا: الزيادة في إخافة الآخرين وإرهابهم، حتى انه ربما اثر في عدم خروج مذحج لإنقاذ هاني والدفاع عنه، لما يعرفون ويرون من قسوة ابن زياد.
    قالوا: فاصعده إلى أعلى القصر وهو يسبح الله ويهلّله ويكبره .
    أقول: ولم يمانع ويحوج نفسه إلى السحب أو إلى الذلة المتزايدة، فانه يعلم انه مقتول لا محالة.
    قالوا: ويقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا وكذبونا. وتوجه نحو المدينة وسلم على الحسين  .
    وفي بعض الروايات إن الحسين سمع سلامه وأجابه بصوت مسموع: وعليك السلام يا غريب كوفان.
    إلا إن المقرم لم يروها، ولو كانت في مصدر معتمد لرواها.
    واشرف به الشامي على موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى الأرض، ونزل مذعورا. فقال له ابن زياد: ما شانك؟ قال: رأيت ساعة قتله رجلاً اسوداً سيء الوجه حذائي عاضّاً على إصبعه ففزعت منه. فقال ابن زياد: لعلك دهشت ؟.
    أقول: وهذا هو أول أشكال العقوبة، أي إن الله تعالى يعاقبه حين تلبسه بالجريمة بهذا المقدار. ثم هو إلى جهنم وساءت مصيرا.
    ويمكن أن يرد هنا السؤال التالي: انه لماذا رأى هذا الأسود؟ وما هي الأطروحات التي يمكن ذكرها عن الحكمة الإلهية في ذلك؟.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: إقامة الحجة على ابن زياد وغيره، وعلى الفاعل أيضاً انه قد عمل عملا سيئا جدا.
    ثانيا: انه تأنيب وعقوبة للفاعل.
    ثالثا: انه يعطى على سوء عمله علامة يتذكرها طول عمره.
    رابعا: انه نحو من التنبيه من الله سبحانه وتعالى على ضرورة التوبة والرجوع إلى مسلك ومذهب ابن عقيل نفسه. باعتبار إن المسلك الذي يؤدي إلى هذه النتيجة مسلك سيئ لابد من التخلص منه وتبديله.
    والموقف يدل على الإشارة إلى السوء أكيداً بسواد وجهه وعضه على إصبعه، فانه دليل عرفا على الندم وإذا فعله الآخر دل على التأنيب، وان هذا مما ينبغي أن يندم عليه.
    وعادة تكون الصورة ثابتة غير متحركة. كما إن أمثال هذه الموجودات لا تتكلم، وإنما تعطي بيانها وتؤدي غرضها بالإشارة، وهو العض على الإصبع.
    وهو أمر ليس بالبعيد، ففي كتب التاريخ إن المعتضد العباسي الذي بدأ الخلافة في بغداد بعد سامراء، وكان قوياً قاسياً في معاملة الناس. وهو الذي أخذ الاعتراف من احد السراق وقتله قتلة متميزة غريبة. وهو الذي أرسل للفحص عن دار الإمام العسكري ، انه كان يرى شبحاً بأزياء مختلفة في كل مرة. وكان يأمر بإغلاق الأبواب وإقامة الحراس عليها، ومع ذلك يرى الشبح، ويتكرر ذلك عنده كثيراً .
    وقد فسرنا ذلك في تاريخ الغيبة الصغرى بأنه نتيجة تأنيب الضمير، ونقول هنا: انه إما دليل من الله على ذنوبه وعيوبه، وإما هو إذلال له من حيث لا يستطيع التخلص ، بعد أن كان قد عظم نفسه في المجتمع تعظيماً كبيراً.
    والإنسان قابل لان يتواضع بعدة أمور:
    منها: برؤية نتائج من قبله.
    ومنها: برؤية عظمة الخلقة.
    ومنها: برؤية الذباب عليه، فانه سيكون تحت أرجل الذباب.
    ومنها: بضعفه أمام الأمراض والبلايا، في حين إن أمثال هؤلاء كالمعتضد وأضرابه لم يكن يتعظ بمثل ذلك ولا يعير له أهمية، فيبتليه الله سبحانه بمثل ذلك للزيادة في التنبيه، وإنما هو رحمة به لإمكان توبته، ولكنه من قساوة القلب بحيث لا يستحق التوبة.
    وأما نوعية هذه الأشباح فلا ينبغي السؤال عنها، هل هو من الجن أو من الملائكة أو من خلق آخر من خلق الله سبحانه، المهم انه خلق مطيع يؤدي غرضه.
    وأما جواب ابن زياد لعلك دهشت،فقد أخذه عمداً على نحو التساهل وعدم الالتفات إلى أهميته.
    ومن الأسئلة التي تعرض هنا: انه لماذا لم يلق القبض أو القتل على خاصة مسلم بن عقيل كمسلم بن عوسجة وأبي ثمامة الصائدي وكثيرين غيرهم. مع إن معقل كان يأتي بإخبارهم جميعاً، ومن أدلة عدم إلقاء القبض عليهم التحاقهم بركب الإمام الحسين ولو كانوا مسجونين لما استطاعوا ذلك.
    جوابه من عدة وجوه:
    أولاً: انه ربما القي القبض على جماعة بدون ذكرهم في التاريخ.
    ثانيا: إن هناك بعض النقول تقول عن عدد منهم انه سجن في بيته، كما وجدته في كتاب(سفير الحسين) ذكره بدون مصدر. وهو ما يسمى بالإقامة الجبرية، ولذا سجن هاني في غرفة القصر.
    ثالثاً: إن الله سبحانه أنجاهم وأعمى أبصار الظالمين عنهم. وخاصة بعد أن عملوا بالتقية جزماً واخفوا وجوههم عن التجول بين الناس.



    مقتل هاني 

    قالوا: ثم اٌخرج هاني إلى مكان من السوق يباع فيه الغنم وهو مكتوف.
    أقول: لأنه بعد مقتل مسلم بن عقيل يكون كل شيء قد انتهى ظاهراً، وصفا الجو لابن زياد والحكم الأموي. كل ما في الأمر انه ينبغي التخلص من العدو الآخر وهو هاني ابن عروة، وتأخر مقتله عن مقتل مسـلم بن عقيل معقول جداً. وان كان يمكن القول بأنه لمجرد الصدفة، لأنهم لم يلتفتوا قبل مقتل مسلم بن عقيل إلى مقتل هاني. وأما حين أريق الدم فلا ينبغي الاقتصار على مسلم بن عقيل بل ينبغي أن تصفوا الساحة لهم من كل الأعداء المتحمسين ضدهم، وأهمهم هاني.
    وظاهر النقل التاريخي انه قد حصل ذلك في نفس اليوم.
    قالوا: فجعل يصيح وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، وامذحجاه وأين مني مذحج، فلما رأى أحداً لا ينصره، جذب يده ونزعها من الكتاف وقال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع به رجل عن نفسه.
    وهذا موقف جليل جريء قلما يقفه المحكومون، فإنهم غالباً يسلمون بالنتيجة ويدفعون أنفسهم مجاناً إلى القتل، مع انه في إمكانه أن يفعل الكثير ما دام الموت أمامه على كل حال، وإنما هي موتة واحدة.
    والظاهر إن المقاصد في ذلك تختلف:
    منها: التسليم لأمر الله تعالى.
    ومنها: الشعور بالضعف والذلة أمام السيطرة الأخرى.
    ومنها: خوف البهذلة مع اليقين بعدم النجاة.
    ومنها: عدم السلاح عنده فلا يؤثر أي شيء يقوم به.
    ومنها: خوف المضاعفات والألم المتزايد، فان الموت المقبل عليه قد يكون أسهل من بعضها.
    وعلى أي حال فنحن نلاحظ بوضوح من التاريخ إن مسلم بن عقيل لم يناقش كما ناقش هاني وصاح. وإنما صعد مسلم بن عقيل مع قاتله باختياره تسليما لأمر الله وقضاءه.
    فإن قلت: فان هاني يستنهض عشيرته، ومثل هذا النداء يعتبره سببا لمجيء الآخرين للدفاع عنه. في حين لم يأت احد لان المسالة ليست عشائرية، وإنما هي بيد السلطان. ولا طاقة لأحد على السلطان في نظرهم. ولكنه من ناحيته كان يحتمل الاستجابة وان كان احتمالا ضعيفا.
    قلنا: نعم، بهذا المقدار أراد أن يستغل الجانب العشائري إلى جنب الحق المهتضم وليس فقط لنجاة نفسه. والدليل على انه لم يكن ينظر إلى الجانب العشائري محضاً ما قاله بعد ذلك مطالبا بالسلاح للدفاع عن نفسه. إذ لو كان الجانب العشائري وحده مطلوبا له لسكت. وإنما كان يدعوهم لنصرة الحق المهتضم.
    قالوا: وقيل له مد عنقك. فقال: ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه بالسيف مولى لعبيد الله بن زياد تركي يقال له رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً. فقال هاني: إلى الله المعاد، اللهم إلى رحمتك ورضوانك. ثم ضربه أخرى فقتله .
    أقول: وليس في الرواية انه قطع رأسه، نعم روي انه أرسل ابن زياد رأسيهما إلى الشام. ولكن لعله قطع بعد الوفاة كما قطعت رؤوس الأصحاب في واقعة الطف.
    قالوا: وهذا العبد قتله عبد الرحمن بن الحصين المرادي مع عبيد الله بالخازر. ولم يذكر مناسبة قتله. فلعل عبد الرحمن هذا كان مع التوابين أو المختار أو بسبب شخصي. وهذه النقطة منقولة عن تاريخ الطبري .
    وكانت هذه الطبقة حاقدة على المجتمع من ناحية، وعلى أهل الحق من ناحية أخرى، وتشعر بمسؤولية العبودية لهؤلاء وتنفذ له كل طلباته مهما كانت.
    قالوا: وأمر ابن زياد بسحب مسلم بن عقيل وهاني بالحبال من أرجلهما في الأسواق، وصلبهما بالكناسة منكوسين .
    والكناسة المنطقة التي تجتمع بها الأزبال في المدينة. وفي ذلك زيادة في احتقارهما. كأنه ألقى جثتهما في الأزبال. وكذلك النكس في الصلب زيادة في الاحتقار. وقد صلب جماعة من أهل البيت كذلك كزيد بن علي، ويحيى وغيرهم. ونص التاريخ على بعضهم إنهم مصلوبون عراة زيادة في النكاية ، ولكن لم ينص ذلك في مسلم بن عقيل وهاني.
    قالوا: وأنفذ الراسين إلى يزيد فنصبهما في درب من دمشق ، وكتب معهما إلى يزيد كتابا. وأجابه يزيد على كتابه يمدحه فيه ويشكره، وفيه يقول: وانه قد بلغني إن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق، فضع الناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة . وهذا الحسـين قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلادك من بين البلـدان، وابتليت به من بين العمال. وعندها تعتق أو تعود عبدا كما تُعبّد العبيد ، فأما أن تحاربه أو تحمله إليّ .
    وليس في النقل التاريخي انه ارجع راس مسلم وهاني إلى مدافن الجسدين. ومن البعيد أن تحصل فرصة لذلك. بخلاف راس الحسين فانه توجد هناك روايات وأقوال معتد بها على رجوعه إلى مدفنه في كربلاء . والظاهر إن الإمام زين العابدين هو الذي أخذه من يزيد وأرجعه معه إلى كربلاء وألحقه بالجسد عند مرورهم بكربلاء.
    تبقى أطروحة واحدة وهي إن السجاد أخذ الراسين معه ضمن الرؤوس، إلا انه لم ينقل انه جاء إلى الكوفة إلى دفنهما.
    وبطبيعة الحال نحن لا نجل ابن زياد الذي فعل هذه الأفاعيل أن يدفن الرجلين بدون تغسيل ولا تكفين. لأنه لا يهتم بأحكام الدين، ولو اهتم أحيانا فإنما يهتم لمصلحة نفسه وأصحابه لا لمصلحة أعدائه.
    فإن قلت: فإنهما من الشهداء، والشهيد لا يغسل ولا يكفن، بل يصلى عليه ويدفن بثيابه.
    قلنا: هذه القاعدة لا تنطبق على مسلم وهاني. فان من شروطها قيام حرب فعلية بين جيشين وان يموت المقتول خلال القتال. وكلا الأمرين لم يكن له وجود يومئذ. نعم، هم شهداء أكيداً بل من أعظم الشهداء، ولكن ليس بهذا المعنى.
    تبقى الإشارة إلى مطلب واحد وهو إن المختار الثقفي حين حركته طالب بدم الحسين ولم يطالب بدم مسلم بن عقيل مع انه أيضاً في الكوفة ولم يكن قد مضى على مسلم بن عقيل زمان طويل. وكان كل من في الكوفة يتذكر مسلما .
    وهذا له عدة مبررات، منها:
    أولا: إن قضية مسلم بن عقيل من ضمن قضية الحسين  فإذا طالب المختار بقضية الحسين فقد طالب بقضية مسلم بن عقيل ، لأنها واحدة لا تنفصل.
    وكما لم يذكر اسم مسلم بن عقيل لم يذكر اسم حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وأضرابهم. لان قضيتهم واحدة مع الحسين  فذكر الحسين يكفي عن الجميع.
    ثانيا: إن ذكر الحسين هو الذي يجمع الناس والهمة، ويكون له الصولة والجولة دون غيره كما هو واضح. والمهم أن يذكر مفردا دون شريك لكي يؤثر هذا الأثر.
    ثالثا: إن ذكر الحسين ينسي ذكر الآخرين مهما كانوا، وإنما قتل المختار رجال بني أمية لأنهم أعداء الحسين وليس لأنهم قتلوا الآخرين.
    كما يقول الشاعر:
    أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الآتية
    ومصائب الأيام تبقى برهة وتزول، وهـي إلى القيامة باقيـة
    رابعا: وهو جواب نقضي، فنقول: من قال إن المختار ذكر الحسين وحده؟ وان كانت العبارة مشهورياً: يا لثارات الحسين. ولكن هذا لم يثبت بطريق معتبر، بل لعلها: يا لثارات الحسين وأصحابه وأهل بيته.
    وعلى العموم فحركة المختار كانت تريد أن تستوعب كل من يمت إلى الحسين بصلة. وخاصة جميع من قتل في واقعة الطف، بل تشمل مسلماً وهانياً أيضاً.
    ولا ينبغي أن ننسى إن مسلم بن عقيل له مع المختار تاريخ لأنه نزل في داره في أول حركته. ومن المستحيل أن ينسى المختار كل هذا التاريخ.
    وبهذا ينتهي الكلام عن مسلم بن عقيل رسول الحسين .
    وطبعا هذا الذي قلناه لا يخلو من نقص لأننا حذفنا ما كنا ذكرناه في كتابنا أضواء على ثورة الحسين ، وبضم بعضها إلى بعض يكمل المطلب.

    والحمد لله رب العالمين

    5 شوال 1418




    المحتويات

    مقدمة الكتاب. 5
    مقدمة الدرس. 9
    نصرة الحسين (ع). 11
    علاقة الحسين (ع) بمن قبله ومن معه ومن بعده. 17
    علاقة الحسين بمن قبله. 25
    علاقة الحسين (ع) بمن قبل الإسلام. 25
    علاقة الحسين (ع) بنبي الإسلام. 27
    علاقته بالزهراء (ع). 34
    آية القربى. 35
    آية التطهير. 37
    معنى التطهير والرجس. 48
    مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس. 27
    معنى الرجس. 28
    الاستدلال على العصمة بآية التطهير. 60
    علاقة الحسين (ع) مع أخيه الحسن(ع). 68
    هل ان صلح الحسن(ع) مقدمة لثورة الحسين (ع) 71
    علاقة الحسين (ع) بمن معه. 79
    علاقة الحسين (ع) بمن بعده. 85
    إخلاص المختار. 88
    حول ثورات العلويين. 94
    علاقة الحسين بالسجاد وزينب عليهما السلام 100
    العقيلة زينب بنت علي عليهما السلام. 107
    المصادر التي ذكرت زينب عليها السلام. 115
    الوجه في خلو بعض الروايات عن ذكر زينب (ع). 117
    حول سكينة بنت الحسين (ع). 123
    السبب المحتمل في تغيّب زينب عن بعض الحوادث. 139
    . علاقة الحسين (ع) بعلماء عصر الغيبة. 142
    في احتمال ارتفاع حكم التقية 146
    علاقة الإمام المهدي (ع) بعد ظهوره بالحسين (ع). 150
    حوادث الظهور. 165
    علاقة الحسين (ع) بالرضا (ع). 167
    دعبل الخزاعي. 167
    المتنبي. 177
    الشريف الرضي 179
    محمد مهدي الجواهري. 180
    شوقي 182
    جمال الدين. 183
    من نصروا الإسلام من خارجه. 185
    عبد الرزاق عبد الواحد وقصيدته في الحسين (ع). 186
    من نصروا المذهب من خارجه. 191
    طلب البيعة ليزيد. 195
    نصيحة عبد الله بن الزبير. 201
    كتب أهل الكوفة. 204
    هدف يزيد في قتل الحسين (ع). 213
    تقديم النصيحة للحسين (ع). 217
    كتاب الحسين (ع) إلى البصرة. 223
    مهمة مسلم بن عقيل (ع). 225
    دخول مسلم بن عقيل (ع) الكوفة. 231
    البيعة. 234
    شكل البيعة. 235
    اختيار يزيد لعبيد الله بن زياد. 239
    حول كتاب يزيد لابن زياد. 243
    دخول ابن زياد الكوفة. 245
    اعتقال هاني. 249
    هاني بن عروة في نظر ابن الأثير. 251
    تفرق أصحاب مسلم بن عقيل (ع). 255
    استجارة مسلم بن عقيل (ع) في دار طوعة. 261
    وصية مسلم بن عقيل (ع). 269
    مقتل مسلم بن عقيل (ع). 275
    مقتل هاني (ع). 279
    المحتويات 285





    جميع الحقوق محفوظة للممهدون. نت

    Copyright © mumehhidon.net
    All rights reserved 2005

  2. #2
    علي الزبيدي Guest

    افتراضي مشاركة: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام


    السلام عليكم شكرا أخي حيدر لنشر فكر الشهيد بطل العراق محمد صادق الصدر قدس سره وكثر الله أنصاره




    التعديل الأخير تم بواسطة علي الزبيدي ; 08-15-2005 الساعة 05:18 PM

  3. #3
    حسن Guest

    افتراضي مشاركة: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    رحمة الله على السيد الشهيد الصدر وجميع شهداء ال البيت (ع)

    مشكور اخي حيدر


  4. #4
    حيدرالسماوي Guest

    افتراضي مشاركة: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    اشكركم جزيل الشكر على مروركم الكريم وعلى ردكم

  5. #5
    blomma_sw Guest

    افتراضي مشاركة: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    السلام عليكم
    عاشت ايدك اخوية على نقل هذا الموضوع الرائع
    تحياتي لك بلتوفيق
    اختك
    ريم الحسني

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    85
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي رد: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    شكرا لك يا سماوي على هذا الكتاب المهم للشهيد الصدر الثاني (قد)

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    العمر
    31
    المشاركات
    63
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي رد: شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام

    كان جميلٌ جداً

    وسيكون أجمل لو قمت بتنسيق الخط وتلوينه


    !!!

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •