الرشوة

الرشوة
تاريخها –أسبابها –آثارها- علاجها
الدكتور
هاتف بريهي الثويني
محافظة القادسية

لاريب أن الرشوة قديمة قدم الإنسان , فهي موجودة مادام هناك قوي وضعيف وغني وفقير وسيد وعبد ... من ذلك أصبحت واضحة عند الجميع , يعرفها المتعلم وغير المتعلم والبدوي والحضري والحاكم والمحكوم ,فضلا" عن الراشي والمرتشي ,, فهي مايعطيه الشخص للحاكم أو لغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد أو هي ما يعطى لإبطال حق او لإحقاق باطل . وهي ممارسة قبيحة وفعل مشين مستهجن , لان خطرها كبير على الأفراد والمجتمعات والدول , فهي تنطوي على أخطار كبيرة تهدد كيان المجتمع , فإذا ما انتشرت في مجتمع ما فإنها تقوض دعاماته وتؤذن بفساده ودماره وانهياره.
ألقابها:: للرشوة ألقاب عديدة وأسماء متنوعة وألفاظ جميلة وعبارات جذابو مثل : هدية أو إكرامية او مكافئة او بدل أتعاب او مجازاة على فعل خير ... ولكنها تبقى (( رشوة )) قبيحة من حيث مضمونها مهما تعددت أسماؤها وتلونت مظاهرها . ووردت بلفظ الهدية في قوله تعالى ( وإني مرسلةُ إليهم بهدية فناضرة بم يرجع المرسلون . فلما جاء سليمان قال اتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل انتم بهديتكم تفرحون )) .
صفات المرتشي : المرتشي شخص متلوث منافق ذليل فصفته قبل اخذ الرشوة هي الغلظة والتململ من العمل وعدم الاستجابة وصفته بعد اخذ الرشوة الانبساط والشفافية والسهولة والترحيب من ذلك فالمرتشي بائع لكرامته والضمير والوطن والشعب , ليس في قلبه ذرة من رحمة او دين .
موقف الشريعة من الرشوة : حرمت الرسالات السماوية والشرائع كافة الرشوة بكل أشكالها وانواعها ومظاهرها فقد حرمها الإسلام وعدها بعضهم من كبائر الذنوب فهي محرمة في كتاب الله وسنة رسوله ص وإجماع علماء المسلمين لأنها أكل للمال بالباطل وشيوعها في المجتمع شيوع الفساد والظلم ففي قوله تعالى (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وانتم تعلمون )) أي لاتدلوا بأموالكم إلى الحكام ولا ترشوهم ليقطعوا لكم حقا هو لغيكم وانتم تعلمون انه لايحل لكم .
وقال تعالى (( يا أيها الذين امنوا كلوا من طيبات ما رزقناك وشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون ))
أما في السنة النبوية المطهرة : قال الرسول ص : لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم.
وفي رواية والرائش وهو الساعي بينهما . وقال الرسول محمد ص للتحذير من أكل المال الحرام (( ما أكل احد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده , وان نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده )) وقيل استعمل الرسول ص رجلا على الصدقة فلما قدم بالأموال قال : هذا لكم وهذا اهدي لي , فقال الرسول ص فهلا جلس في بيت أبيه او بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ وحذر الإمام علي عليه السلام الحكام من العواقب الوخيمة التي تسببها الرشوة بقوله (( إنما اهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه , وأخذوه بالباطل فاقتدوه )) وفي ذلك تحذير شديد من مع الناس الحق والإعراض عنه من - قبل الحكام – فان في نعه هلاك الحكام والأمم والشعوب , فحينما يحجب عن الناس حقهم فإنهم يضطرون لشرائه بالرشوة والدجل والخيانة والنفاق ... فتنقلب الدولة على أولئك المانعين فيعم الخراب والفوضى فيهلك الجميع ويصبح الباطل – بعد أن كلفوهم بإتيانه- قدوة يتبعها الأبناء بعد الآباء.


أسبابها:
للرشوة أسباب كثيرة ودوافع متعددة وفي مقدمتها ضعف الوازع الديني والأخلاقي وعدم الثقة في رزق الله تعالى وعدم التوكل عليه – جل وعلا- وانخفاض مستوى المعيشة عند بعض الناس او الجشع وحب الثراء الفاحش السريع . ومن أسبابها ضعف السلطة السياسية وخاصة في الأنظمة التي لاتتمتع بقدر من الديمقراطية والشفافية والمسائلة ولا تسمح بحرية الرأي والتعبير والمواجهة الصريحة بتبيان الأخطاء والتجاوزات , وعند ذلك يبرز أشخاص فوق القانون لا تطالهم يد العدالة ولا يتجرا حد على محاسبتهم . ومن اسباب الرشوة: الضعف الإداري , أي عندما يكون الشخص غير مؤهل ولا يمتلك الخبرة في الحقل الذي يعمل فيه او الذي اصبح رئيسا له . وعندما تضعف الادارة يسوء كل ما حولها , أي عدم اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب . ومنها ضعف الوعي الاجتماعي والانسياق وراء الانتماءات العشائرية والحزبية وعلاقات القربى , مما يتسبب عنها انحرافات ادارية داخل الموسسة الحكومية فيغض النظر عن كثير من التجاوزات فينشط المرتشون للاسباب المذكورة انفاً . ومن اسبابها ايضاً : حالة المخاض والصراع والتناقض التي تمر بها الدول والامم والشعوب على اثر الانعطافات التاريخية الكبرى والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية – الحادة- ..... التي تترتب عليها أحداث وآثار سلبية من التدهور في التركيبة الاجتماعية جراء هذا الصراع عندها ينشط سوق المرتشين والمرتزقة والمنافقين في كل مفاصل الدولة بسبب انشغالها لبسط سلطتها وتوجيه كل ثقلها نحو توطين الامن.
آثارها :
لجريمة الرشوة آثار خطيرة ومفاسد عظيمة ونتائج مدمرة ... ومنها:-
1- انعدام المقاييس بإيكال الأمر لغير المؤهل : فقد يصل –عن طريق الرشوة – غير المؤهل وغير المستحق لاشغال بعض الوظائف والمراكز المهمة في الدولة مما يترتب على ذلك كثير من المفاسد اذ انه ليس مؤهل , ومن المعلوم ان وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب أساس الإصلاح والاستقامة في كل عمل لأنه قادر وامين على ما اوكل اليه بكفاءة وامانة وصدق واخلاص . ومصداق ذلك قوله تعالى بحق النبي يوسف ( ع ) : (( وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع اجر المحسنين )) فهو مكين أي ذو مكانة رفيعة ونفوذ أمر وأمين وحفيظ على خزائن الارض واموال الناس ومؤونتهم ... وفي العفة والامانة والقوة والعلم جاء قوله تعالى بحق النبي موسى عليه السلام (( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين )) اذ وجدت ابنتا النبي شعيب ( ع ) فيه العفة والقوة والامانة عندما سقى لهما , وفي ذلك قوله تعالى : (( ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى الى الظل فقال رب اني لما أنزلت إلي من الخير فقير )) فالامانة والصدق والعلم وحسن الخلق من الاسس الرصينة للقيادة ... وهي من صفات خاتم الانبياء والمرسلين محمد ص قال تعالى (( وانك لعلى خلق عظيم )) وقال تعالى (( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة )) .
2- انعدام الثقة بين افراد المجتمع : ان تفشي ظاهرة الرشوة في أي مجتمع تؤدي الى انهيار الاخلاق وذهاب المودة والرحمة وعدم الثقة بين أفراده وتدعو الى الحق والبغضاء وتفكك العلاقات الاجتماعة.
3- تضر بالخدمات الاساسية : ومن اثار ارشوة المباشرة الاضرار بالخدمات الاساسية المقدمة لافراد المجتمع فاذا دخلت - أي الرشوة – في استيراد الغذاء او الدواء او حتى مواد البناء ... فان الراشي يعمد الى استيراد أردأ المواد بأقل ثمن لبيعها باعلى الاسعار للمواطن المستهلك للحصول على اعلى الاراح على حساب المواطنين. او القيام بمشاريع لا يستفيد منها جميع افراد الشعب .او هي ليست من الأولويات فضلا عن رداءة العمل ورداءة المواد المستخدمة.
المعالجات :-
هناك عدة معالجات للقضاء على جريمة الرشوة تنضوي تحت طريقتين:-
• الاولى :- الوقائية :- يمكن الوقاية من الرشوة ب :-
1- ترسيخ عقيدة التوحيد و الاتكال على الله في كسب الرزق الحلال وانه وحده جل وعلى هو الرزاق الكريم.
قال تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون)وقال تعالى (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) وقال تعالى (وما من دابة في الارض الا على الله رزقها).
2- النصح و الارشاد و التحذير من خطورة الرشوة ومفاسدها عن طريق الندوات و المحاضرات في كل دائرة وفي وسائل الاعلام كافة واشاعة ثقافة النزاهة و العفة و الاخلاص في العمل وفضح ثقافة الرشوة و الابتزاز .
3- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .
4- التحييد :- بنقل الموظف الذي يشك فيه بأخذ الرشوة الى دائرة اخرى او في الدائرة نفسها في موقع يتعذر علية اخذ الرشوة.
• الثانية :- العقوبة وهي :-
1. انتزاع المال من المرتشي مع وضع عقوبة مالية مناسبة
2. الحبس مع استرجاع الاموال.
3. انهاء خدماتة إذا ما تكررت منه جريمة الرشوة .
ويندرج في اطار محاربة الرشوة و التضييق على المرتشي :-
1. تطبيق مبدأ من اين لك هذا ؟
2. الرقابة الشديدة على المرتشي حتى يتم ضبطه متلبسا بجريمة الرشوة.
3. تقديم الذمم المالية سنويا لجميع موظفي الدولة دون استثناء .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيببن الطاهرين...